Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Lubab fi 'Ulum al-Kitab by Ibn 'Adil al-Hanbali

Ayahs 11–20 of 286

11

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ

And when it is said to them, "Do not cause corruption on the earth," they say, "We are but reformers."

«إذا» ظرف زمان مستقبل ويلزمها معنى الشرط غالباً، ولا تكون إلاّ في الأمر المحقق، أو المرجح وقوعه، فلذلك لم تجزم إلا في شِعْرٍ؛ لمخالفتها أدوات الشرط؛ فإنها للأمر المحتمل، فمن الجزم قوله: [البسيط]

193 - تَرْفَعُ لي خِنْدِفٌ واللهُ يَرْفَعُ لِي ... نَاراً إِذَا خَمَدَتْ نِيرَانُهُمْ تَقِدِ

وقال آخر: [الكامل]

194 - وَاسْتَغْنِ مَا أَغْنَاكَ رَبُّكَ بِالغِنَى ... وَإِذّا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلِ

وقال الآخر: [الطويل]

195 - إِذَا قَصُرَتْ أَسْيَافُنَا كَانَ وَصْلُهَا ... خُطَانَا إِلَى أَعْدَائِنَا فَنُضَارِبِ فقوله: «فَنُضَارب» مجزوم لعطفه على محل قوله «كان وصلها» .

وقال الفرزدق: [الطويل]

196 - فَقَامَ أَبُو لَيْلَى إِلَيْهِ ابْنُ ظَالِمِ ... وَكَانَ إذَا مَا يَسْلُلِ السَّيْفَ يَضْرِبِ

وقد تكون للزمن الماضي ك: «إذ» كما قد تكون «إذ» للمستقبل ك «إذا» .

فمن مجيء «إذا» ظرفاً لما مَضَى من الزمان واقعةً موقع «إذ» قوله تعالى: ﴿وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ﴾ [التوبة: 92] ، وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: 11] ، قال به ابن مالك، وبعض النحويين.

ومن مجيء «إذ» ظرفاً لما يستقبل من الزمان قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: 70] .

وتكون للمفاجأة أيضاً، وهل هي حينئذ باقية على زمانيتها، أو صارت ظرف مكان أو حرفاً؟

ثلاثة أقوال: أصحُّها الأول استصحاباً للحال، وهل تتصرف أم لا؟

الظاهر عدم تصرفها، واستدلّ من زعم تصرفها بقوله تعالى في قراءة من قرأ: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الواقعة لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ الأرض رَجّاً﴾ [الواقعة: 1 - 4] بنصب «خافضة رافعة» ، فجعل «إذا» الأولى مبتدأ، والثانية خبرها.

والتقدير: وَقْتُ وقوع الواقعة رجّ الأرض، وبقوله: ﴿حتى إِذَا جَآءُوهَا﴾ [الزمر: 71] ، و ﴿حتى إِذَا كُنتُمْ﴾ [يونس: 22] فجعل «حتى» حرف جر، و «إذا» مجرورة بها، وسيأتي تحقيق ذلك في مواضع. ولا تُضَاف إلاَّ الجُمَلِ الفعلية خلافاً للأخفش.

وقوله: «قيل» فعل ماضٍ مبني للمفعول، وأصله: «قَوَلَ» ك: «ضرب» ، فاستثقلت الكسرة على «الواو» ، فنقلت إلى «القاف» بعد سَلْبِ حركتها، فسكنت «الواو» بعد كسرة، فقلبت «ياء» ، وهذه أفصح اللغات، وفيه لغة ثانية، وهي الإشمام، والإشمام عبارة عن جعل الضّمة بين الضم والكَسْرِ.

ولغة ثالثة وهي: إخلاص الضم، نحو: «قُولَ وبُوعَ» ، قال الشاعر: [الرجز]

197 - لَيْتَ وَهَلْ يَنْفَعُ شَيْئاً لَيْتَ ... لَيْتَ شَبَاباً بُوعَ فَاشْتَرَيْتُ وقال الآخر: [الرجز]

198 - حُوكَتْ عَلَى نَوْلَيْنِ إذْ تُحَاكُ ... تَخْتَبِطُ الشَّوْكَ وَلاَ تُشَاكُ

وقال الأخفش: «ويجوز» قُيُل «بضم القاء والياء» ، يعني مع الياء؛ لأن الياء تضم أيضاً.

وتجيء هذه اللغات الثلاث في «اختار» و «انقاد» ، و «ردّ» و «حَبَّ» ونحوها، فتقول: «اختير» بالكسر، والإِشْمَام، و «اختورط، وكذلك:» انقيد» ، و «انقود» ، و «رَدَّ» ، و «رِدَّ» ، وأنشدوا: [الطويل]

199 - وَمَا حِلُّ مِنْ جَهْلٍ حُبَا حُلَمَائِنَا ... وَلاَ قَائِلُ المَعْرُوفِ فِينَا يُعَنَّفُ

بكسر حاء «حل» .

وقرىء: «وَلَوْ رِدُّوا» [الأنعام: 28] بكسر الراء.

والقاعدة فيما لم يسم فاعله أن يُضَمّ أول الفعل مطلقاً؛ فإن كان ماضياً كسر ما قبل آخره لفظاً نحو: «ضرب» ، أو تقديراً نحو: «قيل» ، و «اختير» .

وقد يضم ثاني الماضي أيضاً إذا افتتح بتاء مُطَاوعة نحو: «تُدُحْرج الحجر» ، وثالثه إن افتتح بهمزة وصل نحو: «انْطُلِقَ بزيد» واعلم أن شرط جواز اللغات الثلاث في «قيل» ، و «غيض» ، ونحوهما ألا يلتبس، فإن التبس عمل بمقتضى عدم اللَّبْس، هكذا قال بعضهم، وإن كان سيبويه قد أطلق جواز ذلك، وأشَمّ الكسائي: …

Al-Baqara 2:11Listen in Qur'an →
12

أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ

Unquestionably, it is they who are the corrupters, but they perceive [it] not.

«إذا» ظرف زمان مستقبل ويلزمها معنى الشرط غالباً، ولا تكون إلاّ في الأمر المحقق، أو المرجح وقوعه، فلذلك لم تجزم إلا في شِعْرٍ؛ لمخالفتها أدوات الشرط؛ فإنها للأمر المحتمل، فمن الجزم قوله: [البسيط]

193 - تَرْفَعُ لي خِنْدِفٌ واللهُ يَرْفَعُ لِي ... نَاراً إِذَا خَمَدَتْ نِيرَانُهُمْ تَقِدِ

وقال آخر: [الكامل]

194 - وَاسْتَغْنِ مَا أَغْنَاكَ رَبُّكَ بِالغِنَى ... وَإِذّا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلِ

وقال الآخر: [الطويل]

195 - إِذَا قَصُرَتْ أَسْيَافُنَا كَانَ وَصْلُهَا ... خُطَانَا إِلَى أَعْدَائِنَا فَنُضَارِبِ فقوله: «فَنُضَارب» مجزوم لعطفه على محل قوله «كان وصلها» .

