Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 131–140 of 286

131

إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

When his Lord said to him, "Submit", he said "I have submitted [in Islam] to the Lord of the worlds."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣١ ] ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾

"إذْ" أيِ اصْطَفَيْناهُ لِأنَّهُ "قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ" أيْ لِرَبِّكَ، أيِ انْقَدْ لَهُ، وأخْلِصْ نَفْسَكَ لَهُ، أوِ اسْتَقِمْ عَلى الإسْلامِ، واثْبُتْ عَلى التَّوْحِيدِ "قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ" وظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّ القَوْلَ حَقِيقِيٌّ، ولَيْسَ في ذَلِكَ مانِعٌ، ولا ما جاءَ ما يُوجِبُ تَأْوِيلَهُ. وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: هو تَمْثِيلٌ، والمَعْنى: أخَطَرَ بِبالِهِ دَلائِلُ التَّوْحِيدِ المُؤَدِّيَةُ إلى المَعْرِفَةِ الدّاعِيَةِ إلى الإسْلامِ- لَيْسَ بِشَيْءٍ. ولا مَعْنى لِحَمْلِ شَيْءٍ مِنَ الكَلامِ عَلى المَجازِ، إذا أمْكَنَتْ فِيهِ الحَقِيقَةُ بِوَجْهٍ ما.

Al-Baqara 2:131Listen in Qur'an →
132

وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِۦمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ

And Abraham instructed his sons [to do the same] and [so did] Jacob, [saying], "O my sons, indeed Allah has chosen for you this religion, so do not die except while you are Muslims."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣٢ ] ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

"ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ" شُرُوعٌ في بَيانِ تَكْمِيلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِغَيْرِهِ، إثْرَ بَيانِ كَمالِهِ في نَفْسِهِ. والتَّوْصِيَةُ التَّقَدُّمُ إلى الغَيْرِ في الشَّيْءِ النّافِعِ المَحْمُودِ عاقِبَتُهُ، والضَّمِيرُ في "بِها" إمّا عائِدٌ لِقَوْلِهِ "أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ" عَلى تَأْوِيلِ الكَلِمَةِ والجُمْلَةِ. ونَحْوَهُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً﴾ [الزخرف: ٢٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] ﴿إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٧] وقَوْلُهُ "كَلِمَةً" دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّأْنِيثَ عَلى تَأْوِيلِ الكَلِمَةِ. وإمّا عائِدٌ إلى المِلَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وأُيِّدَ الأوَّلُ بِكَوْنِ المُوصى بِهِ مُطابِقًا في اللَّفْظِ لِأسْلَمْتُ، وقُرْبُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. ورَجَّحَ القاضِي الثّانِيَ لِكَوْنِ المَرْجِعِ مَذْكُورًا صَرِيحًا، ورَدُّ الإضْمارِ إلى المُصَرَّحِ بِذِكْرِهِ، إذا أمْكَنَ، أوْلى مِن رَدِّهِ إلى المَدْلُولِ والمَفْهُومِ. ولِكَوْنِ المِلَّةِ أجْمَعَ مِن تِلْكَ الكَلِمَةِ. والكُلُّ حَسَنٌ. وقَوْلُهُ تَعالى "بَنِيهِ" تُفِيدُ صِيغَةَ الجَمْعِ أنَّ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الوَلَدِ غَيْرَ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ. وقَرَأْتُ في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَزَوَّجَ، بَعْدَ وفاةِ سارَّةَ أُمِّ إسْحاقَ، امْرَأةً أُخْرى اسْمُها قَطُورَةُ، فَوَلَدَتْ لَهُ: زِمْرانَ ويَقْشانَ ومَدانَ ومِدْيانَ ويِشْباقَ وشُوحًا، فَعَلى هَذا تَكُونُ بَنُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَمانِيَةً "ويَعْقُوبُ" مَعْطُوفٌ عَلى إبْراهِيمَ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ووَصّى يَعْقُوبُ بَنِيهِ. لِأنَّ يَعْقُوبَ أوْصى بَنِيهِ أيْضًا كَما أوْصى إبْراهِيمُ بَنِيهِ. ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ [البقرة: ١٣٣] كَما سَيَأْتِي. وقُرِئَ "ويَعْقُوبَ" بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى بَنِيهِ، ومَعْناهُ: ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ، ونافِلَتَهُ يَعْقُوبَ. وقَدْ وُلِدَ يَعْقُوبُ في حَياةِ جَدِّهِ إبْراهِيمَ، وأدْرَكَ مِن حَياتِهِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، كَما يُسْتَفادُ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ، فَإنَّ فِيها أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وُلِدَ لَهُ إسْحاقُ وهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ، وماتَ وهو ابْنُ مِائَةٍ وخَمْسٍ وسَبْعِينَ سَنَةً، وكانَ لِإسْحاقَ، حِينَ وُلِدَ لَهُ يَعْقُوبُ وعِيسُو، سِتُّونَ سَنَةً، فاسْتُفِيدَ مِن ذَلِكَ ما ذَكَرْناهُ. ولِوُجُودِ يَعْقُوبَ في حَياةِ جَدِّهِ يُفْهَمُ سِرُّ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [الأنعام: ٨٤] وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] "يا بَنِيَّ" أيْ قالَ كُلٌّ مِن إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ، عَلى القِراءَةِ الأُولى. وعَلى الثّانِيَةِ: قالَ إبْراهِيمُ: ﴿يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾ أعْطاكُمُ الدِّينَ الَّذِي هو صَفْوَةُ الأدْيانِ، وهو دِينُ الإسْلامِ، الَّذِي لا دِينَ غَيْرُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى "فَلا" أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنِّي أقُولُ لَكم: لا "تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ" وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ إيجازٌ بَلِيغٌ. والمُرادُ: الزَمُوا الإسْلامَ، ولا تُفارِقُوهُ حَتّى تَمُوتُوا. وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن …

