Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 121–130 of 286

121

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَتْلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

Those to whom We have given the Book recite it with its true recital. They [are the ones who] believe in it. And whoever disbelieves in it - it is they who are the losers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا صَبَّرَ رَسُولَهُ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الآيَةِ وبَيَّنَ أنَّ العِلَّةَ قَدِ انْزاحَتْ مِن قِبَلِهِ لا مِن قِبَلِهِمْ وأنَّهُ لا عُذْرَ لَهم في الثَّباتِ عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِأنَّ القَوْمَ بَلَغَ حالُهم في تَشَدُّدِهِمْ في باطِلِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ أنَّهم يُرِيدُونَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَتَّبِعَ مِلَّتَهم ولا يَرْضَوْنَ مِنهُ بِالكِتابِ، بَلْ يُرِيدُونَ مِنهُ المُوافَقَةَ لَهم فِيما هم عَلَيْهِ فَبَيَّنَ بِذَلِكَ شِدَّةَ عَداوَتِهِمْ لِلرَّسُولِ وشَرَحَ ما يُوجِبُ اليَأْسَ مِن مُوافَقَتِهِمْ والمِلَّةُ هي الدِّينُ ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ بِمَعْنى أنَّ هُدى اللَّهِ هو الَّذِي يَهْدِي إلى الإسْلامِ وهو الهُدى الحَقُّ والَّذِي يَصْلُحُ أنْ يُسَمّى هُدًى وهو الهُدى كُلُّهُ لَيْسَ وراءَهُ هُدًى، وما يَدْعُونَ إلى اتِّباعِهِ ما هو بِهُدًى إنَّما هو هَوًى، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ أيْ أقْوالَهُمُ الَّتِي هي أهْواءٌ وبِدَعٌ، ﴿بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ أيْ مِنَ الدِّينِ المَعْلُومِ صِحَّتُهُ بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ أيْ مُعِينٍ يَعْصِمُكَ ويَذُبُّ عَنْكَ، بَلِ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إذا أقَمْتَ عَلى الطّاعَةِ والِاعْتِصامِ بِحَبْلِهِ. قالُوا: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أُمُورٍ مِنها أنَّ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ مِنهُ أنَّهُ لا يَفْعَلُ الشَّيْءَ يَجُوزُ مِنهُ أنْ يَتَوَعَّدَهُ عَلى فِعْلِهِ، فَإنَّ في هَذِهِ الصُّورَةِ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ لا يَتَّبِعُ أهْواءَهم ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ تَوَعَّدَهُ عَلَيْهِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٥] وإنَّما حَسُنَ هَذا الوَعِيدُ لِاحْتِمالِ أنَّ الصّارِفَ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ هو هَذا الوَعِيدُ أوْ هَذا الوَعِيدُ أحَدُ صَوارِفِهِ.

وثانِيها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الوَعِيدُ إلّا بَعْدَ نَصْبِ الأدِلَّةِ وإذا صَحَّ ذَلِكَ فَبِأنْ لا يَجُوزَ الوَعِيدُ إلّا بَعْدَ القُدْرَةِ أوْلى فَبَطَلَ بِهِ قَوْلُ مَن يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ.

وثالِثُها: فِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ اتِّباعَ الهَوى لا يَكُونُ إلّا باطِلًا، فَمِن هَذا الوَجْهِ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ.

ورابِعُها: فِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا شَفِيعَ لِمُسْتَحِقِّ العِقابِ لِأنَّ غَيْرَ الرَّسُولِ إذا اتَّبَعَ هَواهُ لَوْ كانَ يَجِدُ شَفِيعًا ونَصِيرًا لَكانَ الرَّسُولُ أحَقَّ بِذَلِكَ وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ اتِّباعَ أهْوائِهِمْ

صفحة ٣٠

كُفْرٌ، وعِنْدَنا لا شَفاعَةَ في الكُفْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: ﴿الَّذِينَ﴾ مَوْضِعُهُ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، و﴿أُولَئِكَ﴾ ابْتِداءٌ ثانٍ، و﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ خَبَرُهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ مَن هم ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آتاهُمُ اللَّهُ القُرْآنَ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ …

Al-Baqara 2:121Listen in Qur'an →
122

يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في الآيَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ.

Al-Baqara 2:122Listen in Qur'an →
123

وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍۢ شَيْـًۭٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌۭ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَٰعَةٌۭ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

And fear a Day when no soul will suffice for another soul at all, and no compensation will be accepted from it, nor will any intercession benefit it, nor will they be aided.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في الآيَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ.