وقال الفرزدق: [الطويل]

196 - فَقَامَ أَبُو لَيْلَى إِلَيْهِ ابْنُ ظَالِمِ ... وَكَانَ إذَا مَا يَسْلُلِ السَّيْفَ يَضْرِبِ

وقد تكون للزمن الماضي ك: «إذ» كما قد تكون «إذ» للمستقبل ك «إذا» .

فمن مجيء «إذا» ظرفاً لما مَضَى من الزمان واقعةً موقع «إذ» قوله تعالى: ﴿وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ﴾ [التوبة: 92] ، وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: 11] ، قال به ابن مالك، وبعض النحويين.

ومن مجيء «إذ» ظرفاً لما يستقبل من الزمان قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: 70] .

وتكون للمفاجأة أيضاً، وهل هي حينئذ باقية على زمانيتها، أو صارت ظرف مكان أو حرفاً؟

ثلاثة أقوال: أصحُّها الأول استصحاباً للحال، وهل تتصرف أم لا؟

الظاهر عدم تصرفها، واستدلّ من زعم تصرفها بقوله تعالى في قراءة من قرأ: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الواقعة لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ الأرض رَجّاً﴾ [الواقعة: 1 - 4] بنصب «خافضة رافعة» ، فجعل «إذا» الأولى مبتدأ، والثانية خبرها.

والتقدير: وَقْتُ وقوع الواقعة رجّ الأرض، وبقوله: ﴿حتى إِذَا جَآءُوهَا﴾ [الزمر: 71] ، و ﴿حتى إِذَا كُنتُمْ﴾ [يونس: 22] فجعل «حتى» حرف جر، و «إذا» مجرورة بها، وسيأتي تحقيق ذلك في مواضع. ولا تُضَاف إلاَّ الجُمَلِ الفعلية خلافاً للأخفش.

وقوله: «قيل» فعل ماضٍ مبني للمفعول، وأصله: «قَوَلَ» ك: «ضرب» ، فاستثقلت الكسرة على «الواو» ، فنقلت إلى «القاف» بعد سَلْبِ حركتها، فسكنت «الواو» بعد كسرة، فقلبت «ياء» ، وهذه أفصح اللغات، وفيه لغة ثانية، وهي الإشمام، والإشمام عبارة عن جعل الضّمة بين الضم والكَسْرِ.

ولغة ثالثة وهي: إخلاص الضم، نحو: «قُولَ وبُوعَ» ، قال الشاعر: [الرجز]

197 - لَيْتَ وَهَلْ يَنْفَعُ شَيْئاً لَيْتَ ... لَيْتَ شَبَاباً بُوعَ فَاشْتَرَيْتُ وقال الآخر: [الرجز]

198 - حُوكَتْ عَلَى نَوْلَيْنِ إذْ تُحَاكُ ... تَخْتَبِطُ الشَّوْكَ وَلاَ تُشَاكُ

وقال الأخفش: «ويجوز» قُيُل «بضم القاء والياء» ، يعني مع الياء؛ لأن الياء تضم أيضاً.

وتجيء هذه اللغات الثلاث في «اختار» و «انقاد» ، و «ردّ» و «حَبَّ» ونحوها، فتقول: «اختير» بالكسر، والإِشْمَام، و «اختورط، وكذلك:» انقيد» ، و «انقود» ، و «رَدَّ» ، و «رِدَّ» ، وأنشدوا: [الطويل]

199 - وَمَا حِلُّ مِنْ جَهْلٍ حُبَا حُلَمَائِنَا ... وَلاَ قَائِلُ المَعْرُوفِ فِينَا يُعَنَّفُ

بكسر حاء «حل» .

وقرىء: «وَلَوْ رِدُّوا» [الأنعام: 28] بكسر الراء.

والقاعدة فيما لم يسم فاعله أن يُضَمّ أول الفعل مطلقاً؛ فإن كان ماضياً كسر ما قبل آخره لفظاً نحو: «ضرب» ، أو تقديراً نحو: «قيل» ، و «اختير» .

وقد يضم ثاني الماضي أيضاً إذا افتتح بتاء مُطَاوعة نحو: «تُدُحْرج الحجر» ، وثالثه إن افتتح بهمزة وصل نحو: «انْطُلِقَ بزيد» واعلم أن شرط جواز اللغات الثلاث في «قيل» ، و «غيض» ، ونحوهما ألا يلتبس، فإن التبس عمل بمقتضى عدم اللَّبْس، هكذا قال بعضهم، وإن كان سيبويه قد أطلق جواز ذلك، وأشَمّ الكسائي: …

Al-Baqara 2:12Listen in Qur'an →
13

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ۗ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ

And when it is said to them, "Believe as the people have believed," they say, "Should we believe as the foolish have believed?" Unquestionably, it is they who are the foolish, but they know [it] not.

الكلام عليها كالكلام على التي قبلها.

و «آمنوا» فعل وفاعل، والجملة في محل رفع لقيامها مقام الفاعل على ما تقدم في ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض﴾ [البقرة: 11] والأقوال هناك تعود هُنَا.

والكاف في قوله «كما آمن» في محلّ نصب.

وأكثر المعربين يجعلون نعتاً لمصدر محذوف، والتقدير: آمنوا إيماناً كإيمان النَّاس، وكذلك يقولون في: «سير عليه حثيثاً» : أي سيراً حثيثاً وهذا ليس مذهب سيبويه، إنما مذهبه في هذا ونحوه أن يكون منصوباً على الحال من المصدر والمضمر المفهوم من الفعل المتقدم.

وإنما أحوج سيبويه إلى ذلك أن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلاَّ في مواضع محصورة، ليس هذا منها، فتلك المواضع: أن تكون الصفة خاصة بالموصوف، نحو: «مررت بكاتب» .

أو واقعة خبراً نحو: «زيد قائم» .

أنو حالاً نحو: «جاء زيد راكباً» .

أو صفة لظرف نحو: «جلست قريباً منك» .

أو مستعملة استعمال الأسماء، وهذا يحفظ ولا يُقَاس عليه، نحو: «الأبْطَح والأَبْرَق» وما عدا هذه المواضع لا يجوز فيها حذف المَوْصوف؛ ألا ترى أنَّ سيبويه منع لا ماء ولو بارداً، وإن تقدّم ما يدلُّ على الموصوف، وأجاز: «إلا ماء ولو بارداً» ؛ لأنه نصب على الحال.

و «ما» مصدرية في محل جَرّ بالكاف، و «آمَنَ النَّاسُ» صلتها.

