Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 121–130 of 286

121

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَتْلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

Those to whom We have given the Book recite it with its true recital. They [are the ones who] believe in it. And whoever disbelieves in it - it is they who are the losers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢١ ] ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ لِما ذَكَرَ تَعالى، فِيما تَقَدَّمَ، عَدَمَ رِضاءِ اليَهُودِ والنَّصارى إلّا بِاتِّباعِ مِلَّتِهِمْ، لِدَعْواهم أنَّهم عَلى حَقٍّ، وأنَّهم مُؤْمِنُونَ بِما لَدَيْهِمْ - فَنَّدَ تَعالى دَعْواهُمُ الإيمانَ بِهِ بِأنَّ مَن أُوتِيَ الكِتابَ فَتَلاهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ فَذاكَ المُؤْمِنُ بِهِ. والمَذْكُورُونَ مِمَّنْ لَمْ يَتْلُهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ، لِما عَدَّدَ مِن مَساوِئِ اليَهُودِ أوَّلًا، وشَفَعَهُ بِدَعْوى النَّصارى اتِّخاذَ الوَلَدِ. ومَن كانَ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ فَأنّى لَهُ الإيمانُ ؟ وهَلْ هو مِمَّنْ يَتْلُو الكِتابَ حَقَّ تِلاوَتِهِ؟ وكِتابُهُ يَأْمُرُ بِتَوْحِيدِ رَبِّهِ والمَشْيِ مَعَ شَرِيعَتِهِ وتَصْدِيقِ كُلِّ نَبِيٍّ يُصَدِّقُ ما مَعَهم، وقَدْ كَفَرُوا بِكُلِّ ذَلِكَ. فَجُمْلَةُ "يَتْلُونَهُ" حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن "هُمْ" أوْ مِنَ "الكِتابِ" . وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ سِيقَتْ مَدْحًا لِمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ بِالقُرْآنِ. فالضَّمِيرُ في "يَتْلُونَهُ" لِلْقُرْآنِ. فَتَكُونُ كَآيَةِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤] وكَآيَةِ: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]

ومِن تِلاوَتِهِ حَقَّ تِلاوَتِهِ الإيمانُ بِأنَّهُ حَقٌّ مِن رَبِّهِمْ، وصَبْرُهم ودَرْؤُهم بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ، وإنْفاقُهم وسُجُودُهم لَهُ تَعالى فالآيَتانِ مُفَسِّرَتانِ لِتِلاوَتِهِمْ حَقَّ تِلاوَتِهِ.

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! إنَّ حَقَّ تِلاوَتِهِ أنْ يُحِلَّ حَلالَهُ ويُحَرِّمَ حَرامَهُ، ويَقْرَأهُ كَما أنْزَلَ اللَّهُ، ولا يُحَرِّفُ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، ولا يَتَأوَّلُ مِنهُ شَيْئًا عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ. ومِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى "أُولَئِكَ" إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِينَ بِإيتاءِ الكِتابِ وتِلاوَتِهِ كَما هو حَقُّهُ "يُؤْمِنُونَ بِهِ" مَحَطُّ الفائِدَةِ ما يَلْزَمُ الإيمانُ بِهِ مِنَ الرِّبْحِ. بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ حَيْثُ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى.

Al-Baqara 2:121Listen in Qur'an →
122

يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٢ ] ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ [١٢٣ ] ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣]

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا﴾ [البقرة: ١٢٣] أيْ خافُوا "يَوْمًا لا تَجْزِي" أيْ لا تُغْنِي "نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ" فِيهِ "شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ" أيْ فِداءٌ "ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ" أيْ يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَدْ مَرَّ نَظِيرُ الآيَتَيْنِ في صَدْرِ السُّورَةِ.

قالَ القاضِي: ولَمّا صَدَّرَ قِصَّتَهم بِالأمْرِ بِذِكْرِ النِّعَمِ، والقِيامِ بِحُقُوقِها، والحَذَرِ عَنْ إضاعَتِها، والخَوْفِ مِنَ السّاعَةِ، وأهْوالِها- كَرَّرَ ذَلِكَ وخَتَمَ بِهِ الكَلامَ مَعَهم، مُبالَغَةً في النُّصْحِ وإيذانًا بِأنَّهُ فَذْلَكَةُ القَضِيَّةِ والمَقْصُودُ مِنَ القِصَّةِ.

Al-Baqara 2:122Listen in Qur'an →
123

وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍۢ شَيْـًۭٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌۭ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَٰعَةٌۭ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

And fear a Day when no soul will suffice for another soul at all, and no compensation will be accepted from it, nor will any intercession benefit it, nor will they be aided.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٢ ] ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ [١٢٣ ] ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣]

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا﴾ [البقرة: ١٢٣] أيْ خافُوا "يَوْمًا لا تَجْزِي" أيْ لا تُغْنِي "نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ" فِيهِ "شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ" أيْ فِداءٌ "ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ" أيْ يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. وقَدْ مَرَّ نَظِيرُ الآيَتَيْنِ في صَدْرِ السُّورَةِ.

