Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 11–20 of 286

11

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ

And when it is said to them, "Do not cause corruption on the earth," they say, "We are but reformers."

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المَرَضَ صِفَةٌ تُوجِبُ وُقُوعَ الضَّرَرِ في الأفْعالِ الصّادِرَةِ عَنْ مَوْضِعِ تِلْكَ الصِّفَةِ، ولَمّا كانَ الأثَرُ الخاصُّ بِالقَلْبِ إنَّما هو مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى وطاعَتَهُ وعُبُودِيَّتَهُ، فَإذا وقَعَ في القَلْبِ مِنَ الصِّفاتِ ما صارَ مانِعًا مِن هَذِهِ الآثارِ كانَتْ تِلْكَ الصِّفاتُ أمْراضًا لِلْقَلْبِ، فَإنْ قِيلَ: الزِّيادَةُ مِن جِنْسِ المَزِيدِ عَلَيْهِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ مِنَ المَرَضِ هَهُنا الكُفْرَ والجَهْلَ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ مَحْمُولًا عَلى الكُفْرِ والجَهْلِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى فاعِلًا لِلْكُفْرِ والجَهْلِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِنهُ فِعْلَ الكُفْرِ والجَهْلِ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ الكُفّارَ كانُوا في غايَةِ الحِرْصِ عَلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ، فَلَوْ كانَ المَعْنى ذَلِكَ لَقالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: إذا فَعَلَ اللَّهُ الكُفْرَ فِينا، فَكَيْفَ تَأْمُرُنا بِالإيمانِ ؟ .

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ فاعِلًا لِلْكُفْرِ لَجازَ مِنهُ إظْهارُ المُعْجِزَةِ عَلى يَدِ الكَذّابِ، فَكانَ لا يَبْقى كَوْنُ القُرْآنِ حُجَّةً، فَكَيْفَ نَتَشاغَلُ بِمَعانِيهِ وتَفْسِيرِهِ.

وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الآياتِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهم عَلى كُفْرِهِمْ فَكَيْفَ يَذُمُّهم عَلى شَيْءٍ خَلَقَهُ فِيهِمْ.

ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى خَلَقَ ذَلِكَ فِيهِمْ كَما خَلَقَ لَوْنَهم وطُولَهم، فَأيُّ ذَنْبٍ لَهم حَتّى يُعَذِّبَهم ؟ .

وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى أضافَهُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ وعَلى هَذا وصَفَهم تَعالى بِأنَّهم مُفْسِدُونَ في الأرْضِ، وأنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ، وأنَّهم إذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وهو مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: يُحْمَلُ المَرَضُ عَلى الغَمِّ؛ لِأنَّهُ يُقالُ مَرِضَ قَلْبِي مِن أمْرِ كَذا، والمَعْنى أنَّ المُنافِقِينَ مَرِضَتْ قُلُوبُهم لَمّا رَأوْا ثَباتَ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ واسْتِعْلاءَ شَأْنِهِ يَوْمًا فَيَوْمًا، وذَلِكَ كانَ يُؤَثِّرُ في زَوالِ رِياسَتِهِمْ، كَما «رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرَّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ عَلى حِمارٍ، فَقالَ لَهُ: نَحِّ حِمارَكَ يا مُحَمَّدُ فَقَدْ آذَتْنِي رِيحُهُ، فَقالَ لَهُ بَعْضُ الأنْصارِ: اعْذِرْهُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَدْ كُنّا عَزَمْنا عَلى أنْ نُتَوِّجَهُ الرِّياسَةَ قَبْلَ أنْ تَقْدَمَ عَلَيْنا»: فَهَؤُلاءِ لَمّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الغَمُّ وصَفَ اللَّهُ

صفحة ٥٩

تَعالى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أيْ زادَهُمُ اللَّهُ غَمًّا عَلى غَمِّهِمْ بِما يَزِيدُ في إعْلاءِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ.

الثّانِي: أنَّ مَرَضَهم وكُفْرَهم كانَ يَزْدادُ بِسَبَبِ ازْدِيادِ التَّكالِيفِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ التَّوْبَةِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٥] والسُّورَةُ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ، ولَكِنَّهم لَمّا ازْدادُوا رِجْسًا عِنْدَ نُزُولِها لَمّا كَفَرُوا بِها قِيلَ ذَلِكَ، وكَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ نُوحٍ ﴿إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نُوحٍ: ٥، ٦] والدُّعاءُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِن هَذا، ولَكِنَّهُمُ ازْدادُوا فِرارًا عِنْدَهُ، وقالَ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ [التَّوْبَةِ: ٤٩] والنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ إنْ لَمْ …

Al-Baqara 2:11Listen in Qur'an →
12

أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ

Unquestionably, it is they who are the corrupters, but they perceive [it] not.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المَرَضَ صِفَةٌ تُوجِبُ وُقُوعَ الضَّرَرِ في الأفْعالِ الصّادِرَةِ عَنْ مَوْضِعِ تِلْكَ الصِّفَةِ، ولَمّا كانَ الأثَرُ الخاصُّ بِالقَلْبِ إنَّما هو مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى وطاعَتَهُ وعُبُودِيَّتَهُ، فَإذا وقَعَ في القَلْبِ مِنَ الصِّفاتِ ما صارَ مانِعًا مِن هَذِهِ الآثارِ كانَتْ تِلْكَ الصِّفاتُ أمْراضًا لِلْقَلْبِ، فَإنْ قِيلَ: الزِّيادَةُ مِن جِنْسِ المَزِيدِ عَلَيْهِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ مِنَ المَرَضِ هَهُنا الكُفْرَ والجَهْلَ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ مَحْمُولًا عَلى الكُفْرِ والجَهْلِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى فاعِلًا لِلْكُفْرِ والجَهْلِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِنهُ فِعْلَ الكُفْرِ والجَهْلِ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ الكُفّارَ كانُوا في غايَةِ الحِرْصِ عَلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ، فَلَوْ كانَ المَعْنى ذَلِكَ لَقالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: إذا فَعَلَ اللَّهُ الكُفْرَ فِينا، فَكَيْفَ تَأْمُرُنا بِالإيمانِ ؟ .

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ فاعِلًا لِلْكُفْرِ لَجازَ مِنهُ إظْهارُ المُعْجِزَةِ عَلى يَدِ الكَذّابِ، فَكانَ لا يَبْقى كَوْنُ القُرْآنِ حُجَّةً، فَكَيْفَ نَتَشاغَلُ بِمَعانِيهِ وتَفْسِيرِهِ.

وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الآياتِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهم عَلى كُفْرِهِمْ فَكَيْفَ يَذُمُّهم عَلى شَيْءٍ خَلَقَهُ فِيهِمْ.

ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى خَلَقَ ذَلِكَ فِيهِمْ كَما خَلَقَ لَوْنَهم وطُولَهم، فَأيُّ ذَنْبٍ لَهم حَتّى يُعَذِّبَهم ؟ .

وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى أضافَهُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ وعَلى هَذا وصَفَهم تَعالى بِأنَّهم مُفْسِدُونَ في الأرْضِ، وأنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ، وأنَّهم إذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وهو مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: يُحْمَلُ المَرَضُ عَلى الغَمِّ؛ لِأنَّهُ يُقالُ مَرِضَ قَلْبِي مِن أمْرِ كَذا، والمَعْنى أنَّ المُنافِقِينَ مَرِضَتْ قُلُوبُهم لَمّا رَأوْا ثَباتَ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ واسْتِعْلاءَ شَأْنِهِ يَوْمًا فَيَوْمًا، وذَلِكَ كانَ يُؤَثِّرُ في زَوالِ رِياسَتِهِمْ، كَما «رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرَّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ عَلى حِمارٍ، فَقالَ لَهُ: نَحِّ حِمارَكَ يا مُحَمَّدُ فَقَدْ آذَتْنِي رِيحُهُ، فَقالَ لَهُ بَعْضُ الأنْصارِ: اعْذِرْهُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَدْ كُنّا عَزَمْنا عَلى أنْ نُتَوِّجَهُ الرِّياسَةَ قَبْلَ أنْ تَقْدَمَ عَلَيْنا»: فَهَؤُلاءِ لَمّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الغَمُّ وصَفَ اللَّهُ

صفحة ٥٩

تَعالى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أيْ زادَهُمُ اللَّهُ غَمًّا عَلى غَمِّهِمْ بِما يَزِيدُ في إعْلاءِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ.

الثّانِي: أنَّ مَرَضَهم وكُفْرَهم كانَ يَزْدادُ بِسَبَبِ ازْدِيادِ التَّكالِيفِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ التَّوْبَةِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٥] والسُّورَةُ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ، ولَكِنَّهم لَمّا ازْدادُوا رِجْسًا عِنْدَ نُزُولِها لَمّا كَفَرُوا بِها قِيلَ ذَلِكَ، وكَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ نُوحٍ ﴿إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نُوحٍ: ٥، ٦] والدُّعاءُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِن هَذا، ولَكِنَّهُمُ ازْدادُوا فِرارًا عِنْدَهُ، وقالَ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ [التَّوْبَةِ: ٤٩] والنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ إنْ لَمْ …

Al-Baqara 2:12Listen in Qur'an →
13

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ۗ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ

And when it is said to them, "Believe as the people have believed," they say, "Should we believe as the foolish have believed?" Unquestionably, it is they who are the foolish, but they know [it] not.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّالِثُ مِن قَبائِحِ أفْعالِ المُنافِقِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا نَهاهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ أمَرَهم في هَذِهِ الآيَةِ بِالإيمانِ؛ لِأنَّ كَمالَ حالِ الإنْسانِ لا يَحْصُلُ إلّا بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ: أوَّلُهُما: تَرْكُ ما لا يَنْبَغِي وهو قَوْلُهُ: ﴿آمِنُوا﴾ وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ”وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا“ أيْ إيمانًا مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ بَعِيدًا عَنِ النِّفاقِ، ولِقائِلٍ أنْ يَسْتَدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ الإقْرارِ إيمانٌ، فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ إيمانًا لَما تَحَقَّقَ مُسَمّى الإيمانِ إلّا إذا حَصَلَ فِيهِ الإخْلاصُ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿آمِنُوا﴾ كافِيًا في تَحْصِيلِ المَطْلُوبِ، وكانَ ذِكْرُ قَوْلِهِ: ﴿كَما آمَنَ النّاسُ﴾ لَغْوًا، والجَوابُ: أنَّ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ عِنْدَ اللَّهِ هو الَّذِي يَقْتَرِنُ بِهِ الإخْلاصُ، أمّا في الظّاهِرِ فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِإقْرارِ الظّاهِرِ فَلا جَرَمَ افْتَقَرَ فِيهِ إلى تَأْكِيدِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَما آمَنَ النّاسُ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اللّامُ في ﴿النّاسُ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلْعَهْدِ أيْ كَما آمَنَ رَسُولُ اللَّهِ ومَن مَعَهُ، وهم ناسٌ مَعْهُودُونَ، أوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأشْياعُهُ؛ لِأنَّهم مِن أبْناءِ جِنْسِهِمْ، والثّانِي: أنَّها لِلْجِنْسِ ثُمَّ هَهُنا أيْضًا وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ الأوْسَ والخَزْرَجَ أكْثَرُهم كانُوا مُسْلِمِينَ، وهَؤُلاءِ المُنافِقُونَ كانُوا مِنهم وكانُوا قَلِيلِينَ، ولَفْظُ العُمُومِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الأكْثَرِ.

والثّانِي: أنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ النّاسُ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ أعْطَوُا الإنْسانِيَّةَ حَقَّها؛ لِأنَّ فَضِيلَةَ الإنْسانِ عَلى سائِرِ الحَيَواناتِ بِالعَقْلِ المُرْشِدِ والفِكْرِ الهادِي.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: القائِلُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا﴾ إمّا الرَّسُولُ، أوِ المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ كانَ بَعْضُهم يَقُولُ

صفحة ٦٢

لِبَعْضٍ: أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ سَفِيهُ بَنِي فُلانٍ وسَفِيهُ بَنِي فُلانٍ، والرَّسُولُ لا يَعْرِفُ ذَلِكَ فَقالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ﴾ .

