Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 141–150 of 286

141

تِلْكَ أُمَّةٌۭ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

That is a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾

صفحة ٨١

اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسْألَتَيْنِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ﴿أمْ تَقُولُونَ﴾ بِالتّاءِ عَلى المُخاطَبَةِ كَأنَّهُ قالَ: أتُحاجُّونَنا أمْ تَقُولُونَ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى أنَّهُ إخْبارٌ عَنِ اليَهُودِ والنَّصارى فَعَلى الأوَّلِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”أمْ“ مُتَّصِلَةً وتَقْدِيرُهُ: بِأيِّ الحُجَّتَيْنِ تَتَعَلَّقُونَ في أمْرِنا، أبِالتَّوْحِيدِ فَنَحْنُ مُوَحِّدُونَ، أمْ بِاتِّباعِ دِينِ الأنْبِياءِ فَنَحْنُ مُتَّبِعُونَ ؟ وأنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً بِمَعْنى: بَلْ أتَقُولُونَ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ أيْضًا، وعَلى الثّانِي تَكُونُ مُنْقَطِعَةً لِانْقِطاعِ مَعْناهُ بِمَعْنى الِانْقِطاعِ إلى حِجاجٍ آخَرَ غَيْرِ الأوَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أتَقُولُونَ إنَّ الأنْبِياءَ كانُوا قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ هُودًا أوْ نَصارى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما أنْكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ القَوْلَ عَلَيْهِمْ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: لِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ بِسائِرِ المُعْجِزاتِ، وقَدْ أخْبَرَ عَنْ كَذِبِهِمْ في ذَلِكَ فَثَبَتَ لا مَحالَةَ كَذِبُهم فِيهِ.

وثانِيها: شَهادَةُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ كانُوا عَلى التَّوْحِيدِ والحَنِيفِيَّةِ.

وثالِثُها: أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ أُنْزِلا بَعْدَهم.

ورابِعُها: أنَّهُمُ ادَّعَوْا ذَلِكَ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ فَوَبَّخَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى الكَلامِ في مَعْرِضِ الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والغَرَضُ مِنهُ الزَّجْرُ والتَّوْبِيخُ وأنْ يُقَرِّرَ اللَّهُ في نُفُوسِهِمْ أنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيما يَقُولُونَ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ فَمَعْناهُ أنَّ اللَّهَ أعْلَمُ وخَبَرَهُ أصْدَقُ وقَدْ أخْبَرَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وفي القُرْآنِ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ مُبَرَّئِينَ عَنِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّما يُقالُ هَذا فِيمَن لا يَعْلَمُ وهم عَلِمُوهُ وكَتَمُوهُ فَكَيْفَ يَصِحُّ الكَلامُ ؟ قُلْنا: مَن قالَ: إنَّهم كانُوا عَلى ظَنٍّ وتَوَهُّمٍ فالكَلامُ ظاهِرٌ ومَن قالَ: عَلِمُوا وجَحَدُوا فَمَعْناهُ أنَّ مَنزِلَتَكم مَنزِلَةُ المُعْتَرِضِينَ عَلى ما يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَ بِهِ فَلا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ مَعَ إقْرارِهِ بِأنَّ اللَّهَ أعْلَمُ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.

أحَدُها: أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا والتَّقْدِيرُ: ومَن أظْلَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً حَصَلَتْ عِنْدَهُ كَقَوْلِكَ: ومَن أظْلَمُ مِن زَيْدٍ مِن جُمْلَةِ الكاتِمِينَ لِلشَّهادَةِ والمَعْنى: لَوْ كانَ إبْراهِيمُ وبَنُوهُ هُودًا أوْ نَصارى، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ كَتَمَ هَذِهِ الشَّهادَةَ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِمَّنْ يَكْتُمُ شَهادَةً أظْلَمَ مِنهُ لَكِنْ لَمّا اسْتَحالَ ذَلِكَ مَعَ عَدْلِهِ وتَنَزُّهِهِ عَنِ الكَذِبِ، عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ.

وثانِيها: ومَن أظْلَمُ مِنكم مَعاشِرَ اليَهُودِ والنَّصارى إنْ كَتَمْتُمْ هَذِهِ الشَّهادَةَ مِنَ اللَّهِ فَمِن في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ تَتَعَلَّقُ بِالكاتِمِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ وبِالمَكْتُومِ مِنهُ عَلى …

Al-Baqara 2:141Listen in Qur'an →
142

۞ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا۟ عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

The foolish among the people will say, "What has turned them away from their qiblah, which they used to face?" Say, "To Allah belongs the east and the west. He guides whom He wills to a straight path."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حاجَّ اليَهُودَ في هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ عَقَّبَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: لِيَكُونَ وعْظًا لَهم وزَجْرًا حَتّى لا يَتَكَلَّمُوا عَلى فَضْلِ الآباءِ فَكُلُّ واحِدٍ يُؤْخَذُ بِعَمَلِهِ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ مَتى لا يَسْتَنْكِرُ أنْ يَكُونَ فَرْضُكم عَيْنَ فَرْضِهِمْ لِاخْتِلافِ المَصالِحِ لَمْ يَسْتَنْكِرْ أنْ تَخْتَلِفَ المَصالِحُ فَيَنْقُلُكم مُحَمَّدٌ ﷺ مِن مِلَّةٍ إلى مِلَّةٍ أُخْرى.

وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حُسْنَ طَرِيقَةِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ ذَكَرَهم في هَذِهِ الآياتِ بَيَّنَ أنَّ الدَّلِيلَ لا يَتِمُّ بِذَلِكَ بَلْ كُلُّ إنْسانٍ مَسْئُولٌ عَنْ عَمَلِهِ، ولا عُذْرَ لَهُ في تَرْكِ الحَقِّ بِأنْ تَوَهَّمَ أنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِطَرِيقَةِ مَن تَقَدَّمَ، لِأنَّهم أصابُوا أمْ أخْطَئُوا لا يَنْفَعُ هَؤُلاءِ ولا يَضُرُّهم لِئَلّا يَتَوَهَّمَ أنَّ طَرِيقَةَ الدِّينِ التَّقْلِيدُ، فَإنْ قِيلَ لِمَ كُرِّرَتِ الآيَةُ ؟ قُلْنا فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ عَنى بِالآيَةِ الأُولى إبْراهِيمَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، والثّانِيَةِ أسْلافَ اليَهُودِ.

قالَ الجُبّائِيُّ قالَ القاضِي: هَذا بَعِيدٌ لِأنَّ أسْلافَ اليَهُودِ والنَّصارى لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ مُصَرَّحٌ ومَوْضِعُ الشُّبْهَةِ في هَذا القَوْلِ أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا في إبْراهِيمَ وبَنِيهِ إنَّهم كانُوا هُودًا فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّهم كانُوا عَلى مِثْلِ طَرِيقَةِ أسْلافِنا مِنَ اليَهُودِ فَصارَ سَلَفُهم في حُكْمِ المَذْكُورِينَ فَجازَ أنْ يَقُولَ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ ويُعَيِّنُهم ولَكِنَّ ذَلِكَ كالتَّعَسُّفِ بَلِ المَذْكُورُ السّابِقُ هو إبْراهِيمُ وبَنُوهُ فَقَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلَيْهِمْ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مَتى اخْتَلَفَتِ الأوْقاتُ والأحْوالُ والمَواطِنُ لَمْ يَكُنِ التَّكْرارُ عَبَثًا فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ما هَذا إلّا بَشَرٌ فَوَصْفُ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ لا يُسَوِّغُ التَّقْلِيدَ في هَذا الجِنْسِ فَعَلَيْكم بِتَرْكِ الكَلامِ في تِلْكَ الأُمَّةِ فَلَها ما كَسَبَتْ وانْظُرُوا فِيما دَعاكم إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَإنَّ ذَلِكَ أنْفَعُ لَكم وأعْوَدُ عَلَيْكم ولا تُسْألُونَ إلّا عَنْ عَمَلِكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ مِنَ الشُّبَهِ الَّتِي ذَكَرَها اليَهُودُ والنَّصارى طَعْنًا في الإسْلامِ فَقالُوا: النَّسْخُ يَقْتَضِي إمّا الجَهْلَ أوِ التَّجْهِيلَ، وكِلاهُما لا يَلِيقُ بِالحَكِيمِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ إمّا أنْ يَكُونَ خالِيًا عَنِ القَيْدِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِلا دَوامٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِقَيْدِ الدَّوامِ، فَإنْ كانَ خالِيًا عَنِ القَيْدِ لَمْ يَقْتَضِ الفِعْلَ إلّا مَرَّةً واحِدَةً، فَلا يَكُونُ وُرُودُ الأمْرِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى خِلافِهِ ناسِخًا وإنْ كانَ مُقَيَّدًا بِقَيْدِ اللّادَوامَ فَهَهُنا ظاهِرٌ أنَّ الوارِدَ بَعْدَهُ عَلى خِلافِهِ لا يَكُونُ ناسِخًا لَهُ، وإنْ كانَ مُقَيَّدًا بِقَيْدِ الدَّوامِ فَإنْ كانَ الأمْرُ يُعْتَقَدُ فِيهِ أنَّهُ يَبْقى دائِمًا مَعَ أنَّهُ ذَكَرَ لَفْظًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَبْقى دائِمًا ثُمَّ إنَّهُ رَفَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَهُنا كانَ …

Al-Baqara 2:142Listen in Qur'an →
143

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةًۭ وَسَطًۭا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًۭا ۗ وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ

And thus we have made you a just community that you will be witnesses over the people and the Messenger will be a witness over you. And We did not make the qiblah which you used to face except that We might make evident who would follow the Messenger from who would turn back on his heels. And indeed, it is difficult except for those whom Allah has guided. And never would Allah have caused you to lose your faith. Indeed Allah is, to the people, Kind and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾

اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: الكافُ في ”كَذَلِكَ“ كافُ التَّشْبِيهِ، والمُشَبَّهُ بِهِ أيُّ شَيْءٍ هو ؟ وفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ راجِعٌ إلى مَعْنى يَهْدِي، أيْ كَما أنْعَمْنا عَلَيْكم بِالهِدايَةِ، كَذَلِكَ أنْعَمْنا عَلَيْكم بِأنْ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا.