Al-Baqara 2:123Listen in Qur'an →
124

۞ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَٰهِۦمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٍۢ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًۭا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّٰلِمِينَ

And [mention, O Muhammad], when Abraham was tried by his Lord with commands and he fulfilled them. [Allah] said, "Indeed, I will make you a leader for the people." [Abraham] said, "And of my descendants?" [Allah] said, "My covenant does not include the wrongdoers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا اسْتَقْصى في شَرْحِ وُجُوهِ نِعَمِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ في شَرْحِ قَبائِحِهِمْ في أدْيانِهِمْ وأعْمالِهِمْ وخَتَمَ هَذا الفَصْلَ بِما بَدَأ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ شَرَعَ سُبْحانَهُ هَهُنا في نَوْعٍ آخَرَ مِنَ البَيانِ وهو أنْ ذَكَرَ قِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَيْفِيَّةَ أحْوالِهِ، والحِكْمَةُ فِيهِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ شَخْصٌ يَعْتَرِفُ بِفَضْلِهِ جَمِيعُ الطَّوائِفِ والمِلَلِ، فالمُشْرِكُونَ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِفَضْلِهِ مُتَشَرِّفِينَ بِأنَّهم مِن أوْلادِهِ ومِن ساكِنِي حَرَمِهِ وخادِمِي بَيْتِهِ، وأهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى كانُوا أيْضًا مُقِرِّينَ بِفَضْلِهِ مُتَشَرِّفِينَ بِأنَّهم مِن أوْلادِهِ، فَحَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ إبْراهِيمَ أُمُورًا تُوجِبُ عَلى المُشْرِكِينَ وعَلى اليَهُودِ والنَّصارى قَبُولَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ والِاعْتِرافَ بِدِينِهِ والِانْقِيادَ لِشَرْعِهِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِبَعْضِ التَّكالِيفِ فَلَمّا وفّى بِها وخَرَجَ عَنْ عُهْدَتِها لا جَرَمَ نالَ النُّبُوَّةَ والإمامَةَ وهَذا مِمّا يُنَبِّهُ اليَهُودَ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ عَلى أنَّ الخَيْرَ لا يَحْصُلُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ إلّا بِتَرْكِ التَّمَرُّدِ والعِنادِ والِانْقِيادِ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى وتَكالِيفِهِ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ طَلَبَ الإمامَةَ لِأوْلادِهِ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَنصِبَ الإمامَةِ والرِّياسَةِ في الدِّينِ لا يَصِلُ إلى الظّالِمِينَ، فَهَؤُلاءِ مَتى أرادُوا وِجْدانَ هَذا المَنصِبِ وجَبَ عَلَيْهِمْ تَرْكُ اللَّجاجِ والتَّعَصُّبِ لِلْباطِلِ.

وثالِثُها: أنَّ الحَجَّ مِن خَصائِصِ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَحَكى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَنْ إبْراهِيمَ لِيَكُونَ ذَلِكَ كالحُجَّةِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى في وُجُوبِ الِانْقِيادِ لِذَلِكَ.

ورابِعُها: أنَّ القِبْلَةَ لَمّا حُوِّلَتْ إلى الكَعْبَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَذا البَيْتَ قِبْلَةُ إبْراهِيمَ الَّذِي يَعْتَرِفُونَ بِتَعْظِيمِهِ ووُجُوبِ الِاقْتِداءِ بِهِ فَكانَ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ زَوالَ ذَلِكَ الغَضَبِ عَنْ قُلُوبِهِمْ.

وخامِسُها: أنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ الكَلِماتِ الَّتِي ابْتَلى اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ بِها بِأُمُورٍ يَرْجِعُ حاصِلُها إلى تَنْظِيفِ البَدَنِ وذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ عَلى المُشْرِكِينَ اخْتِيارَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لِأنَّهم كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِفَضْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ويُوجِبُ عَلَيْهِمْ تَرْكَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّلَطُّخِ بِالدِّماءِ وتَرْكِ النَّظافَةِ ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ تِلْكَ الكَلِماتِ بِما أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ صَبَرَ عَلى ما ابْتُلِيَ بِهِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى وهو النَّظَرُ في الكَواكِبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ ومُناظَرَةُ عَبَدَةِ الأوْثانِ، ثُمَّ الِانْقِيادُ لِأحْكامِ اللَّهِ تَعالى في ذَبْحِ الوَلَدِ والإلْقاءِ في النّارِ، وهَذا يُوجِبُ عَلى هَؤُلاءِ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْتَرِفُونَ بِفَضْلِهِ أنْ يَتَشَبَّهُوا بِهِ في ذَلِكَ ويَسْلُكُوا طَرِيقَتَهُ في