قالَ القاضِي: ولَمّا صَدَّرَ قِصَّتَهم بِالأمْرِ بِذِكْرِ النِّعَمِ، والقِيامِ بِحُقُوقِها، والحَذَرِ عَنْ إضاعَتِها، والخَوْفِ مِنَ السّاعَةِ، وأهْوالِها- كَرَّرَ ذَلِكَ وخَتَمَ بِهِ الكَلامَ مَعَهم، مُبالَغَةً في النُّصْحِ وإيذانًا بِأنَّهُ فَذْلَكَةُ القَضِيَّةِ والمَقْصُودُ مِنَ القِصَّةِ.

Al-Baqara 2:123Listen in Qur'an →
124

۞ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَٰهِۦمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٍۢ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًۭا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّٰلِمِينَ

And [mention, O Muhammad], when Abraham was tried by his Lord with commands and he fulfilled them. [Allah] said, "Indeed, I will make you a leader for the people." [Abraham] said, "And of my descendants?" [Allah] said, "My covenant does not include the wrongdoers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٤ ] ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾

"وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ" لِما عابَ سُبْحانَهُ أهْلَ الضَّلالِ، وكانَ جُلُّهم مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجَمِيعُ طَوائِفِ المِلَلِ تُعَظِّمُهُ ومِنهُمُ العَرَبُ، وبَيْتُهُ الَّذِي بَناهُ أكْبَرُ مَفاخِرِهِمْ وأعْظَمُ مَآثِرِهِمْ- ذَكَّرَ الجَمِيعَ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ تَذْكِيرًا يُؤَدِّي إلى ثُبُوتِ هَذا الدِّينِ بِاطِّلاعِ هَذا النَّبِيِّ الأُمِّيِّ، الَّذِي لَمْ يُخالِطْ عالِمًا قَطُّ، عَلى ما لا يَعْلَمُهُ إلّا خَواصُّ العُلَماءِ. وذَكَرَ البَيْتَ الَّذِي بَناهُ فَجَعَلَهُ عِمادَ صَلاحِهِمْ، وأمَرَ بِأنْ يَتَّخِذَ بَعْضُ ما هُناكَ مُصَلًّى، تَعْظِيمًا لِأمْرِهِ وتَفْخِيمًا لِعَلِيِّ قَدْرِهِ، وفي التَّذْكِيرِ بِوَفائِهِ بَعْدَ ذِكْرِ الَّذِينَ وفَوْا بِحَقِّ التِّلاوَةِ، وبَعْدَ دَعْوَةِ بَنِي إسْرائِيلَ عامَّةً إلى الوَفاءِ بِالشُّكْرِ- حَثٌّ عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ. وكَذا في ذِكْرِ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ، هَزٌّ لِجَمِيعِ مَن يُعَظِّمُهُ إلى اتِّباعِهِ في ذَلِكَ. ذَكَرَهُ البِقاعِيُّ.

و"إذْ" مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ مُقَدَّمٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ. أيْ واذْكُرْ لَهم وقْتَ ابْتِلائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِيَتَذَكَّرُوا بِما وقَعَ فِيهِ مِنَ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلى التَّوْحِيدِ، الوازِعَةِ عَنِ الشِّرْكِ، فَيَقْبَلُوا الحَقَّ ويَتْرُكُوا ما هم فِيهِ مِنَ الباطِلِ. ولا يَبْعُدُ أنْ يَنْتَصِبَ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى "اذْكُرُوا" خُوطِبَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ لِيَتَأمَّلُوا فِيما يُحْكى، عَمَّنْ يَنْتَمُونَ إلى مِلَّتِهِ عَنْ إبْراهِيمَ وبَنِيهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ، فَيَقْتَدُوا بِهِمْ ويَسِيرُوا سِيرَتَهم. أيْ واذْكُرُوا إذِ ابْتَلى أباكم إبْراهِيمَ، فَأتَمَّ ما ابْتَلاهُ بِهِ. فَما لَكم أنْتُمْ لا تَقْتَدُونَ بِهِ فَتَفْعَلُوا عِنْدَ الِابْتِلاءِ فِعْلَهُ، في إيفاءِ العَهْدِ والثَّباتِ عَلى الوَعْدِ، لِأُجازِيَكم عَلى ذَلِكَ جَزاءَ المُحْسِنِينَ؟ والِابْتِلاءُ في الأصْلِ، الِاخْتِبارُ. أيْ تَطَلُّبُ الخِبْرَةِ بِحالِ المُخْتَبِرِ بِتَعْرِيضِهِ لِأمْرٍ يَشُقُّ عَلَيْهِ، غالِبًا، فَعَلَهُ أوْ تَرَكَهُ. والِاخْتِبارُ مِنّا لِظُهُورِ ما لَمْ نَعْلَمْ. ومِنَ اللَّهِ لِإظْهارِ ما قَدْ عُلِمَ. وعاقِبَهُ الِابْتِلاءِ ظُهُورُ الأمْرِ الخَفِيِّ في الشّاهِدِ والغائِبِ جَمِيعًا، فَلِذا تَجُوزُ إضافَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى "بِكَلِماتٍ" أيْ بِشَرائِعَ: أوامِرَ ونَواهٍ. ولِلْمُفَسِّرِينَ أقاوِيلُ فِيها وفي تَعْدادِها. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ولا يَجُوزُ الجَزْمُ بِشَيْءٍ مِمّا ذَكَرُوهُ مِنها أنَّهُ المُرادُ عَلى التَّعْيِينِ، إلّا بِحَدِيثٍ أوْ إجْماعٍ. قالَ: ولَمْ يَصِحَّ في ذَلِكَ خَبَرٌ بِنَقْلِ الواحِدِ ولا بِنَقْلِ الجَماعَةِ الَّذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ. انْتَهى.