وثانِيها: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ تَقْرِيرُهُ كَما هَدَيْناكم إلى قِبْلَةٍ هي أوْسَطُ القِبَلِ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا.

وثالِثُها: أنَّهُ عائِدٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٠] أيْ فَكَما اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا فَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا.

ورابِعُها: يَحْتَمِلُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ فَهَذِهِ الجِهاتُ بَعْدَ اسْتِوائِها في كَوْنِها مُلْكًا لِلَّهِ ومِلْكًا لَهُ، خَصَّ بَعْضَها بِمَزِيدِ التَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ بِأنْ جَعَلَهُ قِبْلَةً فَضْلًا مِنهُ وإحْسانًا فَكَذَلِكَ العِبادُ كُلُّهم مُشْتَرِكُونَ في العُبُودِيَّةِ إلّا أنَّهُ خَصَّ هَذِهِ الأُمَّةَ بِمَزِيدِ الفَضْلِ والعِبادَةِ مِنهُ وإحْسانًا لا وُجُوبًا.

وخامِسُها: أنَّهُ قَدْ يُذْكَرُ ضَمِيرُ الشَّيْءِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المُضْمَرُ مَذْكُورًا إذا كانَ المُضْمَرُ مَشْهُورًا مَعْرُوفًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القَدْرِ: ١] ثُمَّ مِنَ المَشْهُورِ المَعْرُوفِ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو القادِرُ عَلى إعْزازِ مَن شاءَ وإذْلالِ مَن شاءَ فَقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الجَعْلِ العَجِيبِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ سِواهُ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ إذا كانَ الوَسَطُ اسْمًا حَرَّكْتَ الوَسَطَ كَقَوْلِهِ: ﴿أُمَّةً وسَطًا﴾ والظَّرْفُ مُخَفَّفٌ تَقُولُ: جَلَسْتُ وسْطَ القَوْمِ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ الوَسَطِ وذَكَرُوا أُمُورًا.

أحَدُها: أنَّ الوَسَطَ هو العَدْلُ

صفحة ٨٩

والدَّلِيلُ عَلَيْهِ الآيَةُ والخَبَرُ والشِّعْرُ والنَّقْلُ والمَعْنى، أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ [القَلَمِ: ٢٨] أيْ أعْدَلُهم، وأمّا الخَبَرُ فَما رَوى القَفّالُ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«أُمَّةً وسَطًا، قالَ: عَدْلًا» “ وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«خَيْرُ الأُمُورِ أوْسَطُها» “ أيْ أعْدَلُها، وقِيلَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ أوْسَطَ قُرَيْشٍ نَسَبًا. وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«عَلَيْكم بِالنَّمَطِ الأوْسَطِ» “ وأمّا الشِّعْرُ فَقَوْلُ زُهَيْرٍ:

هم وسَطٌ يَرْضى الأنامُ بِحُكْمِهِمْ إذا نَزَلَتْ إحْدى اللَّيالِي العَظائِمُ

وأمّا النَّقْلُ فَقالَ الجَوْهَرِيُّ في ”الصِّحاحِ“: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ أيْ عَدْلًا وهو الَّذِي قالَهُ الأخْفَشُ والخَلِيلُ وقُطْرُبٌ، وأمّا المَعْنى فَمِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ الوَسَطَ حَقِيقَةٌ في البُعْدِ عَنِ الطَّرَفَيْنِ ولا شَكَّ أنَّ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ رَدِيئانِ فالمُتَوَسِّطُ في الأخْلاقِ يَكُونُ بَعِيدًا عَنِ الطَّرَفَيْنِ فَكانَ مُعْتَدِلًا فاضِلًا.

وثانِيها: إنَّما سُمِّيَ العَدْلُ وسَطًا لِأنَّهُ لا يَمِيلُ إلى أحَدِ الخَصْمَيْنِ، والعَدْلُ هو المُعْتَدِلُ الَّذِي لا يَمِيلُ إلى أحَدِ الطَّرَفَيْنِ.

وثالِثُها: لا شَكَّ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً …

Al-Baqara 2:143Listen in Qur'an →
144

قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةًۭ تَرْضَىٰهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ

We have certainly seen the turning of your face, [O Muhammad], toward the heaven, and We will surely turn you to a qiblah with which you will be pleased. So turn your face toward al-Masjid al-Haram. And wherever you [believers] are, turn your faces toward it [in prayer]. Indeed, those who have been given the Scripture well know that it is the truth from their Lord. And Allah is not unaware of what they do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾

صفحة ١٠٠

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، أنَّ ذَلِكَ كانَ لِانْتِظارِ تَحْوِيلِهِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ التَّوَجُّهَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ويُحِبُّ التَّوَجُّهَ إلى الكَعْبَةِ، إلّا أنَّهُ ما كانَ يَتَكَلَّمُ بِذَلِكَ، فَكانَ يُقَلِّبُ وجْهَهُ في السَّماءِ لِهَذا المَعْنى، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «”يا جِبْرِيلُ، ودِدْتُ أنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَفَنِي عَنْ قِبْلَةِ اليَهُودِ إلى غَيْرِها فَقَدْ كَرِهْتُها“ فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: ”أنا عَبْدٌ مِثْلُكَ فاسْألْ رَبَّكَ ذَلِكَ“ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُدِيمُ النَّظَرَ إلى السَّماءِ رَجاءَ مَجِيءِجِبْرِيلَ بِما سَألَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»، وهَؤُلاءِ ذَكَرُوا في سَبَبِ هَذِهِ المِحْنَةِ أُمُورًا.