واعلم أنَّ «ما» المصدرية توصَلُ بالماضي أو المضارع المتصرّف، وقد شَذَّ وصلها بغير المتصرف في قوله: [الطويل]

202 - ... ... ... ... ... ... ..... بِمَا لَسْتُمَا أَهْلَ الخِيَانَةِ، والغَدْرِ

وهل توصل بالجمل الاسمية؟ خلاف، واستدل على جوازه بقوله: [الكامل]

203 - وَاصِلْ خَلِيلَكَ ما التَّواصُلُ مُمْكِنٌ ... فَلأَنْتَ أَوْ هُوَ عَنْ قَلِيلٍ ذَاهِبُ

وقال الآخر: [البسيط]

204 - أَحْلاَمُكُمْ لِسِقَامِ الجَهْلِ شَافِيَةٌ ... كَمَا دِمَاؤُكُمُ تَشْفِي مِنَ الكَلَبِ

وقول الآخر: [الوافر]

205 - فإِنَّ الحُمْرَ مِنْ شَرِّ المَطَايَا ... كَمَا الحَبِطَاتُ شَرُّ بَنِي تَمِيمِ إلاّ أن ذلك يكثر فيها إذا أفهمت الزمان؛ كقوله: [الكامل]

206 - وَاصِلْ خَلِيلَكَ ... ... ... ....... ... ... ... ... ... ...

البيت.

وأجاز الزَّمخشري وأبو البقاء أن تكون «ما» كافّة ل «الكاف» عن العمل.

مثلها في قولك: ربما قدم زيد، ولا ضرورة تدعو إلى هذا؛ لأن جعلها مصدريةً مبقٍ ل «الكاف» على ما عهد لها من العمل، بخلاف جعلها كافة.

والألف واللام في «النَّاس» تحتمل أن تكون للجنس، وفيها وجهان.

أحدهما: المراد «الأوس» و «الخزرج» ؛ لأن أكثرهم كانوا مسلمين، وهؤلاء المنافقون كانوا منهم، وكانوا قليلين، ولفظ العموم قد يُطْلق على الأكثر.

والثاني: المُرَاد جميع المؤمنين؛ لأنهم هم النَّاس؛ لكونهم أعطوا الإنسانية حقَّهَا؛ لأن فضل الإنسان على سَائِرِ الحيوان بالعَقْلِ المرشد.

وتحتمل أن تكون «الألف» و «اللام» للعهد، فيكون المراد «كما آمن الرسول ومن معهن وهم ناسٌ معهودون، أو عبد الله بن سلام وغيره من مؤمني أهل الكتاب.

فصل في أوجه ورود لفظ الناس

ورد لفظ " النَّاس " على سبعة أوجه: الأول: المُراد به عبد الله بن سلام، وأصحابه من مؤمني أهل الكتاب.

الثاني: المُرَاد به النَّبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ الناس على مَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54] .

أيك يحسدون النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - على النِّساء.

الثَّالث: الناس: المؤمنون خاصّة قال تعالى: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت﴾ [آل عمران: 97] ، ومثله: ﴿يَاأَيُّهَا الناس اعبدوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: 21] .

الرابع والخامس: كُفَّار قريش، وزيد بن مسعود، قال تعالى: ﴿الذين قَالَ لَهُمُ الناس﴾ [آل عمران: 173] يعني نَعِيم المكّي: ﴿إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ [آل عمران: 173] .

السادس: آدم - عليه الصلاة والسَّلام - قال تعالى: …

Al-Baqara 2:13Listen in Qur'an →
14

وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ

And when they meet those who believe, they say, "We believe"; but when they are alone with their evil ones, they say, "Indeed, we are with you; we were only mockers."

«إذا» منصوب ب «قالوا» الذي هو جواب لها، وقد تقدّم الخلاف في ذلك، و «لقوا» فعل وفاعل، الجملة في محلّ خفض بإضافة الظّرف إليها.

وأصل «لقوا» : لقيوا بوزن «شربوا» فاستثقلت الضمة على «الياء» التي هي «لام» الكلمة، فحذفت الضمة فالتقى ساكنان: لام الكلمة وواو الجمع، ولا يمكن تحريك أحدهما، فحذف الأول وهو «الياء» ، وقلبت الكسرة التي على القاف ضمّة؛ لتجانِسَ واو الضمير، فوزن «لَقُوا» : «فَعُوا» ، وهذه قاعدة مطّردة نحو: «خشوا» ، و «حيوا» . وقد سمع في مصدر «لقي» أربعة عشر وزناً: «لُقْيَاً وَلِقْيَةً» بكسر الفاء وسكون العَيْن، و «لقاء ولقاءة» بفتحها أيضاً مع المَدّ في الثلاثة، و «لَقَى» بفتح الفاء وضمّها، و «لُقْيَا» بضم الفاء، وسكون العين و «لِقِيَّا» بكسرها والتشديد و «لُقِيَّا» بضم الفاء، وكسر العَيْنِ مع التشديد، و «لُقْيَاناً وَلِقْيَاناً» بضم الفاء وكسرها، و «لِقْيَانَةً» بكسر الفاء خاصّة، و «تِلْقَاء» .

وقراءة أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللهُ -: «وَإِذّا لاَقُوا» .

و «الَّذِينَ آمَنُوا» مفعول به، و «قالوا» جواب «إذا» ، و «آمَنَّا» في محل نصب بالقول.

قال ابن الخطيب: «والمراد بقولهم:» آمنا «: أخلصنا بالقلب؛ لأن الإقرار باللسان كان معلوماً منهم مما كانوا يحتاجون إلى بَيَانِهِ، إنما المشكوك فيه هو الإخلاص بالقلب، وأيضاً فيجب أن يحمل على نقيض ما كانوا يظهرونه لشياطينهم، وإنما كانوا يظهرون لهم التَّكذيب بالقلب» .

وقوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ قالوا﴾ تقدّم نظيره، والأكثر نظيره، والأكثر في «خَلاَ» أن يتعدّى بالباء، وقد يتعدّى ب «إلى» ، وإنما تعدّى في هذه الآية ب «إلى» لمعنى بديع، وهو أنه إذا تعدّى بالباء احتمل معنيين:

أحدهما: الانفراد.

والثاني: السُّخرية والاستهزاء، تقول: خلوت به «أي: سخرت منه، وهو من قولك: خَلاَ فلان بعرض فلان أي: يَعْبَثُ به.

وإذا تعدّى ب» إلى «كان نصّاً في الانفراد فقط، أو تقول: ضمن» خلا «معنى» صرف «فتعدّى» إلى «، والمعنى: صرفوا خَلاَهم إلى شَيَاطينهم، أو تضمّن معنى» ذهبوا وانصرفوا «ومنه:» القرون الخالية» .

وقيل: «إلى» - هنا - بمعنى «مع» ، كقوله:

﴿وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ ﴾ [النساء: 2] .

وقيل: هي هنا بمعنى «الباء» ، وهذان القولان إنما يجوزان عند الكوفيين، وأما البصريون فلا يُجِيزون التجوّز في الحروف؛ لضعفها.

وقيل المعنى: وإذا خلوا رجعوا إلى شَياطينهم. ف «إلى» على بابها.