وعِنْدِي أنَّ الأقْرَبَ في مَعْنى الكَلِماتِ هو ابْتِلاؤُهُ بِالإسْلامِ، فَأسْلَمَ لِرَبِّ العالَمِينَ وابْتِلاؤُهُ بِالهِجْرَةِ، فَخَرَجَ مِن بِلادِهِ وقَوْمِهِ حَتّى لَحِقَ بِالشّامِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ. وابْتِلاؤُهُ بِالنّارِ فَصَبَرَ عَلَيْها، ثُمَّ ابْتِلاؤُهُ بِالخِتانِ فَصَبَرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ ابْتِلاؤُهُ بِذَبْحِ ابْنِهِ فَسَلَّمَ واحْتَسَبَ.

كَما يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِن تَتَبُّعِ سِيرَتِهِ في التَّنْزِيلِ العَزِيزِ، وسِفْرِ …

Al-Baqara 2:124Listen in Qur'an →
125

وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةًۭ لِّلنَّاسِ وَأَمْنًۭا وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِۦمَ مُصَلًّۭى ۖ وَعَهِدْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِۦمَ وَإِسْمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ

And [mention] when We made the House a place of return for the people and [a place of] security. And take, [O believers], from the standing place of Abraham a place of prayer. And We charged Abraham and Ishmael, [saying], "Purify My House for those who perform Tawaf and those who are staying [there] for worship and those who bow and prostrate [in prayer]."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٥ ] ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾

"وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ" أيِ الَّذِي بَناهُ إبْراهِيمُ بِأُمِّ القُرى. وهو اسْمٌ غالِبٌ لِلْكَعْبَةِ. كالنَّجْمِ لِلثُّرَيّا "مَثابَةً لِلنّاسِ" مَباءَةً ومَرْجِعًا لِلْحُجّاجِ والعُمّارِ، يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ ثُمَّ يَتُوبُونَ إلَيْهِ. ومَثابَةٌ مَفْعَلَةٌ مِنَ (الثَّوْبِ) وهو الرُّجُوعُ تَرامِيًا إلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ. وسِرُّ هَذا التَّفْضِيلِ ظاهِرٌ في انْجِذابِ الأفْئِدَةِ وهَوى القُلُوبِ وانْعِطافِها ومَحَبَّتِها لَهُ. فَجَذْبُهُ لِلْقُلُوبِ أعْظَمُ مِن جَذْبِ المِغْناطِيسِ لِلْحَدِيدِ فَهو الأوْلى بِقَوْلِ القائِلِ:

؎مَحاسِنُهُ هُيُولى كُلِّ حُسْنٍ ومِغْناطِيسُ أفْئِدَةِ الرِّجالِ

فَهم يَثُوبُونَ إلَيْهِ عَلى تَعاقُبِ الأعْوامِ مِن جَمِيعِ الأقْطارِ. ولا يَقْضُونَ مِنهُ وطَرًا. بَلْ كُلَّما ازْدادُوا لَهُ زِيارَةً، ازْدادُوا لَهُ اشْتِياقًا.

؎لاْ يَرْجِعُ الطَّرْفُ عَنْها حِينَ يُبْصِرُها ∗∗∗ حَتّىْ يَعُودَ إلَيْها الطَّرْفُ مُشْتاقًا

فَلِلَّهِ كَمْ لَها مِن قَتِيلٍ وسَلِيبٍ وجَرِيحٍ ! وكَمْ أنْفَقَ في حُبِّها مِنَ الأمْوالِ والأرْواحِ ! ورَضِيَ المُحِبُّ بِمُفارَقَةِ فَلِذِ الأكْبادِ والأهْلِ والأحْبابِ والأوْطانِ، مُقَدِّمًا بَيْنَ يَدَيْهِ أنْواعَ المَخاوِفِ والمَتالِفِ والمَعاطِبِ والمَشاقِّ، وهو يَسْتَلِذُّ ذَلِكَ كُلَّهُ ويَسْتَطِيبُهُ !