الأوَّلُ: أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ يُخالِفُنا ثُمَّ إنَّهُ يَتَّبِعُ قِبْلَتَنا، ولَوْلا نَحْنُ لَمْ يَدْرِ أيْنَ يَسْتَقْبِلُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ كَرِهَ أنْ يَتَوَجَّهَ إلى قِبْلَتِهِمْ.

الثّانِي: أنَّ الكَعْبَةَ كانَتْ قِبْلَةَ إبْراهِيمَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَقْدِرُ أنْ يُصَيِّرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاسْتِمالَةِ العَرَبِ ولِدُخُولِهِمْ في الإسْلامِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أحَبَّ أنْ يَحْصُلَ هَذا الشَّرَفُ لِلْمَسْجِدِ الَّذِي في بَلْدَتِهِ ومَنشَئِهِ لا في مَسْجِدٍ آخَرَ، واعْتَرَضَ القاضِي عَلى هَذا الوَجْهِ وقالَ: أنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَكْرَهَ قِبْلَةً أُمِرَ أنْ يُصَلِّيَ إلَيْها، وأنْ يُحِبَّ أنْ يُحَوِّلَهُ رَبُّهُ عَنْها إلى قِبْلَةٍ يَهْواها بِطَبْعِهِ، ويَمِيلُ إلَيْها بِحَسَبِ شَهْوَتِهِ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلِمَ وعَلَّمَ أنَّ الصَّلاحَ في خِلافِ الطَّبْعِ والمَيْلِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ قَلِيلُ التَّحْصِيلِ؛ لِأنَّ المُسْتَنْكَرَ مِنَ الرَّسُولِ أنْ يُعْرِضَ عَمّا أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ويَشْتَغِلَ بِما يَدْعُوهُ طَبْعُهُ إلَيْهِ، فَأمّا أنْ يَمِيلَ قَلْبُهُ إلى شَيْءٍ فَيَتَمَنّى في قَلْبِهِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهُ فِيهِ، فَذَلِكَ مِمّا لا إنْكارَ عَلَيْهِ، لا سِيَّما إذا لَمْ يَنْطِقْ بِهِ، أيْ بَعْدُ في أنْ يَمِيلَ طَبْعُ الرَّسُولِ إلى شَيْءٍ فَيَتَمَنّى في قَلْبِهِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهُ فِيهِ، وهَذا مِمّا لا اسْتِبْعادَ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدِ اسْتَأْذَنَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ تَعالى بِذَلِكَ فَأخْبَرَهُ جِبْرِيلُ بِأنَّ اللَّهَ قَدْ أذِنَ لَهُ في هَذا الدُّعاءِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَسْألُونَ اللَّهَ تَعالى شَيْئًا إلّا بِإذْنٍ مِنهُ لِئَلّا يَسْألُوا ما لا صَلاحَ فِيهِ، فَلا يُجابُوا إلَيْهِ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى تَحْقِيرِ شَأْنِهِمْ، فَلَمّا أذِنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ في الإجابَةِ عَلِمَ أنَّهُ يُسْتَجابُ إلَيْهِ، فَكانَ يُقَلِّبُ وجْهَهُ في السَّماءِ يَنْتَظِرُ مَجِيءَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - …

Al-Baqara 2:144Listen in Qur'an →
145

وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٍۢ مَّا تَبِعُوا۟ قِبْلَتَكَ ۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍۢ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍۢ قِبْلَةَ بَعْضٍۢ ۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And if you brought to those who were given the Scripture every sign, they would not follow your qiblah. Nor will you be a follower of their qiblah. Nor would they be followers of one another's qiblah. So if you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, indeed, you would then be among the wrongdoers.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهم وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّ هَذِهِ القِبْلَةَ حَقٌّ، بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ صِفَتَهم لا تَتَغَيَّرُ في الِاسْتِمْرارِ عَلى المُعانَدَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

صفحة ١١٣

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ فَقالَ الأصَمُّ: المُرادُ عُلَماؤُهُمُ الَّذِينَ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:

أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ فَوَصَفَهم بِأنَّهم يَتَّبِعُونَ الهَوى، ومَنِ اعْتَقَدَ في الباطِلِ أنَّهُ حَقٌّ فَإنَّهُ لا يَكُونُ مُتَّبِعًا لِهَوى النَّفْسِ، بَلْ يَكُونُ في ظَنِّهِ أنَّهُ مُتَّبِعٌ لِلْهُدى، فَأمّا الَّذِينَ يَعْلَمُونَ بِقُلُوبِهِمْ، ثُمَّ يُنْكِرُونَ بِألْسِنَتِهِمْ، فَهُمُ المُتَّبِعُونَ لِلْهَوى.

