Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 121–130 of 286

121

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَتْلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

Those to whom We have given the Book recite it with its true recital. They [are the ones who] believe in it. And whoever disbelieves in it - it is they who are the losers.

قَوْلُهُ: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الحالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ أرْسَلْناكَ لِأجْلِ التَّبْشِيرِ والإنْذارِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُسْألُ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ، أيْ حالَ كَوْنِكَ غَيْرَ مَسْئُولٍ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ مَبْنِيًّا لِلْمَعْلُومِ.

قالَ الأخْفَشُ: ويَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ عَطْفًا عَلى ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ أيْ حالَ كَوْنِكَ غَيْرَ سائِلٍ عَنْهم، لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِكُفْرِهِمْ بَعْدَ إنْذارِهِمْ يُغْنِي عَنْ سُؤالِهِ عَنْهم، وقَرَأ نافِعٌ: ولا تَسْألْ بِالجَزْمِ، أيْ لا يَصْدُرُ مِنكَ السُّؤالُ عَنْ هَؤُلاءِ أوْ لا يَصْدُرُ مِنكَ السُّؤالُ عَمَّنْ ماتَ مِنهم عَلى كُفْرِهِ ومَعْصِيَتِهِ تَعْظِيمًا لِحالِهِ وتَغْلِيظًا لِشَأْنِهِ، أيْ أنَّ هَذا أمْرٌ فَظِيعٌ وخَطْبٌ شَنِيعٌ، يَتَعاظَمُ المُتَكَلِّمُ أنْ يُجْرِيَهُ عَلى لِسانِهِ أوْ يَتَعاظَمُ السّامِعُ أنْ يَسْمَعَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ﴾ الآيَةَ، أيْ لَيْسَ غَرَضُهم ومَبْلَغُ الرِّضا مِنهم ما يَقْتَرِحُونَهُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ ويُورِدُونَهُ مِنَ التَّعَنُّتاتِ، فَإنَّكَ لَوْ جِئْتَهم بِكُلِّ ما يَقْتَرِحُونَ وأجَبْتَهم عَنْ كُلِّ تَعَنُّتٍ لَمْ يَرْضَوْا عَنْكَ، ثُمَّ أخْبَرَهُ بِأنَّهم لَنْ يَرْضَوْا عَنْهُ حَتّى يَدْخُلَ في دِينِهِمْ ويَتَّبِعَ مِلَّتَهم.

والمِلَّةُ: اسْمٌ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ في كُتُبِهِ عَلى ألْسُنِ أنْبِيائِهِ وهَكَذا الشَّرِيعَةُ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ فَأمَرَهُ بِأنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ الحَقِيقِيُّ، لا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ المَنسُوخَةِ والكُتُبِ المُحَرَّفَةِ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَعِيدٍ شَدِيدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنِ اتَّبَعَ أهْواءَهم وحاوَلَ رِضاهم وأتْعَبَ نَفْسَهُ في طَلَبِ ما يُوافِقُهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيضًا لِأُمَّتِهِ وتَحْذِيرًا لَهم أنْ يُواقِعُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، أوْ يَدْخُلُوا في أهْوِيَةِ أهْلِ المِلَلِ ويَطْلُبُوا رِضا أهْلِ البِدَعِ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ الَّذِي تَرْجُفُ لَهُ القُلُوبُ وتَتَصَدَّعُ مِنهُ الأفْئِدَةُ، ما يُوجِبُ عَلى أهْلِ العِلْمِ الحامِلِينَ لِحُجَجِ اللَّهِ سُبْحانَهُ والقائِمِينَ بِبَيانِ شَرائِعِهِ، تَرْكَ الدِّهانَ لِأهْلِ البِدَعِ المُتَمَذْهِبِينَ بِمَذاهِبِ السُّوءِ، التّارِكِينَ لِلْعَمَلِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، المُؤْثِرِينَ لِمَحْضِ الرَّأْيِ عَلَيْهِما، فَإنَّ غالِبَ هَؤُلاءِ وإنْ أظْهَرَ قَبُولًا وأبانَ مِن أخْلاقِهِ لِينًا لا يُرْضِيهِ إلّا اتِّباعُ بِدْعَتِهِ والدُّخُولُ في مَداخِلِهِ والوُقُوعُ في حَبائِلِهِ، فَإنْ فَعَلَ العالِمُ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ ما يَسْتَفِيدُ بِهِ أنَّ هُدى اللَّهِ هو ما في كِتابِهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، لا ما هم عَلَيْهِ مِن تِلْكَ البِدَعِ الَّتِي هي ضَلالَةٌ مَحْضَةٌ، وجَهالَةٌ بَيِّنَةٌ ورَأْيٌ مُنْهارٌ، وتَقْلِيدٌ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ، فَهو إذْ ذاكَ ما لَهُ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو مَخْذُولٌ لا مَحالَةَ وهالِكٌ بِلا شَكٍّ ولا شُبْهَةٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ قِيلَ: هُمُ المُسْلِمُونَ والكِتابُ هو القُرْآنُ، وقِيلَ: مَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: يَتْلُونَهُ أنَّهم يَعْلَمُونَ بِما فِيهِ فَيُحَلِّلُونَ حَلالَهُ ويَحْرِمُونَ حَرامَهُ، فَيَكُونُ مِن تَلاهُ يَتْلُوهُ إذا اتَّبَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ أيِ اتَّبَعَها كَذا …

Al-Baqara 2:121Listen in Qur'an →
122

يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds.

قَوْلُهُ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ قَدْ سَبَقَ مِثْلُ هَذا في صَدْرِ السُّورَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، ووَجْهُ التَّكْرارِ الحَثُّ عَلى اتِّباعِ الرَّسُولِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ، ذَكَرَ مَعْناهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ.

وقالَ البَقاعِيُّ في تَفْسِيرِهِ: إنَّهُ لَمّا طالَ المَدى في اسْتِقْصاءِ تَذْكِيرِهِمْ بِالنِّعَمِ ثُمَّ في بَيانِ عَوارِهِمْ وهَتْكِ أسْتارِهِمْ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِالتَّرْهِيبِ لِتَضْيِيعِ أدْيانِهِمْ بِأعْمالِهِمْ وأحْوالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، أعادَ ما صَدَّرَ بِهِ قِصَّتَهم مِنَ التَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ، والتَّحْذِيرِ مِن حُلُولِ النِّقَمِ يَوْمَ تُجْمَعُ الأُمَمُ، ويَدُومُ فِيهِ النَّدَمُ لِمَن زَلَّتْ بِهِ القَدَمُ، لِيُعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ فَذْلَكَةُ القِصَّةِ، والمَقْصُودُ بِالذّاتِ الحَثُّ عَلى انْتِهازِ الفُرْصَةِ. انْتَهى.