والأصل في خَلَوا: خَلَوُوا، فقلبت «الواو» الأولى التي هي «لام» الكلمة «ألفاً» لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فبقيت ساكنة وبعدها «واو» الضمير ساكنة، فالتقى ساكنان، فحذف أولهما، وهو «الألف» ، وبقيت الفتحة دالةً عليها.

و «شياطينهم» : جمع شيطان، جمع تكسير، وقد تقدّم القول في اشتقاقه، فوزن شياطين: إما «فَعَالِيل» أو «فَعَالِين» على حسب القولين المتقدّمين في الاستعاذة، والفصيح في شياطين وبابه أن يعرب بالحركات؛ لأنه جمع تَكْسير، وهي لغةٌ رديئة، وهي إجراؤه إجراء الجمع المذكر السالم، سمع منهم: «لفلان البستان حوله البُسْتَانُون» .

وقرئ شاذَّا: «وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطون» [الشعراء: 210] .

وشياطينهم: رؤساؤهم وكَهَنَتُهُمْ.

قال ابن عباس: وهم خمسة نفر من اليهود: كَعْبُ بن الشرف ب «المدينة» ، وأبو بردة ب «الشام» في بني أسلم، وعبد الدار في «جهينة» ، وعوف بن عامر في بني أسد، وعبد الله بن السوداء ب «الشام» ولا يكون كاهن إلا ومعه شيطان تابع له.

وقال مجاهد: شياطينهم: أصحابهم من المنافقين والمشركين.

وقوله: ﴿إِنَّا مَعَكْمْ﴾ «إنّ» واسمها و «معكم» خبرها، والأصل في «إنا» : «إننا» لقوله تعالى: ﴿إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً﴾ [آل عمران: 194] ، وإنما حذفت نُونَي «إنّ» لما اتصلت بنون «ن» ، تخفيفاً.

وقال أبو البقاء: «حذفت النون الوُسْطَى على القول …

Al-Baqara 2:14Listen in Qur'an →
15

ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

[But] Allah mocks them and prolongs them in their transgression [while] they wander blindly.

«إذا» منصوب ب «قالوا» الذي هو جواب لها، وقد تقدّم الخلاف في ذلك، و «لقوا» فعل وفاعل، الجملة في محلّ خفض بإضافة الظّرف إليها.

وأصل «لقوا» : لقيوا بوزن «شربوا» فاستثقلت الضمة على «الياء» التي هي «لام» الكلمة، فحذفت الضمة فالتقى ساكنان: لام الكلمة وواو الجمع، ولا يمكن تحريك أحدهما، فحذف الأول وهو «الياء» ، وقلبت الكسرة التي على القاف ضمّة؛ لتجانِسَ واو الضمير، فوزن «لَقُوا» : «فَعُوا» ، وهذه قاعدة مطّردة نحو: «خشوا» ، و «حيوا» . وقد سمع في مصدر «لقي» أربعة عشر وزناً: «لُقْيَاً وَلِقْيَةً» بكسر الفاء وسكون العَيْن، و «لقاء ولقاءة» بفتحها أيضاً مع المَدّ في الثلاثة، و «لَقَى» بفتح الفاء وضمّها، و «لُقْيَا» بضم الفاء، وسكون العين و «لِقِيَّا» بكسرها والتشديد و «لُقِيَّا» بضم الفاء، وكسر العَيْنِ مع التشديد، و «لُقْيَاناً وَلِقْيَاناً» بضم الفاء وكسرها، و «لِقْيَانَةً» بكسر الفاء خاصّة، و «تِلْقَاء» .

وقراءة أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللهُ -: «وَإِذّا لاَقُوا» .

و «الَّذِينَ آمَنُوا» مفعول به، و «قالوا» جواب «إذا» ، و «آمَنَّا» في محل نصب بالقول.

قال ابن الخطيب: «والمراد بقولهم:» آمنا «: أخلصنا بالقلب؛ لأن الإقرار باللسان كان معلوماً منهم مما كانوا يحتاجون إلى بَيَانِهِ، إنما المشكوك فيه هو الإخلاص بالقلب، وأيضاً فيجب أن يحمل على نقيض ما كانوا يظهرونه لشياطينهم، وإنما كانوا يظهرون لهم التَّكذيب بالقلب» .

وقوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ قالوا﴾ تقدّم نظيره، والأكثر نظيره، والأكثر في «خَلاَ» أن يتعدّى بالباء، وقد يتعدّى ب «إلى» ، وإنما تعدّى في هذه الآية ب «إلى» لمعنى بديع، وهو أنه إذا تعدّى بالباء احتمل معنيين:

أحدهما: الانفراد.

والثاني: السُّخرية والاستهزاء، تقول: خلوت به «أي: سخرت منه، وهو من قولك: خَلاَ فلان بعرض فلان أي: يَعْبَثُ به.

وإذا تعدّى ب» إلى «كان نصّاً في الانفراد فقط، أو تقول: ضمن» خلا «معنى» صرف «فتعدّى» إلى «، والمعنى: صرفوا خَلاَهم إلى شَيَاطينهم، أو تضمّن معنى» ذهبوا وانصرفوا «ومنه:» القرون الخالية» .

وقيل: «إلى» - هنا - بمعنى «مع» ، كقوله:

﴿وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ ﴾ [النساء: 2] .

وقيل: هي هنا بمعنى «الباء» ، وهذان القولان إنما يجوزان عند الكوفيين، وأما البصريون فلا يُجِيزون التجوّز في الحروف؛ لضعفها.

وقيل المعنى: وإذا خلوا رجعوا إلى شَياطينهم. ف «إلى» على بابها.

والأصل في خَلَوا: خَلَوُوا، فقلبت «الواو» الأولى التي هي «لام» الكلمة «ألفاً» لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فبقيت ساكنة وبعدها «واو» الضمير ساكنة، فالتقى ساكنان، فحذف أولهما، وهو «الألف» ، وبقيت الفتحة دالةً عليها.

و «شياطينهم» : جمع شيطان، جمع تكسير، وقد تقدّم القول في اشتقاقه، فوزن شياطين: إما «فَعَالِيل» أو «فَعَالِين» على حسب القولين المتقدّمين في الاستعاذة، والفصيح في شياطين وبابه أن يعرب بالحركات؛ لأنه جمع تَكْسير، وهي لغةٌ رديئة، وهي إجراؤه إجراء الجمع المذكر السالم، سمع منهم: «لفلان البستان حوله البُسْتَانُون» .

وقرئ شاذَّا: «وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطون» [الشعراء: 210] .

وشياطينهم: رؤساؤهم وكَهَنَتُهُمْ.

قال ابن عباس: وهم خمسة نفر من اليهود: كَعْبُ بن الشرف ب «المدينة» ، وأبو بردة ب «الشام» في بني أسلم، وعبد الدار في «جهينة» ، وعوف بن عامر في بني أسد، وعبد الله بن السوداء ب «الشام» ولا يكون كاهن إلا ومعه شيطان تابع له.