وثانِيها: أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ﴾ لا يَتَناوَلُ عَوامَّهم بَلْ هو مُخْتَصٌّ بِالعُلَماءِ، وما بَعْدَها وهو قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] مُخْتَصٌّ بِالعُلَماءِ أيْضًا، إذْ لَوْ كانَ عامًّا في الكُلِّ امْتَنَعَ الكِتْمانُ؛ لِأنَّ الجَمْعَ العَظِيمَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الكِتْمانُ، وإذا كانَ ما قَبْلَها وما بَعْدَها خاصًّا فَكَذا هَذِهِ الآيَةُ المُتَوَسِّطَةُ.

وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم مُصِرُّونَ عَلى قَوْلِهِمْ، ومُسْتَمِرُّونَ عَلى باطِلِهِمْ، وأنَّهم لا يَرْجِعُونَ عَنْ ذَلِكَ المَذْهَبِ بِسَبَبِ شَيْءٍ مِنَ الدَّلائِلِ والآياتِ، وهَذا شَأْنُ المُعانِدِ اللَّجُوجِ، لا شَأْنَ المُعانِدِ المُتَحَيِّرِ.

ورابِعُها: أنّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى العُمُومِ لَصارَتِ الآيَةُ كَذِبًا؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِن أهْلِ الكِتابِ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وتَبِعَ قَبِلْتَهُ.

وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ جَمِيعُ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ صِيغَةُ عُمُومٍ فَيَتَناوَلُ الكُلَّ، ثُمَّ أجابُوا عَنِ الحُجَّةِ الأُولى أنَّ صاحِبَ الشُّبْهَةِ صاحِبُ هَوًى في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّهُ ما تَمَّمَ النَّظَرَ والِاسْتِدْلالَ فَإنَّهُ لَوْ أتى بِتَمامِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لَوَصَلَ إلى الحَقِّ، فَحَيْثُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ عَلِمْنا أنَّهُ تَرَكَ النَّظَرَ التّامَّ بِمُجَرَّدِ الهَوى، وأجابُوا عَنِ الحُجَّةِ الثّانِيَةِ بِأنَّهُ لَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يُرادَ في الآيَةِ الأُولى بَعْضُهم، وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ كُلُّهم، وأجابُوا عَنِ الحُجَّةِ الثّالِثَةِ أنَّ العُلَماءَ لَمّا كانُوا مُصِرِّينَ عَلى الشُّبُهاتِ، والعَوامَّ كانُوا مُصِرِّينَ عَلى اتِّباعِ أُولَئِكَ العُلَماءِ كانَ الإصْرارُ حاصِلًا في الكُلِّ، وأجابُوا عَنِ الحُجَّةِ الرّابِعَةِ بِأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم بِكُلِّيَّتِهِمْ لا يُؤْمِنُونَ، وقَوْلُنا: كُلُّ اليَهُودِ لا يُؤْمِنُونَ مُغايِرٌ لِقَوْلِنا إنَّ أحَدًا مِنهم لا يُؤْمِنُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الكَعْبِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ …

Al-Baqara 2:145Listen in Qur'an →
146

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًۭا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

Those to whom We gave the Scripture know him as they know their own sons. But indeed, a party of them conceal the truth while they know [it].

قَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ وإنْ كانَ عامًّا بِحَسَبِ اللَّفْظِ، لَكِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالعُلَماءِ مِنهم، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِأنَّهم يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، والجَمْعُ العَظِيمُ الَّذِي عَلِمُوا شَيْئًا اسْتَحالَ عَلَيْهِمُ الِاتِّفاقُ عَلى كِتْمانِهِ في العادَةِ، ألا تَرى أنَّ واحِدًا لَوْ دَخَلَ البَلَدَ وسَألَ عَنِ الجامِعِ لَمْ يَجُزْ أنْ لا يَلْقاهُ أحَدٌ إلّا بِالكَذِبِ والكِتْمانِ، بَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى الجَمْعِ القَلِيلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ إلى ماذا يَرْجِعُ ؟ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّهُ عائِدٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أيْ يَعْرِفُونَهُ مَعْرِفَةً جَلِيَّةً، يُمَيِّزُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، لا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ وأبْناءُ غَيْرِهِمْ. عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ سَألَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أنا أعْلَمُ بِهِ مِنِّي بِابْنِي، قالَ: ولِمَ ؟ قالَ: لِأنِّي لَسْتُ أشُكُّ في مُحَمَّدٍ أنَّهُ نَبِيٌّ وأمّا ولَدِي فَلَعَلَّ والِدَتَهُ خانَتْ. فَقَبَّلَ عُمَرُ رَأسَهُ، وجازَ

صفحة ١١٧

الإضْمارُ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ؛ لِأنَّ الكَلامَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ولا يَلْتَبِسُ عَلى السّامِعِ، ومِثْلُ هَذا الإضْمارِ فِيهِ تَفْخِيمٌ وإشْعارٌ بِأنَّهُ لِشُهْرَتِهِ مَعْلُومٌ بِغَيْرِ إعْلامٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ أسْئِلَةٌ.

السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِهَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ مِن أمْرِ القِبْلَةِ.