صفحة ٣٢

تَرْكِ …

Al-Baqara 2:124Listen in Qur'an →
125

وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةًۭ لِّلنَّاسِ وَأَمْنًۭا وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِۦمَ مُصَلًّۭى ۖ وَعَهِدْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِۦمَ وَإِسْمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ

And [mention] when We made the House a place of return for the people and [a place of] security. And take, [O believers], from the standing place of Abraham a place of prayer. And We charged Abraham and Ishmael, [saying], "Purify My House for those who perform Tawaf and those who are staying [there] for worship and those who bow and prostrate [in prayer]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ حالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ كَلَّفَهُ بِالإمامَةِ، وهَذا شَرْحُ التَّكْلِيفِ الثّانِي، وهو التَّكْلِيفُ بِتَطْهِيرِ البَيْتِ، ثُمَّ نَقُولُ: أمّا البَيْتُ فَإنَّهُ يُرِيدُ البَيْتَ الحَرامَ، واكْتَفى بِذِكْرِ البَيْتِ مُطْلَقًا لِدُخُولِ الألِفِ واللّامِ عَلَيْهِ، إذا كانَتا تَدْخُلانِ لِتَعْرِيفِ المَعْهُودِ أوِ الجِنْسِ، وقَدْ عَلِمَ المُخاطَبُونَ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الجِنْسَ فانْصَرَفَ إلى المَعْهُودِ عِنْدَهم وهو الكَعْبَةُ، ثُمَّ نَقُولُ: لَيْسَ المُرادُ نَفْسَ الكَعْبَةِ، لِأنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ ”أمْنًا“ وهَذا صِفَةُ جَمِيعِ الحَرَمِ لا صِفَةُ الكَعْبَةِ فَقَطْ والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ إطْلاقُ البَيْتِ والمُرادُ مِنهُ كُلُّ الحَرَمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائِدَةِ: ٩٥] والمُرادُ الحَرَمُ كُلُّهُ لا الكَعْبَةُ نَفْسُها، لِأنَّهُ لا يُذْبَحُ في الكَعْبَةِ، ولا في المَسْجِدِ الحَرامِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٨]، والمُرادُ واللَّهُ أعْلَمُ مَنعُهم مِنَ الحَجِّ حُضُورَ مَواضِعِ النُّسُكِ، وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٦٧] وقالَ اللَّهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى مُخْبِرًا عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ [ إبْراهِيمَ: ٣٥] فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ وصَفَ البَيْتَ بِالأمْنِ فاقْتَضى جَمِيعَ الحَرَمِ، والسَّبَبُ في أنَّهُ تَعالى أطْلَقَ لَفْظَ البَيْتِ وعَنى بِهِ الحَرَمَ كُلَّهُ أنَّ حُرْمَةَ الحَرَمِ لَمّا كانَتْ بِالبَيْتِ جازَ أنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمِ البَيْتِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلُهُ مِن ثابَ يَثُوبُ مَثابَةً وثَوْبًا إذا رَجَعَ يُقالُ: ثابَ الماءُ إذا رَجَعَ إلى النَّهْرِ بَعْدَ انْقِطاعِهِ، وثابَ إلى فُلانٍ عَقْلُهُ أيْ رَجَعَ وتَفَرَّقَ عَنْهُ النّاسُ، ثُمَّ ثابُوا: أيْ عادُوا مُجْتَمِعِينَ، والثَّوابُ مِن

صفحة ٤٣

هَذا أُخِذَ، كَأنَّ ما أخْرَجَهُ مِن مالٍ أوْ غَيْرِهِ فَقَدْ رَجَعَ إلَيْهِ، والمَثابُ مِنَ البِئْرِ: مُجْتَمَعُ الماءِ في أسْفَلِها، قالَ القَفّالُ قِيلَ: إنَّ مَثابًا ومَثابَةً لُغَتانِ مِثْلُ: مَقامٍ ومَقامَةٍ وهو قَوْلُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ، وقِيلَ: الهاءُ إنَّما دَخَلَتْ في مَثابَةٍ مُبالَغَةً كَما في قَوْلِهِمْ: نَسّابَةٌ وعَلّامَةٌ، وأصْلُ مَثابَةٍ مَثُوبَةٌ [عَلى وزْنِ] مَفْعُلَةٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ أنَّهم يَثُوبُونَ إلَيْهِ في كُلِّ عامٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ: أنَّهُ لا يَنْصَرِفُ عَنْهُ أحَدٌ إلّا وهو يَتَمَنّى العَوْدَ إلَيْهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٧] وقِيلَ: مَثابَةً أيْ يَحُجُّونَ إلَيْهِ فَيُثابُونَ عَلَيْهِ، فَإنْ قِيلَ: كَوْنُ البَيْتِ مَثابَةً يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ عَوْدِهِمْ إلَيْهِ، وذَلِكَ يَحْصُلُ بِفِعْلِهِمْ لا بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى، فَما مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ قُلْنا: أمّا عَلى قَوْلِنا فَفِعْلُ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى فَهَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلى قَوْلِنا في هَذِهِ المَسْألَةِ، وأمّا عَلى قَوْلِ …