Al-Baqara 2:132Listen in Qur'an →
133

أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنۢ بَعْدِى قَالُوا۟ نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَٰهِۦمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ إِلَٰهًۭا وَٰحِدًۭا وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ

Or were you witnesses when death approached Jacob, when he said to his sons, "What will you worship after me?" They said, "We will worship your God and the God of your fathers, Abraham and Ishmael and Isaac - one God. And we are Muslims [in submission] to Him."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣٣ ] ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ إلَهًا واحِدًا ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾

﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾ أيْ ما كُنْتُمْ حاضِرِينَ حِينَئِذٍ، فَـ "أمْ" مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِـ "بَلْ"، والهَمْزَةِ، وفي الهَمْزَةِ الإنْكارُ المُفِيدُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ. والشُّهَداءُ جَمْعُ شَهِيدٍ أوْ شاهِدٍ بِمَعْنى الحاضِرِ، وحُضُورُ المَوْتِ حُضُورُ مُقَدِّماتِهِ "إذْ قالَ" أيْ يَعْقُوبُ "لِبَنِيهِ" وهم: رَأُوبَيْنُ، وشِمْعُونُ، ولاوِي، ويَهُوذا، ويَسّاكَرُ، وزَبُولُونُ، ويُوسُفُ، وبَنْيامِينُ، ودانُ، ونَفْتالِي، وجادُ، وأشِيرُ، وهُمُ الأسْباطُ الآتِي ذِكْرُهم "ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي" أيْ أيَّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَهُ بَعْدَ مَوْتِي، وأرادَ بِسُؤالِهِ تَقْرِيرَهم عَلى التَّوْحِيدِ والإسْلامِ، وأخَذَ مِيثاقَهم عَلى الثَّباتِ عَلَيْهِما: ﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِآبائِكَ، وجَعَلَ إسْماعِيلَ وهو عَمُّهُ مِن جُمْلَةِ آبائِهِ. لِأنَّ العَمَّ أبٌ والخالَةَ أُمٌّ، لِانْخِراطِهِما في سِلْكٍ واحِدٍ، وهو الأُخُوَّةُ، لا تَفاوُتَ بَيْنَهُما، ومِنهُ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، رَفَعَهُ ««عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أبِيهِ»» أيْ لا تَفاوُتَ بَيْنَهُما، كَما لا تَفاوُتَ بَيْنَ صِنْوَيِ النَّخْلَةِ. وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ البَراءِ، رَفَعَهُ: ««الخالَةُ بِمَنزِلَةِ الأُمِّ»»؛ ورَوى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ مُرْسَلًا: ««الخالَةُ والِدَةٌ»» .