الجَوابُ: أنَّهُ تَعالى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ لَمّا حَذَّرَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَنِ اتِّباعِ اليَهُودِ والنَّصارى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أخْبَرَ المُؤْمِنِينَ بِحالِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: اعْلَمُوا يا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ أنَّ عُلَماءَ أهْلِ الكِتابِ يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا وما جاءَ بِهِ وصِدْقَهُ ودَعْوَتَهُ وقِبْلَتَهُ، لا يَشُكُّونَ فِيهِ كَما لا يَشُكُّونَ في أبْنائِهِمْ.

السُّؤالُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقالَ: ﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] إلّا أنّا نَقُولُ: مِنَ المُسْتَحِيلِ أنْ يَعْرِفُوهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، وذَلِكَ لِأنَّ وصْفَهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ أتى مُشْتَمِلًا عَلى التَّفْصِيلِ التّامِّ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِتَعْيِينِ الزَّمانِ والمَكانِ والصِّفَةِ والخِلْقَةِ والنَّسَبِ والقَبِيلَةِ، أوْ هَذا الوَصْفُ ما أتى مَعَ هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّفْصِيلِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ وجَبَ أنْ يَكُونَ بِمَقْدَمِهِ في الوَقْتِ المُعَيَّنِ مِنَ البَلَدِ المُعَيَّنِ مِنَ القِبْلَةِ المُعَيَّنَةِ عَلى الصِّفَةِ المُعَيَّنَةِ مَعْلُومًا لِأهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ؛ لِأنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ كانا مَشْهُورَيْنِ فِيما بَيْنَ أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما تَمَكَّنَ أحَدٌ مِنَ النَّصارى واليَهُودِ مِن إنْكارِ ذَلِكَ. …

Al-Baqara 2:146Listen in Qur'an →
147

ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

The truth is from your Lord, so never be among the doubters.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ وإنْ كانَ عامًّا بِحَسَبِ اللَّفْظِ، لَكِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالعُلَماءِ مِنهم، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِأنَّهم يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، والجَمْعُ العَظِيمُ الَّذِي عَلِمُوا شَيْئًا اسْتَحالَ عَلَيْهِمُ الِاتِّفاقُ عَلى كِتْمانِهِ في العادَةِ، ألا تَرى أنَّ واحِدًا لَوْ دَخَلَ البَلَدَ وسَألَ عَنِ الجامِعِ لَمْ يَجُزْ أنْ لا يَلْقاهُ أحَدٌ إلّا بِالكَذِبِ والكِتْمانِ، بَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى الجَمْعِ القَلِيلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ إلى ماذا يَرْجِعُ ؟ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّهُ عائِدٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أيْ يَعْرِفُونَهُ مَعْرِفَةً جَلِيَّةً، يُمَيِّزُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، لا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ وأبْناءُ غَيْرِهِمْ. عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ سَألَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أنا أعْلَمُ بِهِ مِنِّي بِابْنِي، قالَ: ولِمَ ؟ قالَ: لِأنِّي لَسْتُ أشُكُّ في مُحَمَّدٍ أنَّهُ نَبِيٌّ وأمّا ولَدِي فَلَعَلَّ والِدَتَهُ خانَتْ. فَقَبَّلَ عُمَرُ رَأسَهُ، وجازَ

صفحة ١١٧

الإضْمارُ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ؛ لِأنَّ الكَلامَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ولا يَلْتَبِسُ عَلى السّامِعِ، ومِثْلُ هَذا الإضْمارِ فِيهِ تَفْخِيمٌ وإشْعارٌ بِأنَّهُ لِشُهْرَتِهِ مَعْلُومٌ بِغَيْرِ إعْلامٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ أسْئِلَةٌ.

السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِهَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ مِن أمْرِ القِبْلَةِ.

الجَوابُ: أنَّهُ تَعالى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ لَمّا حَذَّرَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَنِ اتِّباعِ اليَهُودِ والنَّصارى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أخْبَرَ المُؤْمِنِينَ بِحالِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: اعْلَمُوا يا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ أنَّ عُلَماءَ أهْلِ الكِتابِ يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا وما جاءَ بِهِ وصِدْقَهُ ودَعْوَتَهُ وقِبْلَتَهُ، لا يَشُكُّونَ فِيهِ كَما لا يَشُكُّونَ في أبْنائِهِمْ.

السُّؤالُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقالَ: ﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] إلّا أنّا نَقُولُ: مِنَ المُسْتَحِيلِ أنْ يَعْرِفُوهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، وذَلِكَ لِأنَّ وصْفَهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ أتى مُشْتَمِلًا عَلى التَّفْصِيلِ التّامِّ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِتَعْيِينِ الزَّمانِ والمَكانِ والصِّفَةِ والخِلْقَةِ والنَّسَبِ والقَبِيلَةِ، أوْ هَذا الوَصْفُ ما أتى مَعَ هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّفْصِيلِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ وجَبَ أنْ يَكُونَ بِمَقْدَمِهِ في الوَقْتِ المُعَيَّنِ مِنَ البَلَدِ المُعَيَّنِ مِنَ القِبْلَةِ المُعَيَّنَةِ عَلى الصِّفَةِ المُعَيَّنَةِ مَعْلُومًا لِأهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ؛ لِأنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ كانا مَشْهُورَيْنِ فِيما بَيْنَ أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما تَمَكَّنَ أحَدٌ مِنَ النَّصارى واليَهُودِ مِن إنْكارِ ذَلِكَ. …

