Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 111–120 of 286

111

وَقَالُوا۟ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَٰرَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا۟ بُرْهَٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

And they say, "None will enter Paradise except one who is a Jew or a Christian." That is [merely] their wishful thinking, Say, "Produce your proof, if you should be truthful."

قَوْلُهُ: هُودًا قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( هُودًا ) بِمَعْنى يَهُودِيًّا، وأنْ يَكُونَ جَمْعَ هائِدٍ.

وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ الضَّمِيرَ المُفْرَدَ في ( كانَ ) هو بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( مَن )، والجَمْعُ في قَوْلِهِ: هُودًا بِاعْتِبارِ مَعْنى ( مَن )، قِيلَ: في هَذا الكَلامِ حَذْفٌ، وأصْلُهُ: وقالَتِ اليَهُودُ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا، وقالَتِ النَّصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصْرانِيًّا.

هَكَذا قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وسَبَقَهم إلى ذَلِكَ بَعْضُ السَّلَفِ.

وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ أنَّ طائِفَتَيِ اليَهُودِ والنَّصارى وقَعَ مِنهم هَذا القَوْلُ وأنَّهم يَخْتَصُّونَ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ، ووَجْهُ القَوْلِ بِأنَّ في الكَلامِ حَذْفًا ما هو مَعْلُومٌ مِن أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ مِن هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ تُضَلِّلُ الأُخْرى وتَنْفِي عَنْها أنَّها عَلى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ فَضْلًا عَنْ دُخُولِ الجَنَّةِ كَما في هَذا المَوْضِعِ، فَإنَّهُ قَدْ حَكى اللَّهُ عَنِ اليَهُودِ أنَّها قالَتْ: لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ، وقالَتِ النَّصارى: لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ، والأمانِيُّ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تِلْكَ إلى ما تَقَدَّمَ لَهم مِنَ الأمانِيِّ الَّتِي آخِرُها أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ غَيْرُهم.

وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى هَذِهِ الأُمْنِيَّةِ الآخِرَةِ، والتَّقْدِيرُ أمْثالُ تِلْكَ الأُمْنِيَّةِ أمانِيُّهم عَلى حَذْفِ المُضافِ لِيُطابِقَ ( أمانِيُّهم ) .

قَوْلُهُ: هاتُوا أصْلُهُ هاتُيُوا حُذِفَتِ الضَّمَّةُ لِثِقَلِها ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ويُقالُ لِلْمُفْرَدِ المُذَكَّرِ ( هاتِ ) ولِلْمُؤَنَّثِ ( هاتِي ) وهو صَوْتٌ بِمَعْنى احْضَرْ.

والبُرْهانُ: الدَّلِيلُ الَّذِي يَحْصُلُ عِنْدَهُ اليَقِينُ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: طَلَبُ الدَّلِيلِ هُنا يَقْتَضِي إثْباتَ النَّظَرِ ويَرُدُّ عَلى مَن يَنْفِيهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في تِلْكَ الأمانِيِّ المُجَرَّدَةِ والدَّعاوى الباطِلَةِ.

ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ﴾ وهو إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ مِن دُخُولِ غَيْرِهِمُ الجَنَّةَ، أيْ لَيْسَ كَما يَقُولُونَ بَلْ يَدْخُلُها مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ.

ومَعْنى أسْلَمَ: اسْتَسْلَمَ، وقِيلَ: أخْلَصَ.

وخَصَّ الوَجْهَ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ أشْرَفَ ما يُرى مِنَ الإنْسانِ ولِأنَّهُ مَوْضِعُ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ، وفِيهِ يَظْهَرُ العِزُّ والذُّلُّ، وقِيلَ: إنَّ العَرَبَ تُخْبِرُ بِالوَجْهِ عَنْ جُمْلَةِ الشَّيْءِ، وأنَّ المَعْنى هُنا الوَجْهُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: والمُرادُ بِالوَجْهِ هُنا المَقْصِدُ، أيْ مَن أخْلَصَ مَقْصِدَهُ وقَوْلُهُ: وهو مُحْسِنٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: وجْهَهُ، ولَهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( مَن )، وفي قَوْلِهِ: عَلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ مَعْناها.

وقَوْلُهُ: مَن إنْ كانَتِ المَوْصُولَةَ فَهي فاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ بَلى يَدْخُلُها مَن أسْلَمَ.

وقَوْلُهُ: فَلَهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَن أسْلَمَ وإنْ كانَتْ مَن شَرْطِيَّةً فَقَوْلُهُ: فَلَهُ هو الجَزاءُ، ومَجْمُوعُ الشَّرْطِ والجَزاءِ رَدٌّ عَلى أهْلِ الكِتابِ وإبْطالٌ لِتِلْكَ الدَّعْوى.

وقَوْلُهُ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ﴾ وما بَعْدَهُ فِيهِ أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تَنْفِي الخَيْرَ عَنِ الأُخْرى ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ إثْباتَهُ لِنَفْسِها تَحْجِيرًا لِرَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.

قالَ في الكَشّافِ: إنَّ الشَّيْءَ هو الَّذِي يَصِحُّ ويُعْتَدُّ بِهِ، قالَ: وهَذِهِ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ لِأنَّ المُحالَ والمَعْدُومَ يَقَعُ …

Al-Baqara 2:111Listen in Qur'an →
112

بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌۭ فَلَهُۥٓ أَجْرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Yes [on the contrary], whoever submits his face in Islam to Allah while being a doer of good will have his reward with his Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

قَوْلُهُ: هُودًا قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( هُودًا ) بِمَعْنى يَهُودِيًّا، وأنْ يَكُونَ جَمْعَ هائِدٍ.

وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ الضَّمِيرَ المُفْرَدَ في ( كانَ ) هو بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( مَن )، والجَمْعُ في قَوْلِهِ: هُودًا بِاعْتِبارِ مَعْنى ( مَن )، قِيلَ: في هَذا الكَلامِ حَذْفٌ، وأصْلُهُ: وقالَتِ اليَهُودُ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا، وقالَتِ النَّصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصْرانِيًّا.

هَكَذا قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وسَبَقَهم إلى ذَلِكَ بَعْضُ السَّلَفِ.

وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ أنَّ طائِفَتَيِ اليَهُودِ والنَّصارى وقَعَ مِنهم هَذا القَوْلُ وأنَّهم يَخْتَصُّونَ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ، ووَجْهُ القَوْلِ بِأنَّ في الكَلامِ حَذْفًا ما هو مَعْلُومٌ مِن أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ مِن هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ تُضَلِّلُ الأُخْرى وتَنْفِي عَنْها أنَّها عَلى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ فَضْلًا عَنْ دُخُولِ الجَنَّةِ كَما في هَذا المَوْضِعِ، فَإنَّهُ قَدْ حَكى اللَّهُ عَنِ اليَهُودِ أنَّها قالَتْ: لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ، وقالَتِ النَّصارى: لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ، والأمانِيُّ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تِلْكَ إلى ما تَقَدَّمَ لَهم مِنَ الأمانِيِّ الَّتِي آخِرُها أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ غَيْرُهم.

وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى هَذِهِ الأُمْنِيَّةِ الآخِرَةِ، والتَّقْدِيرُ أمْثالُ تِلْكَ الأُمْنِيَّةِ أمانِيُّهم عَلى حَذْفِ المُضافِ لِيُطابِقَ ( أمانِيُّهم ) .

قَوْلُهُ: هاتُوا أصْلُهُ هاتُيُوا حُذِفَتِ الضَّمَّةُ لِثِقَلِها ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ويُقالُ لِلْمُفْرَدِ المُذَكَّرِ ( هاتِ ) ولِلْمُؤَنَّثِ ( هاتِي ) وهو صَوْتٌ بِمَعْنى احْضَرْ.

والبُرْهانُ: الدَّلِيلُ الَّذِي يَحْصُلُ عِنْدَهُ اليَقِينُ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: طَلَبُ الدَّلِيلِ هُنا يَقْتَضِي إثْباتَ النَّظَرِ ويَرُدُّ عَلى مَن يَنْفِيهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في تِلْكَ الأمانِيِّ المُجَرَّدَةِ والدَّعاوى الباطِلَةِ.

ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ﴾ وهو إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ مِن دُخُولِ غَيْرِهِمُ الجَنَّةَ، أيْ لَيْسَ كَما يَقُولُونَ بَلْ يَدْخُلُها مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ.

ومَعْنى أسْلَمَ: اسْتَسْلَمَ، وقِيلَ: أخْلَصَ.

وخَصَّ الوَجْهَ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ أشْرَفَ ما يُرى مِنَ الإنْسانِ ولِأنَّهُ مَوْضِعُ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ، وفِيهِ يَظْهَرُ العِزُّ والذُّلُّ، وقِيلَ: إنَّ العَرَبَ تُخْبِرُ بِالوَجْهِ عَنْ جُمْلَةِ الشَّيْءِ، وأنَّ المَعْنى هُنا الوَجْهُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: والمُرادُ بِالوَجْهِ هُنا المَقْصِدُ، أيْ مَن أخْلَصَ مَقْصِدَهُ وقَوْلُهُ: وهو مُحْسِنٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: وجْهَهُ، ولَهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( مَن )، وفي قَوْلِهِ: عَلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ مَعْناها.

وقَوْلُهُ: مَن إنْ كانَتِ المَوْصُولَةَ فَهي فاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ بَلى يَدْخُلُها مَن أسْلَمَ.

وقَوْلُهُ: فَلَهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَن أسْلَمَ وإنْ كانَتْ مَن شَرْطِيَّةً فَقَوْلُهُ: فَلَهُ هو الجَزاءُ، ومَجْمُوعُ الشَّرْطِ والجَزاءِ رَدٌّ عَلى أهْلِ الكِتابِ وإبْطالٌ لِتِلْكَ الدَّعْوى.

وقَوْلُهُ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ﴾ وما بَعْدَهُ فِيهِ أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تَنْفِي الخَيْرَ عَنِ الأُخْرى ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ إثْباتَهُ لِنَفْسِها تَحْجِيرًا لِرَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.

قالَ في الكَشّافِ: إنَّ الشَّيْءَ هو الَّذِي يَصِحُّ ويُعْتَدُّ بِهِ، قالَ: وهَذِهِ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ لِأنَّ المُحالَ والمَعْدُومَ يَقَعُ …

Al-Baqara 2:112Listen in Qur'an →
113

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

The Jews say "The Christians have nothing [true] to stand on," and the Christians say, "The Jews have nothing to stand on," although they [both] recite the Scripture. Thus the polytheists speak the same as their words. But Allah will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.

قَوْلُهُ: هُودًا قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( هُودًا ) بِمَعْنى يَهُودِيًّا، وأنْ يَكُونَ جَمْعَ هائِدٍ.

وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ الضَّمِيرَ المُفْرَدَ في ( كانَ ) هو بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( مَن )، والجَمْعُ في قَوْلِهِ: هُودًا بِاعْتِبارِ مَعْنى ( مَن )، قِيلَ: في هَذا الكَلامِ حَذْفٌ، وأصْلُهُ: وقالَتِ اليَهُودُ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا، وقالَتِ النَّصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصْرانِيًّا.

هَكَذا قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وسَبَقَهم إلى ذَلِكَ بَعْضُ السَّلَفِ.

وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ أنَّ طائِفَتَيِ اليَهُودِ والنَّصارى وقَعَ مِنهم هَذا القَوْلُ وأنَّهم يَخْتَصُّونَ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ، ووَجْهُ القَوْلِ بِأنَّ في الكَلامِ حَذْفًا ما هو مَعْلُومٌ مِن أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ مِن هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ تُضَلِّلُ الأُخْرى وتَنْفِي عَنْها أنَّها عَلى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ فَضْلًا عَنْ دُخُولِ الجَنَّةِ كَما في هَذا المَوْضِعِ، فَإنَّهُ قَدْ حَكى اللَّهُ عَنِ اليَهُودِ أنَّها قالَتْ: لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ، وقالَتِ النَّصارى: لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ، والأمانِيُّ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تِلْكَ إلى ما تَقَدَّمَ لَهم مِنَ الأمانِيِّ الَّتِي آخِرُها أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ غَيْرُهم.

وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى هَذِهِ الأُمْنِيَّةِ الآخِرَةِ، والتَّقْدِيرُ أمْثالُ تِلْكَ الأُمْنِيَّةِ أمانِيُّهم عَلى حَذْفِ المُضافِ لِيُطابِقَ ( أمانِيُّهم ) .

قَوْلُهُ: هاتُوا أصْلُهُ هاتُيُوا حُذِفَتِ الضَّمَّةُ لِثِقَلِها ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ويُقالُ لِلْمُفْرَدِ المُذَكَّرِ ( هاتِ ) ولِلْمُؤَنَّثِ ( هاتِي ) وهو صَوْتٌ بِمَعْنى احْضَرْ.

والبُرْهانُ: الدَّلِيلُ الَّذِي يَحْصُلُ عِنْدَهُ اليَقِينُ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: طَلَبُ الدَّلِيلِ هُنا يَقْتَضِي إثْباتَ النَّظَرِ ويَرُدُّ عَلى مَن يَنْفِيهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في تِلْكَ الأمانِيِّ المُجَرَّدَةِ والدَّعاوى الباطِلَةِ.

ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ﴾ وهو إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ مِن دُخُولِ غَيْرِهِمُ الجَنَّةَ، أيْ لَيْسَ كَما يَقُولُونَ بَلْ يَدْخُلُها مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ.

ومَعْنى أسْلَمَ: اسْتَسْلَمَ، وقِيلَ: أخْلَصَ.

وخَصَّ الوَجْهَ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ أشْرَفَ ما يُرى مِنَ الإنْسانِ ولِأنَّهُ مَوْضِعُ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ، وفِيهِ يَظْهَرُ العِزُّ والذُّلُّ، وقِيلَ: إنَّ العَرَبَ تُخْبِرُ بِالوَجْهِ عَنْ جُمْلَةِ الشَّيْءِ، وأنَّ المَعْنى هُنا الوَجْهُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: والمُرادُ بِالوَجْهِ هُنا المَقْصِدُ، أيْ مَن أخْلَصَ مَقْصِدَهُ وقَوْلُهُ: وهو مُحْسِنٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: وجْهَهُ، ولَهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( مَن )، وفي قَوْلِهِ: عَلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ مَعْناها.

وقَوْلُهُ: مَن إنْ كانَتِ المَوْصُولَةَ فَهي فاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ بَلى يَدْخُلُها مَن أسْلَمَ.

وقَوْلُهُ: فَلَهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَن أسْلَمَ وإنْ كانَتْ مَن شَرْطِيَّةً فَقَوْلُهُ: فَلَهُ هو الجَزاءُ، ومَجْمُوعُ الشَّرْطِ والجَزاءِ رَدٌّ عَلى أهْلِ الكِتابِ وإبْطالٌ لِتِلْكَ الدَّعْوى.

وقَوْلُهُ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ﴾ وما بَعْدَهُ فِيهِ أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تَنْفِي الخَيْرَ عَنِ الأُخْرى ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ إثْباتَهُ لِنَفْسِها تَحْجِيرًا لِرَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.

قالَ في الكَشّافِ: إنَّ الشَّيْءَ هو الَّذِي يَصِحُّ ويُعْتَدُّ بِهِ، قالَ: وهَذِهِ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ لِأنَّ المُحالَ والمَعْدُومَ يَقَعُ …

Al-Baqara 2:113Listen in Qur'an →
114

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَآ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

And who are more unjust than those who prevent the name of Allah from being mentioned in His mosques and strive toward their destruction. It is not for them to enter them except in fear. For them in this world is disgrace, and they will have in the Hereafter a great punishment.

هَذا الِاسْتِفْهامُ فِيهِ أبْلَغُ دَلالَةٍ عَلى أنَّ هَذا الظُّلْمَ مُتَناهٍ وأنَّهُ بِمَنزِلَةٍ لا يَنْبَغِي أنْ يَلْحَقَهُ سائِرُ أنْواعِ الظُّلْمِ، أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ، واسْمُ الِاسْتِفْهامِ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وأظْلَمُ خَبَرُهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ قِيلَ: هو بَدَلٌ مِن مَساجِدَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ بِتَقْدِيرِ كَراهِيَةَ أنْ يُذْكَرَ، وقِيلَ: إنَّ التَّقْدِيرَ مِن أنْ يُذْكَرَ، ثُمَّ حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ لِطُولِ الكَلامِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ: مَنَعَ والمُرادُ بِمَنعِ المَساجِدِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُ اللَّهِ: مَنعُ مَن يَأْتِي إلَيْها لِلصَّلاةِ والتِّلاوَةِ والذِّكْرِ وتَعْلِيمِهِ.

والمُرادُ بِالسَّعْيِ في خَرابِها: هو السَّعْيُ في هَدْمِها ورَفْعِ بُنْيانِها. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالخَرابِ تَعْطِيلُها عَنِ الطّاعاتِ الَّتِي وُضِعَتْ لَها فَيَكُونُ أعَمَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ ما يُمْنَعُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي بُنِيَتْ لَها المَساجِدُ كَتَعَلُّمِ العِلْمِ وتَعْلِيمِهِ، والقُعُودِ لِلِاعْتِكافِ، وانْتِظارِ الصَّلاةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ما هو أعَمُّ مِنَ الأمْرَيْنِ مِن بابِ عُمُومِ المَجازِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ﴾ أيْ: ما كانَ يَنْبَغِي لَهم دُخُولُها إلّا حالَ خَوْفِهِمْ، وفِيهِ إرْشادٌ لِلْعِبادِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَمْنَعُوا مَساجِدَ اللَّهِ مِن أهْلِ الكُفْرِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَسْجِدٍ ومَسْجِدٍ، وبَيْنَ كافِرٍ وكافِرٍ، كَما يُفِيدُهُ عُمُومُ اللَّفْظِ، ولا يُنافِيهِ خُصُوصُ السَّبَبِ، وأنْ يَجْعَلُوهم بِحالَةِ إذا أرادُوا الدُّخُولَ كانُوا عَلى وجَلٍ وخَوْفٍ مِن أنْ يَفْطِنَ لَهم أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَيُنْزِلُونَ بِهِمْ ما يُوجِبُ الإهانَةَ والإذْلالَ، ولَيْسَ فِيهِ الإذْنُ لَنا بِتَمْكِينِهِمْ مِن ذَلِكَ حالَ خَوْفِهِمْ، بَلْ هو كِنايَةٌ عَنِ المَنعِ لَهم مِنّا عَنْ دُخُولِ مَساجِدِنا.

والخِزْيُ: قِيلَ: هو ضَرْبُ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ وإذْلالُهم، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.

والمَشْرِقُ: مَوْضِعُ الشُّرُوقِ.

والمَغْرِبُ: مَوْضِعُ الغُرُوبِ، أيْ هُما مِلْكٌ لِلَّهِ وما بَيْنَهُما مِنَ الجِهاتِ والمَخْلُوقاتِ فَيَشْمَلُ الأرْضَ كُلَّها.