Al-Baqara 2:125Listen in Qur'an →
126

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنًۭا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًۭا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

And [mention] when Abraham said, "My Lord, make this a secure city and provide its people with fruits - whoever of them believes in Allah and the Last Day." [Allah] said. "And whoever disbelieves - I will grant him enjoyment for a little; then I will force him to the punishment of the Fire, and wretched is the destination."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّالِثُ مِن أحْوالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى هَهُنا، قالَ القاضِي: في هَذِهِ الآياتِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ لا يُمْكِنُ إلّا بَعْدَ دُخُولِ البَلَدِ في الوُجُودِ، والَّذِي ذَكَرَهُ مِن بَعْدُ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٧] وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا في التِّلاوَةِ فَهو مُتَقَدِّمٌ في المَعْنى، وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِنَ الآيَةِ دُعاءُ إبْراهِيمَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن سُكّانِ مَكَّةَ بِالأمْنِ والتَّوْسِعَةِ بِما يُجْلَبُ إلى مَكَّةَ لِأنَّها بَلَدٌ لا زَرْعَ ولا غَرْسَ فِيهِ، فَلَوْلا الأمْنُ لَمْ يُجْلَبْ إلَيْها مِنَ النَّواحِي وتَعَذَّرَ العَيْشُ فِيها، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ دُعاءَهُ وجَعَلَهُ آمِنًا مِنَ الآفاتِ، فَلَمْ يَصِلْ إلَيْهِ جَبّارٌ إلّا قَصَمَهُ اللَّهُ كَما فَعَلَ بِأصْحابِ الفِيلِ، وهَهُنا سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: ألَيْسَ أنَّ الحَجّاجَ حارَبَ ابْنَ الزُّبَيْرِ وخَرَّبَ الكَعْبَةَ وقَصَدَ أهْلَها بِكُلِّ سُوءٍ وتَمَّ لَهُ ذَلِكَ ؟

الجَوابُ: لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُ تَخْرِيبَ الكَعْبَةِ لِذاتِها، بَلْ كانَ مَقْصُودُهُ شَيْئًا آخَرَ.

السُّؤالُ الثّانِي: المَطْلُوبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى هو أنْ يَجْعَلَ البَلَدَ آمِنًا كَثِيرَ الخِصْبِ، وهَذا مِمّا يَتَعَلَّقُ بِمَنافِعِ الدُّنْيا فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّسُولِ المُعَظَّمِ طَلَبُها.

والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ الدُّنْيا إذا طُلِبَتْ لِيُتَقَوّى بِها عَلى الدِّينِ، كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ أرْكانِ الدِّينِ، فَإذا كانَ البَلَدُ آمِنًا وحَصَلَ فِيهِ الخِصْبُ تَفَرَّغَ أهْلُهُ لِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَ البَلَدُ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ كانُوا عَلى ضِدِّ ذَلِكَ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ مَثابَةً لِلنّاسِ والنّاسُ إنَّما يُمْكِنُهُمُ الذَّهابُ إلَيْهِ إذا كانَتِ الطُّرُقُ آمِنَةً والأقْواتُ هُناكَ رَخِيصَةً.

وثالِثُها: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الأمْنُ والخِصْبُ مِمّا يَدْعُو الإنْسانُ إلى الذَّهابِ إلى تِلْكَ البَلْدَةِ، فَحِينَئِذٍ يُشاهِدُ المَشاعِرَ المُعَظَّمَةَ والمَواقِفَ المُكَرَّمَةَ فَيَكُونُ الأمْنُ والخِصْبُ سَبَبَ اتِّصالِهِ في تِلْكَ الطّاعَةِ.