ذَكَرَ هَذِهِ الشَّذْرَةَ (الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في أوائِلِ زادِ المَعادِ).

"وأمْنًا" مَوْضِعَ أمْنٍ. كَقَوْلِهِ: ﴿حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] وكَقَوْلِهِ: ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وقَدْ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ وهم آمِنُونَ لا يُسْبَوْنَ. وكانَ الرَّجُلُ يَلْقى قاتِلَ أبِيهِ أوْ أخِيهِ فَلا يَعْرِضُ لَهُ. وفي هَذا بَيانُ شَرَفِ البَيْتِ مِن كَوْنِهِ مَحَلًّا تَشْتاقُ إلَيْهِ الأرْواحُ ولا تَقْضِي مِنهُ وطَرًا، ولَوْ تَرَدَّدَتْ إلَيْهِ كُلَّ عامٍ، اسْتِجابَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِدُعاءِ خَلِيلِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧] إلى أنْ قالَ: ﴿رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ [إبراهيم: ٤٠] ومِن كَوْنِهِ مَأْمَنًا لِمَن دَخَلَهُ. كَما بَيَّنّا.

وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إنَّ هَذا بَلَدٌ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ. وهو حَرامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وإنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتالُ فِيهِ لِأحَدٍ قَبْلِي، ولَمْ يَحِلَّ لِي إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ»» . الحَدِيثَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ قُرِئَ بِكَسْرِ الخاءِ، أمْرًا مُعْتَرِضًا بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ الخَبَرِيَّتَيْنِ. أوْ بِتَقْدِيرِ: وقُلْنا اتَّخِذُوا. وقُرِئَ بِفَتْحِ الخاءِ ماضِيًا مَعْطُوفًا عَلى جَعَلْنا. أيْ: واتَّخَذُوهُ مُصَلًّى، ومَقامُ إبْراهِيمَ هو الحَرَمُ كُلُّهُ. عَنْ مُجاهِدٍ. وعَنْهُ: هو جَمْعٌ ومُزْدَلِفَةُ ومِنًى ومَكَّةُ. ويُقالُ: هو مَقامُهُ الَّذِي هو في المَسْجِدِ الحَرامِ. فَقَدْ قالَ قَتادَةُ: إنَّما أُمِرُوا أنْ يُصَلُّوا عِنْدَهُ ولَمْ يُؤْمَرُوا بِمَسْحِهِ. ولَقَدْ تَكَلَّفَتِ الأُمَمُ شَيْئًا مِمّا تَكَلَّفَتْهُ الأُمَمُ قَبْلَها.

قالَ الرّاغِبُ الأصْفَهانِيُّ: …

Al-Baqara 2:125Listen in Qur'an →
126

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنًۭا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًۭا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

And [mention] when Abraham said, "My Lord, make this a secure city and provide its people with fruits - whoever of them believes in Allah and the Last Day." [Allah] said. "And whoever disbelieves - I will grant him enjoyment for a little; then I will force him to the punishment of the Fire, and wretched is the destination."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٦ ] ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾

"وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا" أيِ المَوْضِعَ الَّذِي جَعَلْتَ فِيهِ بَيْتَكَ وأمَرْتَنِي بِأنْ أسْكَنْتُهُ مِن ذُرِّيَّتِي "بَلَدًا" أيْ يَأْنَسُ مَن يَحِلُّ بِهِ "آمِنًا" أيْ مِنَ الخَوْفِ. أيْ لا يُرْعَبُ أهْلُهُ. وقَدْ أجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وصَحَّتْ أحادِيثُ مُتَعَدِّدَةٌ بِتَحْرِيمِ القِتالِ فِيهِ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جابِرٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««لا يَحِلُّ لِأحَدٍ أنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلاحَ»» فَهو آمِنٌ مِنَ الآفاتِ، لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ جَبّارٌ إلّا قَصَمَهُ اللَّهُ. كَما فَعَلَ بِأصْحابِ الفِيلِ. وقَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ إبْراهِيمَ: ﴿هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥] بِتَعْرِيفِ البَلَدِ مَعَ جَعْلِهِ صِفَةً لِهَذا، خِلافَ ما هُنا، إمّا أنْ يُحْمَلَ عَلى تَعَدُّدِ السُّؤالِ بِأنْ تَكُونَ الدَّعْوَةُ الأُولى المَذْكُورَةُ هُنا، وقَعَتْ ولَمْ يَكُنِ المَكانُ قَدْ جُعِلَ بَلَدًا. كَأنَّهُ قالَ: اجْعَلْ هَذا الوادِيَ بَلَدًا آمِنًا. لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧] فَقالَ، هَهُنا، اجْعَلْ هَذا الوادِيَ بَلَدًا آمِنًا. والدَّعْوَةُ الثّانِيَةُ وقَعَتْ وقَدْ جُعِلَ بَلَدًا. فَكَأنَّهُ قالَ: اجْعَلْ هَذا المَكانَ الَّذِي صَيَّرْتَهُ بَلَدًا ذا أمْنٍ وسَلامَةٍ. وإمّا أنْ يُحْمَلَ عَلى وحْدَةِ السُّؤالِ وتَكَرُّرِ الحِكايَةِ كَما هو المُتَبادِرُ. فالظّاهِرُ أنَّ المَسْؤُولَ كِلا الأمْرَيْنِ. وقَدْ حَكى ذَلِكَ هُنا. واقْتَصَرَ هُناكَ عَلى حِكايَةِ سُؤالِ الأمْنِ، اكْتِفاءً عَنْ حِكايَةِ سُؤالِ البَلَدِيَّةِ بِحِكايَةِ سُؤالِ اجْعَلْ أفْئِدَةَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِ، هَذا خُلاصَةُ ما حَقَّقُوهُ.