وأقُولُ: لَيْسَ هَذا بِشَيْءٍ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ سَبَبُ التَّكْرارِ ما ذَكَرَهُ مِن طُولِ المَدى وأنَّهُ عادَ ما صَدَّرَ بِهِ قِصَّتهمْ لِذَلِكَ - لَكانَ الأوْلى بِالتَّكْرارِ، والأحَقُّ بِإعادَةِ الذِّكْرِ هو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكم وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَعَ كَوْنِها أوَّلَ الكَلامِ مَعَهم والخِطابِ لَهم في هَذِهِ السُّورَةِ، هي أيْضًا أوْلى بِأنْ تُعادَ وتُكَرَّرَ لِما فِيها مِنَ الأمْرِ بِذِكْرِ النِّعَمِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ والرَّهْبَةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وبِهَذا تَعْرِفُ صِحَّةَ ما قَدَّمْناهُ لَكَ عِنْدَ بَيانِ شَرْعِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في خِطابِ بَنِي إسْرائِيل مِن هَذِهِ السُّورَةِ فَراجِعْهُ ثُمَّ حَكى البَقاعِيُّ بَعْدَ كَلامِهِ السّابِقِ عَنِ الحَوالِي أنَّهُ قالَ: كَرَّرَهُ تَعالى إظْهارًا لِمَقْصِدِ التِئامِ آخِرِ الخِطابِ بِأوَّلِهِ، ولِيُتَّخَذَ هَذا الإفْصاحُ والتَّعْلِيمُ أصْلًا لِما يُمْكِنُ بِأنْ يَرِدَ مِن نَحْوِهِ في سائِرِ القُرْآنِ حَتّى كانَ الخِطابُ إذا انْتَهى إلى غايَةِ خاتَمِهِ يَجِبُ أنْ يَلْحَظَ القَلْبُ بِذاتِهِ تِلْكَ الغايَةَ فَيَتْلُوها لِيَكُونَ في تِلاوَتِهِ جامِعًا لِطَرَفَيِ الثَّناءِ، وفي تَفْهِيمِهِ جامِعًا لِمَعانِي طَرَفَيِ المَعْنى. انْتَهى.

وأقُولُ: لَوْ كانَ هَذا هو سَبَبَ التَّكْرارِ لَكانَ الأوْلى بِهِ ما عَرَّفْناكَ.

وأمّا قَوْلُهُ: ولِيُتَّخَذَ ذَلِكَ أصْلًا لِما يَرِدُ مِنَ التَّكْرارِ في سائِرِ القُرْآنِ، فَمَعْلُومٌ أنَّ حُصُولَ هَذا الأمْرِ في الأذْهانِ وتَقَرُّرَهُ في الأفْهامِ لا يَخْتَصُّ بِتَكْرِيرِ آيَةٍ مُعَيَّنَةٍ يَكُونُ افْتِتاحُ هَذا المَقْصِدِ بِها، فَلَمْ تَتِمَّ حِينَئِذٍ النُّكْتَةُ في تَكْرِيرِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِخُصُوصِهِما، ولِلَّهِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ الَّتِي لا تَبْلُغُها الأفْهامُ ولا تُدْرِكُها العُقُولُ، فَلَيْسَ في تَكْلِيفِ هَذِهِ المُناسَباتِ المُتَعَسِّفَةِ إلّا ما عَرَّفْناكَ بِهِ هُنالِكَ فَتَذَكَّرْ.

قَوْلُهُ: ﴿وإذِ ابْتَلى﴾ الِابْتِلاءُ: الِامْتِحانُ والِاخْتِبارُ: أيِ ابْتَلاهُ بِما أمَرَهُ بِهِ، و" إبْراهِيمَ " مَعْناهُ في السُّرْيانِيَّةِ أبٌ رَحِيمٌ، كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَعْناهُ في العَرَبِيَّةِ ذَلِكَ.

قالَ السُّهَيْلِيُّ: وكَثِيًرا ما يَقَعُ الِاتِّفاقُ بَيْنَ السُّرْيانِيِّ والعَرَبِيِّ.

وقَدْ أوْرَدَ صاحِبُ الكَشّافِ هُنا سُؤالًا في رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى إبْراهِيمَ مَعَ كَوْنِ رُتْبَتِهِ التَّأْخِيرَ، وأجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَفْظًا فَرَجَعَ إلَيْهِ، والأمْرُ في هَذا أوْضَحُ مِن أنْ …

Al-Baqara 2:122Listen in Qur'an →
123

وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍۢ شَيْـًۭٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌۭ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَٰعَةٌۭ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

And fear a Day when no soul will suffice for another soul at all, and no compensation will be accepted from it, nor will any intercession benefit it, nor will they be aided.

قَوْلُهُ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ قَدْ سَبَقَ مِثْلُ هَذا في صَدْرِ السُّورَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، ووَجْهُ التَّكْرارِ الحَثُّ عَلى اتِّباعِ الرَّسُولِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ، ذَكَرَ مَعْناهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ.

وقالَ البَقاعِيُّ في تَفْسِيرِهِ: إنَّهُ لَمّا طالَ المَدى في اسْتِقْصاءِ تَذْكِيرِهِمْ بِالنِّعَمِ ثُمَّ في بَيانِ عَوارِهِمْ وهَتْكِ أسْتارِهِمْ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِالتَّرْهِيبِ لِتَضْيِيعِ أدْيانِهِمْ بِأعْمالِهِمْ وأحْوالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، أعادَ ما صَدَّرَ بِهِ قِصَّتَهم مِنَ التَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ، والتَّحْذِيرِ مِن حُلُولِ النِّقَمِ يَوْمَ تُجْمَعُ الأُمَمُ، ويَدُومُ فِيهِ النَّدَمُ لِمَن زَلَّتْ بِهِ القَدَمُ، لِيُعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ فَذْلَكَةُ القِصَّةِ، والمَقْصُودُ بِالذّاتِ الحَثُّ عَلى انْتِهازِ الفُرْصَةِ. انْتَهى.