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: السَّفَهُ الخِفَّةُ يُقالُ: سَفَّهَتِ الرِّيحُ الشَّيْءَ إذا حَرَّكَتْهُ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ:

فَجَرَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِياحٌ تَسَفَّهَتْ أعالِيَها مَرُّ الرِّياحِ الرَّواسِمِ

وقالَ أبُو تَمّامٍ الطّائِيُّ:

فَسَفِيهُ الرُّمْحِ جاهِلُهُ إذا ما ∗∗∗ بَدا فَضْلُ السَّفِيهِ عَلى الحَلِيمِ

أرادَ بِهِ سَرِيعَ الطَّعْنِ بِالرُّمْحِ خَفِيفَهُ، وإنَّما قِيلَ لِبَذِيءِ اللِّسانِ سَفِيهٌ؛ لِأنَّهُ خَفِيفٌ لا رَزانَةَ لَهُ وقالَ تَعالى: ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ [النِّساءِ: ٥] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”شارِبُ الخَمْرِ سَفِيهٌ“» لِقِلَّةِ عَقْلِهِ، وإنَّما سَمّى المُنافِقُونَ المُسْلِمِينَ بِالسُّفَهاءِ؛ لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا مِن أهْلِ الخَطَرِ والرِّياسَةِ، وأكْثَرُ المُؤْمِنِينَ كانُوا فَقُراءَ، وكانَ عِنْدَ المُنافِقِينَ أنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ باطِلٌ، والباطِلُ لا يَقْبَلُهُ إلّا السَّفِيهُ؛ فَلِهَذِهِ الأسْبابِ نَسَبُوهم إلى السَّفاهَةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى قَلَبَ عَلَيْهِمْ هَذا اللَّقَبَ، وقَوْلُهُ الحَقُّ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ مَن أعْرَضَ عَنِ الدَّلِيلِ ثُمَّ نَسَبَ …

Al-Baqara 2:13Listen in Qur'an →
14

وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ

And when they meet those who believe, they say, "We believe"; but when they are alone with their evil ones, they say, "Indeed, we are with you; we were only mockers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾

هَذا هو النَّوْعُ الرّابِعُ مِن أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، يُقالُ: لَقِيتُهُ ولاقَيْتُهُ إذا اسْتَقْبَلْتَهُ قَرِيبًا مِنهُ، وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ: ”وإذا لاقَوْا“ أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا آمَنّا﴾ فالمُرادُ أخْلَصْنا بِالقَلْبِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الإقْرارَ بِاللِّسانِ كانَ مَعْلُومًا مِنهم فَما كانُوا يَحْتاجُونَ إلى بَيانِهِ، إنَّما المَشْكُوكُ فِيهِ هو الإخْلاصُ بِالقَلْبِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مُرادُهم مِن هَذا الكَلامِ ذَلِكَ.

الثّانِي: أنَّ قَوْلَهم لِلْمُؤْمِنِينَ ”آمَنّا“ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى نَقِيضِ ما كانُوا يُظْهِرُونَهُ لِشَياطِينِهِمْ، وإذا كانُوا يُظْهِرُونَ لَهُمُ التَّكْذِيبَ بِالقَلْبِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مُرادُهم فِيما ذَكَرُوهُ لِلْمُؤْمِنِينَ

صفحة ٦٣

التَّصْدِيقَ بِالقَلْبِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ خَلَوْتُ بِفُلانٍ وإلَيْهِ، إذا انْفَرَدْتَ مَعَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن ”خَلا“ بِمَعْنى مَضى، ومِنهُ القُرُونُ الخالِيَةُ، ومِن ”خَلَوْتُ بِهِ“ إذا سَخِرْتَ مِنهُ، مِن قَوْلِكَ: ”خَلا فُلانٌ بِعِرْضِ فُلانٍ“ أيْ: يَعْبَثُ بِهِ، ومَعْناهُ أنَّهم أنْهَوُا السُّخْرِيَةَ بِالمُؤْمِنِينَ إلى شَياطِينِهِمْ وحَدَّثُوهم بِها كَما تَقُولُ: أحْمَدُ إلَيْكَ فُلانًا وأذُمُّهُ إلَيْكَ.

وأمّا شَياطِينُهم فَهُمُ الَّذِينَ ماثَلُوا الشَّياطِينَ في تَمَرُّدِهِمْ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا مَعَكُمْ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: هَذا القائِلُ أهَمَّ كُلَّ المُنافِقِينَ أوْ بَعْضَهم.

الجَوابُ: في هَذا خِلافٌ؛ لِأنَّ مَن يَحْمِلُ الشَّياطِينَ عَلى كِبارِ المُنافِقِينَ يَحْمِلُ هَذا القَوْلَ عَلى أنَّهُ مِن صِغارِهِمْ وكانُوا يَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ آمَنّا وإذا عادُوا إلى أكابِرِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم؛ لِئَلّا يَتَوَهَّمُوا فِيهِمُ المُبايَنَةَ، ومَن يَقُولُ في الشَّياطِينِ: المُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ لَمْ يَمْنَعْ إضافَةَ هَذا القَوْلِ إلى كُلِّ المُنافِقِينَ، ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ بِشَياطِينِهِمْ أكابِرُهم، وهم إمّا الكُفّارُ وإمّا أكابِرُ المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَقْدِرُونَ عَلى الإفْسادِ في الأرْضِ، وأمّا أصاغِرُهم فَلا.

السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ كانَتْ مُخاطَبَتُهُمُ المُؤْمِنِينَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وشَياطِينَهم بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مُحَقَّقَةً بِـ”إنَّ“ ؟

الجَوابُ: لَيْسَ ما خاطَبُوا بِهِ المُؤْمِنِينَ جَدِيرًا بِأقْوى الكَلامَيْنِ؛ لِأنَّهم كانُوا في ادِّعاءِ حُدُوثِ الإيمانِ مِنهم لا في ادِّعاءِ أنَّهم في الدَّرَجَةِ الكامِلَةِ مِنهُ، إمّا لِأنَّ أنْفُسَهم لا تُساعِدُهم عَلى المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ القَوْلَ الصّادِرَ عَنِ النِّفاقِ والكَراهَةِ قَلَّما يَحْصُلُ مَعَهُ المُبالَغَةُ، وإمّا لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ ادِّعاءَ الكَمالِ في الإيمانِ لا يَرُوجُ عَلى المُسْلِمِينَ، وأمّا كَلامُهم مَعَ إخْوانِهِمْ فَهم كانُوا يَقُولُونَهُ عَنِ الِاعْتِقادِ وعَلِمُوا أنَّ المُسْتَمِعِينَ يَقْبَلُونَ ذَلِكَ مِنهم، فَلا جَرَمَ كانَ التَّأْكِيدُ لائِقًا بِهِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ، السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الِاسْتِهْزاءُ ؟ الجَوابُ: أصْلُ البابِ الخِفَّةُ مِنَ الهَزْءِ وهو العَدْوُ السَّرِيعِ، وهَزَأ يَهْزَأُ ماتَ عَلى مَكانِهِ، وناقَتُهُ تَهْزَأُ بِهِ أيْ تُسْرِعُ، وحَدُّهُ …

Al-Baqara 2:14Listen in Qur'an →
15

ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

[But] Allah mocks them and prolongs them in their transgression [while] they wander blindly.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾

هَذا هو النَّوْعُ الرّابِعُ مِن أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، يُقالُ: لَقِيتُهُ ولاقَيْتُهُ إذا اسْتَقْبَلْتَهُ قَرِيبًا مِنهُ، وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ: ”وإذا لاقَوْا“ أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا آمَنّا﴾ فالمُرادُ أخْلَصْنا بِالقَلْبِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ الإقْرارَ بِاللِّسانِ كانَ مَعْلُومًا مِنهم فَما كانُوا يَحْتاجُونَ إلى بَيانِهِ، إنَّما المَشْكُوكُ فِيهِ هو الإخْلاصُ بِالقَلْبِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مُرادُهم مِن هَذا الكَلامِ ذَلِكَ.