وقال مجاهد: شياطينهم: أصحابهم من المنافقين والمشركين.

وقوله: ﴿إِنَّا مَعَكْمْ﴾ «إنّ» واسمها و «معكم» خبرها، والأصل في «إنا» : «إننا» لقوله تعالى: ﴿إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً﴾ [آل عمران: 194] ، وإنما حذفت نُونَي «إنّ» لما اتصلت بنون «ن» ، تخفيفاً.

وقال أبو البقاء: «حذفت النون الوُسْطَى على القول …

Al-Baqara 2:15Listen in Qur'an →
16

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ

Those are the ones who have purchased error [in exchange] for guidance, so their transaction has brought no profit, nor were they guided.

«أولئك» : رفع بالابتداء و «الذين» وصلته خبره.

وقوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ﴾ هذه الجملة عطف على الجملة الواقعة صلة، وهي: «اشتروا» .

وزعم بعضهم أنها خبر المُبْتَدَأ، وأنَّ الفاء دخلت في الخَبَرِ لما تضّمنه الموصول من معنى الشَّرْط، فيصير قوله تعالى: ﴿الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ [البقرة: 274] ، ثم قال: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [البقرة: 274] وهذا وهم؛ لأن «الذين» ليس مبتدأ حتى يدّعي دخول الفاء في خبره، بل هو خَبَرٌ عن «أولئك» كما تقدّم. فإن قيل: يكون الموصول مبتدأ ثانياً، فتكون الفاء دخلت في خبره.

قلنا: يلزم من ذلك عدم الربط بين المبتدأ والجملة الواقعة خبرً عنه، وأيضاً فإنَّ الصّلة ماضية معنى.

فإن قيل: يكون «الَّذين» بدلاً من «أولئك» فالجَوابَ يصير الموصول مخصوصاً لإبداله من مخصوص، والصّلة أيضاً ماضية.

فإن قيل: «االذين» صفة ل «أولئك» ، ويصير نظير قولك: «الرجل الذي يأتيني فله درهم» .

قلنا: يرد بما رد به السؤال الثَّاني، وبأنه لا يجوز أن يكون وصفاً له؛ لأنه أعرف منه، ففسد هذا القَوْلُ.

والمشهور ضمّ واو «اشتروا» لالتقاء الساكنين، وإنما ضممت تشبيهاً بتاء الفاعل.

وقيل: للفرق بين واو الجِمْعِ والواو الأصلية نحو: ﴿لَوِ استطعنا﴾ [التوبة: 42] .

وقيل: لأن الضمة - هنا - أخفّ من الكسرة؛ لأنّها من جنس الواو.

وقيل: حركت بحركة الياء المحذوفة، فإن الأصل: «اشتريوا» كما سيأتي.

وقيل: هي للجمع فهي مثل: «نحن» . وقرئ بكسرها على أصل التقاء الساكنين، وبفتحها؛ لأنها أخف.

وأجاز الكسائي همزها تشبيهاً لها ب «أَدْؤُر» و «أَثْؤب» وهو ضعيف؛ لأن ضمها غير لازم.

وقال أبو البَقَاءِ: «ومنهم من يَخْتَلِسُهَا، فيحذفها لالتقاء السَّاكنين؛ وهو ضعيف جداً، لأن فيحذفها لالتقاء السَّاكنين؛ وهو ضعيف جداً، لأن قبلها فتحة، والفتحة لا تدلّ عليها» .

وأصل اشتروا: اشتريوا: فتحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقبلت أفلاً، قم حذفت لالتقاء السَّاكنين، وبقيت الفتحة دالّة عليها.

وقيل: بل حذفت الضَّمَّة من الياء فسكنت، فالتقى سَاكِنَانِ، فحذفت الياء لالتقائها ساكنةً مع «الواو» .

فإن قيل: واو الجمع قد حركت، فينبغي أن يعود السَّاكن المحذوف؟

فالجواب: أنَّ هذه الحركة عارضةٌ فهي في حكم السَّاكن، ولم يجئ ذلك إلاَّ في ضرورة الشعر؛ وأنشد الكِسَائيُّ:

215 - يَا صَيَاحِ لَمْ تَنَامِ العَشِيَّا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .

فأعاد الألف لما حركت الميم حركةٌ عارضةٌ.

و «الضَّلالة» مفعولة، وهي: الجور عن القَصْدِ، وفقد الاهتداء، فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين.

و «بالهدى» متعلّق ب «اشتروا» والباء هنا للعوض، وهي تدخل على المتروك أبداً.

فأما قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله الذين يَشْرُونَ الحياة الدنيا بالآخرة﴾ [النساء: 74] ، فإنَّ ظاهره أن الآخرة هي المأخوذة لا المتروكة.

فالجواب ما قاله الزَّمَخْشَرِيَ: «أن المراد ب» المشترين «المبطئون وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النِّفَاق، ويخلصوا الإيمان بالله - تعالى - ورسوله، ويجاهدوا في الله حَقّ الجهاد، فحينئذ دخلت» الباء «على المتروك.

والشِّراء - هاهنا - مَجَاز عن الاستبدال بمعنى أنهم لما تركوا الهدى، وآثروا الضلالة، جُعِلُوا بمنزلة لها بالهُدَى، ثم رشح هذا المجاز بقوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ} فأسند الرِّبْحِ إلى التِّجارة، والمعنى: فما ربحوا في تِجارتِهم؛ ونظير خذا التَّرْشيح قول الآخر: [الطويل] .

216 - بَكَى الخَزُّ مِنْ رَوْحٍ وَأَنْكَرَ جِلْدَهُ ... وَعَجَّتْ عَجِيجاً مِنْ جُذَامَ المَطَارِفُ

لما أسند البكاء إلى الخَزّ من أجل هذا الرجل - وهو رَوْح - وإنكاره لجلده مجازاً رَشّحه بقوله: «وَعَجّت المَطَارف من جُذام» أي: استغاثت الثياب من هذه القبيلة. وقول الآخر: [الطويل] .

217 - وَلَمَّا …

Al-Baqara 2:16Listen in Qur'an →
17

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًۭا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَٰتٍۢ لَّا يُبْصِرُونَ

Their example is that of one who kindled a fire, but when it illuminated what was around him, Allah took away their light and left them in darkness [so] they could not see.

اعلم أن المقصود من ضرب المِثَالِ أنه يؤثر في القَلْبِ ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه، وذلك لأن الغرض من المَثَلِ تشبيه الخَفِيّ بالجَلِيّ والغائب بالشاهد، فيتأكّد الوقوف على ماهيته، ويصير الحس مطابقاً للعقل، وذلك هو النهاية في الإيضاح في الترغيب في الإيمان لذا مثل بالظّلمة، فإذا أخبرت عن ضعف أمر ومثّلته بِنَسْجِ العنكبوت كان ذلك أبلغ في وقعه في القلب بالخبر مجرداً.