"إلَهًا واحِدًا" بَدَلٌ مِن إلَهِ آبائِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالنّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥] ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٦] أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، أيْ نُرِيدُ بِإلَهِ آبائِكَ إلَهًا واحِدًا، وفي ذَلِكَ تَحْقِيقٌ لِلْبَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ، لِلتَّصْرِيحِ بِالتَّوْحِيدِ. ثُمَّ أخْبَرُوا بَعْدَ تَوْحِيدِهِمْ بِإخْلاصِهِمْ في عِبادَتِهِمْ، بِقَوْلِهِمْ "ونَحْنُ لَهُ" أيْ وحْدَهُ لا لِأبٍ ولا غَيْرِهِ "مُسْلِمُونَ" أيْ مُطِيعُونَ خاضِعُونَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] والإسْلامُ هو مِلَّةُ الأنْبِياءِ قاطِبَةً، وإنْ تَنَوَّعَتْ شَرائِعُهم، واخْتَلَفَتْ مَناهِجُهم، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] والآياتُ في هَذا كَثِيرَةٌ، والأحادِيثُ. ومِنها قَوْلُهُ ﷺ: ««نَحْنُ مَعاشِرَ الأنْبِياءِ أوْلادُ عِلّاتٍ، دِينُنا واحِدٌ»» وقَدِ اشْتَمَلَ نَبَأُ وصِيَّةِ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ عَلَيْهِما السَّلامُ لِبَنِيهِما عَلى دَقائِقَ مُرَغِّبَةٍ في الدِّينِ. مِنها أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: «وأمَرَ إبْراهِيمُ بَنِيهِ» بَلْ قالَ "وصّاهُمْ" . ولَفْظُ الوَصِيَّةِ أوْكَدُ مِنَ الأمْرِ، لِأنَّ الوَصِيَّةَ عِنْدَ الخَوْفِ مِنَ المَوْتِ، وفي ذَلِكَ الوَقْتِ يَكُونُ احْتِياطُ الإنْسانِ لِدِينِهِ أشَدَّ وأتَمَّ، فَدَلَّ عَلى الِاهْتِمامِ بِالوَصِيِّ بِهِ، والتَّمَسُّكِ بِهِ.

ومِنها تَخْصِيصُ بَنِيهِما بِذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّ شَفَقَةَ الرَّجُلِ عَلى أبْنائِهِ أكْثَرُ مِن شَفَقَتِهِ عَلى غَيْرِهِمْ، فَلَمّا خَصّاهم بِذَلِكَ في آخِرِ عُمْرِهِما عَلِمْنا أنَّ اهْتِمامَهُما بِذَلِكَ كانَ أشَدَّ مِنِ اهْتِمامِهِما بِغَيْرِهِ.

ومِنها أنَّهُما، عَلَيْهِما السَّلامُ، ما مَزَجا …

Al-Baqara 2:133Listen in Qur'an →
134

تِلْكَ أُمَّةٌۭ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

That was a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣٤ ] ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

"تِلْكَ" إشارَةٌ إلى إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ وبَنِيهِما المُوَحِّدِينَ "أُمَّةٌ" أيْ: جِيلٌ وجَماعَةٌ "قَدْ خَلَتْ" أيْ: سَلَفَتْ ومَضَتْ "لَها ما كَسَبَتْ" في إسْلامِها مِن الِاعْتِقاداتِ والأعْمالِ والأخْلاقِ "ولَكم ما كَسَبْتُمْ" أيْ مِمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الهَوى خاصٌّ بِكم، لا يُسْألُونَ هم عَنْ أعْمالِكم "ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ" والمَعْنى أنَّ أحَدًا لا يَنْفَعُهُ كَسْبُ غَيْرِهِ مُتَقَدِّمًا كانَ أوْ مُتَأخِّرًا. فَكَما أنَّ أُولَئِكَ لا يَنْفَعُهم إلّا ما اكْتَسَبُوا، فَكَذَلِكَ أنْتُمْ لا يَنْفَعُكم إلّا ما اكْتَسَبْتُمْ. فَما اقْتُصَّ عَلَيْكم أخْبارُهم، وما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ والدَّعْوَةِ إلَيْهِ، إلّا لِتَفْعَلُوا ما فَعَلُوهُ، فَتَنْتَفِعُوا. وإنْ أبَيْتُمْ، لَمْ تَنْتَفِعُوا بِأعْمالِهِمْ.