الثّانِي: أنَّ قَوْلَهم لِلْمُؤْمِنِينَ ”آمَنّا“ يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى نَقِيضِ ما كانُوا يُظْهِرُونَهُ لِشَياطِينِهِمْ، وإذا كانُوا يُظْهِرُونَ لَهُمُ التَّكْذِيبَ بِالقَلْبِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مُرادُهم فِيما ذَكَرُوهُ لِلْمُؤْمِنِينَ

صفحة ٦٣

التَّصْدِيقَ بِالقَلْبِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ خَلَوْتُ بِفُلانٍ وإلَيْهِ، إذا انْفَرَدْتَ مَعَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن ”خَلا“ بِمَعْنى مَضى، ومِنهُ القُرُونُ الخالِيَةُ، ومِن ”خَلَوْتُ بِهِ“ إذا سَخِرْتَ مِنهُ، مِن قَوْلِكَ: ”خَلا فُلانٌ بِعِرْضِ فُلانٍ“ أيْ: يَعْبَثُ بِهِ، ومَعْناهُ أنَّهم أنْهَوُا السُّخْرِيَةَ بِالمُؤْمِنِينَ إلى شَياطِينِهِمْ وحَدَّثُوهم بِها كَما تَقُولُ: أحْمَدُ إلَيْكَ فُلانًا وأذُمُّهُ إلَيْكَ.

وأمّا شَياطِينُهم فَهُمُ الَّذِينَ ماثَلُوا الشَّياطِينَ في تَمَرُّدِهِمْ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا مَعَكُمْ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: هَذا القائِلُ أهَمَّ كُلَّ المُنافِقِينَ أوْ بَعْضَهم.

الجَوابُ: في هَذا خِلافٌ؛ لِأنَّ مَن يَحْمِلُ الشَّياطِينَ عَلى كِبارِ المُنافِقِينَ يَحْمِلُ هَذا القَوْلَ عَلى أنَّهُ مِن صِغارِهِمْ وكانُوا يَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ آمَنّا وإذا عادُوا إلى أكابِرِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم؛ لِئَلّا يَتَوَهَّمُوا فِيهِمُ المُبايَنَةَ، ومَن يَقُولُ في الشَّياطِينِ: المُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ لَمْ يَمْنَعْ إضافَةَ هَذا القَوْلِ إلى كُلِّ المُنافِقِينَ، ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ بِشَياطِينِهِمْ أكابِرُهم، وهم إمّا الكُفّارُ وإمّا أكابِرُ المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَقْدِرُونَ عَلى الإفْسادِ في الأرْضِ، وأمّا أصاغِرُهم فَلا.

السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ كانَتْ مُخاطَبَتُهُمُ المُؤْمِنِينَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وشَياطِينَهم بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مُحَقَّقَةً بِـ”إنَّ“ ؟

الجَوابُ: لَيْسَ ما خاطَبُوا بِهِ المُؤْمِنِينَ جَدِيرًا بِأقْوى الكَلامَيْنِ؛ لِأنَّهم كانُوا في ادِّعاءِ حُدُوثِ الإيمانِ مِنهم لا في ادِّعاءِ أنَّهم في الدَّرَجَةِ الكامِلَةِ مِنهُ، إمّا لِأنَّ أنْفُسَهم لا تُساعِدُهم عَلى المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ القَوْلَ الصّادِرَ عَنِ النِّفاقِ والكَراهَةِ قَلَّما يَحْصُلُ مَعَهُ المُبالَغَةُ، وإمّا لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ ادِّعاءَ الكَمالِ في الإيمانِ لا يَرُوجُ عَلى المُسْلِمِينَ، وأمّا كَلامُهم مَعَ إخْوانِهِمْ فَهم كانُوا يَقُولُونَهُ عَنِ الِاعْتِقادِ وعَلِمُوا أنَّ المُسْتَمِعِينَ يَقْبَلُونَ ذَلِكَ مِنهم، فَلا جَرَمَ كانَ التَّأْكِيدُ لائِقًا بِهِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ، السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الِاسْتِهْزاءُ ؟ الجَوابُ: أصْلُ البابِ الخِفَّةُ مِنَ الهَزْءِ وهو العَدْوُ السَّرِيعِ، وهَزَأ يَهْزَأُ ماتَ عَلى مَكانِهِ، وناقَتُهُ تَهْزَأُ بِهِ أيْ تُسْرِعُ، وحَدُّهُ …

Al-Baqara 2:15Listen in Qur'an →
16

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ

Those are the ones who have purchased error [in exchange] for guidance, so their transaction has brought no profit, nor were they guided.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾

واعْلَمْ أنَّ اشْتِراءَ الضَّلالَةِ بِالهُدى اخْتِيارُها عَلَيْهِ واسْتِبْدالُها بِهِ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى وما كانُوا عَلى هُدًى قُلْنا جُعِلُوا لِتَمَكُّنِهِمْ مِنهُ كَأنَّهُ في أيْدِيهِمْ فَإذا تَرَكُوهُ ومالُوا إلى الضَّلالَةِ فَقَدِ اسْتَبْدَلُوها بِهِ،

صفحة ٦٦

والضَّلالَةُ الجَوْرُ والخُرُوجُ عَنِ القَصْدِ وفَقْدُ الِاهْتِداءِ، فاسْتُعِيرَ لِلذَّهابِ عَنِ الصَّوابِ في الدِّينِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ فالمَعْنى أنَّهم ما رَبِحُوا في تِجارَتِهِمْ، وفِيهِ سُؤالانِ: السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ أُسْنِدَ الخُسْرانُ إلى التِّجارَةِ وهو لِأصْحابِها ؟

الجَوابُ: هو مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ وهو أنْ يُسْنَدَ الفِعْلُ إلى شَيْءٍ يَتَلَبَّسُ بِالَّذِي هو في الحَقِيقَةِ لَهُ كَما تَلَبَّسَتِ التِّجارَةُ بِالمُشْتَرِي.

