Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Jami' al-Bayan (Tafsir al-Tabari) by Ibn Jarir al-Tabari

Ayahs 121–130 of 286

121

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَتْلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

Those to whom We have given the Book recite it with its true recital. They [are the ones who] believe in it. And whoever disbelieves in it - it is they who are the losers.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الذين عناهم الله جل ثناؤه بقوله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ فقال بعضهم: هم المؤمنون برسول الله ﷺ، وبما جاء به من أصحابه.

ذكر من قال ذلك:

١٨٧٨- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ ، هؤلاء أصحاب نبي الله ﷺ، آمنوا بكتاب الله وصدقوا به.

* *

وقال آخرون: بل عنى الله بذلك علماء بني إسرائيل، الذين آمنوا بالله وصدقوا رسله، فأقروا بحكم التوراة. فعملوا بما أمر الله فيها من اتباع محمد ﷺ، والإيمان به، والتصديق بما جاء به من عند الله.

ذكر من قال ذلك:

١٨٧٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ، قال: من كفر بالنبي ﷺ من يهود فأولئك هم الخاسرون.

* *

وهذا القول أولى بالصواب من القول الذي قاله قتادة. لأن الآيات قبلها مضت بأخبار أهل الكتابين، وتبديل من بدل منهم كتاب الله، وتأولهم إياه على غير تأويله، وادعائهم على الله الأباطيل. ولم يجر لأصحاب محمد ﷺ في الآية التي قبلها ذكر، فيكون قوله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ ، موجها إلى الخبر عنهم، ولا لهم بعدها ذكر في الآية التي تتلوها، فيكون موجها ذلك إلى أنه خبر مبتدأ عن قصص أصحاب رسول الله ﷺ، بعد انقضاء قصص غيرهم، ولا جاء بأن ذلك خبر عنهم أثر يجب التسليم له. رحم الله أبا جعفر، فهو لا يدع الاحتجاج الصحيح عند كل آية، ولكن بعض أهل التفسير يتجاوزون ويتساهلون، فليتهم نهجوا نهجه في الضبط والحفظ والاستدلال.

فإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بمعنى الآية أن يكون موجها إلى أنه خبر عمن قص الله جل ثناؤه [قصصهم] في الآية قبلها والآية بعدها، ما بين القوسين زيادة لا بد منها. وهم أهل الكتابين: التوراة والإنجيل. وإذْ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: الذين آتيناهم الكتاب الذي قد عرفته يا محمد -وهو التوراة- فقرءوه واتبعوا ما فيه، فصدقوك وآمنوا بك، وبما جئت به من عندي، أولئك يتلونه حق تلاوته.

* *

وإنما أدخلت الألف واللام في"الكتاب" لأنه معرفة، وقد كان النبي ﷺ وأصحابه عرفوا أي الكتب عنى به.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله عز وجل: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ ، فقال بعضهم: معنى ذلك يتبعونه حق اتباعه.

ذكر من قال ذلك:

١٨٨٠- حدثني محمد بن المثنى قال، حدثني ابن أبي عدي، وعبد الأعلى، وحدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا ابن أبي عدي جميعا، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ ، يتبعونه حق اتباعه.

١٨٨١- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عكرمة بمثله.

١٨٨٠- وحدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا داود بن أبي هند، عن عكرمة بمثله.

١٨٨٣- حدثني الحسن بن عمرو العنقزي قال، حدثني أبي، عن أسباط، عن السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس في قوله الله عز وجل: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ ، قال: يحلون حلاله ويحرمون حرامه، ولا يحرفونه. الأثر: ١٨٨٣ - في المطبوعة: "الحسن بن عمرو العبقري"، وانظر التعليق على الأثر رقم: ١٦٢٥ وكذلك مضى في الأثر: ١٦٥٥"الحسن"، وهو خطأ، نصححه.

١٨٨٤- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال، قال أبو مالك: إن ابن عباس قال في: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ ، فذكر مثله، إلا أنه قال: ولا يحرفونه عن مواضعه.

١٨٨٥- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا المؤمل قال، حدثنا سفيان قال: حدثنا يزيد، عن مرة، عن عبد الله في قول الله عز وجل: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ : قال: يتبعونه حق اتباعه.

١٨٨٦- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي …

Al-Baqara 2:121Listen in Qur'an →
122

يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) ﴾

قال أبو جعفر: وهذه الآية عظة من الله تعالى ذكره لليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ، وتذكير منه لهم ما سلف من أياديه إليهم في صنعه بأوائلهم، استعطافا منه لهم على دينه وتصديق رسوله محمد ﷺ، فقال: يا بني إسرائيل اذكروا أيادي لديكم، وصنائعي عندكم، واستنقاذي إياكم من أيدي عدوكم فرعون وقومه، وإنزالي عليكم المن والسلوى في تيهكم، وتمكيني لكم في البلاد، بعد أن كنتم مذللين مقهورين، واختصاصي الرسل منكم، وتفضيلي إياكم على عالم من كنتم بين ظهرانيه، أيام أنتم في طاعتي- إن لم يكن قد سقط هنا قوله: "وأعظكم باتباع رسولي. . "، فإن قوله" باتباع رسولي" متعلق بقوله في صدر الخطاب: "اذكروا أيادي لديكم. . ". باتباع رسولي إليكم، وتصديقه وتصديق ما جاءكم به من عندي، ودعوا التمادي في الضلال والغي.