قالَ الرّازِيُّ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ، لِأنَّ قَوْلَهُ "لَها ما كَسَبَتْ" يَدُلُّ عَلى أنَّ كَسْبَ كُلِّ أحَدٍ يَخْتَصُّ بِهِ، ولا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُهُ، ولَوْ كانَ التَّقْلِيدُ جائِزًا، لَكانَ كَسْبُ المَتْبُوعِ نافِعًا لِلتّابِعِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنِّي ما ذَكَرْتُ حِكايَةَ أحْوالِهِمْ طَلَبًا مِنكم أنْ تُقَلِّدُوهم، ولَكِنْ لِتَنَبَّهُوا عَلى ما يَلْزَمُكم، فَتَسْتَدِلُّوا وتَعْلَمُوا أنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المِلَّةِ هو الحَقُّ. انْتَهى.

ومَعْلُومٌ أنَّ اتِّباعَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والإيمانَ بِهِمْ، لا يُسَمّى تَقْلِيدًا، لِخُرُوجِهِ عَنْ حَدِّهِ المُقَرَّرِ في كُتُبِ الأُصُولِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُمُ اعْتاضُوا عَنْ الِاهْتِداءِ بِالأصْفِياءِ مِن أسْلافِهِمْ، بِأنْ صارُوا دُعاةً إلى الكُفْرِ، مَعَ بَيانِ بُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِن كُلِّ وجْهٍ بِقَوْلِهِ:

Al-Baqara 2:134Listen in Qur'an →
135

وَقَالُوا۟ كُونُوا۟ هُودًا أَوْ نَصَٰرَىٰ تَهْتَدُوا۟ ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِۦمَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

They say, "Be Jews or Christians [so] you will be guided." Say, "Rather, [we follow] the religion of Abraham, inclining toward truth, and he was not of the polytheists."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣٥ ] ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾

"وقالُوا" أيِ الفَرِيقانِ مِن أهْلِ الكِتابِ "كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ" نَتَّبِعُ "مِلَّةَ إبْراهِيمَ" ونَسْتَنُّ بِسُنَّتِهِ لا نُحَوَّلُ عَنْها كَما تَحَوَّلْتُمْ "حَنِيفًا" أيْ مُسْتَقِيمًا أوْ مائِلًا عَنِ الباطِلِ إلى الحَقِّ، لِأنَّ الحَنَفَ، مُحَرَّكَةً، يُطْلَقُ عَلى الِاسْتِقامَةِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمائِلِ الرِّجْلِ أحْنَفُ، تَفاؤُلًا بِالِاسْتِقامَةِ كَما قالُوا لِلَّدِيغِ: سَلِيمٌ. ولِلْمُهْلِكَةِ: مَفازَةٌ. ويُطْلَقُ عَلى مَيْلٍ في صَدْرِ القَدَمِ، واعْوِجاجٍ في الرِّجْلِ، فالحَنِيفُ المُسْتَقِيمُ عَلى إسْلامِهِ لِلَّهِ تَعالى، المائِلُ عَنِ الشِّرْكِ إلى دِينِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.

ولَمّا أثْبَتَ إسْلامَهُ بِالحَنِيفِيَّةِ نَفى عَنْهُ غَيْرَهُ بِقَوْلِهِ "وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ" وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأهْلِ الكِتابِ، وإيذانٌ بِبُطْلانِ دَعْواهُمُ اتِّباعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، مَعَ إشْراكِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقَدْ أفادَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أنَّ ما عَلَيْهِ الفَرِيقانِ مَحْضُ ضَلالٍ وارْتِكابُ بُطْلانٍ، وأنَّ الدِّينَ المَرْضِيَّ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، وهو دَعْوَةُ الخَلْقِ إلى تَوْحِيدِهِ تَعالى، وعِبادَتِهِ وحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ.