السُّؤالُ الثّانِي: هَبْ أنَّ شِراءَ الضَّلالَةِ بِالهُدى وقَعَ مَجازًا في مَعْنى الِاسْتِبْدالِ فَما مَعْنى ذِكْرِ الرِّبْحِ والتِّجارَةِ وما كانَ ثَمَّ مُبايَعَةٌ عَلى الحَقِيقَةِ؟ والجَوابُ: هَذا مِمّا يُقَوِّي أمْرَ المَجازِ ويُحَسِّنُهُ كَما قالَ الشّاعِرُ:

ولَمّا رَأيْتُ النَّسْرَ عَزَّ ابْنَ دَأْيَةٍ وعَشَّشَ في وكْرَيْهِ جاشَ لَهُ صَدْرِي

لَمّا شَبَّهَ الشَّيْبَ بِالنَّسْرِ، والشَّعْرَ الفاحِمَ بِالغُرابِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ التَّعْشِيشِ والوَكْرِ، فَكَذا هَهُنا لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الشِّراءَ أتْبَعَهُ ما يُشاكِلُهُ ويُواخِيهِ، تَمْثِيلًا لِخَسارَتِهِمْ وتَصْوِيرًا لِحَقِيقَتِهِ، أمّا قَوْلُهُ:

﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّ الَّذِي تَطْلُبُهُ التُّجّارُ في مُتَصَرَّفاتِهِمْ أمْرانِ: سَلامَةُ رَأْسِ المالِ والرِّبْحِ، وهَؤُلاءِ قَدْ أضاعُوا الأمْرَيْنِ؛ لِأنَّ رَأْسَ مالِهِمْ هو العَقْلُ الخالِي عَنِ المانِعِ، فَلَمّا اعْتَقَدُوا هَذِهِ الضَّلالاتِ صارَتْ تِلْكَ العَقائِدُ الفاسِدَةُ الكَسْبِيَّةُ مانِعَةً مِنَ الِاشْتِغالِ بِطَلَبِ العَقائِدِ الحَقَّةِ.

وقالَ قَتادَةُ: انْتَقَلُوا مِنَ الهُدى إلى الضَّلالَةِ، ومِنَ الطّاعَةِ إلى المَعْصِيَةِ، ومِنَ الجَماعَةِ إلى التَّفْرِقَةِ ومِنَ الأمْنِ إلى الخَوْفِ، ومِنَ السُّنَّةِ إلى البِدْعَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

Al-Baqara 2:16Listen in Qur'an →
17

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًۭا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَٰتٍۢ لَّا يُبْصِرُونَ

Their example is that of one who kindled a fire, but when it illuminated what was around him, Allah took away their light and left them in darkness [so] they could not see.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾

اعْلَمْ أنّا قَبْلَ الخَوْضِ في تَفْسِيرِ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ نَتَكَلَّمُ في شَيْئَيْنِ: أحَدُها: أنَّ المَقْصُودَ مِن ضَرْبِ الأمْثالِ أنَّها تُؤَثِّرُ في القُلُوبِ ما لا يُؤَثِّرُهُ وصْفُ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الغَرَضَ مِنَ المَثَلِ تَشْبِيهُ الخَفِيِّ بِالجَلِيِّ، والغائِبِ بِالشّاهِدِ، فَيَتَأكَّدُ الوُقُوفُ عَلى ماهِيَّتِهِ، ويَصِيرُ الحِسُّ مُطابِقًا لِلْعَقْلِ وذَلِكَ في نِهايَةِ الإيضاحِ، ألا تَرى أنَّ التَّرْغِيبَ إذا وقَعَ في الإيمانِ مُجَرَّدًا عَنْ ضَرْبِ مَثَلٍ لَهُ لَمْ يَتَأكَّدْ وُقُوعُهُ في القَلْبِ كَما يَتَأكَّدُ وُقُوعُهُ إذا مُثِّلَ بِالنُّورِ، وإذا زَهِدَ في الكُفْرِ بِمُجَرَّدِ الذِّكْرِ لَمْ يَتَأكَّدْ قُبْحُهُ في العُقُولِ كَما يَتَأكَّدُ إذا مُثِّلَ بِالظُّلْمَةِ، وإذا أخْبَرَ بِضَعْفِ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وضَرَبَ مَثَلَهُ بِنَسْجِ العَنْكَبُوتِ كانَ ذَلِكَ أبْلَغَ في تَقْرِيرِ صُورَتِهِ مِنَ الإخْبارِ بِضَعْفِهِ مُجَرَّدًا، ولِهَذا أكْثَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ المُبِينِ وفي سائِرِ كُتُبِهِ أمْثالَهُ، قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٤٣] ومِن سُوَرِ الإنْجِيلِ سُورَةُ الأمْثالِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المَثَلُ في أصْلِ كَلامِهِمْ بِمَعْنى المِثْلِ وهو النَّظِيرُ، ويُقالُ مَثَلٌ ومِثْلٌ ومَثِيلٌ كَشَبَهٍ وشِبْهٍ وشَبِيهٍ، ثُمَّ قِيلَ لِلْقَوْلِ السّائِرِ المُمَثَّلِ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ: مَثَلٌ، وشَرْطُهُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا فِيهِ غَرابَةٌ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ.

صفحة ٦٧

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حَقِيقَةَ صِفاتِ المُنافِقِينَ عَقَّبَها بِضَرْبِ مَثَلَيْنِ زِيادَةً في الكَشْفِ والبَيانِ. أحَدُهُما: هَذا المَثَلُ وفِيهِ إشْكالاتٌ. أحَدُها: أنْ يُقالَ: ما وجْهُ التَّمْثِيلِ بِمَن أُعْطِيَ نُورًا ثُمَّ سُلِبَ ذَلِكَ النُّورُ مِنهُ مَعَ أنَّ المُنافِقَ لَيْسَ لَهُ نُورٌ؟ .

وثانِيها: أنْ يُقالَ: إنَّ مَنِ اسْتَوْقَدَ نارًا فَأضاءَتْ قَلِيلًا فَقَدِ انْتَفَعَ بِها وبِنُورِها ثُمَّ حُرِمَ، فَأمّا المُنافِقُونَ فَلا انْتِفاعَ لَهم ألْبَتَّةَ بِالإيمانِ فَما وجْهُ التَّمْثِيلِ ؟ .