قَوْلُهُ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا﴾ أيْ أيَّ جِهَةٍ تَسْتَقْبِلُونَها فَهُناكَ وجْهُ اللَّهِ: أيِ المَكانُ الَّذِي يَرْتَضِي لَكُمُ اسْتِقْبالَهُ، وذَلِكَ يَكُونُ عِنْدَ التِباسِ جِهَةِ القِبْلَةِ الَّتِي أمَرَنا بِالتَّوَجُّهِ إلَيْها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ قالَ في الكَشّافِ: والمَعْنى أنَّكم إذا مُنِعْتُمْ أنْ تُصَلُّوا في المَسْجِدِ الحَرامِ، أوْ في بَيْتِ المَقْدِسِ فَقَدْ جُعِلَتْ لَكُمُ الأرْضُ مَسْجِدًا، فَصَلُّوا في أيِّ بُقْعَةٍ شِئْتُمْ مِن بِقاعِها، وافْعَلُوا التَّوْلِيَةَ فِيها، فَإنَّ التَّوْلِيَةَ مُمْكِنَةٌ في كُلِّ مَكانٍ لا تَخْتَصُّ أماكِنُها في مَسْجِدٍ دُونَ مَسْجِدٍ ولا في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ. انْتَهى.

وهَذا التَّخْصِيصُ لا وجْهَ لَهُ فَإنَّ اللَّفْظَ أوْسَعُ مِنهُ.

وإنْ كانَ المَقْصُودُ بِهِ بَيانَ السَّبَبِ فَلا بَأْسَ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فِيهِ إرْشادٌ إلى سِعَةِ رَحْمَتِهِ.

وأنَّهُ يُوَسِّعُ عَلى عِبادِهِ في دِينِهِمْ ولا يُكَلِّفُهم ما لَيْسَ في …

Al-Baqara 2:114Listen in Qur'an →
115

وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا۟ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ

And to Allah belongs the east and the west. So wherever you [might] turn, there is the Face of Allah. Indeed, Allah is all-Encompassing and Knowing.

هَذا الِاسْتِفْهامُ فِيهِ أبْلَغُ دَلالَةٍ عَلى أنَّ هَذا الظُّلْمَ مُتَناهٍ وأنَّهُ بِمَنزِلَةٍ لا يَنْبَغِي أنْ يَلْحَقَهُ سائِرُ أنْواعِ الظُّلْمِ، أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ، واسْمُ الِاسْتِفْهامِ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وأظْلَمُ خَبَرُهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ قِيلَ: هو بَدَلٌ مِن مَساجِدَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ بِتَقْدِيرِ كَراهِيَةَ أنْ يُذْكَرَ، وقِيلَ: إنَّ التَّقْدِيرَ مِن أنْ يُذْكَرَ، ثُمَّ حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ لِطُولِ الكَلامِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ: مَنَعَ والمُرادُ بِمَنعِ المَساجِدِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُ اللَّهِ: مَنعُ مَن يَأْتِي إلَيْها لِلصَّلاةِ والتِّلاوَةِ والذِّكْرِ وتَعْلِيمِهِ.

والمُرادُ بِالسَّعْيِ في خَرابِها: هو السَّعْيُ في هَدْمِها ورَفْعِ بُنْيانِها. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالخَرابِ تَعْطِيلُها عَنِ الطّاعاتِ الَّتِي وُضِعَتْ لَها فَيَكُونُ أعَمَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ ما يُمْنَعُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي بُنِيَتْ لَها المَساجِدُ كَتَعَلُّمِ العِلْمِ وتَعْلِيمِهِ، والقُعُودِ لِلِاعْتِكافِ، وانْتِظارِ الصَّلاةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ما هو أعَمُّ مِنَ الأمْرَيْنِ مِن بابِ عُمُومِ المَجازِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ﴾ أيْ: ما كانَ يَنْبَغِي لَهم دُخُولُها إلّا حالَ خَوْفِهِمْ، وفِيهِ إرْشادٌ لِلْعِبادِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَمْنَعُوا مَساجِدَ اللَّهِ مِن أهْلِ الكُفْرِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَسْجِدٍ ومَسْجِدٍ، وبَيْنَ كافِرٍ وكافِرٍ، كَما يُفِيدُهُ عُمُومُ اللَّفْظِ، ولا يُنافِيهِ خُصُوصُ السَّبَبِ، وأنْ يَجْعَلُوهم بِحالَةِ إذا أرادُوا الدُّخُولَ كانُوا عَلى وجَلٍ وخَوْفٍ مِن أنْ يَفْطِنَ لَهم أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَيُنْزِلُونَ بِهِمْ ما يُوجِبُ الإهانَةَ والإذْلالَ، ولَيْسَ فِيهِ الإذْنُ لَنا بِتَمْكِينِهِمْ مِن ذَلِكَ حالَ خَوْفِهِمْ، بَلْ هو كِنايَةٌ عَنِ المَنعِ لَهم مِنّا عَنْ دُخُولِ مَساجِدِنا.

والخِزْيُ: قِيلَ: هو ضَرْبُ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ وإذْلالُهم، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.

والمَشْرِقُ: مَوْضِعُ الشُّرُوقِ.

والمَغْرِبُ: مَوْضِعُ الغُرُوبِ، أيْ هُما مِلْكٌ لِلَّهِ وما بَيْنَهُما مِنَ الجِهاتِ والمَخْلُوقاتِ فَيَشْمَلُ الأرْضَ كُلَّها.

قَوْلُهُ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا﴾ أيْ أيَّ جِهَةٍ تَسْتَقْبِلُونَها فَهُناكَ وجْهُ اللَّهِ: أيِ المَكانُ الَّذِي يَرْتَضِي لَكُمُ اسْتِقْبالَهُ، وذَلِكَ يَكُونُ عِنْدَ التِباسِ جِهَةِ القِبْلَةِ الَّتِي أمَرَنا بِالتَّوَجُّهِ إلَيْها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ قالَ في الكَشّافِ: والمَعْنى أنَّكم إذا مُنِعْتُمْ أنْ تُصَلُّوا في المَسْجِدِ الحَرامِ، أوْ في بَيْتِ المَقْدِسِ فَقَدْ جُعِلَتْ لَكُمُ الأرْضُ مَسْجِدًا، فَصَلُّوا في أيِّ بُقْعَةٍ شِئْتُمْ مِن بِقاعِها، وافْعَلُوا التَّوْلِيَةَ فِيها، فَإنَّ التَّوْلِيَةَ مُمْكِنَةٌ في كُلِّ مَكانٍ لا تَخْتَصُّ أماكِنُها في مَسْجِدٍ دُونَ مَسْجِدٍ ولا في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ. انْتَهى.

وهَذا التَّخْصِيصُ لا وجْهَ لَهُ فَإنَّ اللَّفْظَ أوْسَعُ مِنهُ.

وإنْ كانَ المَقْصُودُ بِهِ بَيانَ السَّبَبِ فَلا بَأْسَ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فِيهِ إرْشادٌ إلى سِعَةِ رَحْمَتِهِ.