وعِنْدِي أنَّ السُّؤالَ والمَسْؤُولَ واحِدٌ. إلّا أنَّهُ تَفَنَّنَ في المَوْضِعَيْنِ. فَحَذَفَ مِن كُلٍّ ما أثْبَتَهُ في الآخَرِ احْتِباكًا. والأصْلُ: رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ بَلَدًا آمِنًا. وبِهِ تَتَطابَقُ الدَّعْوَتانِ عَلى أبْدَعِ وجْهٍ وأخْلَصِهِ مِنَ التَّكَلُّفِ. عَلى ما فِيهِ مِن إفادَةِ المُبالَغَةِ. أيْ بَلَدًا كامِلًا في الأمْنِ: كَأنَّهُ قِيلَ: اجْعَلْهُ بَلَدًا مَعْلُومَ الِاتِّصافِ بِالأمْنِ مَشْهُورًا بِهِ كَقَوْلِكَ: كانَ هَذا اليَوْمُ يَوْمًا حارًّا. وفي القامُوسِ وشَرَحَهُ التّاجُ: البَلَدُ والبَلْدَةُ عَلَمٌ عَلى مَكَّةَ، شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى، تَفْخِيمًا لَها. كالنَّجْمِ لِلثُّرَيّا. وكُلُّ قِطْعَةٍ مِنَ الأرْضِ مُسْتَحِيزَةٌ عامِرَةٌ أوْ غامِرَةٌ خالِيَةٌ أوْ مَسْكُونَةٌ. وفي النِّهايَةِ: البَلَدُ مِنَ الأرْضِ ما كانَ مَأْوى الحَيَوانِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بِناءٌ. ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ إنَّما سَألَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ، لِأنَّ مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ بِها زَرْعٌ ولا ثَمَرٌ، فاسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى لَهُ، فَصارَتْ يُجْبى إلَيْها ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ "مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ" بَدَلٌ مِن "أهْلَهُ"، بَدَلُ …

Al-Baqara 2:126Listen in Qur'an →
127

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِۦمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And [mention] when Abraham was raising the foundations of the House and [with him] Ishmael, [saying], "Our Lord, accept [this] from us. Indeed You are the Hearing, the Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٧ ] ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾

﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ أيِ اذْكُرْ بِناءَهُما البَيْتَ ورَفْعَهُما القَواعِدَ مِنهُ. وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها العَجِيبَةِ، والقَواعِدُ: جَمْعُ قاعِدَةٍ، وهي الأساسُ والأصْلُ لِما فَوْقَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: القَواعِدُ: أساطِينُ البِناءِ الَّتِي تَعَمَّدَهُ "رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا" عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ: يَقُولانِ، وتَرْكُ مَفْعُولِ "تَقَبَّلْ" لِيَعُمَّ الدُّعاءُ وغَيْرُهُ مِنَ القُرَبِ والطّاعاتِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما هُما بِصَدَدِهِ مِنَ البِناءِ. كَما يُعْرِبُ عَنْهُ جَعْلُ الجُمْلَةِ الدُّعائِيَّةِ حالِيَّةً "إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ" لِدُعائِنا "العَلِيمُ" بِضَمائِرِنا ونِيّاتِنا.

وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في حَدِيثِ مَجِيءِ إبْراهِيمَ لِتَفَقُّدِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، «ثُمَّ قالَ: يا إسْماعِيلُ ! إنَّ اللَّهَ قَدْ أمَرَنِي بِأمْرٍ، قالَ: فاصْنَعْ ما أمَرَكَ رَبُّكَ، قالَ: وتُعِينُنِي ؟ قالَ: وأُعِينُكَ. قالَ: فَإنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أبْنِيَ هَهُنا بَيْتًا، وأشارَ إلى أكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلى ما حَوْلَها. قالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعا القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ، فَجَعَلَ إسْماعِيلُ يَأْتِي بِالحِجارَةِ، وإبْراهِيمُ يَبْنِي، حَتّى إذا ارْتَفَعَ البِناءُ، جاءَ بِهَذا الحَجَرِ، فَوَضَعَهُ لَهُ، فَقامَ عَلَيْهِ وهو يَبْنِي، وإسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ، وهُما يَقُولانِ ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ قالَ فَجَعَلا يَبْنِيانِ حَتّى يَدُورا حَوْلَ البَيْتِ، وهُما يَقُولانِ: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ» .

Al-Baqara 2:127Listen in Qur'an →
128

رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةًۭ مُّسْلِمَةًۭ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

Our Lord, and make us Muslims [in submission] to You and from our descendants a Muslim nation [in submission] to You. And show us our rites and accept our repentance. Indeed, You are the Accepting of repentance, the Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٨ ] ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾

"رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ" مُخْلِصَيْنِ لَكَ أوْجُهَنا. مِن قَوْلِهِ: أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ. أوْ مُسْتَسْلِمَيْنِ، يُقالُ: أسْلَمَ لَهُ وسَلَّمَ، واسْتَسْلَمَ، إذا خَضَعَ وأذْعَنَ. والمَعْنى: زِدْنا إخْلاصًا أوْ إذْعانًا لَكَ "ومِن ذُرِّيَّتِنا" واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِنا "أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ" و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِلتَّبْيِينِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ [النور: ٥٥] وإنَّما خَصّا الذُّرِّيَّةَ بِالدُّعاءِ، لِأنَّهم أحَقُّ بِالشَّفَقَةِ، ولِأنَّهم إذا صَلَحُوا صَلَحَ بِهِمُ الأتْباعُ "وأرِنا مَناسِكَنا" أيْ عَرِّفْنا مُتَعَبَّداتِنا، جَمْعُ مَنسَكٍ بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها، وهو المُتَعَبَّدُ، وشِرْعَةُ العِبادَةِ. يَقَعُ عَلى المَصْدَرِ والزَّمانِ والمَكانِ، مِنَ النُّسُكِ مُثَلَّثَةٌ وبِضَمَّتَيْنِ وهو العِبادَةُ والطّاعَةُ، وكُلُّ ما تُقُرِّبَ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى.

ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حَمَلَ المَناسِكَ عَلى مَناسِكِ الحَجِّ لِشُيُوعِها في أعْمالِهِ ومَواضِعِهِ. فالإراءَةُ حِينَئِذٍ لِتَعْرِيفِ تِلْكَ الأعْمالِ والبِقاعِ، وقَدْ رُوِيَتْ آثارٌ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ تَتَضَمَّنُ أنَّ جِبْرِيلَ أرى إبْراهِيمَ المَناسِكَ وأنَّ الشَّيْطانَ تَعَرَّضَ لَهُ، فَرَماهُ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالُوا: وفي ذَلِكَ ظُهُورٌ لِشَرَفِ عَمَلِ الحَجِّ، حَيْثُ كانَ مُتَلَقًّى عَنِ اللَّهِ بِلا واسِطَةٍ، لِكَوْنِهِ عَلَمًا عَلى آتِي يَوْمِ الدِّينِ، حَيْثُ لا واسِطَةَ هُناكَ بَيْنَ الرَّبِّ والعِبادِ. والَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ أئِمَّةُ اللُّغَةِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا مِن حَمْلِ المَناسِكِ عَلى ما يَرْجِعُ إلَيْهِ أصْلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ مِنَ العِبادَةِ والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى، واللُّزُومِ لِما يُرْضِيهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ عامًّا لِكُلِّ ما شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. أيْ عَلِّمْنا كَيْفَ نَعْبُدُكَ وأيْنَ نَعْبُدُكَ، وبِماذا نَتَقَرَّبُ إلَيْكَ، حَتّى نَخْدِمَكَ كَما يَخْدِمُ العَبْدُ مَوْلاهُ ؟ ﴿وتُبْ عَلَيْنا إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ هَذا الدُّعاءُ اسْتِتابَةَ لِما فَرَطَ مِنَ التَّقْصِيرِ. فَإنَّ العَبْدَ، وإنِ اجْتَهَدَ في طاعَةِ رَبِّهِ، فَإنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنِ التَّقْصِيرِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، إمّا عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ والنِّسْيانِ، أوْ عَلى سَبِيلِ تَرْكِ الأوْلى، فالدُّعاءُ مِنهُما، عَلَيْهِما السَّلامُ، لِأجْلِ ذَلِكَ.