وثالِثُها: أنَّ مُسْتَوْقِدَ النّارِ قَدِ اكْتَسَبَ لِنَفْسِهِ النُّورَ، واللَّهُ تَعالى ذَهَبَ بِنُورِهِ وتَرَكَهُ في الظُّلُماتِ، والمُنافِقُ لَمْ يَكْتَسِبْ خَيْرًا وما حَصَلَ لَهُ مِنَ الخَيْبَةِ والحَيْرَةِ فَقَدْ أتى فِيهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، فَما وجْهُ التَّشْبِيهِ ؟ .

والجَوابُ: أنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا في كَيْفِيَّةِ التَّشْبِيهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ ناسًا دَخَلُوا في الإسْلامِ عِنْدَ وُصُولِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى المَدِينَةِ ثُمَّ إنَّهم نافَقُوا، والتَّشْبِيهُ هَهُنا في نِهايَةِ الصِّحَّةِ؛ لِأنَّهم بِإيمانِهِمْ أوَّلًا اكْتَسَبُوا نُورًا ثُمَّ بِنِفاقِهِمْ ثانِيًا أبْطَلُوا ذَلِكَ النُّورَ ووَقَعُوا في حَيْرَةٍ عَظِيمَةٍ فَإنَّهُ لا حَيْرَةَ أعْظَمُ مِن حَيْرَةِ الدِّينِ؛ لِأنَّ المُتَحَيِّرَ في طَرِيقِهِ لِأجْلِ الظُّلْمَةِ لا يَخْسَرُ إلّا القَلِيلَ مِنَ الدُّنْيا، وأمّا المُتَحَيِّرُ في الدِّينِ فَإنَّهُ يَخْسَرُ نَفْسَهُ في الآخِرَةِ أبَدَ الآبِدِينَ.

وثانِيها: إنْ لَمْ يَصِحَّ ما قالَهُ السُّدِّيُّ بَلْ كانُوا مُنافِقِينَ أبَدًا مِن أوَّلِ أمْرِهِمْ فَهَهُنا تَأْوِيلٌ آخَرُ ذَكَرَهُ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ، وهو أنَّهم لَمّا أظْهَرُوا …

Al-Baqara 2:17Listen in Qur'an →
18

صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌۭ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ

Deaf, dumb and blind - so they will not return [to the right path].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾

اعْلَمْ أنّا قَبْلَ الخَوْضِ في تَفْسِيرِ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ نَتَكَلَّمُ في شَيْئَيْنِ: أحَدُها: أنَّ المَقْصُودَ مِن ضَرْبِ الأمْثالِ أنَّها تُؤَثِّرُ في القُلُوبِ ما لا يُؤَثِّرُهُ وصْفُ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الغَرَضَ مِنَ المَثَلِ تَشْبِيهُ الخَفِيِّ بِالجَلِيِّ، والغائِبِ بِالشّاهِدِ، فَيَتَأكَّدُ الوُقُوفُ عَلى ماهِيَّتِهِ، ويَصِيرُ الحِسُّ مُطابِقًا لِلْعَقْلِ وذَلِكَ في نِهايَةِ الإيضاحِ، ألا تَرى أنَّ التَّرْغِيبَ إذا وقَعَ في الإيمانِ مُجَرَّدًا عَنْ ضَرْبِ مَثَلٍ لَهُ لَمْ يَتَأكَّدْ وُقُوعُهُ في القَلْبِ كَما يَتَأكَّدُ وُقُوعُهُ إذا مُثِّلَ بِالنُّورِ، وإذا زَهِدَ في الكُفْرِ بِمُجَرَّدِ الذِّكْرِ لَمْ يَتَأكَّدْ قُبْحُهُ في العُقُولِ كَما يَتَأكَّدُ إذا مُثِّلَ بِالظُّلْمَةِ، وإذا أخْبَرَ بِضَعْفِ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وضَرَبَ مَثَلَهُ بِنَسْجِ العَنْكَبُوتِ كانَ ذَلِكَ أبْلَغَ في تَقْرِيرِ صُورَتِهِ مِنَ الإخْبارِ بِضَعْفِهِ مُجَرَّدًا، ولِهَذا أكْثَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ المُبِينِ وفي سائِرِ كُتُبِهِ أمْثالَهُ، قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٤٣] ومِن سُوَرِ الإنْجِيلِ سُورَةُ الأمْثالِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المَثَلُ في أصْلِ كَلامِهِمْ بِمَعْنى المِثْلِ وهو النَّظِيرُ، ويُقالُ مَثَلٌ ومِثْلٌ ومَثِيلٌ كَشَبَهٍ وشِبْهٍ وشَبِيهٍ، ثُمَّ قِيلَ لِلْقَوْلِ السّائِرِ المُمَثَّلِ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ: مَثَلٌ، وشَرْطُهُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا فِيهِ غَرابَةٌ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ.

صفحة ٦٧

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حَقِيقَةَ صِفاتِ المُنافِقِينَ عَقَّبَها بِضَرْبِ مَثَلَيْنِ زِيادَةً في الكَشْفِ والبَيانِ. أحَدُهُما: هَذا المَثَلُ وفِيهِ إشْكالاتٌ. أحَدُها: أنْ يُقالَ: ما وجْهُ التَّمْثِيلِ بِمَن أُعْطِيَ نُورًا ثُمَّ سُلِبَ ذَلِكَ النُّورُ مِنهُ مَعَ أنَّ المُنافِقَ لَيْسَ لَهُ نُورٌ؟ .

وثانِيها: أنْ يُقالَ: إنَّ مَنِ اسْتَوْقَدَ نارًا فَأضاءَتْ قَلِيلًا فَقَدِ انْتَفَعَ بِها وبِنُورِها ثُمَّ حُرِمَ، فَأمّا المُنافِقُونَ فَلا انْتِفاعَ لَهم ألْبَتَّةَ بِالإيمانِ فَما وجْهُ التَّمْثِيلِ ؟ .

وثالِثُها: أنَّ مُسْتَوْقِدَ النّارِ قَدِ اكْتَسَبَ لِنَفْسِهِ النُّورَ، واللَّهُ تَعالى ذَهَبَ بِنُورِهِ وتَرَكَهُ في الظُّلُماتِ، والمُنافِقُ لَمْ يَكْتَسِبْ خَيْرًا وما حَصَلَ لَهُ مِنَ الخَيْبَةِ والحَيْرَةِ فَقَدْ أتى فِيهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، فَما وجْهُ التَّشْبِيهِ ؟ .