وأنَّهُ يُوَسِّعُ عَلى عِبادِهِ في دِينِهِمْ ولا يُكَلِّفُهم ما لَيْسَ في …

Al-Baqara 2:115Listen in Qur'an →
116

وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًۭا ۗ سُبْحَٰنَهُۥ ۖ بَل لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ كُلٌّۭ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ

They say, "Allah has taken a son." Exalted is He! Rather, to Him belongs whatever is in the heavens and the earth. All are devoutly obedient to Him,

قَوْلُهُ: وقالُوا هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى وقِيلَ اليَهُودُ، أيْ قالُوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ وقِيلَ النَّصارى، أيْ قالُوا: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: هم كُفّارُ العَرَبِ، أيْ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ.

وقَوْلُهُ: سُبْحانَهُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، والمُرادُ هُنا تَبَرُّؤُ اللَّهِ تَعالى عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ.

وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ رَدٌّ عَلى القائِلِينَ بِأنَّهُ اتَّخَذَ ولَدًا، أيْ بَلْ هو مالِكٌ لِما في السَّماواتِ والأرْضِ، وهَؤُلاءِ القائِلُونَ داخِلُونَ تَحْتَ مُلْكِهِ، والوَلَدُ مِن جِنْسِهِمْ لا مِن جِنْسِهِ، ولا يَكُونُ الوَلَدُ إلّا مِن جِنْسِ الوالِدِ.

والقانِتُ: المُطِيعُ الخاضِعُ، أيْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ مُطِيعُونَ لَهُ خاضِعُونَ لِعَظَمَتِهِ خاشِعُونَ لِجَلالِهِ، والقُنُوتُ في أصْلِ اللُّغَةِ القِيامُ.

قالَ الزَّجّاجُ: فالخَلْقُ قانِتُونَ أيْ قائِمُونَ بِالعُبُودِيَّةِ إمّا إقْرارًا وإمّا أنْ يَكُونُوا عَلى خِلافِ ذَلِكَ، فَأثَرُ الصَّنْعَةِ بَيِّنٌ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: أصْلُهُ الطّاعَةُ، ومِنهُ ﴿والقانِتِينَ والقانِتاتِ﴾ وقِيلَ: السُّكُونُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ ولِهَذا قالَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ: «كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ حَتّى نَزَلَتْ ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنا بِالسُّكُوتِ ونُهِينا عَنِ الكَلامِ»، وقِيلَ القُنُوتُ: الصَّلاةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎قانِتًا لِلَّهِ يَتْلُو كُتُبَهُ وعَلى عَمْدٍ مِنَ النّاسِ اعْتَزَلَ

والأوْلى أنَّ القُنُوتَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَعانٍ كَثِيرَةٍ، قِيلَ: هي ثَلاثَةَ عَشَرَ مَعْنًى، وهي مُبَيَّنَةٌ.

وقَدْ نَظَمَها بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ كَما أوْضَحْتُ ذَلِكَ في شَرْحِي عِلْمَ المُنْتَقى.

و( بَدِيعُ ): فَعِيلٌ لِلْمُبالَغَةِ وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو بَدِيعُ سَماواتِهِ وأرْضِهِ، أبْدَعَ الشَّيْءَ: أنْشَأهُ لا عَنْ مِثالٍ، وكُلُّ مَن أنْشَأ ما لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ قِيلَ لَهُ مُبْدِعٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿وإذا قَضى أمْرًا﴾ أيْ أحْكَمَهُ وأتْقَنَهُ.

قالَ الأزْهَرِيُّ: ( قَضى ) في اللُّغَةِ عَلى وُجُوهٍ: مَرْجِعُها إلى انْقِطاعِ الشَّيْءِ وتَمامِهِ، قِيلَ: هو مُشْتَرِكٌ بَيْنَ مَعانٍ، يُقالُ: قَضى بِمَعْنى خَلَقَ، ومِنهُ: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ وبِمَعْنى أعْلَمَ، ومِنهُ ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ وبِمَعْنى أمَرَ، ومِنهُ ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ وبِمَعْنى ألْزَمَ، ومِنهُ: قَضى عَلَيْهِ القاضِي، وبِمَعْنى أوْفاهُ، ومِنهُ: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ وبِمَعْنى أرادَ ومِنهُ: ﴿فَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .

والأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ.

وقَدْ ورَدَ في القُرْآنِ عَلى أرْبَعَةَ عَشَرَ مَعْنًى:

الأوَّلُ: الدِّينُ، ومِنهُ: ﴿حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ﴾

الثّانِي: بِمَعْنى القَوْلِ، ومِنهُ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ .

الثّالِثُ: العَذابُ، ومِنهُ: ﴿لَمّا قُضِيَ الأمْرُ﴾

الرّابِعُ: عِيسى، ومِنهُ: ﴿فَإذا قَضى أمْرًا﴾ أيْ أوْجَدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

الخامِسُ: القَتْلُ، ومِنهُ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾

السّادِسُ: فَتْحُ مَكَّةَ، ومِنهُ ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ .

السّابِعُ: قَتْلُ بَنِي قُرَيْظَةَ وإجْلاءُ النَّضِيرِ، ومِنهُ ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ .

الثّامِنُ: القِيامَةُ، ومِنهُ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ .

التّاسِعُ: القَضاءُ، ومِنهُ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ .

العاشِرُ: الوَحْيُ، ومِنهُ: ﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ …

Al-Baqara 2:116Listen in Qur'an →
117

بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ

Originator of the heavens and the earth. When He decrees a matter, He only says to it, "Be," and it is.

قَوْلُهُ: وقالُوا هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى وقِيلَ اليَهُودُ، أيْ قالُوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ وقِيلَ النَّصارى، أيْ قالُوا: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: هم كُفّارُ العَرَبِ، أيْ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ.

وقَوْلُهُ: سُبْحانَهُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، والمُرادُ هُنا تَبَرُّؤُ اللَّهِ تَعالى عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ.

وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ رَدٌّ عَلى القائِلِينَ بِأنَّهُ اتَّخَذَ ولَدًا، أيْ بَلْ هو مالِكٌ لِما في السَّماواتِ والأرْضِ، وهَؤُلاءِ القائِلُونَ داخِلُونَ تَحْتَ مُلْكِهِ، والوَلَدُ مِن جِنْسِهِمْ لا مِن جِنْسِهِ، ولا يَكُونُ الوَلَدُ إلّا مِن جِنْسِ الوالِدِ.

والقانِتُ: المُطِيعُ الخاضِعُ، أيْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ مُطِيعُونَ لَهُ خاضِعُونَ لِعَظَمَتِهِ خاشِعُونَ لِجَلالِهِ، والقُنُوتُ في أصْلِ اللُّغَةِ القِيامُ.