Al-Baqara 2:128Listen in Qur'an →
129

رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

Our Lord, and send among them a messenger from themselves who will recite to them Your verses and teach them the Book and wisdom and purify them. Indeed, You are the Exalted in Might, the Wise."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٩ ] ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾

﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ هَذا إخْبارٌ عَنْ تَمامِ دَعْوَةِ إبْراهِيمَ لِأهْلِ الحَرَمِ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم، أيْ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وهُمُ العَرَبُ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ. وقَدْ أجابَ اللَّهُ تَعالى لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الدَّعْوَةَ، فَبَعَثَ في ذُرِّيَّتِهِ رَسُولًا مِنهم، وهو مُحَمَّدٌ، صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، إلى النّاسِ كافَّةً، وقَدْ أخْبَرَ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ، ومُرادُهُ هَذِهِ الدَّعْوَةَ؛ وذَلِكَ فِيما خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنِّي، عِنْدَ اللَّهِ، لَخاتَمُ النَّبِيِّينَ، وإنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمُنْجَدِلٌ في طِينَتِهِ، وسَأُنْبِئُكم بِأوَّلِ ذَلِكَ: أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبِشارَةُ عِيسى بِي، ورُؤْيا أُمِّيَ الَّتِي رَأتْ، وكَذَلِكَ أُمَّهاتُ النَّبِيِّينَ يَرَيْنَ»» . وأخْرَجَ أيْضًا نَحْوَهُ عَنْ أبِي أُمامَةَ، قالَ: «قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ ! ما كانَ أوَّلُ بَدْءِ أمْرِكَ ؟ قالَ: «دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبُشْرى عِيسى بِي، ورَأتْ أُمِّي أنَّهُ يَخْرُجُ مِنها نُورٌ أضاءَتْ مِنها قُصُورُ الشّامِ»» .

والمُرادُ أنَّ أوَّلَ مَن نَوَّهَ بِذِكْرِهِ وشَهَرَهُ في النّاسِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يَزَلْ ذِكْرُهُ في النّاسِ مَشْهُورًا حَتّى أفْصَحَ بِاسْمِهِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، حَيْثُ قالَ: ﴿إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ في الحَدِيثِ: ««دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبُشْرى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ»» . وقَوْلُهُ فِيهِ ««ورَأتْ أُمِّي أنَّهُ خَرَجَ مِنها نُورٌ أضاءَتْ مِنها قُصُورُ الشّامِ»» . قِيلَ: كانَ مِنها ما رَأتْهُ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ، وقَصَّتْهُ عَلى قَوْمِها، فَشاعَ فِيهِمْ واشْتُهِرَ بَيْنَهم، وكانَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً وإرْهاصًا. وتَخْصِيصُ الشّامِ بِظُهُورِ نُورِهِ إشارَةٌ إلى اسْتِقْرارِ دِينِهِ ونُبُوَّتِهِ بِبِلادِ الشّامِ، ولِهَذا يَكُونُ الشّامُ في آخِرِ الزَّمانِ مَعْقِلًا لِلْإسْلامِ وأهْلِهِ، وبِها يَنْزِلُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ -إذا نَزَلَ بِدِمَشْقَ- بِالمَنارَةِ الشَّرْقِيَّةِ البَيْضاءِ مِنها.

ولِهَذا جاءَ في الصَّحِيحَيْنِ: ««لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي ظاهِرِينَ عَلى الحَقِّ، لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهم، حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ، وهم كَذَلِكَ» وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ «وهم بِالشّامِ»» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ هي إمّا الفُرْقانُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، المَتْلُوُّ عَلَيْهِمْ، وإمّا الأعْلامُ الدّالَّةُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وصِفاتِهِ تَعالى. ومَعْنى تِلاوَتِهِ إيّاها عَلَيْهِمْ أنَّهُ كانَ يُذَكِّرُهم بِها، ويَدْعُوهم إلَيْها، ويَحْمِلُهم عَلى الإيمانِ بِها. وقَوْلُهُ تَعالى "ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ" أيِ الكامِلَ الشّامِلَ لِكُلِّ كِتابٍ وهو القُرْآنُ و"الحِكْمَةَ" هي السُّنَّةُ، فَسَّرَها بِها كَثِيرُونَ. وعَنْ مالِكٍ: هي مَعْرِفَةُ الدِّينِ، والفِقْهِ فِيهِ، والاتِّباعُ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى "ويُزَكِّيهِمْ" أيْ يُطَهِّرُهم مِنَ …

Al-Baqara 2:129Listen in Qur'an →
130

وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِۦمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

And who would be averse to the religion of Abraham except one who makes a fool of himself. And We had chosen him in this world, and indeed he, in the Hereafter, will be among the righteous.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣٠ ] ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾

﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ هَذا إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِأنْ يَكُونَ في العُقَلاءِ مَن يَرْغَبُ عَنِ الحَقِّ الواضِحِ الَّذِي هو مِلَّةُ إبْراهِيمَ، وهو ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِمُعانِدِي أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، أيْ لا يَرْغَبُ عَنْ مِلَّتِهِ الواضِحَةِ الغَرّاءِ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ، أيْ: حَمَلَها عَلى السَّفَهِ وهو الجَهْلُ.