وقد ذكرنا فيما مضى النعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل، والمعاني التي ذكرهم جل ثناؤه من آلائه عندهم، والعالم الذي فضلوا عليه - فيما مضى قبل، بالروايات والشواهد، فكرهنا تطويل الكتاب بإعادته، إذْ كان المعنى في ذلك في هذا الموضع وهنالك واحدا. انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٢٣ - ٢٦.

Al-Baqara 2:122Listen in Qur'an →
123

وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍۢ شَيْـًۭٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌۭ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَٰعَةٌۭ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

And fear a Day when no soul will suffice for another soul at all, and no compensation will be accepted from it, nor will any intercession benefit it, nor will they be aided.

القول في تأويل قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) ﴾

قال أبو جعفر: وهذه الآية ترهيب من الله جل ثناؤه للذين سلفت عظته إياهم بما وعظهم به في الآية قبلها. يقول الله لهم: واتقوا - يا معشر بني إسرائيل المبدلين كتابي وتنزيلي، المحرفين تأويله عن وجهه، المكذبين برسولي محمد ﷺ - عذاب يوم لا تقضي فيه نفس عن نفس شيئا، ولا تغني عنها غناء، أن تهلكوا على ما أنتم عليه من كفركم بي، وتكذيبكم رسولي، فتموتوا عليه، فإنه يوم لا يقبل من نفس فيما لزمها فدية، ولا يشفع فيما وجب عليها من حق لها شافع، ولا هي ينصرها ناصر من الله إذا انتقم منها بمعصيتها إياه. في المطبوعة: "ولا هم ينصرهم"، وهو خطأ، صوابه ما أثبت.

* *

وقد مضى البيان عن كل معاني هذه الآية في نظيرتها قبل، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٢٦ - ٣٦.

* *

بسم الله الرحمن الرحيم

Al-Baqara 2:123Listen in Qur'an →
124

۞ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَٰهِۦمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٍۢ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًۭا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّٰلِمِينَ

And [mention, O Muhammad], when Abraham was tried by his Lord with commands and he fulfilled them. [Allah] said, "Indeed, I will make you a leader for the people." [Abraham] said, "And of my descendants?" [Allah] said, "My covenant does not include the wrongdoers."

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وإذ ابتلى﴾ ، وإذا اختبر.

* *

يقال منه:"ابتليت فلانا أبتليه ابتلاء"، ومنه قول الله عز وجل: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [سورة النساء: ٦] ، يعني به: اختبروهم. انظر ما سلف في الجزء ٢: ٤٨، ٤٩. .

* *

وكان اختبار الله تعالى ذكره إبراهيم، اختبارا بفرائض فرضها عليه، وأمر أمره به. وذلك هو"الكلمات" التي أوحاهن إليه، وكلفه العمل بهن، امتحانا منه له واختبارا.

* *

ثم اختلف أهل التأويل في صفة"الكلمات" التي ابتلى الله بها إبراهيم نبيه وخليله صلوات الله عليه.

* *

فقال بعضهم: هي شرائع الإسلام، وهي ثلاثون سهما. السهم في الأصل واحد السهام التي يضرب بها في الميسر، وهي القداح. ثم سمى ما يفوز به الفالج سهما، ثم كثر حتى سمى كل نصيب سهما. وقوله هنا يدل على أنهم استعملوه في كل جزء من شيء يتجزأ وهو جملة واحدة. فقوله: "سهما" هنا، أي خصلة وشعبة. وسيأتي شاهدها في الأخبار الآتية.

ذكر من قال ذلك:

١٩٠٧- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات" قال، قال ابن عباس: لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم، ابتلاه الله بكلمات، فأتمهن. قال: فكتب الله له البراءة فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [سورة النجم: ٣٧] . قال: عشر منها في"الأحزاب"، وعشر منها في"براءة"، وعشر منها في"المؤمنون" و"سأل سائل"، وقال: إن هذا الإسلام ثلاثون سهما. سيأتي بيانها في الأثر التالي.

١٩٠٨- حدثنا إسحاق بن شاهين قال، حدثنا خالد الطحان، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما ابتلي أحد بهذا الدين فقام به كله غير إبراهيم، ابتلي بالإسلام فأتمه، فكتب الله له البراءة فقال:"وإبراهيم الذي وفى"، فذكر عشرا في"براءة" [١١٢] فقال: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾ إلى آخر الآية، في المطبوعة: "الآيات"، والصواب ما أثبت. وعشرا في"الأحزاب" [٣٥] ، ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ ، وعشرا في"سورة المؤمنون" [١-٩] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ، وعشرا في"سأل سائل" [٢٢-٣٤] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ .

١٩٠٩- حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبويه قال، حدثنا علي بن الحسن قال، حدثنا خارجة بن مصعب، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الإسلام ثلاثون سهما، وما ابتلي بهذا الدين أحد فأقامه إلا إبراهيم، قال الله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ ، فكتب الله له براءة من النار. [[الخبر ١٩٠٩- عبد الله بن أحمد بن شبويه: هو عبد الله بن أحمد بن محمد بن ثابت بن مسعود بن يزيد، أبو عبد الرحمن، عرف بابن شبويه، وهو من أئمة الحديث، كما قال الخطيب. مترجم في تاريخ بغداد ٩: ٣٧١، وله ترجمة موجزة في ابن أبي حاتم. ووقع في المطبوعة هنا"عبيد الله بن أحمد بن شبرمة". وهو تحريف وخطأ. صححناه من التاريخ، ومما سيأتي في التفسير.

علي بن الحسن بن شقيق بن دينار: ثقة، من شيوح أحمد، والبخاري، وغيرهما. مترجم في التهذيب، وفي شرح المسند: ٧٤٣٧.

وهذا الخبر سيأتي بهذا الإسناد، في التفسير: ٢٧: ٤٣ (بولاق) . وكذلك رواه أبو جعفر بهذا الإسناد، في التاريخ ١: ١٤٤.

وذكره ابن كثير ١: ٣٠٢، ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم، والحاكم. وذكره السيوطي ١: ١١١-١١٢، وزاد نسبته لابن أبي شيبة، وابن مردويه، وابن عساكر. وهذا الإسناد صحيح.]]

* *

وقال آخرون: هي خصال عشر من سنن الإسلام.

ذكر من قال ذلك:

١٩١٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات" قال، ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد. في الرأس: قص …

Al-Baqara 2:124Listen in Qur'an →
125

وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةًۭ لِّلنَّاسِ وَأَمْنًۭا وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِۦمَ مُصَلًّۭى ۖ وَعَهِدْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِۦمَ وَإِسْمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ

And [mention] when We made the House a place of return for the people and [a place of] security. And take, [O believers], from the standing place of Abraham a place of prayer. And We charged Abraham and Ishmael, [saying], "Purify My House for those who perform Tawaf and those who are staying [there] for worship and those who bow and prostrate [in prayer]."

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾

قال أبو جعفر: أما قوله:"وإذ جعلنا البيت مثابة"، فإنه عطف ب"إذ" على قوله:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات". وقوله:"وإذ ابتلى إبراهيم" معطوف على قوله:"يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي"، واذكروا"إذ ابتلى إبراهيم ربه"،"وإذ جعلنا البيت مثابة".

* *

و"البيت" الذي جعله الله مثابة للناس، هو البيت الحرام.

* *

وأما"المثابة"، فإن أهل العربية مختلفون في معناها، والسبب الذي من أجله أنثت.

فقال بعض نحويي البصرة: ألحقت الهاء في"المثابة"، لما كثر من يثوب إليه، كما يقال:"سيارة" لمن يكثر ذلك،"ونسابة".

وقال بعض نحويي الكوفة: بل"المثاب" و"المثابة" بمعنى واحد، نظيرة"المقام" و"المقامة" في المطبوعة: "نظيره" والأرجح ما أثبت. . و"المقام"، ذكر -على قوله- لأنه يريد به الموضع الذي يقام فيه، وأنثت"المقامة"، لأنه أريد بها البقعة. وأنكر هؤلاء أن تكون"المثابة" ك"السيارة، والنسابة".، وقالوا: إنما أدخلت الهاء في"السيارة والنسابة" تشبيها لها ب"الداعية".

* *

و"المثابة""مفعلة" من"ثاب القوم إلى الموضع"، إذا رجعوا إليه، فهم يثوبون إليه مثابا ومثابة وثوابا. لم تذكر هذه المصادر في كتب اللغة، "المثاب، والمثابة" مصدران ميميان قياسيان، فإغفالهما في كتب اللغة غير غريب، وأما قوله"وثوابا"، فهذا إن صح عن الطبري، فهو جائز في العربية أيضًا، ولكنهم نصوا على أن مصدر"ثاب" هو"ثوبانا، وثوبا، وثؤوبا" فأخشى أن تكون محرفة عن إحداها. وأما"الثواب" في المعروف من كتب العربية الاسم من"أثابه يثيبه إثابة، وهو الثواب"، وهو المجازاة على الصنيع.

فمعنى قوله:"وإذ جعلنا البيت مثابة للناس": وإذ جعلنا البيت مرجعا للناس ومعاذا، يأتونه كل عام ويرجعون إليه، فلا يقضون منه وطرا. ومن"المثاب"، قول ورقة بن نوفل في صفة الحرم:

مثاب لأفناء القبائل كلها ... تخب إليه اليعملات الطلائح [[من أبيات طويلة لورقة بن نوفل في البداية والنهاية لابن كثير ٢: ٢٩٧، والبيت في تفسير أبي حيان ١: ٣٨٠، بهذه الرواية، وقبل البيت في ذكر أبينا إبراهيم عليه السلام: فمتبع دين الذي أسس البنا ... وكان له فضل على الناس راجح

وأسس بنيانا بمكة ثابتا ... تلألأ فيه بالظلام المصابح

مثابا لأفناء. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

بنصب"مثابا" بيد أن الشافعي روى هذا البيت في الأم ٢: ١٢٠ لورقة بن نوفل، وعجزه. تخب إليه اليعملات الذوامل

وكذلك جاء في القرطبي ٢: ١٠٠، وعدها أبو حيان رواية في البيت، وبهذه الرواية ذكره صاحب اللسان في (ثوب) منسوبا لأبي طالب، وفي (ذمل) غير منسوب. والظاهر أن الشافعي رحمه الله أخطأ في رواية البيت. وأخطأ صاحب اللسان في نسبته، اشتبه عليه بشعر أبي طالب في قصيدته المشهورة.