Al-Baqara 2:147Listen in Qur'an →
148

وَلِكُلٍّۢ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا۟ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

For each [religious following] is a direction toward which it faces. So race to [all that is] good. Wherever you may be, Allah will bring you forth [for judgement] all together. Indeed, Allah is over all things competent.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ وإنْ كانَ عامًّا بِحَسَبِ اللَّفْظِ، لَكِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالعُلَماءِ مِنهم، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِأنَّهم يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، والجَمْعُ العَظِيمُ الَّذِي عَلِمُوا شَيْئًا اسْتَحالَ عَلَيْهِمُ الِاتِّفاقُ عَلى كِتْمانِهِ في العادَةِ، ألا تَرى أنَّ واحِدًا لَوْ دَخَلَ البَلَدَ وسَألَ عَنِ الجامِعِ لَمْ يَجُزْ أنْ لا يَلْقاهُ أحَدٌ إلّا بِالكَذِبِ والكِتْمانِ، بَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى الجَمْعِ القَلِيلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ إلى ماذا يَرْجِعُ ؟ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّهُ عائِدٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أيْ يَعْرِفُونَهُ مَعْرِفَةً جَلِيَّةً، يُمَيِّزُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، لا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ وأبْناءُ غَيْرِهِمْ. عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ سَألَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أنا أعْلَمُ بِهِ مِنِّي بِابْنِي، قالَ: ولِمَ ؟ قالَ: لِأنِّي لَسْتُ أشُكُّ في مُحَمَّدٍ أنَّهُ نَبِيٌّ وأمّا ولَدِي فَلَعَلَّ والِدَتَهُ خانَتْ. فَقَبَّلَ عُمَرُ رَأسَهُ، وجازَ

صفحة ١١٧

الإضْمارُ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ؛ لِأنَّ الكَلامَ يَدُلُّ عَلَيْهِ ولا يَلْتَبِسُ عَلى السّامِعِ، ومِثْلُ هَذا الإضْمارِ فِيهِ تَفْخِيمٌ وإشْعارٌ بِأنَّهُ لِشُهْرَتِهِ مَعْلُومٌ بِغَيْرِ إعْلامٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ أسْئِلَةٌ.

السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِهَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ مِن أمْرِ القِبْلَةِ.

الجَوابُ: أنَّهُ تَعالى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ لَمّا حَذَّرَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَنِ اتِّباعِ اليَهُودِ والنَّصارى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أخْبَرَ المُؤْمِنِينَ بِحالِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: اعْلَمُوا يا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ أنَّ عُلَماءَ أهْلِ الكِتابِ يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا وما جاءَ بِهِ وصِدْقَهُ ودَعْوَتَهُ وقِبْلَتَهُ، لا يَشُكُّونَ فِيهِ كَما لا يَشُكُّونَ في أبْنائِهِمْ.

السُّؤالُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقالَ: ﴿ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] إلّا أنّا نَقُولُ: مِنَ المُسْتَحِيلِ أنْ يَعْرِفُوهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، وذَلِكَ لِأنَّ وصْفَهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ أتى مُشْتَمِلًا عَلى التَّفْصِيلِ التّامِّ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِتَعْيِينِ الزَّمانِ والمَكانِ والصِّفَةِ والخِلْقَةِ والنَّسَبِ والقَبِيلَةِ، أوْ هَذا الوَصْفُ ما أتى مَعَ هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّفْصِيلِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ وجَبَ أنْ يَكُونَ بِمَقْدَمِهِ في الوَقْتِ المُعَيَّنِ مِنَ البَلَدِ المُعَيَّنِ مِنَ القِبْلَةِ المُعَيَّنَةِ عَلى الصِّفَةِ المُعَيَّنَةِ مَعْلُومًا لِأهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ؛ لِأنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ كانا مَشْهُورَيْنِ فِيما بَيْنَ أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما تَمَكَّنَ أحَدٌ مِنَ النَّصارى واليَهُودِ مِن إنْكارِ ذَلِكَ. …

Al-Baqara 2:148Listen in Qur'an →
149

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَإِنَّهُۥ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

So from wherever you go out [for prayer, O Muhammad] turn your face toward al- Masjid al-Haram, and indeed, it is the truth from your Lord. And Allah is not unaware of what you do.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ أوَّلَ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ البَحْثِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآياتِ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ وذَكَرَ هاهُنا ثانِيًا قَوْلَهُ تَعالى:

صفحة ١٢٥

﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ ثالِثًا قَوْلَهُ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ فَهَلْ في هَذا التَّكْرارِ فائِدَةٌ أمْ لا ؟ ولِلْعُلَماءِ فِيهِ أقْوالٌ.

أحَدُها: أنَّ الأحْوالَ ثَلاثَةٌ.

أوَّلُها: أنْ يَكُونَ الإنْسانُ في المَسْجِدِ الحَرامِ.