قالَ الرّاغِبُ: وسَفِهَ نَفْسَهُ أبْلَغُ مِن جَهِلَها، وذاكَ أنَّ الجَهْلَ ضَرْبانِ: جَهْلٌ بَسِيطٌ، وهو أنْ لا يَكُونَ لِلْإنْسانِ اعْتِقادٌ في الشَّيْءِ. وجَهْلٌ مُرَكَّبٌ وهو أنْ يَعْتَقِدَ في الحَقِّ أنَّهُ باطِلٌ، وفي الباطِلِ أنَّهُ حَقٌّ. والسَّفَهُ أنْ يَعْتَقِدَ ذَلِكَ ويَتَحَرّى بِالفِعْلِ مُقْتَضى ما اعْتَقَدَهُ. فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ مَن رَغِبَ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَإنَّ ذَلِكَ لِسَفَهِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ أعْظَمُ مَذَمَّةً، فَهو مَبْدَأُ كُلِّ نَقِيضَةٍ، وذاكَ أنَّ مَن جَهِلَ نَفْسَهُ، جَهِلَ أنَّهُ مَصْنُوعٌ، وإذا جَهِلَ كَوْنَهُ مَصْنُوعًا جَهِلَ صانِعَهُ، وإذا لَمْ يُعْلَمْ أنَّ لَهُ صانِعًا، فَكَيْفَ يَعْرِفُ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، وما حَسَّنَهُ وقَبَّحَهُ ؟ ولِكَوْنِ مَعْرِفَتِها ذَرِيعَةً إلى مَعْرِفَةِ الخالِقِ جَلَّ ثَناؤُهُ، قالَ: ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] وقالَ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا﴾ أيِ اخْتَرْناهُ مِن بَيْنِ سائِرِ الخَلْقِ بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ والإمامَةِ، وتَكْثِيرِ الأنْبِياءِ مِن نَسْلِهِ، وإعْطاءِ الخُلَّةِ، وإظْهارِ المَناسِكِ عَلَيْهِ، وجَعْلِ بَيْتِهِ آمِنًا، ذا آياتٍ بَيِّناتٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ الَّذِينَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلى، وفي هَذا أكْبَرُ تَفْخِيمٍ لِرُتْبَةِ الصَّلاحِ، حَيْثُ جَعَلَهُ مِنَ المُتَّصِفِينَ بِها، فَهو حَقِيقٌ بِالإمامَةِ، لِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى في الدّارَيْنِ، فَفي ذَلِكَ أعْظَمُ تَرْغِيبٍ قِي اتِّباعِ دِينِهِ، والِاهْتِداءِ بِهَدْيِهِ. وأشَدُّ ذَمٍّ لِمَن خالَفَهُ.

قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ كَيْفَ وصَفَهُ بِالِاصْطِفاءِ في الدُّنْيا، وبِالصَّلاحِ في الآخِرَةِ، والنَّظَرِ يَقْتَضِي عَكْسَ ذَلِكَ. فَإنَّ الصَّلاحَ وصْفٌ يَرْجِعُ إلى الفِعْلِ، وذَلِكَ يَكُونُ في الدُّنْيا، والِاصْطِفاءُ حالٌ يَسْتَحِقُّهُ العَبْدُ بِكَوْنِهِ صالِحًا، فَحَقُّهُ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ ؟

قِيلَ: الِاصْطِفاءُ ضَرْبانِ، أحَدُهُما كَما قُلْتُ، والآخَرُ في الدُّنْيا، وهو اخْتِصاصُ اللَّهِ بَعْضَ العَبِيدِ بِوِلايَتِهِ ونُبُوَّتِهِ بِخُصُوصِيَّةٍ فِيهِ، وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿شاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَباهُ﴾ [النحل: ١٢١] والصَّلاحُ وإنِ اعْتُبِرَ بِأحْوالِ الدُّنْيا، فَمُجازًى بِهِ في الآخِرَةِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ مُجْتَبًى في الدُّنْيا لِما عَلِمَ اللَّهُ مِن حِكْمَتِهِ فِيهِ، ومَحْكُومٌ لَهُ في الآخِرَةِ، بِصَلاحِهِ في الدُّنْيا، تَنْبِيهًا أنَّ الثَّوابَ في الآخِرَةِ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ بِاصْطِفائِهِ في الدُّنْيا، وإنَّما اسْتَحَقَّهُ بِصَلاحِهِ فِيها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ "فِي الآخِرَةِ" أيْ في أفْعالِ الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ. ويَجُوزُ أنَّهُ عَنى بِقَوْلِهِ "فِي الدُّنْيا" حالَ بَقائِهِ، و"فِي …

Al-Baqara 2:130Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.