وأقُولُ: لَيْسَ هَذا بِشَيْءٍ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ سَبَبُ التَّكْرارِ ما ذَكَرَهُ مِن طُولِ المَدى وأنَّهُ عادَ ما صَدَّرَ بِهِ قِصَّتهمْ لِذَلِكَ - لَكانَ الأوْلى بِالتَّكْرارِ، والأحَقُّ بِإعادَةِ الذِّكْرِ هو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكم وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَعَ كَوْنِها أوَّلَ الكَلامِ مَعَهم والخِطابِ لَهم في هَذِهِ السُّورَةِ، هي أيْضًا أوْلى بِأنْ تُعادَ وتُكَرَّرَ لِما فِيها مِنَ الأمْرِ بِذِكْرِ النِّعَمِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ والرَّهْبَةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وبِهَذا تَعْرِفُ صِحَّةَ ما قَدَّمْناهُ لَكَ عِنْدَ بَيانِ شَرْعِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في خِطابِ بَنِي إسْرائِيل مِن هَذِهِ السُّورَةِ فَراجِعْهُ ثُمَّ حَكى البَقاعِيُّ بَعْدَ كَلامِهِ السّابِقِ عَنِ الحَوالِي أنَّهُ قالَ: كَرَّرَهُ تَعالى إظْهارًا لِمَقْصِدِ التِئامِ آخِرِ الخِطابِ بِأوَّلِهِ، ولِيُتَّخَذَ هَذا الإفْصاحُ والتَّعْلِيمُ أصْلًا لِما يُمْكِنُ بِأنْ يَرِدَ مِن نَحْوِهِ في سائِرِ القُرْآنِ حَتّى كانَ الخِطابُ إذا انْتَهى إلى غايَةِ خاتَمِهِ يَجِبُ أنْ يَلْحَظَ القَلْبُ بِذاتِهِ تِلْكَ الغايَةَ فَيَتْلُوها لِيَكُونَ في تِلاوَتِهِ جامِعًا لِطَرَفَيِ الثَّناءِ، وفي تَفْهِيمِهِ جامِعًا لِمَعانِي طَرَفَيِ المَعْنى. انْتَهى.

وأقُولُ: لَوْ كانَ هَذا هو سَبَبَ التَّكْرارِ لَكانَ الأوْلى بِهِ ما عَرَّفْناكَ.

وأمّا قَوْلُهُ: ولِيُتَّخَذَ ذَلِكَ أصْلًا لِما يَرِدُ مِنَ التَّكْرارِ في سائِرِ القُرْآنِ، فَمَعْلُومٌ أنَّ حُصُولَ هَذا الأمْرِ في الأذْهانِ وتَقَرُّرَهُ في الأفْهامِ لا يَخْتَصُّ بِتَكْرِيرِ آيَةٍ مُعَيَّنَةٍ يَكُونُ افْتِتاحُ هَذا المَقْصِدِ بِها، فَلَمْ تَتِمَّ حِينَئِذٍ النُّكْتَةُ في تَكْرِيرِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِخُصُوصِهِما، ولِلَّهِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ الَّتِي لا تَبْلُغُها الأفْهامُ ولا تُدْرِكُها العُقُولُ، فَلَيْسَ في تَكْلِيفِ هَذِهِ المُناسَباتِ المُتَعَسِّفَةِ إلّا ما عَرَّفْناكَ بِهِ هُنالِكَ فَتَذَكَّرْ.

قَوْلُهُ: ﴿وإذِ ابْتَلى﴾ الِابْتِلاءُ: الِامْتِحانُ والِاخْتِبارُ: أيِ ابْتَلاهُ بِما أمَرَهُ بِهِ، و" إبْراهِيمَ " مَعْناهُ في السُّرْيانِيَّةِ أبٌ رَحِيمٌ، كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَعْناهُ في العَرَبِيَّةِ ذَلِكَ.

قالَ السُّهَيْلِيُّ: وكَثِيًرا ما يَقَعُ الِاتِّفاقُ بَيْنَ السُّرْيانِيِّ والعَرَبِيِّ.

وقَدْ أوْرَدَ صاحِبُ الكَشّافِ هُنا سُؤالًا في رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى إبْراهِيمَ مَعَ كَوْنِ رُتْبَتِهِ التَّأْخِيرَ، وأجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَفْظًا فَرَجَعَ إلَيْهِ، والأمْرُ في هَذا أوْضَحُ مِن أنْ …

Al-Baqara 2:123Listen in Qur'an →
124

۞ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَٰهِۦمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٍۢ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًۭا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّٰلِمِينَ

And [mention, O Muhammad], when Abraham was tried by his Lord with commands and he fulfilled them. [Allah] said, "Indeed, I will make you a leader for the people." [Abraham] said, "And of my descendants?" [Allah] said, "My covenant does not include the wrongdoers."

قَوْلُهُ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ قَدْ سَبَقَ مِثْلُ هَذا في صَدْرِ السُّورَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، ووَجْهُ التَّكْرارِ الحَثُّ عَلى اتِّباعِ الرَّسُولِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ، ذَكَرَ مَعْناهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ.

وقالَ البَقاعِيُّ في تَفْسِيرِهِ: إنَّهُ لَمّا طالَ المَدى في اسْتِقْصاءِ تَذْكِيرِهِمْ بِالنِّعَمِ ثُمَّ في بَيانِ عَوارِهِمْ وهَتْكِ أسْتارِهِمْ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِالتَّرْهِيبِ لِتَضْيِيعِ أدْيانِهِمْ بِأعْمالِهِمْ وأحْوالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، أعادَ ما صَدَّرَ بِهِ قِصَّتَهم مِنَ التَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ، والتَّحْذِيرِ مِن حُلُولِ النِّقَمِ يَوْمَ تُجْمَعُ الأُمَمُ، ويَدُومُ فِيهِ النَّدَمُ لِمَن زَلَّتْ بِهِ القَدَمُ، لِيُعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ فَذْلَكَةُ القِصَّةِ، والمَقْصُودُ بِالذّاتِ الحَثُّ عَلى انْتِهازِ الفُرْصَةِ. انْتَهى.

وأقُولُ: لَيْسَ هَذا بِشَيْءٍ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ سَبَبُ التَّكْرارِ ما ذَكَرَهُ مِن طُولِ المَدى وأنَّهُ عادَ ما صَدَّرَ بِهِ قِصَّتهمْ لِذَلِكَ - لَكانَ الأوْلى بِالتَّكْرارِ، والأحَقُّ بِإعادَةِ الذِّكْرِ هو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكم وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَعَ كَوْنِها أوَّلَ الكَلامِ مَعَهم والخِطابِ لَهم في هَذِهِ السُّورَةِ، هي أيْضًا أوْلى بِأنْ تُعادَ وتُكَرَّرَ لِما فِيها مِنَ الأمْرِ بِذِكْرِ النِّعَمِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ والرَّهْبَةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وبِهَذا تَعْرِفُ صِحَّةَ ما قَدَّمْناهُ لَكَ عِنْدَ بَيانِ شَرْعِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في خِطابِ بَنِي إسْرائِيل مِن هَذِهِ السُّورَةِ فَراجِعْهُ ثُمَّ حَكى البَقاعِيُّ بَعْدَ كَلامِهِ السّابِقِ عَنِ الحَوالِي أنَّهُ قالَ: كَرَّرَهُ تَعالى إظْهارًا لِمَقْصِدِ التِئامِ آخِرِ الخِطابِ بِأوَّلِهِ، ولِيُتَّخَذَ هَذا الإفْصاحُ والتَّعْلِيمُ أصْلًا لِما يُمْكِنُ بِأنْ يَرِدَ مِن نَحْوِهِ في سائِرِ القُرْآنِ حَتّى كانَ الخِطابُ إذا انْتَهى إلى غايَةِ خاتَمِهِ يَجِبُ أنْ يَلْحَظَ القَلْبُ بِذاتِهِ تِلْكَ الغايَةَ فَيَتْلُوها لِيَكُونَ في تِلاوَتِهِ جامِعًا لِطَرَفَيِ الثَّناءِ، وفي تَفْهِيمِهِ جامِعًا لِمَعانِي طَرَفَيِ المَعْنى. انْتَهى.