قالَ الزَّجّاجُ: فالخَلْقُ قانِتُونَ أيْ قائِمُونَ بِالعُبُودِيَّةِ إمّا إقْرارًا وإمّا أنْ يَكُونُوا عَلى خِلافِ ذَلِكَ، فَأثَرُ الصَّنْعَةِ بَيِّنٌ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: أصْلُهُ الطّاعَةُ، ومِنهُ ﴿والقانِتِينَ والقانِتاتِ﴾ وقِيلَ: السُّكُونُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ ولِهَذا قالَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ: «كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ حَتّى نَزَلَتْ ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنا بِالسُّكُوتِ ونُهِينا عَنِ الكَلامِ»، وقِيلَ القُنُوتُ: الصَّلاةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎قانِتًا لِلَّهِ يَتْلُو كُتُبَهُ وعَلى عَمْدٍ مِنَ النّاسِ اعْتَزَلَ

والأوْلى أنَّ القُنُوتَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَعانٍ كَثِيرَةٍ، قِيلَ: هي ثَلاثَةَ عَشَرَ مَعْنًى، وهي مُبَيَّنَةٌ.

وقَدْ نَظَمَها بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ كَما أوْضَحْتُ ذَلِكَ في شَرْحِي عِلْمَ المُنْتَقى.

و( بَدِيعُ ): فَعِيلٌ لِلْمُبالَغَةِ وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو بَدِيعُ سَماواتِهِ وأرْضِهِ، أبْدَعَ الشَّيْءَ: أنْشَأهُ لا عَنْ مِثالٍ، وكُلُّ مَن أنْشَأ ما لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ قِيلَ لَهُ مُبْدِعٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿وإذا قَضى أمْرًا﴾ أيْ أحْكَمَهُ وأتْقَنَهُ.

قالَ الأزْهَرِيُّ: ( قَضى ) في اللُّغَةِ عَلى وُجُوهٍ: مَرْجِعُها إلى انْقِطاعِ الشَّيْءِ وتَمامِهِ، قِيلَ: هو مُشْتَرِكٌ بَيْنَ مَعانٍ، يُقالُ: قَضى بِمَعْنى خَلَقَ، ومِنهُ: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ وبِمَعْنى أعْلَمَ، ومِنهُ ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ وبِمَعْنى أمَرَ، ومِنهُ ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ وبِمَعْنى ألْزَمَ، ومِنهُ: قَضى عَلَيْهِ القاضِي، وبِمَعْنى أوْفاهُ، ومِنهُ: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ وبِمَعْنى أرادَ ومِنهُ: ﴿فَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .

والأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ.

وقَدْ ورَدَ في القُرْآنِ عَلى أرْبَعَةَ عَشَرَ مَعْنًى:

الأوَّلُ: الدِّينُ، ومِنهُ: ﴿حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ﴾

الثّانِي: بِمَعْنى القَوْلِ، ومِنهُ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ .

الثّالِثُ: العَذابُ، ومِنهُ: ﴿لَمّا قُضِيَ الأمْرُ﴾

الرّابِعُ: عِيسى، ومِنهُ: ﴿فَإذا قَضى أمْرًا﴾ أيْ أوْجَدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

الخامِسُ: القَتْلُ، ومِنهُ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾

السّادِسُ: فَتْحُ مَكَّةَ، ومِنهُ ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ .

السّابِعُ: قَتْلُ بَنِي قُرَيْظَةَ وإجْلاءُ النَّضِيرِ، ومِنهُ ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ .

الثّامِنُ: القِيامَةُ، ومِنهُ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ .

التّاسِعُ: القَضاءُ، ومِنهُ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ .

العاشِرُ: الوَحْيُ، ومِنهُ: ﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ …

Al-Baqara 2:117Listen in Qur'an →
118

وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌۭ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ

Those who do not know say, "Why does Allah not speak to us or there come to us a sign?" Thus spoke those before them like their words. Their hearts resemble each other. We have shown clearly the signs to a people who are certain [in faith].

قَوْلُهُ: وقالُوا هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى وقِيلَ اليَهُودُ، أيْ قالُوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ وقِيلَ النَّصارى، أيْ قالُوا: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: هم كُفّارُ العَرَبِ، أيْ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ.

وقَوْلُهُ: سُبْحانَهُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، والمُرادُ هُنا تَبَرُّؤُ اللَّهِ تَعالى عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ.

وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ رَدٌّ عَلى القائِلِينَ بِأنَّهُ اتَّخَذَ ولَدًا، أيْ بَلْ هو مالِكٌ لِما في السَّماواتِ والأرْضِ، وهَؤُلاءِ القائِلُونَ داخِلُونَ تَحْتَ مُلْكِهِ، والوَلَدُ مِن جِنْسِهِمْ لا مِن جِنْسِهِ، ولا يَكُونُ الوَلَدُ إلّا مِن جِنْسِ الوالِدِ.

والقانِتُ: المُطِيعُ الخاضِعُ، أيْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ مُطِيعُونَ لَهُ خاضِعُونَ لِعَظَمَتِهِ خاشِعُونَ لِجَلالِهِ، والقُنُوتُ في أصْلِ اللُّغَةِ القِيامُ.

قالَ الزَّجّاجُ: فالخَلْقُ قانِتُونَ أيْ قائِمُونَ بِالعُبُودِيَّةِ إمّا إقْرارًا وإمّا أنْ يَكُونُوا عَلى خِلافِ ذَلِكَ، فَأثَرُ الصَّنْعَةِ بَيِّنٌ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: أصْلُهُ الطّاعَةُ، ومِنهُ ﴿والقانِتِينَ والقانِتاتِ﴾ وقِيلَ: السُّكُونُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ ولِهَذا قالَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ: «كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ حَتّى نَزَلَتْ ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنا بِالسُّكُوتِ ونُهِينا عَنِ الكَلامِ»، وقِيلَ القُنُوتُ: الصَّلاةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎قانِتًا لِلَّهِ يَتْلُو كُتُبَهُ وعَلى عَمْدٍ مِنَ النّاسِ اعْتَزَلَ

والأوْلى أنَّ القُنُوتَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَعانٍ كَثِيرَةٍ، قِيلَ: هي ثَلاثَةَ عَشَرَ مَعْنًى، وهي مُبَيَّنَةٌ.

وقَدْ نَظَمَها بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ كَما أوْضَحْتُ ذَلِكَ في شَرْحِي عِلْمَ المُنْتَقى.