وأفناء القبائل: أخلاطهم ونزاعهم من هاهنا وهاهنا. وخبت الدابة تخب خببا: وهو ضرب سريع من العدو. واليعملات جمع يعملة وهي الناقة السريعة المطبوعة على العمل، اشتق اسمها من العمل، والعمل الإسراع والعجلة. والطلائع جمع طليح. ناقة طليح أسفار: جهدها السير وهزلها، فهي ضامرة هزلا. يعني الإبل أنضاها أصحابها في إسراعهم إلى حج البيت. وأما"الذوامل" في الرواية الأخرى، فهو جمع ذاملة. ناقة ذمول وذاملة: وهي التي تسير سيرا لينا سريعا.]]

ومنه قيل:"ثاب إليه عقله"، إذا رجع إليه بعد عزوبه عنه.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٩٦٣- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا [أبو عاصم قال، حدثنا] عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"وإذ جعلنا البيت مثابة للناس" قال: لا يقضون منه وطرا. الأثر: ١٩٦٣- ما بين القوسين ساقط من الأصول. وهذا إسناد دائر، أقربه إلينا رقم: ١٩٤٦، فأتممته على الصواب.

١٩٦٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن …

Al-Baqara 2:125Listen in Qur'an →
126

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنًۭا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًۭا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

And [mention] when Abraham said, "My Lord, make this a secure city and provide its people with fruits - whoever of them believes in Allah and the Last Day." [Allah] said. "And whoever disbelieves - I will grant him enjoyment for a little; then I will force him to the punishment of the Fire, and wretched is the destination."

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا"، واذكروا إذ قال إبراهيم: رب اجعل هذا البلد بلدا آمنا.

* *

قال أبو جعفر: يعني بقوله:"آمنا": آمنا من الجبابرة وغيرهم، أن يسلطوا عليه، ومن عقوبة الله أن تناله، كما تنال سائر البلدان، من خسف، وائتفاك، وغرق، في المطبوعة: "وانتقال" مكان"وائتفاك"، وذاك لفظ بلا معنى هنا وبلا دلالة. والائتفاك الانقلاب، وهو عذاب الله الشديد الذي أنزله بقوم لوط، فقال سبحانه في سورة هود: "فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها"، وهذا هو الائتفاك، ائتفكت بهم الأرض: أي انقلبت فصار عاليها سافلها، فسمى الله هذه القرى، قرى لوط"المؤتفكات" في سورة التوبة: ٧٠، وفي سورة الحاقة: ٩، وقال في سورة النجم: ٥٢-٥٣"والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى" وغير ذلك من سخط الله ومثلاته التي تصيب سائر البلاد غيره، كما:

٢٠٢٦- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن الحرم حُرِّم بحياله إلى العرش. وذكر لنا أن البيت هبط مع آدم حين هبط. قال الله له: أهبط معك بيتي يطاف حوله كما يطاف حول عرشي. فطاف حوله آدم ومن كان بعده من المؤمنين، حتى إذا كان زمان الطوفان -حين أغرق الله قوم نوح- رفعه وطهره، ولم تصبه عقوبة أهل الأرض. فتتبع منه إبراهيم أثرا، فبناه على أساس قديم كان قبله.

* *

فإن قال لنا قائل: أوما كان الحرم آمنا إلا بعد أن سأل إبراهيم ربه له الأمان؟

قيل له: لقد اختلف في ذلك. فقال بعضهم: لم يزل الحرم آمنا من عقوبة الله وعقوبة جبابرة خلقه، منذ خلقت السموات والأرض. واعتلوا في ذلك بما:-

٢٠٢٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، قال سمعت أبا شريح الخزاعي يقول: لما افتتحت مكة قتلت خزاعة رجلا من هذيل، فقام رسول الله ﷺ خطيبا فقال:"يا أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، أو يعضد بها شجرا. ألا وإنها لا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا هذه الساعة، غضبا علي أهلها. ألا فهي قد رجعت على حالها بالأمس. ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فمن قال: إن رسول الله ﷺ قد قتل بها! فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يُحِلَّها لك". [[الحديث: ٢٠٢٧- هذا مختصر من حديث صحيح مطول:

فرواه أحمد في المسند: ١٦٤٤٨ (ج ٤ ص ٣٢ حلبي) ، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، بهذا الإسناد.

ورواية ابن إسحاق ثابتة أيضًا -مطولة- في سيرة ابن هشام ٤: ٥٧-٥٨ (حلبي) ، و ٨٢٣- ٨٢٤ أوربة، ٢: ٢٧٧-٢٧٨ (من الروض الأنف) .