صفحة ٥٠

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: مَأْمُونٌ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [القارِعَةِ: ٧] أيْ مَرْضِيَّةٍ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أهْلَ البَلَدِ كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٢] أيْ أهْلَها وهو مَجازٌ لِأنَّ الأمْنَ والخَوْفَ لا يَلْحَقانِ البَلَدَ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في الأمْنِ المَسْئُولِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: سَألَهُ الأمْنَ مِنَ القَحْطِ لِأنَّهُ أسْكَنَ أهْلَهُ بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ولا ضَرْعٍ.

وثانِيها: سَألَهُ الأمْنَ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ.

وثالِثُها: سَألَهُ الأمْنَ مِنَ القَتْلِ وهو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الرّازِيِّ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَهُ الأمْنَ أوَّلًا، ثُمَّ سَألَهُ الرِّزْقَ ثانِيًا، ولَوْ كانَ الأمْنُ المَطْلُوبُ هو الأمْنَ مِنَ القَحْطِ لَكانَ سُؤالُ الرِّزْقِ بَعْدَهُ …

Al-Baqara 2:126Listen in Qur'an →
127

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِۦمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And [mention] when Abraham was raising the foundations of the House and [with him] Ishmael, [saying], "Our Lord, accept [this] from us. Indeed You are the Hearing, the Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الرّابِعُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وهو أنَّهُما عِنْدَ بِناءِ البَيْتِ ذَكَرا ثَلاثَةً مِنَ الدُّعاءِ ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٌ والقَواعِدُ جَمْعُ قاعِدَةٍ وهي الأساسُ، والأصْلُ لِما فَوْقَهُ، وهي صِفَةٌ غالِبَةٌ، ومَعْناها الثّابِتَةُ، ومِنهُ أقْعَدَكَ اللَّهُ أيْ أسْألُ اللَّهَ أنْ يُقْعِدَكَ أيْ يُثَبِّتُكَ ورَفَعَ الأساسَ البَنّاءُ عَلَيْها، لِأنَّها إذا بُنِيَ عَلَيْها نُقِلَتْ عَنْ هَيْئَةِ الِانْخِفاضِ إلى هَيْئَةِ الِارْتِفاعِ وتَطاوَلَتْ بَعْدَ التَّقاصُرِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها سافاتِ البِناءِ لِأنَّ كُلَّ سافٍ قاعِدَةٌ لِلَّذِي يُبْنى عَلَيْهِ ويُوضَعُ فَوْقَهُ، ومَعْنى رَفْعِ القَواعِدِ رَفْعُها بِالبِناءِ لِأنَّهُ إذا وضَعَ سافًا فَوْقَ سافٍ فَقَدْ رَفَعَ السّافاتِ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأكْثَرُونَ مِن أهْلِ الأخْبارِ عَلى أنَّ هَذا البَيْتَ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما رَوَيْنا مِنَ الأحادِيثِ فِيهِ واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ فَإنَّ هَذا صَرِيحٌ في أنَّ تِلْكَ القَواعِدَ كانَتْ مَوْجُودَةً مُتَهَدِّمَةً إلّا أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَفَعَها وعَمَّرَها.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ كانَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ شَرِيكًا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في رَفْعِ قَواعِدِ البَيْتِ وبِنائِهِ ؟ قالَ الأكْثَرُونَ: إنَّهُ كانَ شَرِيكًا لَهُ في ذَلِكَ والتَّقْدِيرُ وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى عَطَفَ إسْماعِيلَ عَلى إبْراهِيمَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ العَطْفُ في فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي سَلَفَ ذِكْرُها ولَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا ذِكْرُ رَفْعِ قَواعِدِ البَيْتِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ إسْماعِيلُ مَعْطُوفًا عَلى إبْراهِيمَ في ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ اشْتِراكَهُما في ذَلِكَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَشْتَرِكا في البِناءِ ورَفْعِ الجُدْرانِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ أحَدُهُما بانِيًا لِلْبَيْتِ والآخَرُ يَرْفَعُ إلَيْهِ الحَجَرَ والطِّينَ، ويُهَيِّئُ لَهُ الآلاتِ والأدَواتِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ تَصِحُّ إضافَةُ الرَّفْعِ إلَيْهِما، وإنْ كانَ الوَجْهُ الأوَّلُ أُدْخِلَ في الحَقِيقَةِ ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ إسْماعِيلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ طِفْلًا صَغِيرًا ورُوِيَ مَعْناهُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأنَّهُ لَمّا بَنى البَيْتَ خَرَجَ وخَلَّفَ إسْماعِيلَ وهاجَرَ فَقالا: إلى مَن تَكِلُنا ؟ فَقالَ إبْراهِيمُ: إلى اللَّهِ فَعَطِشَ إسْماعِيلُ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا مِنَ الماءِ فَناداهُما جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وفَحَصَ الأرْضَ بِأُصْبُعِهِ فَنَبَعَتْ زَمْزَمُ وهَؤُلاءِ جَعَلُوا الوَقْفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ البَيْتِ﴾ ثُمَّ ابْتَدَءُوا: وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا طاعَتَنا بِبِناءِ هَذا …