و( بَدِيعُ ): فَعِيلٌ لِلْمُبالَغَةِ وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو بَدِيعُ سَماواتِهِ وأرْضِهِ، أبْدَعَ الشَّيْءَ: أنْشَأهُ لا عَنْ مِثالٍ، وكُلُّ مَن أنْشَأ ما لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ قِيلَ لَهُ مُبْدِعٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿وإذا قَضى أمْرًا﴾ أيْ أحْكَمَهُ وأتْقَنَهُ.

قالَ الأزْهَرِيُّ: ( قَضى ) في اللُّغَةِ عَلى وُجُوهٍ: مَرْجِعُها إلى انْقِطاعِ الشَّيْءِ وتَمامِهِ، قِيلَ: هو مُشْتَرِكٌ بَيْنَ مَعانٍ، يُقالُ: قَضى بِمَعْنى خَلَقَ، ومِنهُ: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ وبِمَعْنى أعْلَمَ، ومِنهُ ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ وبِمَعْنى أمَرَ، ومِنهُ ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ وبِمَعْنى ألْزَمَ، ومِنهُ: قَضى عَلَيْهِ القاضِي، وبِمَعْنى أوْفاهُ، ومِنهُ: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ وبِمَعْنى أرادَ ومِنهُ: ﴿فَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .

والأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ.

وقَدْ ورَدَ في القُرْآنِ عَلى أرْبَعَةَ عَشَرَ مَعْنًى:

الأوَّلُ: الدِّينُ، ومِنهُ: ﴿حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ﴾

الثّانِي: بِمَعْنى القَوْلِ، ومِنهُ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ .

الثّالِثُ: العَذابُ، ومِنهُ: ﴿لَمّا قُضِيَ الأمْرُ﴾

الرّابِعُ: عِيسى، ومِنهُ: ﴿فَإذا قَضى أمْرًا﴾ أيْ أوْجَدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

الخامِسُ: القَتْلُ، ومِنهُ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾

السّادِسُ: فَتْحُ مَكَّةَ، ومِنهُ ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ .

السّابِعُ: قَتْلُ بَنِي قُرَيْظَةَ وإجْلاءُ النَّضِيرِ، ومِنهُ ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ .

الثّامِنُ: القِيامَةُ، ومِنهُ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ .

التّاسِعُ: القَضاءُ، ومِنهُ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ .

العاشِرُ: الوَحْيُ، ومِنهُ: ﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ …

Al-Baqara 2:118Listen in Qur'an →
119

إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا ۖ وَلَا تُسْـَٔلُ عَنْ أَصْحَٰبِ ٱلْجَحِيمِ

Indeed, We have sent you, [O Muhammad], with the truth as a bringer of good tidings and a warner, and you will not be asked about the companions of Hellfire.

قَوْلُهُ: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الحالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ أرْسَلْناكَ لِأجْلِ التَّبْشِيرِ والإنْذارِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُسْألُ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ، أيْ حالَ كَوْنِكَ غَيْرَ مَسْئُولٍ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ مَبْنِيًّا لِلْمَعْلُومِ.

قالَ الأخْفَشُ: ويَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ عَطْفًا عَلى ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ أيْ حالَ كَوْنِكَ غَيْرَ سائِلٍ عَنْهم، لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِكُفْرِهِمْ بَعْدَ إنْذارِهِمْ يُغْنِي عَنْ سُؤالِهِ عَنْهم، وقَرَأ نافِعٌ: ولا تَسْألْ بِالجَزْمِ، أيْ لا يَصْدُرُ مِنكَ السُّؤالُ عَنْ هَؤُلاءِ أوْ لا يَصْدُرُ مِنكَ السُّؤالُ عَمَّنْ ماتَ مِنهم عَلى كُفْرِهِ ومَعْصِيَتِهِ تَعْظِيمًا لِحالِهِ وتَغْلِيظًا لِشَأْنِهِ، أيْ أنَّ هَذا أمْرٌ فَظِيعٌ وخَطْبٌ شَنِيعٌ، يَتَعاظَمُ المُتَكَلِّمُ أنْ يُجْرِيَهُ عَلى لِسانِهِ أوْ يَتَعاظَمُ السّامِعُ أنْ يَسْمَعَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ﴾ الآيَةَ، أيْ لَيْسَ غَرَضُهم ومَبْلَغُ الرِّضا مِنهم ما يَقْتَرِحُونَهُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ ويُورِدُونَهُ مِنَ التَّعَنُّتاتِ، فَإنَّكَ لَوْ جِئْتَهم بِكُلِّ ما يَقْتَرِحُونَ وأجَبْتَهم عَنْ كُلِّ تَعَنُّتٍ لَمْ يَرْضَوْا عَنْكَ، ثُمَّ أخْبَرَهُ بِأنَّهم لَنْ يَرْضَوْا عَنْهُ حَتّى يَدْخُلَ في دِينِهِمْ ويَتَّبِعَ مِلَّتَهم.

والمِلَّةُ: اسْمٌ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ في كُتُبِهِ عَلى ألْسُنِ أنْبِيائِهِ وهَكَذا الشَّرِيعَةُ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ فَأمَرَهُ بِأنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ الحَقِيقِيُّ، لا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ المَنسُوخَةِ والكُتُبِ المُحَرَّفَةِ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَعِيدٍ شَدِيدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنِ اتَّبَعَ أهْواءَهم وحاوَلَ رِضاهم وأتْعَبَ نَفْسَهُ في طَلَبِ ما يُوافِقُهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيضًا لِأُمَّتِهِ وتَحْذِيرًا لَهم أنْ يُواقِعُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، أوْ يَدْخُلُوا في أهْوِيَةِ أهْلِ المِلَلِ ويَطْلُبُوا رِضا أهْلِ البِدَعِ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ الَّذِي تَرْجُفُ لَهُ القُلُوبُ وتَتَصَدَّعُ مِنهُ الأفْئِدَةُ، ما يُوجِبُ عَلى أهْلِ العِلْمِ الحامِلِينَ لِحُجَجِ اللَّهِ سُبْحانَهُ والقائِمِينَ بِبَيانِ شَرائِعِهِ، تَرْكَ الدِّهانَ لِأهْلِ البِدَعِ المُتَمَذْهِبِينَ بِمَذاهِبِ السُّوءِ، التّارِكِينَ لِلْعَمَلِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، المُؤْثِرِينَ لِمَحْضِ الرَّأْيِ عَلَيْهِما، فَإنَّ غالِبَ هَؤُلاءِ وإنْ أظْهَرَ قَبُولًا وأبانَ مِن أخْلاقِهِ لِينًا لا يُرْضِيهِ إلّا اتِّباعُ بِدْعَتِهِ والدُّخُولُ في مَداخِلِهِ والوُقُوعُ في حَبائِلِهِ، فَإنْ فَعَلَ العالِمُ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ ما يَسْتَفِيدُ بِهِ أنَّ هُدى اللَّهِ هو ما في كِتابِهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، لا ما هم عَلَيْهِ مِن تِلْكَ البِدَعِ الَّتِي هي ضَلالَةٌ مَحْضَةٌ، وجَهالَةٌ بَيِّنَةٌ ورَأْيٌ مُنْهارٌ، وتَقْلِيدٌ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ، فَهو إذْ ذاكَ ما لَهُ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو مَخْذُولٌ لا مَحالَةَ وهالِكٌ بِلا شَكٍّ ولا شُبْهَةٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ قِيلَ: هُمُ المُسْلِمُونَ والكِتابُ هو القُرْآنُ، وقِيلَ: مَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: يَتْلُونَهُ أنَّهم يَعْلَمُونَ بِما فِيهِ فَيُحَلِّلُونَ حَلالَهُ ويَحْرِمُونَ حَرامَهُ، فَيَكُونُ مِن تَلاهُ يَتْلُوهُ إذا اتَّبَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ أيِ اتَّبَعَها كَذا …