قوله: «مثلهم» مبتدأ و «كمثل» جار ومجرور خبره، فيتعلّق بمحذوف على قاعدة الباب، ولا مُبَالاة بخلاف من يقول: إنّ «كاف» التشبيه لا تتعلّق بشيء، والتقدير: مثلهم مستقر كَمَثَلِ. وأجاز أبو البقاء وابن عطية أن تكون «الكاف» اسماً هي الخبر، ونظيره قول الشاعر: [البسيط] .

220 - أَتَنْتَهُونَ؟ وَلَنْ يَنْهَى ذَوِي شَطَطٍ ... كَالطَّعْنِ يَذْهَبُ فيهِ الزَّيْتُ والفُتُلُ

وهذا مذهب الأخفش: يجيز أن تكون «الكاف» اسماً مطلقاً.

وأما مذهل سيبويه فلا يُجِيزُ ذلك إلا في شعر، وأمّا تنظيره بالبيت فليس كما قال؛ لأنّ في البيت نضطر إلى جعلها اسماً لكونها فاعلة، بخلاف الآية.

والذي ينبغي أن يقال: إن «كاف» التشبيه لها ثلاثة أحوال:

حال يتعيّن فيها أن تكون اسماً، وهي ما إذا كانت فاعلة، أو مجرورة بحرف، أو إضافة. مثال الفاعل: [البسيط]

221 - أَتَنْتَهونَ وَلَنْ يَنْهَى ... ... ... . ..... ... ... ... ... ... ... ...

البيت.

ومثال جَرِّها بحرف قول امرئ القَيْسِ: [الطويل]

222 - وَرُحْنَا بكَابْنِ المَاءِ يُجْنَبُ وَسْطَنَا ... تَصَوَّبُ فِيهِ العَيْنُ طَوْراً وَتَرْتَقِي

وقوله: [الوافر]

223 - وَزَعْتُ بِكَالْهِرَاوَةِ أَعْوَجِيِّ ... إذَا وَنَتِ الرُّكَابُ جَرَى وَثابَا

ومثال جَرِّها بالإضافة قوله: [السريع أو الرجز]

224 - فَصُيِّرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولْ ... وحال يتعيّن أن تكون فيها حرفاً، وهي الواقعة صلة، نحو: جاء الذي كزيد؛ لأن جعلها اسما يستلزم حذف عائد مبتدأ من غير طول الصِّلة، وهذا ممتنع عند البصريين. وحال يجوز فيها الأمران، وهي ما عدا ذلك نحو: «زيد كعمرو» .

وأبعد من جعلها زائدة في الآية الكريمة، أي: مثلهم مثل الذي، ونظّره بقوله: «ونظّره يقوله:» فَصُيِّرُوا مثل كعصف» كأنه جعل المثل والمثل بمعنى واحد، والوجه أن المثل - هنا - بمعنى القصّة والتقدير: صفتهم وقصتهم كقصّة المستوقد، فليست زائدةً على هذا التأويل، وهذا جواب عن سؤال أيضاً، وهو أن يقال: قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد﴾ يقتضي تشبيه مثلهم مثل المستوقد، فما مثل المنافقين ومثل المُسْتَوْقِدِ حتّى شّبّه أحدهما بالآخر؟

فالجواب: أن يقال: استعير المثل للقصّة وللصفة إذا كان لها شأن وفيها غرابة، كأنه قيل: قصتّهم العجيبةُ كقصّة الذي استوقد ناراً، وكذا قوله: ﴿مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون﴾ [الرعد: 35] أي فيما قصصنا عليه من العَجَائب قصّة الجنّة العجيبة.

﴿وَلِلَّهِ المثل الأعلى﴾ [النحل: 60] أي: الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة.

﴿مَثَلُهُمْ فِي التوراة﴾ [الفتح: 29] أي: وصفهم وشأنهم المتعجّب منه، ولكن المَثَل - بالفتح - ولذلك حوفظ في لفظه فلم يغير.

و «الذي» : في محلّ خفض بالإضافة، وهو موصول للمفرد المذكّر، ولكن المراد به - هنا - جمع ولذلك روعي مّعٍنَاه في قوله: ﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ﴾ فأعاد الضمير عليه جمعاً، والأولى أن يقال: إنَّ «الذي» وقع وصفاً لشيء يفهم الجمع، ثم حذف ذلك الموصوف للدّلالة عليه.

والتقدير: ومثلهم كمثل الفريق الذي استوقد، او الجمع الذي اسْتَوْقَدَ؛ ويكون قد روعي الوصف مرة، فعاد الضمير عليه مفرداً في قوله: ﴿استوقد نَاراً﴾ و «حوله» ، والموصوف أخرى فعاد الضمير عليه مجموعاً في قوله: «بنورهم» ، و «تركهم» .

وقيل: إنَّ المنافقين ذاتهم لم يشبهوا بذات المُسْتوقد، وإنما شبهت قصّتهم بقصّة المستوقد، ومثله قوله: ﴿مَثَلُ …

Al-Baqara 2:17Listen in Qur'an →
18

صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌۭ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ

Deaf, dumb and blind - so they will not return [to the right path].

الجمهور على رفعها على أنّها خبر مبتدأ محذوف، هم صم بكم، ويجيء فيه الخلاف المَشْهُور في تعدُّد الخبر، فمن أجاز ذلك حمل الآية عليه من غير تأويل، ومن منع ذلك قال: هذه الأخبار: وإن تعدّدت لفظاً، فهي متحدة معنى؛ لأن المعنى: هم غير قائلين للحق بسبب عَمَهُمْ وصَمَمِهِمْ، فيكون من باب: «هذا حُلْوٌ حَامِضٌ» أي: مُزٌّ، وهذا أعسر أيسر أي: أضبط، وقول الشاعر: [الطويل]

237 - يَنَامُ بإِحْدَى مُقْلَتَيْهِ ويَتَّقِي ... بِأُخْرَى الأَعَادِي، فَهُوَ يَقْظَانُ هَاجِعُ

أي: متحرّز.

أو يقدر لكل خبر مبتدأ تقديره: هم صُمّ بُكْمٌ، هم عُمْيٌ.

والمعنى: أنهم جامعون لهذه الأوصاف الثلاثة، ولولا ذلك لجاز أن تكون هذه الآية من باب ما تعدّد فيه الخبر لتعدّد المبتدأ، كقولك: الزيدون فقهاء شعراء كاتبون، فإنه يحتمل أن يكون المعنى أن بعضهم فقهاء، وبعضهم شعراء، وبعضهم كاتبون، وأنهم ليسوا جامعين لهذه الأوصاف الثلاثة، بل بعضهم اختصّ بالفقه، والبعض الآخر اختصّ بالشعر، والآخر بالكتابة.

وقرأ بعضهم «صمَّا بكمً عمياً» بالنصب، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه حالٌ، وفيه وجهان:

أحدهما: هو حال من الضمير المنصوب في «تركهم» .

والثاني: من المرفوع في «لا يُبًصِرُون» .