والجَوابُ: أنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا في كَيْفِيَّةِ التَّشْبِيهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ ناسًا دَخَلُوا في الإسْلامِ عِنْدَ وُصُولِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى المَدِينَةِ ثُمَّ إنَّهم نافَقُوا، والتَّشْبِيهُ هَهُنا في نِهايَةِ الصِّحَّةِ؛ لِأنَّهم بِإيمانِهِمْ أوَّلًا اكْتَسَبُوا نُورًا ثُمَّ بِنِفاقِهِمْ ثانِيًا أبْطَلُوا ذَلِكَ النُّورَ ووَقَعُوا في حَيْرَةٍ عَظِيمَةٍ فَإنَّهُ لا حَيْرَةَ أعْظَمُ مِن حَيْرَةِ الدِّينِ؛ لِأنَّ المُتَحَيِّرَ في طَرِيقِهِ لِأجْلِ الظُّلْمَةِ لا يَخْسَرُ إلّا القَلِيلَ مِنَ الدُّنْيا، وأمّا المُتَحَيِّرُ في الدِّينِ فَإنَّهُ يَخْسَرُ نَفْسَهُ في الآخِرَةِ أبَدَ الآبِدِينَ.

وثانِيها: إنْ لَمْ يَصِحَّ ما قالَهُ السُّدِّيُّ بَلْ كانُوا مُنافِقِينَ أبَدًا مِن أوَّلِ أمْرِهِمْ فَهَهُنا تَأْوِيلٌ آخَرُ ذَكَرَهُ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ، وهو أنَّهم لَمّا أظْهَرُوا …

Al-Baqara 2:18Listen in Qur'an →
19

أَوْ كَصَيِّبٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٌۭ وَرَعْدٌۭ وَبَرْقٌۭ يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ ۚ وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَٰفِرِينَ

Or [it is] like a rainstorm from the sky within which is darkness, thunder and lightning. They put their fingers in their ears against the thunderclaps in dread of death. But Allah is encompassing of the disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ المَوْتِ واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهم كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو المَثَلُ الثّانِي لِلْمُنافِقِينَ وكَيْفِيَّةُ المُشابَهَةِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ إذا حَصَلَ السَّحابُ الَّذِي فِيهِ الظُّلُماتُ والرَّعْدُ والبَرْقُ واجْتَمَعَ مَعَ ظُلْمَةِ السَّحابِ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وظُلْمَةُ المَطَرِ عِنْدَ وُرُودِ الصَّواعِقِ عَلَيْهِمْ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ المَوْتِ، وأنَّ البَرْقَ يَكادُ يَخْطَفُ أبْصارَهم، فَإذا أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ، وإذا ذَهَبَ بَقُوا في ظُلْمَةٍ عَظِيمَةٍ فَوَقَفُوا مُتَحَيِّرِينَ؛ لِأنَّ مَن أصابَهُ البَرْقُ في هَذِهِ الظُّلُماتِ الثَّلاثِ، ثُمَّ ذَهَبَ عَنْهُ تَشْتَدُّ حَيْرَتُهُ، وتَعْظُمُ الظُّلْمَةُ في عَيْنِهِ، وتَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَزَلْ في الظُّلْمَةِ، فَشَبَّهَ المُنافِقِينَ في حَيْرَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِالدِّينِ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ وصَفَهم، إذْ كانُوا لا يَرَوْنَ طَرِيقًا ولا يَهْتَدُونَ.

وثانِيها: أنَّ المَطَرَ وإنْ كانَ نافِعًا إلّا أنَّهُ لَمّا وُجِدَ في هَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ هَذِهِ الأحْوالِ الضّارَّةِ صارَ النَّفْعُ بِهِ زائِلًا، فَكَذا إظْهارُ الإيمانِ نافِعٌ لِلْمُنافِقِ لَوْ وافَقَهُ الباطِنُ: فَإذا فُقِدَ مِنهُ الإخْلاصُ وحَصَلَ مَعَهُ النِّفاقُ صارَ ضَرَرًا في الدِّينِ.

وثالِثُها: أنَّ مَن نَزَلَ بِهِ هَذِهِ الأُمُورُ مَعَ الصَّواعِقِ ظَنَّ المَخْلَصَ مِنها أنْ يَجْعَلَ أصابِعَهُ في أُذُنَيْهِ وذَلِكَ لا يُنَجِّيهِ مِمّا يُرِيدُهُ تَعالى بِهِ مِن هَلاكٍ ومَوْتٍ، فَلَمّا تَقَرَّرَ ذَلِكَ في العاداتِ شَبَّهَ تَعالى حالَ المُنافِقِينَ في ظَنِّهِمْ أنَّ إظْهارَهم لِلْمُؤْمِنِينَ ما أظْهَرُوهُ يَنْفَعُهم، مَعَ أنَّ الأمْرَ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ بِما ذُكِرَ.

ورابِعُها: أنَّ عادَةَ المُنافِقِينَ كانَتْ هي التَّأخُّرَ عَنِ الجِهادِ فِرارًا مِنَ المَوْتِ والقَتْلِ، فَشَبَّهَ اللَّهُ حالَهم في ذَلِكَ بِحالِ مَن نَزَلَتْ هَذِهِ الأُمُورُ بِهِ وأرادَ دَفْعَها يَجْعَلُ إصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ.

وخامِسُها: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ

صفحة ٧١

أصابِعَهم في آذانِهِمْ وإنْ تَخَلَّصُوا عَنِ المَوْتِ في تِلْكَ السّاعَةِ فَإنَّ المَوْتَ والهَلاكَ مِن ورائِهِمْ لا مُخَلِّصَ لَهم مِنهُ، فَكَذَلِكَ حالُ المُنافِقِينَ في أنَّ الَّذِي يَخُوضُونَ فِيهِ لا يُخَلِّصُهم مِن عَذابِ النّارِ.

وسادِسُها: أنَّ مَن هَذا حالُهُ فَقَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في الحَيْرَةِ لِاجْتِماعِ أنْواعِ الظُّلُماتِ وحُصُولِ أنْواعِ المَخافَةِ، وحَصَلَ في المُنافِقِينَ نِهايَةُ الحَيْرَةِ في بابِ الدِّينِ ونِهايَةُ الخَوْفِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ المُنافِقَ يَتَصَوَّرُ في كُلِّ وقْتٍ أنَّهُ لَوْ حَصَلَ الوُقُوفُ عَلى باطِنِهِ لَقُتِلَ، فَلا يَكادُ الوَجَلُ والخَوْفُ يَزُولُ عَنْ قَلْبِهِ مَعَ النِّفاقِ.