Al-Baqara 2:119Listen in Qur'an →
120

وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ ٱلَّذِى جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍ

And never will the Jews or the Christians approve of you until you follow their religion. Say, "Indeed, the guidance of Allah is the [only] guidance." If you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, you would have against Allah no protector or helper.

قَوْلُهُ: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الحالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ أرْسَلْناكَ لِأجْلِ التَّبْشِيرِ والإنْذارِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُسْألُ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ، أيْ حالَ كَوْنِكَ غَيْرَ مَسْئُولٍ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ مَبْنِيًّا لِلْمَعْلُومِ.

قالَ الأخْفَشُ: ويَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ عَطْفًا عَلى ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ أيْ حالَ كَوْنِكَ غَيْرَ سائِلٍ عَنْهم، لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِكُفْرِهِمْ بَعْدَ إنْذارِهِمْ يُغْنِي عَنْ سُؤالِهِ عَنْهم، وقَرَأ نافِعٌ: ولا تَسْألْ بِالجَزْمِ، أيْ لا يَصْدُرُ مِنكَ السُّؤالُ عَنْ هَؤُلاءِ أوْ لا يَصْدُرُ مِنكَ السُّؤالُ عَمَّنْ ماتَ مِنهم عَلى كُفْرِهِ ومَعْصِيَتِهِ تَعْظِيمًا لِحالِهِ وتَغْلِيظًا لِشَأْنِهِ، أيْ أنَّ هَذا أمْرٌ فَظِيعٌ وخَطْبٌ شَنِيعٌ، يَتَعاظَمُ المُتَكَلِّمُ أنْ يُجْرِيَهُ عَلى لِسانِهِ أوْ يَتَعاظَمُ السّامِعُ أنْ يَسْمَعَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ﴾ الآيَةَ، أيْ لَيْسَ غَرَضُهم ومَبْلَغُ الرِّضا مِنهم ما يَقْتَرِحُونَهُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ ويُورِدُونَهُ مِنَ التَّعَنُّتاتِ، فَإنَّكَ لَوْ جِئْتَهم بِكُلِّ ما يَقْتَرِحُونَ وأجَبْتَهم عَنْ كُلِّ تَعَنُّتٍ لَمْ يَرْضَوْا عَنْكَ، ثُمَّ أخْبَرَهُ بِأنَّهم لَنْ يَرْضَوْا عَنْهُ حَتّى يَدْخُلَ في دِينِهِمْ ويَتَّبِعَ مِلَّتَهم.

والمِلَّةُ: اسْمٌ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ في كُتُبِهِ عَلى ألْسُنِ أنْبِيائِهِ وهَكَذا الشَّرِيعَةُ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ فَأمَرَهُ بِأنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ الحَقِيقِيُّ، لا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ المَنسُوخَةِ والكُتُبِ المُحَرَّفَةِ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَعِيدٍ شَدِيدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنِ اتَّبَعَ أهْواءَهم وحاوَلَ رِضاهم وأتْعَبَ نَفْسَهُ في طَلَبِ ما يُوافِقُهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيضًا لِأُمَّتِهِ وتَحْذِيرًا لَهم أنْ يُواقِعُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، أوْ يَدْخُلُوا في أهْوِيَةِ أهْلِ المِلَلِ ويَطْلُبُوا رِضا أهْلِ البِدَعِ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ الَّذِي تَرْجُفُ لَهُ القُلُوبُ وتَتَصَدَّعُ مِنهُ الأفْئِدَةُ، ما يُوجِبُ عَلى أهْلِ العِلْمِ الحامِلِينَ لِحُجَجِ اللَّهِ سُبْحانَهُ والقائِمِينَ بِبَيانِ شَرائِعِهِ، تَرْكَ الدِّهانَ لِأهْلِ البِدَعِ المُتَمَذْهِبِينَ بِمَذاهِبِ السُّوءِ، التّارِكِينَ لِلْعَمَلِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، المُؤْثِرِينَ لِمَحْضِ الرَّأْيِ عَلَيْهِما، فَإنَّ غالِبَ هَؤُلاءِ وإنْ أظْهَرَ قَبُولًا وأبانَ مِن أخْلاقِهِ لِينًا لا يُرْضِيهِ إلّا اتِّباعُ بِدْعَتِهِ والدُّخُولُ في مَداخِلِهِ والوُقُوعُ في حَبائِلِهِ، فَإنْ فَعَلَ العالِمُ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ ما يَسْتَفِيدُ بِهِ أنَّ هُدى اللَّهِ هو ما في كِتابِهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، لا ما هم عَلَيْهِ مِن تِلْكَ البِدَعِ الَّتِي هي ضَلالَةٌ مَحْضَةٌ، وجَهالَةٌ بَيِّنَةٌ ورَأْيٌ مُنْهارٌ، وتَقْلِيدٌ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ، فَهو إذْ ذاكَ ما لَهُ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو مَخْذُولٌ لا مَحالَةَ وهالِكٌ بِلا شَكٍّ ولا شُبْهَةٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ قِيلَ: هُمُ المُسْلِمُونَ والكِتابُ هو القُرْآنُ، وقِيلَ: مَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: يَتْلُونَهُ أنَّهم يَعْلَمُونَ بِما فِيهِ فَيُحَلِّلُونَ حَلالَهُ ويَحْرِمُونَ حَرامَهُ، فَيَكُونُ مِن تَلاهُ يَتْلُوهُ إذا اتَّبَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ أيِ اتَّبَعَها كَذا …

Al-Baqara 2:120Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.