ورواه أيضًا، بنحوه، أحمد: ١٦٤٤٤ (ج ٤ ص ٣١) ، والبخاري ١: ١٧٦-١٧٧، و ٤: ٣٥-٣٩ (فتح) ، ومسلم ١: ٣٨٣-٣٨٤ كلهم من طريق الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح.

وقوله في الحديث: "أو يعضد بها شجرا"، أي يقطعه، يقال"عضد الشجر"، من باب"ضرب" قطعه.

وقوله: "غضبا على أهلها": هذا هو الصحيح الثابت في رواية ابن إسحاق، في المسند، وسيرة ابن هشام، وفي المطبوعة: "عصى على أهلها". وهو تصحيف.]]

٢٠٢٨- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان - وحدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير - جميعا، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ، لمكة حين افتتحها:"هذه حرم حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، وخلق الشمس والقمر، ووضع هذين الأخشبين، لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، أُحِلَّت لي ساعة من نهار. [[الحديث: ٢٠٢٨- هذا الحديث رواه الطبري بإسنادين، عن ثلاثة شيوخ: فرواه عن أبي كريب محمد بن العلاء، عن عبد الرحيم بن سليمان الرازي. ثم رواه عن ابن حميد - وهو محمد بن …

Al-Baqara 2:126Listen in Qur'an →
127

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِۦمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And [mention] when Abraham was raising the foundations of the House and [with him] Ishmael, [saying], "Our Lord, accept [this] from us. Indeed You are the Hearing, the Knowing.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت"، واذكروا إذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت.

* *

و"القواعد" جمع"قاعدة"، يقال للواحدة من"قواعد البيت""قاعدة"، وللواحدة من"قواعد النساء" وعجائزهن"قاعد"، فتلغى هاء التأنيث، لأنها"فاعل" من قول القائل:"قعدت عن الحيض"، ولا حظَّ فيه للذكورة، كما يقال:"امرأة طاهر وطامث"، لأنه لا حظ في ذلك للذكور. ولو عنى به"القعود" الذي هو خلاف"القيام"، لقيل:"قاعدة"، ولم يجز حينئذ إسقاط هاء التأنيث. و"قواعد البيت": إساسه. الإساس (بكسر الهمزة) جمع أس (بضم الهمزة) ، وجمع الأساس، أسس (بضمتين) وجمع الأسس (بفتحتين) آساس (بالمد) ، وكلها بمعنى واحد.

* *

ثم اختلف أهل التأويل في"القواعد" التي رفعها إبراهيم وإسماعيل من البيت. أهما أحدثا ذلك، أم هي قواعد كانت له قبلهما؟

فقال قوم: هي قواعد بيت كان بناه آدم أبو البشر بأمر الله إياه بذلك، ثم درس مكانه وتعفَّى أثرُه بعده، حتى بوأه الله إبراهيم عليه والسلام، فبناه.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٣٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج، عن عطاء قال: قال آدم: يا رب، إني لا أسمع أصوات الملائكة! قال: بخطيئتك، ولكن اهبط إلى الأرض، وابن لي بيتا، ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء. فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل: من"حراء" و"طورزيتا"، و"طورسينا"، و"جبل لبنان"، و"الجودي"، وكان ربضه من حراء. فكان هذا بناء آدم حتى بناه إبراهيم بعد. الأثر: ٢٠٣٧- في تفسير ابن كثير ١: ٣٢٥، وقال: "وهذا صحيح إلى عطاء، ولكن في بعضه نكارة والله أعلم". وربض البناء (بفتحتين) وربضه (بضم فسكون) : هو وسطه الذي يربض عليه، أي يستقر ويثبت.

٢٠٣٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت" قال، القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك.

* *

وقال آخرون: بل هي قواعد بيت كان الله أهبطه لآدم من السماء إلى الأرض، يطوف به كما كان يطوف بعرشه في السماء، ثم رفعه إلى السماء أيام الطوفان، فرفع إبراهيم قواعد ذلك البيت.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٣٩- حدثني محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن عمرو قال: لما أهبط الله آدم من الجنة قال: إني مهبط معك -أو منزل - معك بيتا يطاف حوله كما يطاف حول عرشي، ويصلى عنده كما يصلى عند عرشي. فلما كان زمن الطوفان رفع، فكانت الأنبياء يحجونه ولا يعلمون مكانه، حتى بوأه الله إبراهيم، وأعلمه مكانه، فبناه من خمسة أجبل: من"حراء" و"ثبير" و"لبنان" و"جبل الطور" و"جبل الخمر". [[الخبر: ٢٠٣٩- عبد الوهاب: هو ابن عبد المجيد الثقفي، وهو ثقة، من شيوخ الشافعي وأحمد وأضرابهما. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣/١/٧١، وابن سعد ٧/٢/٤٤.

أيوب: هو ابن أبي تميمة السختياني، وهو ثقة حجة. قال شعبة: "كان سيد الفقهاء". مترجم في التهذيب، والكبير ١/١/٤٠٩-٤١٠، وابن سعد ٧/٢/١٤-١٧، وابن أبي حاتم.