وثانِيها: أنْ يَخْرُجَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ويَكُونُ في البَلَدِ.

وثالِثُها: أنْ يَخْرُجَ عَنِ البَلَدِ إلى أقْطارِ الأرْضِ، فالآيَةُ الأُولى مَحْمُولَةٌ عَلى الحالَةِ الأُولى، والثّانِيَةُ عَلى الثّانِيَةِ، والثّالِثَةُ عَلى الثّالِثَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ كانَ يُتَوَهَّمُ أنَّ لِلْقُرْبِ حُرْمَةً لا تَثْبُتُ فِيها لِلْعَبْدِ، فَلِأجْلِ إزالَةِ هَذا الوَهْمِ كَرَّرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ.

والجَوابُ الثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما أعادَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ لِأنَّهُ عَلَّقَ بِها كُلَّ مَرَّةٍ فائِدَةً زائِدَةً، أمّا في المَرَّةِ الأُولى فَبَيَّنَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْلَمُونَ أنَّ أمْرَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وأمْرَ هَذِهِ القِبْلَةِ حَقٌّ؛ لِأنَّهم شاهَدُوا ذَلِكَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وأمّا في المَرَّةِ الثّانِيَةِ فَبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى يَشْهَدُ أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ، وشَهادَةُ اللَّهِ بِكَوْنِهِ حَقًّا مُغايِرَةٌ لِعِلْمِ أهْلِ الكِتابِ بِكَوْنِهِ حَقًّا، وأمّا في المَرَّةِ الثّالِثَةِ فَبَيَّنَ أنَّهُ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ، فَلَمّا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفَوائِدُ حَسُنَتْ إعادَتُها لِأجْلِ أنْ يَتَرَتَّبَ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ المَرّاتِ واحِدَةٌ مِن هَذِهِ الفَوائِدِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] .

والجَوابُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] فَكانَ رُبَّما يَخْطُرُ بِبالِ جاهِلٍ أنَّهُ تَعالى إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ طَلَبًا لِرِضا مُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ فَأزالَ اللَّهُ تَعالى هَذا الوَهْمَ الفاسِدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ …

Al-Baqara 2:149Listen in Qur'an →
150

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِى وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

And from wherever you go out [for prayer], turn your face toward al-Masjid al-Haram. And wherever you [believers] may be, turn your faces toward it in order that the people will not have any argument against you, except for those of them who commit wrong; so fear them not but fear Me. And [it is] so I may complete My favor upon you and that you may be guided.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ أوَّلَ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ البَحْثِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآياتِ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ وذَكَرَ هاهُنا ثانِيًا قَوْلَهُ تَعالى:

صفحة ١٢٥

﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ ثالِثًا قَوْلَهُ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ فَهَلْ في هَذا التَّكْرارِ فائِدَةٌ أمْ لا ؟ ولِلْعُلَماءِ فِيهِ أقْوالٌ.

أحَدُها: أنَّ الأحْوالَ ثَلاثَةٌ.

أوَّلُها: أنْ يَكُونَ الإنْسانُ في المَسْجِدِ الحَرامِ.

وثانِيها: أنْ يَخْرُجَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ويَكُونُ في البَلَدِ.

وثالِثُها: أنْ يَخْرُجَ عَنِ البَلَدِ إلى أقْطارِ الأرْضِ، فالآيَةُ الأُولى مَحْمُولَةٌ عَلى الحالَةِ الأُولى، والثّانِيَةُ عَلى الثّانِيَةِ، والثّالِثَةُ عَلى الثّالِثَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ كانَ يُتَوَهَّمُ أنَّ لِلْقُرْبِ حُرْمَةً لا تَثْبُتُ فِيها لِلْعَبْدِ، فَلِأجْلِ إزالَةِ هَذا الوَهْمِ كَرَّرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ.

والجَوابُ الثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما أعادَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ لِأنَّهُ عَلَّقَ بِها كُلَّ مَرَّةٍ فائِدَةً زائِدَةً، أمّا في المَرَّةِ الأُولى فَبَيَّنَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْلَمُونَ أنَّ أمْرَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وأمْرَ هَذِهِ القِبْلَةِ حَقٌّ؛ لِأنَّهم شاهَدُوا ذَلِكَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وأمّا في المَرَّةِ الثّانِيَةِ فَبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى يَشْهَدُ أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ، وشَهادَةُ اللَّهِ بِكَوْنِهِ حَقًّا مُغايِرَةٌ لِعِلْمِ أهْلِ الكِتابِ بِكَوْنِهِ حَقًّا، وأمّا في المَرَّةِ الثّالِثَةِ فَبَيَّنَ أنَّهُ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ، فَلَمّا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفَوائِدُ حَسُنَتْ إعادَتُها لِأجْلِ أنْ يَتَرَتَّبَ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ المَرّاتِ واحِدَةٌ مِن هَذِهِ الفَوائِدِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] .

والجَوابُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] فَكانَ رُبَّما يَخْطُرُ بِبالِ جاهِلٍ أنَّهُ تَعالى إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ طَلَبًا لِرِضا مُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ فَأزالَ اللَّهُ تَعالى هَذا الوَهْمَ الفاسِدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ …

Al-Baqara 2:150Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.