وأقُولُ: لَوْ كانَ هَذا هو سَبَبَ التَّكْرارِ لَكانَ الأوْلى بِهِ ما عَرَّفْناكَ.

وأمّا قَوْلُهُ: ولِيُتَّخَذَ ذَلِكَ أصْلًا لِما يَرِدُ مِنَ التَّكْرارِ في سائِرِ القُرْآنِ، فَمَعْلُومٌ أنَّ حُصُولَ هَذا الأمْرِ في الأذْهانِ وتَقَرُّرَهُ في الأفْهامِ لا يَخْتَصُّ بِتَكْرِيرِ آيَةٍ مُعَيَّنَةٍ يَكُونُ افْتِتاحُ هَذا المَقْصِدِ بِها، فَلَمْ تَتِمَّ حِينَئِذٍ النُّكْتَةُ في تَكْرِيرِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِخُصُوصِهِما، ولِلَّهِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ الَّتِي لا تَبْلُغُها الأفْهامُ ولا تُدْرِكُها العُقُولُ، فَلَيْسَ في تَكْلِيفِ هَذِهِ المُناسَباتِ المُتَعَسِّفَةِ إلّا ما عَرَّفْناكَ بِهِ هُنالِكَ فَتَذَكَّرْ.

قَوْلُهُ: ﴿وإذِ ابْتَلى﴾ الِابْتِلاءُ: الِامْتِحانُ والِاخْتِبارُ: أيِ ابْتَلاهُ بِما أمَرَهُ بِهِ، و" إبْراهِيمَ " مَعْناهُ في السُّرْيانِيَّةِ أبٌ رَحِيمٌ، كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَعْناهُ في العَرَبِيَّةِ ذَلِكَ.

قالَ السُّهَيْلِيُّ: وكَثِيًرا ما يَقَعُ الِاتِّفاقُ بَيْنَ السُّرْيانِيِّ والعَرَبِيِّ.

وقَدْ أوْرَدَ صاحِبُ الكَشّافِ هُنا سُؤالًا في رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى إبْراهِيمَ مَعَ كَوْنِ رُتْبَتِهِ التَّأْخِيرَ، وأجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَفْظًا فَرَجَعَ إلَيْهِ، والأمْرُ في هَذا أوْضَحُ مِن أنْ …

Al-Baqara 2:124Listen in Qur'an →
125

وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةًۭ لِّلنَّاسِ وَأَمْنًۭا وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِۦمَ مُصَلًّۭى ۖ وَعَهِدْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِۦمَ وَإِسْمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ

And [mention] when We made the House a place of return for the people and [a place of] security. And take, [O believers], from the standing place of Abraham a place of prayer. And We charged Abraham and Ishmael, [saying], "Purify My House for those who perform Tawaf and those who are staying [there] for worship and those who bow and prostrate [in prayer]."

قَوْلُهُ: عَهِدْنا مَعْناهُ هُنا: أمَرْنا وأوْجَبْنا.

وقَوْلُهُ: ﴿أنْ طَهِّرا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ بِأنْ طَهِّرا قالَهُ الكُوفِيُّونَ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو بِتَقْدِيرِ ( أيْ ) المُفَسِّرَةِ، أيْ أنْ طَهِّرا. فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، والمُرادُ بِالتَّطْهِيرِ قِيلَ: مِنَ الأوْثانِ، وقِيلَ: مِنَ الآفاتِ والرِّيَبِ، وقِيلَ: مِنَ الكُفّارِ، وقِيلَ: مِنَ النَّجاساتِ وطَوافِ الجُنُبِ والحائِضِ وكُلِّ خَبِيثٍ.

والظّاهِرُ أنَّهُ لا يُخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِن هَذِهِ الأنْواعِ، وأنَّ كُلَّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمّى التَّطْهِيرِ فَهو يَتَناوَلُهُ إمّا تَناوُلًا شُمُولِيًّا أوْ بَدَلِيًّا، والإضافَةُ في قَوْلِهِ: بَيْتِيَ لِلتَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأهْلُ المَدِينَةِ وهِشامٌ وحَفْصٌ " بَيْتِيَ " بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الآخَرُونَ بِإسْكانِها.

والطّائِفُ: الَّذِي يَطُوفُ بِهِ، وقِيلَ: الغَرِيبُ الطّارِئُ عَلى مَكَّةَ.

والعاكِفُ: المُقِيمُ: وأصِلُ العُكُوفِ في اللُّغَةِ: اللُّزُومُ والإقْبالُ عَلى الشَّيْءِ، وقِيلَ: هو المُجاوِرُ دُونَ المُقِيمِ مِن أهْلِها.

والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ المُصَلُّونَ، وخَصَّ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أشْرَفُ أرْكانِ الصَّلاةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ سَتَأْتِي الأحادِيثُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ هو الَّذِي حَرَّمَ مَكَّةَ، والأحادِيثُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ اللَّهَ حَرَّمَها يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضِ والجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الأحادِيثِ في هَذا البَحْثِ.

وقَوْلُهُ: ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ أيْ مَكَّةَ، والمُرادُ: الدُّعاءُ لِأهْلِهِ مِن ذُرِّيَّتِهِ وغَيْرِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ راضٍ صاحِبُها.

وقَوْلُهُ: ﴿مَن آمَنَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِ: ( أهْلَهُ )، أيِ ارْزُقْ مَن آمَنَ مِن أهْلِهِ دُونَ مَن كَفَرَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ رَدًّا عَلى إبْراهِيمَ حَيْثُ طَلَبَ الرِّزْقَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، أيْ وأرْزُقُ مَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ بِالرِّزْقِ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَقِلًّا بَيانًا لِحالِ مَن كَفَرَ، ويَكُونَ في حُكْمِ الإخْبارِ عَنْ حالِ الكافِرِينَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، أيْ مَن كَفَرَ فَإنِّي أُمَتِّعُهُ في هَذِهِ الدُّنْيا بِما يَحْتاجُهُ مِنَ الرِّزْقِ ﴿ثُمَّ أضْطَرُّهُ﴾ بَعْدَ هَذا التَّمْتِيعِ ﴿إلى عَذابِ النّارِ﴾ فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَنالُ الكَفَرَةَ مِنَ الخَيْرِ إلّا تَمْتِيعُهم في هَذِهِ الدُّنْيا، ولَيْسَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ إلّا ما هو شَرٌّ مَحْضٌ وهو عَذابُ النّارِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ " فَأمْتِعْهُ " بِصِيغَةِ الأمْرِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " ثُمَّ اضْطَرُّهُ " بِصِيغَةِ الأمْرِ فَهي مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ كَلامِ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِنَ الدُّعاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ دَعا لِلْكافِرِينَ بِالإمْتاعِ قَلِيلًا، ثُمَّ دَعا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَضْطَرَّهم إلى عَذابِ النّارِ.