أبو قلابة، بكسر القاف وتخفيف اللام: هو عبد الله بن زيد الجرمي. وهو تابعي ثقة مشهور. مترجم في التهذيب، وابن سعد ٧/١/١٣٣-١٣٥، وابن أبي حاتم ٢/٢/٥٧-٥٨.

وهذا الخبر ذكره السيوطي ١: ١٢٧، ونسبه الطبري وابن أبي حاتم، والطبراني، عن"عبد الله بن عمرو بن العاص".

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣: ٢٨٨، وقال: "رواه الطبراني في الكبير، موقوفا، ورجاله رجال الصحيح". وهو كما قال. ولكن ليس فيه حجة، ولعله مما كان يسمع عبد الله بن عمرو من أخبار أهل الكتاب. جبل الخمر: هو جبل بيت المقدس، سمي بذلك لكثرة كرومه (ياقوت) .]]

٢٠٤٠- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا إسماعيل بن علية …

Al-Baqara 2:127Listen in Qur'an →
128

رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةًۭ مُّسْلِمَةًۭ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

Our Lord, and make us Muslims [in submission] to You and from our descendants a Muslim nation [in submission] to You. And show us our rites and accept our repentance. Indeed, You are the Accepting of repentance, the Merciful.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك. في المطبوعة: "القراء"و"قراء"، ورددتها إلى ما درج عليه الطبري في عبارته. والقَرَأَة جمع قارئ، مثل حافظ وحفظة، كما سلف مرارا. فقرأه بعضهم:"وأرنا مناسكنا" بمعنى رؤية العين، أي أظهرها لأعيننا حتى نراها. وذلك قراءة عامة أهل الحجاز والكوفة.

وكان بعض من يوجه تأويل ذلك إلى هذا التأويل، يسكن الراء من"أرنا"، غير أنه يشمها كسرة.

* *

واختلف قائل هذه المقالة وقرأة هذه القراءة في تأويل قوله:"مناسكنا"

فقال بعضهم: هي مناسك الحج ومعالمه.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٦٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وأرنا مناسكنا" فأراهما الله مناسكهما: الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والإفاضة من عرفات، والإفاضة من جمع، ورمي الجمار، حتى أكمل الله الدين - أو دينه.

٢٠٦٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"وأرنا مناسكنا" قال، أرنا نسكنا وحجنا.

٢٠٦٥- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما فرغ إبراهيم وإسماعيل من بنيان البيت، أمره الله أن ينادي فقال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [سورة الحج:٢٧] ، فنادى بين أخشبي مكة: أخشبا مكة: هما الجبلان المطيفان بها، وهما: "أبو قبيس" و"الأحمر"، وهو مشرف وجهه على قعيقعان، والأخشب: كل جبل خشن غليظ، وفي الحديث: "لا تزول مكة حتى يزول أخشباها". يا أيها الناس! إن الله يأمركم أن تحجوا بيته. قال: فوقرت في قلب كل مؤمن، فأجابه كل من سمعه من جبل أو شجر أو دابة:"لبيك لبيك". فأجابوه بالتلبية:"لبيك اللهم لبيك"، وأتاه من أتاه. فأمره الله أن يخرج إلى عرفات، ونعتها [له] ، الزيادة بين القوسين، أظنها أحرى بالصواب. فخرج. فلما بلغ الشجرة عند العقبة، استقبله الشيطان، فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، فطار فوقع على الجمرة الثانية أيضا، فصده، فرماه وكبر، فطار فوقع على الجمرة الثالثة، فرماه وكبر. فلما رأى أنه لا يطيقه، ولم يدر إبراهيم أين يذهب، انطلق حتى أتى"ذا المجاز"، فلما نظر إليه فلم يعرفه جاز، فلذلك سمي:"ذا المجاز". ثم انطلق حتى وقع بعرفات، فلما نظر إليها عرف النعت. قال: قد عرفت! فسميت:"عرفات". فوقف إبراهيم بعرفات، حتى إذا أمسى ازدلف إلى جمع، ازدلف إلى الشيء: تقرب إليه ودنا منه. وجمع (بفتح الجيم وسكون الميم) هي"مزدلفة". فسميت"المزدلفة"، فوقف بجمع. ثم أقبل حتى أتى الشيطان حيث لقيه أول مرة فرماه بسبع حصيات سبع مرات، ثم أقام بمنى حتى فرغ من الحج وأمره. وذلك قوله:"وأرنا مناسكنا". الأثر: ٢٠٦٥ سيأتي بعضه برقم: ٣٧٩٢ في هذا الجزء.

* *

وقال آخرون - ممن قرأ هذه القراءة -"المناسك": المذابح. فكان تأويل هذه الآية، على قول من قال ذلك: وأرنا كيف ننسك لك يا ربنا نسائكنا، فنذبحها لك. نسك ينسك (بضم السين) نسكا (بسكون السين) ذبح. والنسيكة: الذبيحة.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٦٦- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء:"وأرنا مناسكنا" قال: ذبحنا.

٢٠٦٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن ابن جريج، عن عطاء قال: مذابحنا.