ولَمّا خالَفَ المُشْرِكُونَ هَذا الأصْلَ العَظِيمَ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا خاتَمَ النَّبِيِّينَ لِدَعْوَةِ النّاسِ جَمِيعًا إلى هَذا الأصْلِ.

Al-Baqara 2:135Listen in Qur'an →
136

قُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِۦمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِىَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ

Say, [O believers], "We have believed in Allah and what has been revealed to us and what has been revealed to Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants and what was given to Moses and Jesus and what was given to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [in submission] to Him."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣٦ ] ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْنا وما أُنْـزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾

"قُولُوا" أيْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا. وفِيهِ إظْهارٌ لِمَزِيَّةِ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ يُلَقِّنُهم ولا يَسْتَنْطِقُهم فَيُقَصِّرُوا في مَقالِهِمْ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْنا﴾ أيْ: مِنَ الكِتابِ الَّذِي تَقَدَّمَ إنَّهُ الهُدى: ﴿وما أُنْـزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي كانُوا مُتَعَبِّدِينَ بِها، مِمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ صُحُفُ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومِنَ المُوحى إلَيْهِمْ خاصَّةً. والأسْباطُ هم أوْلادُ يَعْقُوبَ الِاثْنا عَشَرَ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهم، جَمْعُ سِبْطٍ وهو الحافِدُ. سُمُّوا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ حَفَدَةَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ. ﴿وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى﴾ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ﴿وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ﴾ مِمّا ذُكِرَ، وغَيْرُهم. ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ في الإيمانِ فَلا نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ كَما فَعَلَتِ اليَهُودُ والنَّصارى "ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" مُنْقادُونَ.

وقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَؤُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم، وقُولُوا: آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا»» .

Al-Baqara 2:136Listen in Qur'an →
137

فَإِنْ ءَامَنُوا۟ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍۢ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

So if they believe in the same as you believe in, then they have been [rightly] guided; but if they turn away, they are only in dissension, and Allah will be sufficient for you against them. And He is the Hearing, the Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣٧ ] ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾

"فَإنْ آمَنُوا" أيْ أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ أرادُوا أنْ يَسْتَتْبِعُوكم "بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ" أيْ بِما آمَنتُمْ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي فُصِّلَ. عَلى أنَّ المِثْلَ مُقْحَمٌ. وقَدْ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ: بِما آمَنتُمْ بِهِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ "فَقَدِ اهْتَدَوْا" إلى الحَقِّ وأصابُوهُ كَما اهْتَدَيْتُمْ. عَكْسَ ما قالُوا: كُونُوا مِثْلَنا تَهْتَدُوا "وإنْ تَوَلَّوْا" أيْ أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ بِما آمَنتُمْ بِهِ. "فَإنَّما هم في شِقاقٍ" أيْ فَما هم إلّا في خِلافٍ وعَداوَةٍ ولَيْسُوا مِن طَلَبِ الحَقِّ في شَيْءٍ.

قالَ القاضِي: ولا يَكادُ يُقالُ في المُعاداةِ عَلى وجْهِ الحَقِّ أوِ المُخالَفَةِ الَّتِي لا تَكُونُ مَعْصِيَةً إنَّهُ شِقاقٌ. وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ في مُخالَفَةٍ عَظِيمَةٍ تُوقِعُ صاحِبَها في عَداوَةِ اللَّهِ وغَضَبِهِ ولَعْنِهِ، وفي اسْتِحْقاقِ النّارِ. فَصارَ هَذا القَوْلُ وعِيدًا مِنهُ تَعالى لَهم، وصارَ وصْفُهم بِذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّ القَوْمَ مُعادُونَ لِلرَّسُولِ، مُضْمِرُونَ لَهُ السُّوءَ، مُتَرَصِّدُونَ لِإيقاعِهِ في المِحَنِ، فَعِنْدَ هَذا أمَّنَهُ اللَّهُ تَعالى مِن كَيْدِهِمْ وأمَّنَ المُؤْمِنِينَ مِن شَرِّهِمْ ومَكْرِهِمْ فَقالَ "فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ" تَقْوِيَةً لِقَلْبِهِ وقَلْبِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُ تَعالى إذا تَكَفَّلَ بِالكِفايَةِ في أمْرٍ حَصَلَتِ الثِّقَةُ بِهِ. وقَدْ أنْجَزَ وعْدَهُ بِقَتْلِ قُرَيْظَةَ وسَبْيِهِمْ وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ "وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ" أتْبَعَ وعْدَهُ بِالنَّصْرِ والكِفايَةِ، بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ مِن أمْرِهِمْ لا يَخْفى عَلَيْهِ تَعالى. فَهو يُسَبِّبُ لِكُلِّ قَوْلٍ وضَمِيرٍ مِنهم ما يَرُدُّ ضَرَرَهُ عَلَيْهِمْ. فَهو وعِيدٌ لَهم، أوْ وعْدٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . أيْ يَسْمَعُ ما تَدْعُو بِهِ، ويَعْلَمُ نِيَّتَكَ وما تُرِيدُهُ مِن إظْهارِ دِينِ الحَقِّ. وهو مُسْتَجِيبٌ لَكَ ومُوَصِّلُكَ إلى مُرادِكَ.