Al-Baqara 2:127Listen in Qur'an →
128

رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةًۭ مُّسْلِمَةًۭ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

Our Lord, and make us Muslims [in submission] to You and from our descendants a Muslim nation [in submission] to You. And show us our rites and accept our repentance. Indeed, You are the Accepting of repentance, the Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الرّابِعُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وهو أنَّهُما عِنْدَ بِناءِ البَيْتِ ذَكَرا ثَلاثَةً مِنَ الدُّعاءِ ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٌ والقَواعِدُ جَمْعُ قاعِدَةٍ وهي الأساسُ، والأصْلُ لِما فَوْقَهُ، وهي صِفَةٌ غالِبَةٌ، ومَعْناها الثّابِتَةُ، ومِنهُ أقْعَدَكَ اللَّهُ أيْ أسْألُ اللَّهَ أنْ يُقْعِدَكَ أيْ يُثَبِّتُكَ ورَفَعَ الأساسَ البَنّاءُ عَلَيْها، لِأنَّها إذا بُنِيَ عَلَيْها نُقِلَتْ عَنْ هَيْئَةِ الِانْخِفاضِ إلى هَيْئَةِ الِارْتِفاعِ وتَطاوَلَتْ بَعْدَ التَّقاصُرِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها سافاتِ البِناءِ لِأنَّ كُلَّ سافٍ قاعِدَةٌ لِلَّذِي يُبْنى عَلَيْهِ ويُوضَعُ فَوْقَهُ، ومَعْنى رَفْعِ القَواعِدِ رَفْعُها بِالبِناءِ لِأنَّهُ إذا وضَعَ سافًا فَوْقَ سافٍ فَقَدْ رَفَعَ السّافاتِ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأكْثَرُونَ مِن أهْلِ الأخْبارِ عَلى أنَّ هَذا البَيْتَ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما رَوَيْنا مِنَ الأحادِيثِ فِيهِ واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ فَإنَّ هَذا صَرِيحٌ في أنَّ تِلْكَ القَواعِدَ كانَتْ مَوْجُودَةً مُتَهَدِّمَةً إلّا أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَفَعَها وعَمَّرَها.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ كانَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ شَرِيكًا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في رَفْعِ قَواعِدِ البَيْتِ وبِنائِهِ ؟ قالَ الأكْثَرُونَ: إنَّهُ كانَ شَرِيكًا لَهُ في ذَلِكَ والتَّقْدِيرُ وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى عَطَفَ إسْماعِيلَ عَلى إبْراهِيمَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ العَطْفُ في فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي سَلَفَ ذِكْرُها ولَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا ذِكْرُ رَفْعِ قَواعِدِ البَيْتِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ إسْماعِيلُ مَعْطُوفًا عَلى إبْراهِيمَ في ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ اشْتِراكَهُما في ذَلِكَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَشْتَرِكا في البِناءِ ورَفْعِ الجُدْرانِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ أحَدُهُما بانِيًا لِلْبَيْتِ والآخَرُ يَرْفَعُ إلَيْهِ الحَجَرَ والطِّينَ، ويُهَيِّئُ لَهُ الآلاتِ والأدَواتِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ تَصِحُّ إضافَةُ الرَّفْعِ إلَيْهِما، وإنْ كانَ الوَجْهُ الأوَّلُ أُدْخِلَ في الحَقِيقَةِ ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ إسْماعِيلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ طِفْلًا صَغِيرًا ورُوِيَ مَعْناهُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأنَّهُ لَمّا بَنى البَيْتَ خَرَجَ وخَلَّفَ إسْماعِيلَ وهاجَرَ فَقالا: إلى مَن تَكِلُنا ؟ فَقالَ إبْراهِيمُ: إلى اللَّهِ فَعَطِشَ إسْماعِيلُ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا مِنَ الماءِ فَناداهُما جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وفَحَصَ الأرْضَ بِأُصْبُعِهِ فَنَبَعَتْ زَمْزَمُ وهَؤُلاءِ جَعَلُوا الوَقْفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ البَيْتِ﴾ ثُمَّ ابْتَدَءُوا: وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا طاعَتَنا بِبِناءِ هَذا …