٢٠٦٧م- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

٢٠٦٧م- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

٢٠٦٧م- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عطاء: سمعت عبيد بن عمير يقول:"وأرنا مناسكنا" قال، أرنا مذابحنا.

* *

وقال آخرون:"وأرنا مناسكنا" بتسكين"الراء"، [[كان في المطبوعة: "وقال آخرون"، واستظهرت من السياق أنها"وقرأ آخرون"، فلذلك أثبت ما استظهرت، فسيقول …

Al-Baqara 2:128Listen in Qur'an →
129

رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

Our Lord, and send among them a messenger from themselves who will recite to them Your verses and teach them the Book and wisdom and purify them. Indeed, You are the Exalted in Might, the Wise."

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾

قال أبو جعفر: وهذه دعوة إبراهيم وإسماعيل لنبينا محمد ﷺ خاصة، وهي الدعوة التي كان نبينا ﷺ يقول:"أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى":-

٢٠٧٠- حدثنا بذلك ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان الكلاعي: أن نفرا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك. قال: نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ﷺ. [[الحديث: ٢٠٧٠- ثور بن يزيد الكلاعي الحمصي. ثقة من أثبت الرواة. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ١/٢/١٨٠-١٨١، وابن أبي حاتم ١/١/٤٦٨-٤٦٩.

خالد بن معدان الكلاعي الحمصي: تابعي ثقة ثبت، مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢/١/١٦١-١٦٢، وابن سعد ٧/٢/١٦٢، وابن أبي حاتم ١/٢/٣٥١.

وهذا الإسناد مرسل، لأن خالد بن معدان لم يذكر أنه عن أحد من الصحابة. وكذلك هو في سيرة ابن هشام، (ص ١٠٦-١٠٧ طبعة أوربة، ١: ١٧٥ طبعة الحلبي) . في قصة مطولة. وكذلك رواه الطبري في التاريخ ٢: ١٣٠، بهذا الإسناد، مطولا أيضًا، مرسلا.

ولكنه ثبت موصولا، من رواية ابن إسحاق أيضًا: فرواه الحاكم في المستدرك ٢: ٦٠٠، من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال، "حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله ﷺ، أنهم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك؟ ". . فذكر الحديث مختصرا، بنحو مما هنا. ثم قال الحاكم: "خالد بن معدان: من خيار التابعين، صحب معاذ بن جبل، فمن بعده من الصحابة. فإذا أسند حديثا إلى الصحابة، فإنه صحيح الإسناد، وإن لم يخرجاه". ووافقه الذهبي على تصحيحه.]]

٢٠٧١- حدثني عمران بن بكار الكلاعي قال، حدثنا أبو اليمان قال، حدثنا أبو كريب، عن أبي مريم، عن سعيد بن سويد، عن العرباض بن سارية السلمي قال، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إني عند الله في أم الكتاب، خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته. وسوف أنبئكم بتأويل ذلك: أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى قومه، ورؤيا أمي. [[الحديث: ٢٠٧١- عمران بن بكار الكلاعي: ثقة، من شيوخ النسائي، ووثقه هو وغيره. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣/١/٢٩٤، وذكر أنه سمع منه. وقد مضت رواية الطبري عنه: ١٤٩ ولم نترجمه هناك. ووقع في التهذيب أنه مات"سنة إحدى وسبعين ومائة"! وهو خطأ ناسخ أو طابع، لا يعقل ذلك وأن يسمع منه النسائي والطبري وهذه الطبقة. وصحته: سنة ٢٧١.

أبو اليمان: هو الحكم بن نافع الحمصي، وهو ثقة من شيوخ أحمد بن حنبل والبخاري. مترجم في التهذيب، والكبير ١/٢/٣٤٢، وابن أبي حاتم ١/٢/١٢٩، وقال: "وهو نبيل ثقة صدوق".

أما قوله"حدثنا أبو كريب" - هنا: فإنه خطأ يقينا من الناسخين. فإن"أبا كريب محمد بن العلاء" - وقد مضت ترجمته: ١٢٩١- متأخر عن أبي اليمان. هذه واحدة، وأخرى، أن أبا اليمان روى هذا الحديث عن ابن أبي مريم، كما سيأتي. فإما أنه ذكر خطأ من الناسخ، وإما أن يكون صوابه"وأبو كريب، قالا: حدثنا". فيكون عمران بن بكار رواه عن شيخين.

ابن أبي مريم: هو"أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني الشامي"، وهو ضعيف، من قبل سوء حفظه وتغيره، كما بينا في شرح المسند: ١٤٦٤، ٦١٦٥. ووقع هنا في المطبوعة"عن أبي مريم" بحذف"ابن". وهو خطأ واضح. ثم إن ضعف"ابن أبي مريم" من قبل حفظه، قد جبر في هذا الحديث، بأن رواه غيره. ولكنه أخطأ فيه بحذف التابعي من إسناده.