Al-Baqara 2:137Listen in Qur'an →
138

صِبْغَةَ ٱللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةًۭ ۖ وَنَحْنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ

[And say, "Ours is] the religion of Allah. And who is better than Allah in [ordaining] religion? And we are worshippers of Him."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣٨ ] ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾

"صِبْغَةَ اللَّهِ" مَصْدَرُ مُؤَكِّدٌ مُنْتَصِبٌ مِن قَوْلِهِ "آمَنّا بِاللَّهِ" كَذا قالَهُ سِيبَوَيْهِ، فَهو بِمَثابَةِ فِعْلِهِ. كَأنَّهُ قِيلَ صَبَغَنا اللَّهُ صِبْغَةً. أيْ صَبَغَ قُلُوبَنا بِالهِدايَةِ والبَيانِ صِبْغَةً كامِلَةً لا تَرْتَفِعُ بِماءِ الشَّبَهِ، ولا تَغْلِبُ صِبْغَةُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ. والصِّبْغَةُ كالصَّبْغِ (بِالكَسْرِ فِيهِما لُغَةً)، ما يُصْبَغُ بِهِ وتُلَوَّنُ بِهِ الثِّيابُ. ووُصِفَ الإيمانُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ تَطْهِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أوْضارِ الكُفْرِ، وحِلْيَةً تُزَيِّنُهم بِآثارِهِ الجَمِيلَةِ، ومُتَداخِلًا في قُلُوبِهِمْ. كَما أنَّ شَأْنَ الصَّبْغِ بِالنِّسْبَةِ إلى الثَّوْبِ كَذَلِكَ. ويُقالُ: صَبَغَ يَدَهُ بِالماءِ غَمَسَها فِيهِ، وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ:

؎دَعِ الشَّرَّ وانْزِلْ بِالنَّجاةِ تَحَرُّزًا إذا أنْتَ لَمْ يِصْبِغْكَ في الشَّرِّ صابِغُ

وقالَ الرّاغِبُ: الصِّبْغَةُ إشارَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إلى ما أوْجَدَهُ في النّاسِ مِن بِدايَةِ العُقُولِ الَّتِي مَيَّزَنا بِها مِنَ البَهائِمِ، ووَشَحَنا بِها لِمَعْرِفَتِهِ ومَعْرِفَةِ حُسْنِ العَدالَةِ وطَلَبِ الحَقِّ، وهو المُشارُ إلَيْهِ بِالفِطْرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] الآيَةَ، والمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ««كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ. .».» الخَبَرُ، وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ بِالصِّبْغَةِ مِن حَيْثُ إنَّ قُوى الإنْسانِ الَّتِي رَكِبَ عَلَيْها، إذا اعْتُبِرَتْ بِذاتِهِ، تَجْرِي مَجْرى الصِّبْغَةِ الَّتِي هي زِينَةُ المَصْبُوغِ. ولَمّا كانَتِ اليَهُودُ والنَّصارى، إذا لَقَّنُوا أوْلادَهُمُ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ، يَقُولُونَ: قَدْ صَبَغْناهُ -بَيَّنَ تَعالى أنَّ الإيمانَ بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ هو صِبْغَةُ اللَّهِ وفِطْرَتُهُ الَّتِي رَكَزَها في الخَلْقِ، ولا أحَدَ أحْسَنُ صِبْغَةً مِنهُ.