Al-Baqara 2:128Listen in Qur'an →
129

رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

Our Lord, and send among them a messenger from themselves who will recite to them Your verses and teach them the Book and wisdom and purify them. Indeed, You are the Exalted in Might, the Wise."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الرّابِعُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وهو أنَّهُما عِنْدَ بِناءِ البَيْتِ ذَكَرا ثَلاثَةً مِنَ الدُّعاءِ ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٌ والقَواعِدُ جَمْعُ قاعِدَةٍ وهي الأساسُ، والأصْلُ لِما فَوْقَهُ، وهي صِفَةٌ غالِبَةٌ، ومَعْناها الثّابِتَةُ، ومِنهُ أقْعَدَكَ اللَّهُ أيْ أسْألُ اللَّهَ أنْ يُقْعِدَكَ أيْ يُثَبِّتُكَ ورَفَعَ الأساسَ البَنّاءُ عَلَيْها، لِأنَّها إذا بُنِيَ عَلَيْها نُقِلَتْ عَنْ هَيْئَةِ الِانْخِفاضِ إلى هَيْئَةِ الِارْتِفاعِ وتَطاوَلَتْ بَعْدَ التَّقاصُرِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها سافاتِ البِناءِ لِأنَّ كُلَّ سافٍ قاعِدَةٌ لِلَّذِي يُبْنى عَلَيْهِ ويُوضَعُ فَوْقَهُ، ومَعْنى رَفْعِ القَواعِدِ رَفْعُها بِالبِناءِ لِأنَّهُ إذا وضَعَ سافًا فَوْقَ سافٍ فَقَدْ رَفَعَ السّافاتِ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأكْثَرُونَ مِن أهْلِ الأخْبارِ عَلى أنَّ هَذا البَيْتَ كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما رَوَيْنا مِنَ الأحادِيثِ فِيهِ واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ فَإنَّ هَذا صَرِيحٌ في أنَّ تِلْكَ القَواعِدَ كانَتْ مَوْجُودَةً مُتَهَدِّمَةً إلّا أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَفَعَها وعَمَّرَها.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ كانَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ شَرِيكًا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في رَفْعِ قَواعِدِ البَيْتِ وبِنائِهِ ؟ قالَ الأكْثَرُونَ: إنَّهُ كانَ شَرِيكًا لَهُ في ذَلِكَ والتَّقْدِيرُ وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى عَطَفَ إسْماعِيلَ عَلى إبْراهِيمَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ العَطْفُ في فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي سَلَفَ ذِكْرُها ولَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا ذِكْرُ رَفْعِ قَواعِدِ البَيْتِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ إسْماعِيلُ مَعْطُوفًا عَلى إبْراهِيمَ في ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ اشْتِراكَهُما في ذَلِكَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَشْتَرِكا في البِناءِ ورَفْعِ الجُدْرانِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ أحَدُهُما بانِيًا لِلْبَيْتِ والآخَرُ يَرْفَعُ إلَيْهِ الحَجَرَ والطِّينَ، ويُهَيِّئُ لَهُ الآلاتِ والأدَواتِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ تَصِحُّ إضافَةُ الرَّفْعِ إلَيْهِما، وإنْ كانَ الوَجْهُ الأوَّلُ أُدْخِلَ في الحَقِيقَةِ ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ إسْماعِيلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ طِفْلًا صَغِيرًا ورُوِيَ مَعْناهُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأنَّهُ لَمّا بَنى البَيْتَ خَرَجَ وخَلَّفَ إسْماعِيلَ وهاجَرَ فَقالا: إلى مَن تَكِلُنا ؟ فَقالَ إبْراهِيمُ: إلى اللَّهِ فَعَطِشَ إسْماعِيلُ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا مِنَ الماءِ فَناداهُما جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وفَحَصَ الأرْضَ بِأُصْبُعِهِ فَنَبَعَتْ زَمْزَمُ وهَؤُلاءِ جَعَلُوا الوَقْفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ البَيْتِ﴾ ثُمَّ ابْتَدَءُوا: وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا طاعَتَنا بِبِناءِ هَذا …

Al-Baqara 2:129Listen in Qur'an →
130

وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِۦمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

And who would be averse to the religion of Abraham except one who makes a fool of himself. And We had chosen him in this world, and indeed he, in the Hereafter, will be among the righteous.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾

صفحة ٦٣

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أمْرَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما أجْراهُ عَلى يَدِهِ مِن شَرائِفِ شَرائِعِهِ الَّتِي ابْتَلاهُ بِها، ومِن بِناءِ بَيْتِهِ وأمْرِهِ بِحَجِّ عِبادِ اللَّهِ إلَيْهِ وما جَبَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مِنَ الحِرْصِ عَلى مَصالِحِ عِبادِهِ ودُعائِهِ بِالخَيْرِ لَهم، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي سَلَفَ في هَذِهِ الآيَةِ السّالِفَةِ عَجَّبَ النّاسَ فَقالَ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ والإيمانُ بِما أتى مِن شَرائِعِهِ فَكانَ في ذَلِكَ تَوْبِيخُ اليَهُودِ والنَّصارى ومُشْرِكِي العَرَبِ لِأنَّ اليَهُودَ إنَّما يَفْتَخِرُونَ بِهِ ويُوصَلُونَ بِالوَصْلَةِ الَّتِي بَيْنَهم وبَيْنَهُ مِن نَسَبِ إسْرائِيلَ، والنَّصارى فافْتِخارُهم لَيْسَ بِعِيسى وهو مُنْتَسِبٌ مِن جانِبِ الأُمِّ إلى إسْرائِيلَ، وأمّا قُرَيْشٌ فَإنَّهم إنَّما نالُوا كُلَّ خَيْرٍ في الجاهِلِيَّةِ بِالبَيْتِ الَّذِي بَناهُ فَصارُوا لِذَلِكَ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ، وسائِرُ العَرَبِ وهُمُ العَدْنانِيُّونَ فَمَرْجِعُهم إلى إسْماعِيلَ وهم يَفْتَخِرُونَ عَلى القَحْطانِيِّينَ بِإسْماعِيلَ بِما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النُّبُوَّةِ، فَرَجَعَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ افْتِخارُ الكُلِّ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بَعْثَةَ هَذا الرَّسُولِ في آخِرِ الزَّمانِ وهو الَّذِي تَضَرَّعَ إلى اللَّهِ تَعالى في تَحْصِيلِ هَذا المَقْصُودِ، فالعَجَبُ مِمَّنْ أعْظَمُ مَفاخِرِهِ وفَضائِلِهِ الِانْتِسابُ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ إنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالرَّسُولِ الَّذِي هو دَعْوَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَطْلُوبُهُ بِالتَّضَرُّعِ لا شَكَّ أنَّ هَذا مِمّا يَسْتَحِقُّ أنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: رَغِبْتُ مِنَ الأمْرِ إذا كَرِهْتَهُ، ورَغِبْتُ فِيهِ إذا أرَدْتَهُ. ”ومَنِ“ الأُولى اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، والثّانِيَةُ بِمَعْنى الَّذِي، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”مَن سَفِهَ“ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في يَرْغَبُ وإنَّما صَحَّ البَدَلُ لِأنَّ مَن يَرْغَبُ غَيْرُ مُوجِبٍ كَقَوْلِكَ: هَلْ جاءَكَ أحَدٌ إلّا زَيْدٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ هَهُنا سُؤالٌ وهو أنَّ المُرادَ بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ هو المِلَّةُ الَّتِي جاءَ بِها مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكَلامِ تَرْغِيبُ النّاسِ في قَبُولِ هَذا الدِّينِ فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ المِلَّةَ عَيْنُ مِلَّةِ إبْراهِيمَ في الأُصُولِ والفُرُوعِ، أوْ يُقالَ: هَذِهِ المِلَّةُ هي تِلْكَ المِلَّةُ في الأُصُولِ أعْنِي التَّوْحِيدَ والنُّبُوَّةَ ورِعايَةَ مَكارِمِ الأخْلاقِ، ولَكِنَّهُما يَخْتَلِفانِ في فُرُوعِ الشَّرائِعِ وكَيْفِيَّةِ الأعْمالِ.

أمّا الأوَّلُ: فَباطِلٌ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَدَّعِي أنَّ شَرْعَهُ نَسَخَ كُلَّ الشَّرائِعِ، فَكَيْفَ يُقالُ هَذا الشَّرْعُ هو عَيْنُ ذَلِكَ الشَّرْعِ.

وأمّا الثّانِي: فَهو لا يُفِيدُ المَطْلُوبَ لِأنَّ الِاعْتِرافَ بِالأُصُولِ أعْنِي التَّوْحِيدَ والعَدْلَ ومَكارِمَ الأخْلاقِ والمَعادَ لا يَقْتَضِي الِاعْتِرافَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكَيْفَ يَتَمَسَّكُ بِهَذا …

Al-Baqara 2:130Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.