سعيد بن سويد الكلبي الشامي: وهو تابعي ثقة، سمع من بعض الصحابة ولقيهم. ولكن ابن حبان ذكره في الثقات (ص: ٤٧٥) في أتباع التابعين. ترجمه الحافظ في التعجيل: ١٥٢، وأشار إلى هذا الحديث، ونقل أن البخاري قال: "لم يصح حديثه". وما أدري أين قاله البخاري، فإنه لم يترجمه في الصغير، ولم يذكره في الضعفاء. وترجمه في الكبير ٢/١/٤٣٦، ولم يذكر فيه جرحا. وكذلك ترجمه ابن أبي حاتم ٢/١/٢٩، ولم يذكر فيه جرحا أيضًا. …

Al-Baqara 2:129Listen in Qur'an →
130

وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِۦمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

And who would be averse to the religion of Abraham except one who makes a fool of himself. And We had chosen him in this world, and indeed he, in the Hereafter, will be among the righteous.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"ومن يرغب عن ملة إبراهيم"، وأي الناس يزهد في ملة إبراهيم، ويتركها رغبة عنها إلى غيرها؟ سيأتي تفسير"الملة" بعد صفحات ص: ١٠٤.

* *

وإنما عنى الله بذلك اليهود والنصارى، لاختيارهم ما اختاروا من اليهودية والنصرانية على الإسلام. لأن"ملة إبراهيم" هي الحنيفية المسلمة، كما قال تعالى ذكره: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [سورة آل عمران: ٦٧] ، فقال تعالى ذكره لهم: ومن يزهد عن ملة إبراهيم الحنيفية المسلمة إلا من سفه نفسه، كما:-

٢٠٨٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه"، رغب عن ملته اليهود والنصارى، واتخذوا اليهودية والنصرانية، بدعة ليست من الله، وتركوا ملة إبراهيم -يعني الإسلام- حنيفا؛ كذلك بعث الله نبيه محمدا ﷺ بملة إبراهيم.

٢٠٨٤- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"ومن يرغبث عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه" قال، رغبت اليهود والنصارى عن ملة إبراهيم، وابتدعوا اليهودية والنصرانية، وليست من الله، وتركوا ملة إبراهيم: الإسلام.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"إلا من سفه نفسه"، إلا من سفهت نفسه. وقد بينا فيما مضى أن معنى"السفه"، الجهل. انظر ما سلف ١: ٢٩٣-٢٩٥.

فمعنى الكلام: وما يرغب عن ملة إبراهيم الحنيفية، إلا سفيه جاهل بموضع حظ نفسه فيما ينفعها، ويضرها في معادها، كما:-

٢٠٨٥- حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"إلا من سفه نفسه" قال، إلا من أخطأ حظَّه.

* *

وإنما نصب"النفس" على معنى المفسر. ذلك أن"السفه" في الأصل للنفس، فلما نقل إلى"من"، نصبت"النفس"، بمعنى التفسير. التفسير والمفسر: يعني التمييز، ويقال له أيضًا "التبيين". كما يقال:"هو أوسعكم دارا"، فتدخل"الدار" في الكلام على أن السعة فيها، لا في الرجل. فكذلك"النفس" أدخلت لأن السفه للنفس لا ل"من". ولذلك لم يجز أن يقال: سفه أخوك. وإنما جاز أن يفسر بالنفس، وهي مضافة إلى معرفة، لأنها في تأويل نكرة. انظر بيان ذلك في معاني القرآن للفراء ١: ٧٩، واللسان (سفه) .

* *

وقال بعض نحويي البصرة: إن قوله:"سفه نفسه" جرت مجرى"سفه" إذا كان الفعل غير متعد، وإنما عداه إلى"نفسه" و"رأيه" وأشباه ذلك مما هو في المعنى نحو"سفه"، إذا هو لم يتعد. فأما"غبن" و"خسر" فقد يتعدى إلى غيره، يقال:"غبن خمسين، وخسر خمسين".

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"ولقد اصطفيناه في الدنيا"، ولقد اصطفينا إبراهيم. و"الهاء" التي في قوله:"اصطفيناه"، من ذكر إبراهيم.

* *

و"الاصطفاء""الافتعال" من"الصفوة"، وكذلك"اصطفين"ا"افتعلنا" منه، صيرت تاؤها طاء لقرب مخرجها من مخرج الصاد.

ويعني بقوله:"اصطفيناه": اخترناه واجتبيناه للخلة، الخلة (بضم فتشديد) : الصداقة والمحبة. والخليل: الصديق الحبيب. وهي هنا منزلة من منازل محبة الله لبعض عباده الذين اصطفاهم وأحبهم. ونصيره في الدنيا لمن بعده إماما.

* *

وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن أن من خالف إبراهيم فيما سن لمن بعده، فهو لله مخالف، وإعلام منه خلقه أن من خالف ما جاء به محمد ﷺ، فهو لإبراهيم مخالف. وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر أنه اصطفاه لخلته، وجعله للناس إماما، وأخبر أن دينه كان الحنيفية المسلمة. ففي ذلك أوضح البيان من الله تعالى ذكره عن أن من خالفه فهو لله عدو لمخالفته الإمام الذي نصبه الله لعباده.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ …

Al-Baqara 2:130Listen in Qur'an →

Commentary: Jami' al-Bayan (Tafsir al-Tabari) by Ibn Jarir al-Tabari. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.