ومَعْنى: ( اضْطَرَّهُ ) ألْزَمَهُ حَتّى صَيَّرَهُ مُضْطَرًّا لِذَلِكَ لا يَجِدُ عَنْهُ مُخَلِّصًا، ولا مِنهُ مُتَحَوَّلًا.

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ﴾ هو حِكايَةٌ لِحالٍ ماضِيَةٍ اسْتِحْضارًا لِصُورَتِها العَجِيبَةِ.

والقَواعِدُ: الأساسُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ.

وقالَ الكِسائِيُّ: هي الجُدُرُ.

والمُرادُ بِرَفْعِها رَفْعُ ما هو مَبْنِيٌّ فَوْقَها لا رَفْعُها في نَفْسِها فَإنَّها لَمْ تَرْتَفِعْ، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ …

Al-Baqara 2:125Listen in Qur'an →
126

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنًۭا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًۭا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

And [mention] when Abraham said, "My Lord, make this a secure city and provide its people with fruits - whoever of them believes in Allah and the Last Day." [Allah] said. "And whoever disbelieves - I will grant him enjoyment for a little; then I will force him to the punishment of the Fire, and wretched is the destination."

قَوْلُهُ: عَهِدْنا مَعْناهُ هُنا: أمَرْنا وأوْجَبْنا.

وقَوْلُهُ: ﴿أنْ طَهِّرا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ بِأنْ طَهِّرا قالَهُ الكُوفِيُّونَ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو بِتَقْدِيرِ ( أيْ ) المُفَسِّرَةِ، أيْ أنْ طَهِّرا. فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، والمُرادُ بِالتَّطْهِيرِ قِيلَ: مِنَ الأوْثانِ، وقِيلَ: مِنَ الآفاتِ والرِّيَبِ، وقِيلَ: مِنَ الكُفّارِ، وقِيلَ: مِنَ النَّجاساتِ وطَوافِ الجُنُبِ والحائِضِ وكُلِّ خَبِيثٍ.

والظّاهِرُ أنَّهُ لا يُخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِن هَذِهِ الأنْواعِ، وأنَّ كُلَّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمّى التَّطْهِيرِ فَهو يَتَناوَلُهُ إمّا تَناوُلًا شُمُولِيًّا أوْ بَدَلِيًّا، والإضافَةُ في قَوْلِهِ: بَيْتِيَ لِلتَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأهْلُ المَدِينَةِ وهِشامٌ وحَفْصٌ " بَيْتِيَ " بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الآخَرُونَ بِإسْكانِها.

والطّائِفُ: الَّذِي يَطُوفُ بِهِ، وقِيلَ: الغَرِيبُ الطّارِئُ عَلى مَكَّةَ.

والعاكِفُ: المُقِيمُ: وأصِلُ العُكُوفِ في اللُّغَةِ: اللُّزُومُ والإقْبالُ عَلى الشَّيْءِ، وقِيلَ: هو المُجاوِرُ دُونَ المُقِيمِ مِن أهْلِها.

والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ المُصَلُّونَ، وخَصَّ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أشْرَفُ أرْكانِ الصَّلاةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ سَتَأْتِي الأحادِيثُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ هو الَّذِي حَرَّمَ مَكَّةَ، والأحادِيثُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ اللَّهَ حَرَّمَها يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضِ والجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الأحادِيثِ في هَذا البَحْثِ.

وقَوْلُهُ: ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ أيْ مَكَّةَ، والمُرادُ: الدُّعاءُ لِأهْلِهِ مِن ذُرِّيَّتِهِ وغَيْرِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ راضٍ صاحِبُها.

وقَوْلُهُ: ﴿مَن آمَنَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِ: ( أهْلَهُ )، أيِ ارْزُقْ مَن آمَنَ مِن أهْلِهِ دُونَ مَن كَفَرَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ رَدًّا عَلى إبْراهِيمَ حَيْثُ طَلَبَ الرِّزْقَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، أيْ وأرْزُقُ مَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ بِالرِّزْقِ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَقِلًّا بَيانًا لِحالِ مَن كَفَرَ، ويَكُونَ في حُكْمِ الإخْبارِ عَنْ حالِ الكافِرِينَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، أيْ مَن كَفَرَ فَإنِّي أُمَتِّعُهُ في هَذِهِ الدُّنْيا بِما يَحْتاجُهُ مِنَ الرِّزْقِ ﴿ثُمَّ أضْطَرُّهُ﴾ بَعْدَ هَذا التَّمْتِيعِ ﴿إلى عَذابِ النّارِ﴾ فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَنالُ الكَفَرَةَ مِنَ الخَيْرِ إلّا تَمْتِيعُهم في هَذِهِ الدُّنْيا، ولَيْسَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ إلّا ما هو شَرٌّ مَحْضٌ وهو عَذابُ النّارِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ " فَأمْتِعْهُ " بِصِيغَةِ الأمْرِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " ثُمَّ اضْطَرُّهُ " بِصِيغَةِ الأمْرِ فَهي مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ كَلامِ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِنَ الدُّعاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ دَعا لِلْكافِرِينَ بِالإمْتاعِ قَلِيلًا، ثُمَّ دَعا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَضْطَرَّهم إلى عَذابِ النّارِ.

ومَعْنى: ( اضْطَرَّهُ ) ألْزَمَهُ حَتّى صَيَّرَهُ مُضْطَرًّا لِذَلِكَ لا يَجِدُ عَنْهُ مُخَلِّصًا، ولا مِنهُ مُتَحَوَّلًا.

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ﴾ هو حِكايَةٌ لِحالٍ ماضِيَةٍ اسْتِحْضارًا لِصُورَتِها العَجِيبَةِ.

والقَواعِدُ: الأساسُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ.

وقالَ الكِسائِيُّ: هي الجُدُرُ.

والمُرادُ بِرَفْعِها رَفْعُ ما هو مَبْنِيٌّ فَوْقَها لا رَفْعُها في نَفْسِها فَإنَّها لَمْ تَرْتَفِعْ، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ …

Al-Baqara 2:126Listen in Qur'an →
127

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِۦمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And [mention] when Abraham was raising the foundations of the House and [with him] Ishmael, [saying], "Our Lord, accept [this] from us. Indeed You are the Hearing, the Knowing.