وسابِعُها: المُرادُ مِنَ الصَّيِّبِ هو الإيمانُ والقُرْآنُ، والظُّلُماتُ والرَّعْدُ والبَرْقُ هو الأشْياءُ الشّاقَّةُ عَلى المُنافِقِينَ، وهي التَّكالِيفُ الشّاقَّةُ مِنَ الصَّلاةِ والصَّوْمِ وتَرْكِ الرِّياساتِ والجِهادِ مَعَ الآباءِ والأُمَّهاتِ، وتَرْكِ الأدْيانِ القَدِيمَةِ، والِانْقِيادِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ شِدَّةِ اسْتِنْكافِهِمْ عَنِ الِانْقِيادِ …

Al-Baqara 2:19Listen in Qur'an →
20

يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ ۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَٰرِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

The lightning almost snatches away their sight. Every time it lights [the way] for them, they walk therein; but when darkness comes over them, they stand [still]. And if Allah had willed, He could have taken away their hearing and their sight. Indeed, Allah is over all things competent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ المَوْتِ واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهم كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو المَثَلُ الثّانِي لِلْمُنافِقِينَ وكَيْفِيَّةُ المُشابَهَةِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ إذا حَصَلَ السَّحابُ الَّذِي فِيهِ الظُّلُماتُ والرَّعْدُ والبَرْقُ واجْتَمَعَ مَعَ ظُلْمَةِ السَّحابِ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وظُلْمَةُ المَطَرِ عِنْدَ وُرُودِ الصَّواعِقِ عَلَيْهِمْ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ المَوْتِ، وأنَّ البَرْقَ يَكادُ يَخْطَفُ أبْصارَهم، فَإذا أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ، وإذا ذَهَبَ بَقُوا في ظُلْمَةٍ عَظِيمَةٍ فَوَقَفُوا مُتَحَيِّرِينَ؛ لِأنَّ مَن أصابَهُ البَرْقُ في هَذِهِ الظُّلُماتِ الثَّلاثِ، ثُمَّ ذَهَبَ عَنْهُ تَشْتَدُّ حَيْرَتُهُ، وتَعْظُمُ الظُّلْمَةُ في عَيْنِهِ، وتَكُونُ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَزَلْ في الظُّلْمَةِ، فَشَبَّهَ المُنافِقِينَ في حَيْرَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِالدِّينِ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ وصَفَهم، إذْ كانُوا لا يَرَوْنَ طَرِيقًا ولا يَهْتَدُونَ.

وثانِيها: أنَّ المَطَرَ وإنْ كانَ نافِعًا إلّا أنَّهُ لَمّا وُجِدَ في هَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ هَذِهِ الأحْوالِ الضّارَّةِ صارَ النَّفْعُ بِهِ زائِلًا، فَكَذا إظْهارُ الإيمانِ نافِعٌ لِلْمُنافِقِ لَوْ وافَقَهُ الباطِنُ: فَإذا فُقِدَ مِنهُ الإخْلاصُ وحَصَلَ مَعَهُ النِّفاقُ صارَ ضَرَرًا في الدِّينِ.

وثالِثُها: أنَّ مَن نَزَلَ بِهِ هَذِهِ الأُمُورُ مَعَ الصَّواعِقِ ظَنَّ المَخْلَصَ مِنها أنْ يَجْعَلَ أصابِعَهُ في أُذُنَيْهِ وذَلِكَ لا يُنَجِّيهِ مِمّا يُرِيدُهُ تَعالى بِهِ مِن هَلاكٍ ومَوْتٍ، فَلَمّا تَقَرَّرَ ذَلِكَ في العاداتِ شَبَّهَ تَعالى حالَ المُنافِقِينَ في ظَنِّهِمْ أنَّ إظْهارَهم لِلْمُؤْمِنِينَ ما أظْهَرُوهُ يَنْفَعُهم، مَعَ أنَّ الأمْرَ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ بِما ذُكِرَ.

ورابِعُها: أنَّ عادَةَ المُنافِقِينَ كانَتْ هي التَّأخُّرَ عَنِ الجِهادِ فِرارًا مِنَ المَوْتِ والقَتْلِ، فَشَبَّهَ اللَّهُ حالَهم في ذَلِكَ بِحالِ مَن نَزَلَتْ هَذِهِ الأُمُورُ بِهِ وأرادَ دَفْعَها يَجْعَلُ إصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ.

وخامِسُها: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ

صفحة ٧١

أصابِعَهم في آذانِهِمْ وإنْ تَخَلَّصُوا عَنِ المَوْتِ في تِلْكَ السّاعَةِ فَإنَّ المَوْتَ والهَلاكَ مِن ورائِهِمْ لا مُخَلِّصَ لَهم مِنهُ، فَكَذَلِكَ حالُ المُنافِقِينَ في أنَّ الَّذِي يَخُوضُونَ فِيهِ لا يُخَلِّصُهم مِن عَذابِ النّارِ.

وسادِسُها: أنَّ مَن هَذا حالُهُ فَقَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في الحَيْرَةِ لِاجْتِماعِ أنْواعِ الظُّلُماتِ وحُصُولِ أنْواعِ المَخافَةِ، وحَصَلَ في المُنافِقِينَ نِهايَةُ الحَيْرَةِ في بابِ الدِّينِ ونِهايَةُ الخَوْفِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ المُنافِقَ يَتَصَوَّرُ في كُلِّ وقْتٍ أنَّهُ لَوْ حَصَلَ الوُقُوفُ عَلى باطِنِهِ لَقُتِلَ، فَلا يَكادُ الوَجَلُ والخَوْفُ يَزُولُ عَنْ قَلْبِهِ مَعَ النِّفاقِ.

وسابِعُها: المُرادُ مِنَ الصَّيِّبِ هو الإيمانُ والقُرْآنُ، والظُّلُماتُ والرَّعْدُ والبَرْقُ هو الأشْياءُ الشّاقَّةُ عَلى المُنافِقِينَ، وهي التَّكالِيفُ الشّاقَّةُ مِنَ الصَّلاةِ والصَّوْمِ وتَرْكِ الرِّياساتِ والجِهادِ مَعَ الآباءِ والأُمَّهاتِ، وتَرْكِ الأدْيانِ القَدِيمَةِ، والِانْقِيادِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ شِدَّةِ اسْتِنْكافِهِمْ عَنِ الِانْقِيادِ …

Al-Baqara 2:20Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.