(ثُمَّ قالَ): وقَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ: إنَّ الصِّبْغَةَ هي الدِّينُ، وقَوْلُ غَيْرِهِمْ: إنَّها الشَّرِيعَةُ، وقَوْلُ مَن قالَ: هو الخِتانُ- إشارَةً إلى مَغْزًى واحِدٍ: ﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ. أيْ: لا صِبْغَةَ أحْسَنُ مِن صِبْغَتِهِ تَعالى. لِأنَّها صِبْغَةُ قَلْبٍ لا تَزُولُ. لِثَباتِها بِما تَوَلّاها الحَفِيظُ العَلِيمُ، فَلا يَرْتَدُّ أحَدٌ عَنْ دِينِهِ سَخْطَةً لَهُ بَعْدَ أنْ خالَطَ الإيمانُ بَشاشَةَ قَلْبِهِ. والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما في "صِبْغَةَ اللَّهِ" مِن مَعْنى الِابْتِهاجِ "ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ" شُكْرًا لِتِلْكَ النِّعْمَةِ ولِسائِرِ نِعَمِهِ. فَكَيْفَ تَذْهَبُ عَنّا صِبْغَتُهُ ونَحْنُ نُوَكِّدُها بِالعِبادَةِ، وهي تُزِيلُ رَيْنَ القَلْبِ فَيَنْطَبِعُ فِيهِ صُورَةُ الهِدايَةِ. وهو عَطْفٌ عَلى آمَنّا، داخِلٌ مَعَهُ تَحْتَ الأمْرِ.

Al-Baqara 2:138Listen in Qur'an →
139

قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِى ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَآ أَعْمَٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَٰلُكُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُخْلِصُونَ

Say, [O Muhammad], "Do you argue with us about Allah while He is our Lord and your Lord? For us are our deeds, and for you are your deeds. And we are sincere [in deed and intention] to Him."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣٩ ] ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ وهو رَبُّنا ورَبُّكم ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾

"قُلْ" مُنْكِرًا لِمُحاجَّتِهِمْ ومُوَبِّخًا لَهم عَلَيْها "أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ" أيْ: أتُناظِرُونَنا في تَوْحِيدِ اللَّهِ والإخْلاصِ لَهُ واتِّباعِ الهُدى وتَرْكِ الهَوى "وهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمُ" المُسْتَحِقُّ لِإخْلاصِ العُبُودِيَّةِ لَهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ونَحْنُ وأنْتُمْ في العُبُودِيَّةِ لَهُ سَواءٌ: ﴿ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ أيْ نَحْنُ بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ، وأنْتُمْ بُرَآءُ مِنّا. كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] وقالَ تَعالى: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠] الآيَةَ. "ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ" في العِبادَةِ والتَّوَجُّهِ، لا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وأنْتُمْ تُشْرِكُونَ بِهِ عُزَيْرًا والمَسِيحَ والأحْبارَ والرُّهْبانَ. ولَمّا بَقِيَ مِن مُباهَتاتِهِمُ ادِّعاؤُهم أنَّ أسْلافَهم كانُوا عَلى دِينِهِمْ، أبْطَلَها سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ:

Al-Baqara 2:139Listen in Qur'an →
140

أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَٰهِۦمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطَ كَانُوا۟ هُودًا أَوْ نَصَٰرَىٰ ۗ قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

Or do you say that Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants were Jews or Christians? Say, "Are you more knowing or is Allah?" And who is more unjust than one who conceals a testimony he has from Allah? And Allah is not unaware of what you do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤٠ ] ﴿أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾

"أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ" خَلِيلَ اللَّهِ "وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ" ابْنَيْهِ "ويَعْقُوبَ" ابْنَ إسْحاقَ "والأسْباطَ" أوْلادَ يَعْقُوبَ: "كانُوا هُودًا أوْ نَصارى" أيْ عَلى مِلَّتِهِمْ، إمّا اليَهُودِيَّةِ وإمّا النَّصْرانِيَّةِ "قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ" أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ كُلُّها أعْلَمُ. فَلا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا: نَحْنُ. وإنْ قالُوا: اللَّهُ، فَقَدْ بَرَّأ اللَّهُ إبْراهِيمَ ومَن مَعَهُ مِن ذَلِكَ. فَبَطَلَ ما ادَّعَوْا. وثَبَتَ أنَّهم، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، كانُوا عَلى الحَنِيفِيَّةِ مُسْلِمِينَ مُبَرَّئِينَ عَنِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ. هَذا مَعَ أنَّ رَدَّ قَوْلِهِمْ هَذا أظْهَرُ ظاهِرٍ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَعْقِلُ أنْ يَكُونَ السّابِقُ عَلى نِسْبَةٍ لِلّاحِقِ، ما حَدَثَتْ إلّا بَعْدَهُ بِمُدَدٍ مُتَطاوِلَةٍ. وسَيَأْتِي النَّصُّ الصَّرِيحُ بِإبْطالِ ذَلِكَ في آلِ عِمْرانَ. ولِما كانَ العِلْمُ عِنْدَهم عَنِ اللَّهِ بِأنَّ الخَلِيلَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، عَلى دِينِ الإسْلامِ، وكانُوا يَكْتُمُونَ ما عِنْدَهم مِن ذَلِكَ. مَعَ تَقْرِيرِ اللَّهِ لَهم بِهِ واسْتِخْبارِهِمْ عَنْهُ ونَهْيِهِ لَهم عَنْ كِتْمانِهِ وما يُقارِبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢] الآيَةَ- أشارَ إلى أشَدِّ الوَعِيدِ في كِتْمانِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً﴾ مَوْجُودَةً ومَوْعُودَةً "عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ" وهو كِتْمانُ العِلْمِ الَّذِي هو الإخْبارُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ حَيْثُ كَتَمُوا شَهادَتَهُ تَعالى لَهم، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بِالحَنِيفِيَّةِ والبَراءَةِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ.

قالَ التَّقِيُّ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: سَمّى تَعالى ما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ شَهادَةً كَما قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْـزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ [البقرة: ١٥٩] الآيَةَ، كَأنَّهُ قالَ: خَبَرًا عِنْدَهُ، دِينًا عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ، وبَيانًا عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ، وعِلْمًا عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ فَإنْ كانَ قَوْلُهُ "مِنَ اللَّهِ" مُتَعَلِّقًا بِـ "كَتَمَ" فَإنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ الشَّهاداتِ. وإنْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِـ "عِنْدَهُ"، وهو الأوْجَهُ، أوْ بِشَهادَةٍ، أوْ بِهِما، فَإنَّ الأمْرَ في ذَلِكَ واحِدٌ. أيْ شَهادَةً اسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ مِن جِهَةِ اللَّهِ. فَهو كِتْمانُ شَهاداتِ العِلْمِ المَوْرُوثِ عَنِ الأنْبِياءِ. فَسَمّى الإخْبارَ بِهِ شَهادَةً.

ثُمَّ قالَ: وكَذَلِكَ الأخْبارُ النَّبَوِيَّةُ إنَّما يُرادُ بِالشَّهادَةِ فِيها الإخْبارُ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ شَدِيدٌ. أيْ أنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكم وسَيَجْزِيكم عَلَيْهِ.

قالَ الرّازِيُّ: هَذا هو الكَلامُ الجامِعُ لِكُلِّ وعِيدٍ. ومَن تَصَوَّرَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِسِرِّهِ وإعْلانِهِ، ولا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، وأنَّهُ مِن وراءِ مُجازاتِهِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ لا يَمْضِي عَلَيْهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ إلّا وهو حَذِرٌ خائِفٌ. ألا تَرى أنَّ أحَدَنا لَوْ كانَ عَلَيْهِ رَقِيبٌ مِن جِهَةِ سُلْطانٍ يَعِدُّ عَلَيْهِ الأنْفاسَ، لَكانَ دائِمَ الحَذَرِ والوَجَلِ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ الرَّقِيبَ لا يَعْرِفُ إلّا الظّاهِرَ، …

Al-Baqara 2:140Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.