قَوْلُهُ: عَهِدْنا مَعْناهُ هُنا: أمَرْنا وأوْجَبْنا.

وقَوْلُهُ: ﴿أنْ طَهِّرا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ بِأنْ طَهِّرا قالَهُ الكُوفِيُّونَ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو بِتَقْدِيرِ ( أيْ ) المُفَسِّرَةِ، أيْ أنْ طَهِّرا. فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، والمُرادُ بِالتَّطْهِيرِ قِيلَ: مِنَ الأوْثانِ، وقِيلَ: مِنَ الآفاتِ والرِّيَبِ، وقِيلَ: مِنَ الكُفّارِ، وقِيلَ: مِنَ النَّجاساتِ وطَوافِ الجُنُبِ والحائِضِ وكُلِّ خَبِيثٍ.

والظّاهِرُ أنَّهُ لا يُخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِن هَذِهِ الأنْواعِ، وأنَّ كُلَّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمّى التَّطْهِيرِ فَهو يَتَناوَلُهُ إمّا تَناوُلًا شُمُولِيًّا أوْ بَدَلِيًّا، والإضافَةُ في قَوْلِهِ: بَيْتِيَ لِلتَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأهْلُ المَدِينَةِ وهِشامٌ وحَفْصٌ " بَيْتِيَ " بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الآخَرُونَ بِإسْكانِها.

والطّائِفُ: الَّذِي يَطُوفُ بِهِ، وقِيلَ: الغَرِيبُ الطّارِئُ عَلى مَكَّةَ.

والعاكِفُ: المُقِيمُ: وأصِلُ العُكُوفِ في اللُّغَةِ: اللُّزُومُ والإقْبالُ عَلى الشَّيْءِ، وقِيلَ: هو المُجاوِرُ دُونَ المُقِيمِ مِن أهْلِها.

والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ المُصَلُّونَ، وخَصَّ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أشْرَفُ أرْكانِ الصَّلاةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ سَتَأْتِي الأحادِيثُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ هو الَّذِي حَرَّمَ مَكَّةَ، والأحادِيثُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ اللَّهَ حَرَّمَها يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضِ والجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الأحادِيثِ في هَذا البَحْثِ.

وقَوْلُهُ: ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ أيْ مَكَّةَ، والمُرادُ: الدُّعاءُ لِأهْلِهِ مِن ذُرِّيَّتِهِ وغَيْرِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ راضٍ صاحِبُها.

وقَوْلُهُ: ﴿مَن آمَنَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِ: ( أهْلَهُ )، أيِ ارْزُقْ مَن آمَنَ مِن أهْلِهِ دُونَ مَن كَفَرَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ رَدًّا عَلى إبْراهِيمَ حَيْثُ طَلَبَ الرِّزْقَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، أيْ وأرْزُقُ مَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ بِالرِّزْقِ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَقِلًّا بَيانًا لِحالِ مَن كَفَرَ، ويَكُونَ في حُكْمِ الإخْبارِ عَنْ حالِ الكافِرِينَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، أيْ مَن كَفَرَ فَإنِّي أُمَتِّعُهُ في هَذِهِ الدُّنْيا بِما يَحْتاجُهُ مِنَ الرِّزْقِ ﴿ثُمَّ أضْطَرُّهُ﴾ بَعْدَ هَذا التَّمْتِيعِ ﴿إلى عَذابِ النّارِ﴾ فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَنالُ الكَفَرَةَ مِنَ الخَيْرِ إلّا تَمْتِيعُهم في هَذِهِ الدُّنْيا، ولَيْسَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ إلّا ما هو شَرٌّ مَحْضٌ وهو عَذابُ النّارِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ " فَأمْتِعْهُ " بِصِيغَةِ الأمْرِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " ثُمَّ اضْطَرُّهُ " بِصِيغَةِ الأمْرِ فَهي مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ كَلامِ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِنَ الدُّعاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ دَعا لِلْكافِرِينَ بِالإمْتاعِ قَلِيلًا، ثُمَّ دَعا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَضْطَرَّهم إلى عَذابِ النّارِ.

ومَعْنى: ( اضْطَرَّهُ ) ألْزَمَهُ حَتّى صَيَّرَهُ مُضْطَرًّا لِذَلِكَ لا يَجِدُ عَنْهُ مُخَلِّصًا، ولا مِنهُ مُتَحَوَّلًا.

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ﴾ هو حِكايَةٌ لِحالٍ ماضِيَةٍ اسْتِحْضارًا لِصُورَتِها العَجِيبَةِ.

والقَواعِدُ: الأساسُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ.

وقالَ الكِسائِيُّ: هي الجُدُرُ.

والمُرادُ بِرَفْعِها رَفْعُ ما هو مَبْنِيٌّ فَوْقَها لا رَفْعُها في نَفْسِها فَإنَّها لَمْ تَرْتَفِعْ، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ …

Al-Baqara 2:127Listen in Qur'an →
128

رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةًۭ مُّسْلِمَةًۭ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

Our Lord, and make us Muslims [in submission] to You and from our descendants a Muslim nation [in submission] to You. And show us our rites and accept our repentance. Indeed, You are the Accepting of repentance, the Merciful.

قَوْلُهُ: عَهِدْنا مَعْناهُ هُنا: أمَرْنا وأوْجَبْنا.

وقَوْلُهُ: ﴿أنْ طَهِّرا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ بِأنْ طَهِّرا قالَهُ الكُوفِيُّونَ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو بِتَقْدِيرِ ( أيْ ) المُفَسِّرَةِ، أيْ أنْ طَهِّرا. فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، والمُرادُ بِالتَّطْهِيرِ قِيلَ: مِنَ الأوْثانِ، وقِيلَ: مِنَ الآفاتِ والرِّيَبِ، وقِيلَ: مِنَ الكُفّارِ، وقِيلَ: مِنَ النَّجاساتِ وطَوافِ الجُنُبِ والحائِضِ وكُلِّ خَبِيثٍ.

والظّاهِرُ أنَّهُ لا يُخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِن هَذِهِ الأنْواعِ، وأنَّ كُلَّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمّى التَّطْهِيرِ فَهو يَتَناوَلُهُ إمّا تَناوُلًا شُمُولِيًّا أوْ بَدَلِيًّا، والإضافَةُ في قَوْلِهِ: بَيْتِيَ لِلتَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأهْلُ المَدِينَةِ وهِشامٌ وحَفْصٌ " بَيْتِيَ " بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الآخَرُونَ بِإسْكانِها.

والطّائِفُ: الَّذِي يَطُوفُ بِهِ، وقِيلَ: الغَرِيبُ الطّارِئُ عَلى مَكَّةَ.