الثاني: النَّصْب على الذَّم كقوله: ﴿حَمَّالَةَ الحطب﴾ [المسد: 4] وقول الآخر:

238 - سَقَوْنِي الخَمْرَ ثُمَّ تَكَنَّفُونِي ... عُداةَ اللهِ مِنْ كَذِبٍ وزُورِ

أي: أذمُ عُداة الله.

الثالث: أن يكون منصوباً ب «ترك» ، أي: صمَّا بكماً عمياً.

والصّمم: داء يمنع من السَّمَاع، وأصله من الصَّلابة، يقال: قناة صَمّاء: أي: صلبة.

وقيل: أصله من الانسداد، ومنه: صممت القَارُورَة أي: سددتها.

والبَكَمُ: داءٌ يمنع الكلام.

وقيل: هو عدم الفَهْمِ.

وقيل: الأبكم من وُلِدً أَخْرَسَ.

وقوله: «فهم لا يرجعون» جملة خبرية معطوفة على الجملة الخبرية قبلها.

وقيل: بل الأولى دعاء عليهم بالصَّمم، ولا حاجة إلى ذلك.

وقال أبو البقاء: وقيل: فهم لا يرجعون حال، وهو خطأ؛ لأن «الفاء» ترتب، والأحوال لا ترتيب فيها.

و «رجع» يكون قاصراً ومتعدياً باعتبارين، وهذيل تقول:: أرجعه غيره «، فإذا كان بمعنى» عاد «كان لازماً، وإذا كان بمعنى» أعاد «كان متعدياً، والآية الكريمة تحتمل التَّقديرين، فإن جعلناه متعدياً، فالمفعول محذوف، تقديره لا يرجعون جواباً، مثل قوله: ﴿إِنَّهُ على رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق: 8] ، وزعم بعضهم أنه يضمَّن معنى» صار» ، فيرفع الاسم، وينصب الخبر، وجعل منه قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّاراً يَضْرِب بَعْضُكُم رِقابَ بَعْضٍ» .

ومن منع جريانه مجرى» صار «جعل المنصوب حالاً.

فصل في المراد بنفي السمع والبصر عنهم.

لما كان المعلوم من حالهم أنهم كانوا يسمعون، وينطقون، ويبصرون امتنع حمل ذلك على الحقيقة فلم يَبْقَ إلاّ تشبيه حالهم لشدة تمسُّكهم بالعناد، وإعراضهم عن سماع القرآن، وما يظهره الرسول من الأدلة والآيات بمن هو أصمّ في الحقيقة فلا يسمع، وإذا لم يسمع لم يتمكّن من الجواب، فلذلك جعله بمنزلة الأَبْكَمِ، وإذا لم ينتفع بالأدلّة، ولم يبصر طريق الرشد، فهو لمنزلة الأعمى.

وقوله: ﴿فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ أي: من التمسُّك بالنفاق فهم مستمرون على نفاقهم أبداً.

وقيل: لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، او عن الضَّلالة بعد أن اشتروها.

وقيل: أراد أنّهم بمنزلة المتحيّرين الّضين بقوا خامدين في مَكَانِهِمْ لا يبرحون، ولا يدرون أيتقدّمون أم يتأخرّون؟ وكيف يرجعون إلى حيث ابتدءوا منه؟

Al-Baqara 2:18Listen in Qur'an →
19

أَوْ كَصَيِّبٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٌۭ وَرَعْدٌۭ وَبَرْقٌۭ يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ ۚ وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَٰفِرِينَ

Or [it is] like a rainstorm from the sky within which is darkness, thunder and lightning. They put their fingers in their ears against the thunderclaps in dread of death. But Allah is encompassing of the disbelievers.

اعلم أنّ هذا مثل ثانٍ للمنافقين، وكيفية المشابهة من وجوه:

أحدها: أنه إذا حصل السحاب والرعد والبرق، واجتمع مع ظلمة السّحاب ظلمة الليل، وظلمة المَطَرِ عند ورود الصواعق عليهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصَّوَاعق حَذَرَ الموت، وأن البرق يكاد يخطف أبصارهم، فإذا أضاء لهم مَشَوْا فيه، وإذا ذهب بَقَول في ظلمة عظيمة، فوقفوا متحيّرين؛ لأنّ من أصابه البرق في هذه الظلمات الثلاث ثم ذَهَبَ عنه تشتدّ حيرته، وتعظم الظُّلمة في عينيه أكثر من الذي لم يزل في الظلمة، فشبّه المنافقين في حيرتهم وجهلهم بالدِّين بهؤلاء الذين وصفهم، إذا كانوا لا يرون طريقاً، ولا يهتدون.

وثانيها: أن المَطَرَ وإن كان نافعاً إلاّ أنه لما وجد في هذه الصُّورة مع هذه الأحوال الضَّارة صار النفع به زائلاً، فكذا إظهار الإيمان نافعٌ للمنافقين لو وافقه الباطن، فإذا فقد منه الاخلاص، وحصل أنواع المَخَافَةِ، فحصلت في المنافقين نهاية الحَيْرَةِ في الدين، ونهاية الخوف في الدنيا؛ لأنّ المنافق يتصور في كل وقت أنه لو حصل الوقوف على باطنه لقتل، فلا يزال الخَوْفُ في قلبه مع النفاق. ورابعها: المراد من الصَّيِّب هو الإيمان والقرآن، والظلمات والرعد والبرق هي الأشياء الشَّاقة على المنافقين من التكاليف كالصَّلاة والصوم وترك الرِّيَاسات، والجهاد مع الآباء والأمّهات، وترك الأديان القديمة، والانقياد لمحمد - عليه الصَّلاة والسَّلام - مع شدّة استنكافهم عن الانقياد، فكأنّ الإنسان يبالغ في الاحتراز عن المَطَرِ الصَّيِّب الذي [هو] أشَدُّ الأشياء نفعاً بسبب هذه الأُمُور المُقارنة، كذلك هؤلاء. والمراد من قوله: ﴿كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ﴾ أنّه متى حصل لهم شيء من المَنَافع، وهي عصمة أموالهم ودمائهم، وحصول الغنائم، فإنهم يرغبون في الدِّين.

قوله: ﴿وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾ أي متى لم يجدوا شيئاً من تلك المنافع، فحينئذ يكرهون الإيمان، ولا يرغبون فيه.

فصل في «أو»

في «او» خمسة أقوال:

أظهرها: أنها للتفصيل بمعنى: أنَّ الناظرين في حال منهم من يشبههم بحال المُسْتَوْقد، ومنهم من يشبههم بأَصْحاب صَيِّبٍ هذه صفته.

قال ابن الخطيب: «والثاني أبلغ؛ لأنه أدلُّ على فرط الحيرة» .

والثاني: أنها للإبهام، أي: أن الله أَبْهَمَ على عباده تشبيههم بهؤلاء أو بهؤلاء.

والثالث: أنها للشَّك، بمعنى: أنَّ الناظر يشكُّ في تشبيههم.