والعاكِفُ: المُقِيمُ: وأصِلُ العُكُوفِ في اللُّغَةِ: اللُّزُومُ والإقْبالُ عَلى الشَّيْءِ، وقِيلَ: هو المُجاوِرُ دُونَ المُقِيمِ مِن أهْلِها.

والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ المُصَلُّونَ، وخَصَّ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أشْرَفُ أرْكانِ الصَّلاةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ سَتَأْتِي الأحادِيثُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ هو الَّذِي حَرَّمَ مَكَّةَ، والأحادِيثُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ اللَّهَ حَرَّمَها يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضِ والجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الأحادِيثِ في هَذا البَحْثِ.

وقَوْلُهُ: ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ أيْ مَكَّةَ، والمُرادُ: الدُّعاءُ لِأهْلِهِ مِن ذُرِّيَّتِهِ وغَيْرِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ راضٍ صاحِبُها.

وقَوْلُهُ: ﴿مَن آمَنَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِ: ( أهْلَهُ )، أيِ ارْزُقْ مَن آمَنَ مِن أهْلِهِ دُونَ مَن كَفَرَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ رَدًّا عَلى إبْراهِيمَ حَيْثُ طَلَبَ الرِّزْقَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، أيْ وأرْزُقُ مَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ بِالرِّزْقِ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَقِلًّا بَيانًا لِحالِ مَن كَفَرَ، ويَكُونَ في حُكْمِ الإخْبارِ عَنْ حالِ الكافِرِينَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، أيْ مَن كَفَرَ فَإنِّي أُمَتِّعُهُ في هَذِهِ الدُّنْيا بِما يَحْتاجُهُ مِنَ الرِّزْقِ ﴿ثُمَّ أضْطَرُّهُ﴾ بَعْدَ هَذا التَّمْتِيعِ ﴿إلى عَذابِ النّارِ﴾ فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَنالُ الكَفَرَةَ مِنَ الخَيْرِ إلّا تَمْتِيعُهم في هَذِهِ الدُّنْيا، ولَيْسَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ إلّا ما هو شَرٌّ مَحْضٌ وهو عَذابُ النّارِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ " فَأمْتِعْهُ " بِصِيغَةِ الأمْرِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " ثُمَّ اضْطَرُّهُ " بِصِيغَةِ الأمْرِ فَهي مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ كَلامِ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِنَ الدُّعاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ دَعا لِلْكافِرِينَ بِالإمْتاعِ قَلِيلًا، ثُمَّ دَعا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَضْطَرَّهم إلى عَذابِ النّارِ.

ومَعْنى: ( اضْطَرَّهُ ) ألْزَمَهُ حَتّى صَيَّرَهُ مُضْطَرًّا لِذَلِكَ لا يَجِدُ عَنْهُ مُخَلِّصًا، ولا مِنهُ مُتَحَوَّلًا.

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ﴾ هو حِكايَةٌ لِحالٍ ماضِيَةٍ اسْتِحْضارًا لِصُورَتِها العَجِيبَةِ.

والقَواعِدُ: الأساسُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ.

وقالَ الكِسائِيُّ: هي الجُدُرُ.

والمُرادُ بِرَفْعِها رَفْعُ ما هو مَبْنِيٌّ فَوْقَها لا رَفْعُها في نَفْسِها فَإنَّها لَمْ تَرْتَفِعْ، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ …

Al-Baqara 2:128Listen in Qur'an →
129

رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

Our Lord, and send among them a messenger from themselves who will recite to them Your verses and teach them the Book and wisdom and purify them. Indeed, You are the Exalted in Might, the Wise."

الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وابْعَثْ فِيهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ المَذْكُورَةِ سابِقًا.

وقَرَأ أُبَيٌّ: " وابْعَثْ في آخِرِهِمْ " ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى الذُّرِّيَّةِ.

وقَدْ أجابَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الدَّعْوَةَ، فَبَعَثَ في ذُرِّيَّتِهِ ﴿رَسُولًا مِنهُمْ﴾ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ .

وقَدْ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِأنَّهُ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ كَما سَيَأْتِي تَخْرِيجُ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ، ومُرادُهُ هَذِهِ الدَّعْوَةُ.

والرَّسُولُ هو المُرْسَلُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ ( ناقَةٌ مِرْسالٌ ورَسْلَةٌ ) إذا كانَتْ سَهْلَةَ السَّيْرِ ماضِيَةً أمامَ النُّوقِ.

ويُقالُ: جاءَ القَوْمُ أرْسالًا، أيْ بَعْضُهم في أثَرِ بَعْضٍ، والمُرادُ بِالكِتابِ: القُرْآنُ.

والمُرادُ بِالحِكْمَةِ: المَعْرِفَةُ بِالدِّينِ والفِقْهُ في التَّأْوِيلِ والفَهْمُ لِلشَّرِيعَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ يُطَهِّرُهم مِنَ الشِّرْكِ وسائِرِ المَعاصِي.

وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالآياتِ ظاهِرُ الألْفاظِ، والكِتابُ مَعانِيها، والحِكْمَةُ الحُكْمُ، وهو مُرادُ اللَّهِ بِالخِطابِ، والعَزِيزُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.

وقالَ الكِسائِيُّ: ﴿العَزِيزُ﴾ الغالِبُ.

﴿ومَن يَرْغَبُ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن فاعِلِ ( يَرْغَبُ )، والتَّقْدِيرُ: وما يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ أحَدٌ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ.

قالَ الزَّجّاجُ: سَفِهَ بِمَعْنى جَهِلَ، أيْ جَهِلَ أمْرَ نَفْسِهِ فَلَمْ يُفَكِّرْ فِيها.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى أهْلَكَ نَفْسَهُ.

وحَكى ثَعْلَبٌ والمُبَرِّدُ أنَّ سَفِهَ بِكَسْرِ الفاءِ يَتَعَدّى كَسَفَّهَ بِفَتْحِ الفاءِ المُشَدَّدَةِ.

قالَ الأخْفَشُ: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أيْ فَعَلَ بِها مِنَ السَّفَهِ ما صارَ بِهِ سَفِيهًا، وقِيلَ: إنَّ ﴿نَفْسَهُ﴾ مُنْتَصِبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، وقِيلَ: هو تَمْيِيزٌ، وهَذانِ ضَعِيفانِ جِدًّا، وأمّا سَفُهَ بِضَمِّ الفاءِ فَلا يَتَعَدّى قالَهُ المُبَرِّدُ وثَعْلَبٌ.

والِاصْطِفاءُ: الِاخْتِيارُ، أيِ اخْتَرْناهُ في الدُّنْيا وجَعَلْناهُ في الآخِرَةِ مِنَ الصّالِحِينَ، فَكَيْفَ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّتِهِ راغِبٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لَهُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿اصْطَفَيْناهُ﴾ أيِ اخْتَرْناهُ وقْتَ أمْرِنا لَهُ بِالإسْلامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ.

قالَ في الكَشّافِ: كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ لِيَعْلَمَ أنَّهُ المُصْطَفى الصّالِحُ الَّذِي لا يُرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ مِثْلِهِ.

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: " وأوْصى بِها " راجِعٌ إلى المِلَّةِ أوْ إلى الكَلِمَةِ، أيْ ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ .

قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو أصْوَبُ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ، أيْ قُولُوا أسْلَمْنا. انْتَهى.

والأوَّلُ أرْجَحُ لِأنَّ المَطْلُوبَ مِمَّنْ بَعْدَهُ هو اتِّباعُ مِلَّتِهِ لا مُجَرَّدَ التَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ، فالتَّوْصِيَةُ بِذَلِكَ ألْيَقُ بِإبْراهِيمَ وأوْلى بِهِمْ.

ووَصّى وأوْصى بِمَعْنًى، وقُرِئَ بِهِما، وفي مُصْحَفِ عُثْمانَ " وأوْصى " وهي قِراءَةُ أهْلِ الشّامِ والمَدِينَةِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﴿ووَصّى﴾ وهي قِراءَةُ الباقِينَ ﴿ويَعْقُوبُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى إبْراهِيمَ، أيْ وأوْصى يَعْقُوبُ بَنِيهِ كَما أوْصى إبْراهِيمُ بَنِيهِ.

وقَرَأ عُمَرُ بْنُ فايِدٍ الأسْوارِيُّ وإسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المَكِّيُّ بِنَصْبِ …

Al-Baqara 2:129Listen in Qur'an →
130

وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِۦمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

And who would be averse to the religion of Abraham except one who makes a fool of himself. And We had chosen him in this world, and indeed he, in the Hereafter, will be among the righteous.

الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وابْعَثْ فِيهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ المَذْكُورَةِ سابِقًا.

وقَرَأ أُبَيٌّ: " وابْعَثْ في آخِرِهِمْ " ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى الذُّرِّيَّةِ.

وقَدْ أجابَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الدَّعْوَةَ، فَبَعَثَ في ذُرِّيَّتِهِ ﴿رَسُولًا مِنهُمْ﴾ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ .

وقَدْ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِأنَّهُ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ كَما سَيَأْتِي تَخْرِيجُ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ، ومُرادُهُ هَذِهِ الدَّعْوَةُ.

والرَّسُولُ هو المُرْسَلُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ ( ناقَةٌ مِرْسالٌ ورَسْلَةٌ ) إذا كانَتْ سَهْلَةَ السَّيْرِ ماضِيَةً أمامَ النُّوقِ.

ويُقالُ: جاءَ القَوْمُ أرْسالًا، أيْ بَعْضُهم في أثَرِ بَعْضٍ، والمُرادُ بِالكِتابِ: القُرْآنُ.

والمُرادُ بِالحِكْمَةِ: المَعْرِفَةُ بِالدِّينِ والفِقْهُ في التَّأْوِيلِ والفَهْمُ لِلشَّرِيعَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ يُطَهِّرُهم مِنَ الشِّرْكِ وسائِرِ المَعاصِي.

وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالآياتِ ظاهِرُ الألْفاظِ، والكِتابُ مَعانِيها، والحِكْمَةُ الحُكْمُ، وهو مُرادُ اللَّهِ بِالخِطابِ، والعَزِيزُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.

وقالَ الكِسائِيُّ: ﴿العَزِيزُ﴾ الغالِبُ.

﴿ومَن يَرْغَبُ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن فاعِلِ ( يَرْغَبُ )، والتَّقْدِيرُ: وما يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ أحَدٌ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ.

قالَ الزَّجّاجُ: سَفِهَ بِمَعْنى جَهِلَ، أيْ جَهِلَ أمْرَ نَفْسِهِ فَلَمْ يُفَكِّرْ فِيها.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى أهْلَكَ نَفْسَهُ.

وحَكى ثَعْلَبٌ والمُبَرِّدُ أنَّ سَفِهَ بِكَسْرِ الفاءِ يَتَعَدّى كَسَفَّهَ بِفَتْحِ الفاءِ المُشَدَّدَةِ.

قالَ الأخْفَشُ: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أيْ فَعَلَ بِها مِنَ السَّفَهِ ما صارَ بِهِ سَفِيهًا، وقِيلَ: إنَّ ﴿نَفْسَهُ﴾ مُنْتَصِبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، وقِيلَ: هو تَمْيِيزٌ، وهَذانِ ضَعِيفانِ جِدًّا، وأمّا سَفُهَ بِضَمِّ الفاءِ فَلا يَتَعَدّى قالَهُ المُبَرِّدُ وثَعْلَبٌ.

والِاصْطِفاءُ: الِاخْتِيارُ، أيِ اخْتَرْناهُ في الدُّنْيا وجَعَلْناهُ في الآخِرَةِ مِنَ الصّالِحِينَ، فَكَيْفَ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّتِهِ راغِبٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لَهُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿اصْطَفَيْناهُ﴾ أيِ اخْتَرْناهُ وقْتَ أمْرِنا لَهُ بِالإسْلامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ.

قالَ في الكَشّافِ: كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ لِيَعْلَمَ أنَّهُ المُصْطَفى الصّالِحُ الَّذِي لا يُرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ مِثْلِهِ.

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: " وأوْصى بِها " راجِعٌ إلى المِلَّةِ أوْ إلى الكَلِمَةِ، أيْ ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ .

قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو أصْوَبُ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ، أيْ قُولُوا أسْلَمْنا. انْتَهى.

والأوَّلُ أرْجَحُ لِأنَّ المَطْلُوبَ مِمَّنْ بَعْدَهُ هو اتِّباعُ مِلَّتِهِ لا مُجَرَّدَ التَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ، فالتَّوْصِيَةُ بِذَلِكَ ألْيَقُ بِإبْراهِيمَ وأوْلى بِهِمْ.

ووَصّى وأوْصى بِمَعْنًى، وقُرِئَ بِهِما، وفي مُصْحَفِ عُثْمانَ " وأوْصى " وهي قِراءَةُ أهْلِ الشّامِ والمَدِينَةِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﴿ووَصّى﴾ وهي قِراءَةُ الباقِينَ ﴿ويَعْقُوبُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى إبْراهِيمَ، أيْ وأوْصى يَعْقُوبُ بَنِيهِ كَما أوْصى إبْراهِيمُ بَنِيهِ.

وقَرَأ عُمَرُ بْنُ فايِدٍ الأسْوارِيُّ وإسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المَكِّيُّ بِنَصْبِ …

Al-Baqara 2:130Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.