الرابع: أنها للإباحة.

الخامس: أنها للتخيير، قالوا: لأن أصلها تساوي شيئين فصاعداً في الشك، ثم اتسع فيها، فاستعيرت للتساوي في غير الشك كقولك: «جالس الحسن أو ابن سيرين» يريد أنهما سيّان، وأن يجالس أيهما شاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: 24] ، أي: الإثم والكفر متساويان في وجوب عصيانهما، وزاد الكوفيون فيها معنيين آخرين:

أحدهما: كونها بمعنى «الواو» ؛ وأنشدوا: [البسط]

239 - نضال الخِلاَفَةَ أوْ كَانَتْ لَهُ قَدَراً ... كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ

وقال تعالى: ﴿تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور: 61] وقال: [الطويل]

240 - وَقَدْ زَعَمَتْ لَيْلَى بِأَنِّيَ فَاجِرٌ ... لِنَفْسِي تُقَاهَا أوْ عَلَيْهَا فُجُورُهًا

قال ابن الخطيب: وهذه الوجوه مطردة في قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذلك فَهِيَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: 74] .

المعنى الثاني: كونها بمعنى: «بل» ؛ قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: 147] وأنشدوا: [الطويل]

241 - بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ في رَوْنَقِ الضُّحَى ... وَصُورَتِها أوْ أَنْتَ في العَيْنِ أمْلَحُ

أي: بل أنت.

و «كصيب» معطوف على «كَمَثَلِ» ، فهو في محل رفع، ولا بد من حذف مضافين؛ ليصح المعنى، التقدير يراد: …

Al-Baqara 2:19Listen in Qur'an →
20

يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ ۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَٰرِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

The lightning almost snatches away their sight. Every time it lights [the way] for them, they walk therein; but when darkness comes over them, they stand [still]. And if Allah had willed, He could have taken away their hearing and their sight. Indeed, Allah is over all things competent.

اعلم أنّ هذا مثل ثانٍ للمنافقين، وكيفية المشابهة من وجوه:

أحدها: أنه إذا حصل السحاب والرعد والبرق، واجتمع مع ظلمة السّحاب ظلمة الليل، وظلمة المَطَرِ عند ورود الصواعق عليهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصَّوَاعق حَذَرَ الموت، وأن البرق يكاد يخطف أبصارهم، فإذا أضاء لهم مَشَوْا فيه، وإذا ذهب بَقَول في ظلمة عظيمة، فوقفوا متحيّرين؛ لأنّ من أصابه البرق في هذه الظلمات الثلاث ثم ذَهَبَ عنه تشتدّ حيرته، وتعظم الظُّلمة في عينيه أكثر من الذي لم يزل في الظلمة، فشبّه المنافقين في حيرتهم وجهلهم بالدِّين بهؤلاء الذين وصفهم، إذا كانوا لا يرون طريقاً، ولا يهتدون.

وثانيها: أن المَطَرَ وإن كان نافعاً إلاّ أنه لما وجد في هذه الصُّورة مع هذه الأحوال الضَّارة صار النفع به زائلاً، فكذا إظهار الإيمان نافعٌ للمنافقين لو وافقه الباطن، فإذا فقد منه الاخلاص، وحصل أنواع المَخَافَةِ، فحصلت في المنافقين نهاية الحَيْرَةِ في الدين، ونهاية الخوف في الدنيا؛ لأنّ المنافق يتصور في كل وقت أنه لو حصل الوقوف على باطنه لقتل، فلا يزال الخَوْفُ في قلبه مع النفاق. ورابعها: المراد من الصَّيِّب هو الإيمان والقرآن، والظلمات والرعد والبرق هي الأشياء الشَّاقة على المنافقين من التكاليف كالصَّلاة والصوم وترك الرِّيَاسات، والجهاد مع الآباء والأمّهات، وترك الأديان القديمة، والانقياد لمحمد - عليه الصَّلاة والسَّلام - مع شدّة استنكافهم عن الانقياد، فكأنّ الإنسان يبالغ في الاحتراز عن المَطَرِ الصَّيِّب الذي [هو] أشَدُّ الأشياء نفعاً بسبب هذه الأُمُور المُقارنة، كذلك هؤلاء. والمراد من قوله: ﴿كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ﴾ أنّه متى حصل لهم شيء من المَنَافع، وهي عصمة أموالهم ودمائهم، وحصول الغنائم، فإنهم يرغبون في الدِّين.

قوله: ﴿وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾ أي متى لم يجدوا شيئاً من تلك المنافع، فحينئذ يكرهون الإيمان، ولا يرغبون فيه.

فصل في «أو»

في «او» خمسة أقوال:

أظهرها: أنها للتفصيل بمعنى: أنَّ الناظرين في حال منهم من يشبههم بحال المُسْتَوْقد، ومنهم من يشبههم بأَصْحاب صَيِّبٍ هذه صفته.

قال ابن الخطيب: «والثاني أبلغ؛ لأنه أدلُّ على فرط الحيرة» .

والثاني: أنها للإبهام، أي: أن الله أَبْهَمَ على عباده تشبيههم بهؤلاء أو بهؤلاء.

والثالث: أنها للشَّك، بمعنى: أنَّ الناظر يشكُّ في تشبيههم.

الرابع: أنها للإباحة.

الخامس: أنها للتخيير، قالوا: لأن أصلها تساوي شيئين فصاعداً في الشك، ثم اتسع فيها، فاستعيرت للتساوي في غير الشك كقولك: «جالس الحسن أو ابن سيرين» يريد أنهما سيّان، وأن يجالس أيهما شاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: 24] ، أي: الإثم والكفر متساويان في وجوب عصيانهما، وزاد الكوفيون فيها معنيين آخرين:

أحدهما: كونها بمعنى «الواو» ؛ وأنشدوا: [البسط]

239 - نضال الخِلاَفَةَ أوْ كَانَتْ لَهُ قَدَراً ... كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ

وقال تعالى: ﴿تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور: 61] وقال: [الطويل]

240 - وَقَدْ زَعَمَتْ لَيْلَى بِأَنِّيَ فَاجِرٌ ... لِنَفْسِي تُقَاهَا أوْ عَلَيْهَا فُجُورُهًا

قال ابن الخطيب: وهذه الوجوه مطردة في قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذلك فَهِيَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: 74] .

المعنى الثاني: كونها بمعنى: «بل» ؛ قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: 147] وأنشدوا: [الطويل]

241 - بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ في رَوْنَقِ الضُّحَى ... وَصُورَتِها أوْ أَنْتَ في العَيْنِ أمْلَحُ

أي: بل أنت.

و «كصيب» معطوف على «كَمَثَلِ» ، فهو في محل رفع، ولا بد من حذف مضافين؛ ليصح المعنى، التقدير يراد: …

Al-Baqara 2:20Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Lubab fi 'Ulum al-Kitab by Ibn 'Adil al-Hanbali. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.