Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 111–120 of 286

111

وَقَالُوا۟ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَٰرَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا۟ بُرْهَٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

And they say, "None will enter Paradise except one who is a Jew or a Christian." That is [merely] their wishful thinking, Say, "Produce your proof, if you should be truthful."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١١ ] ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهم قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

" وقالُوا" أيْ أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى "لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى" نَشْرٌ لِما لَفَّتْهُ الواوُ في "وقالُوا"، واليَهُودُ جَمْعُ هائِدٍ، كَعُوذٍ جَمْعِ عائِذٍ. وقُرِئَ "إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا" . "تِلْكَ أمانِيُّهُمْ" جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِبُطْلانِ ما قالُوا. والأمانِيُّ جَمْعُ أُمْنِيَةٍ وهي ما يَتَمَنّى. كالأُعْجُوبَةِ والأُضْحُوكَةِ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهم "لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ" أُمْنِيَةٌ واحِدَةٌ، فَلِمَ قالَ: أمانِيُّهم ؟ أُجِيبَ: بِأنَّ الجَمْعَ بِاعْتِبارِ صُدُورِهِ عَنِ الجَمِيعِ. وأجابَ صاحِبُ الِانْتِصافِ بِأنَّهم لِشِدَّةِ تَمَنِّيهِمْ لِهَذِهِ الأُمْنِيَةِ ومُعاوَدَتِهِمْ لَها وتَأكُّدِها في نُفُوسِهِمْ، جُمِعَتْ. لِيَفِيدَ جَمْعُها أنَّها مُتَأكِّدَةٌ في قُلُوبِهِمْ، بالِغَةٌ مِنهم كُلَّ مَبْلَغٍ، والجَمْعُ يُفِيدُ ذَلِكَ، وإنْ كانَ مُؤَدّاهُ واحِدًا. ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: مِعًى جِياعٌ. فَجَمَعُوا الصِّفَةَ، ومُؤَدّاها واحِدٌ؛ لِأنَّ مَوْصُوفَها واحِدٌ، تَأْكِيدًا لِثُبُوتِها وتَمَكُّنِها.

وهَذا المَعْنى أحَدُ ما رُوِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] فَإنَّهُ جَمَعَ (قَلِيلًا)، وقَدْ كانَ الأصْلُ إفْرادَهُ فَيُقالُ (لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] لَوْلا ما قَصَدَ إلَيْهِ مِن تَأْكِيدِ مَعْنى القِلَّةِ بِجَمْعِها. ووَجْهُ إفادَةِ الجَمْعِ في مِثْلِ هَذا لِلتَّأْكِيدِ، أنَّ الجَمْعَ يُفِيدُ بِوَضْعِهِ الزِّيادَةَ في الآحادِ، فَنُقِلَ إلى تَأْكِيدِ الواحِدِ، وإبانَةِ زِيادَتِهِ عَلى نُظَرائِهِ، نَقْلًا مَجازِيًّا بَدِيعًا. فَتَدَبَّرْ هَذا الفَصْلَ فَإنَّهُ مِن نَفائِسِ صِناعَةِ البَيانِ. واللَّهُ المُوَفِّقُ: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ حُجَّتَكم عَلى اخْتِصاصِكم بِدُخُولِ الجَنَّةِ "إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ" في دَعْواكم. قالَ الرّازِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُدَّعِيَ سَواءٌ ادَّعى نَفْيًا أوْ إثْباتًا، فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ الدَّلِيلِ والبُرْهانِ، وذَلِكَ مِن أصْدَقِ الدَّلائِلِ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎مَنِ ادَّعى شَيْئًا بِلا شاهِدٍ لا بُدَّ أنْ تَبْطُلَ دَعْواهُ

انْتَهى كَلامُ الرّازِيِّ. وسَبَقَهُ إلى ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ حَيْثُ قالَ: وهَذا أهْدَمُ شَيْءٍ لِمَذْهَبِ المُقَلِّدِينَ، وإنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَهو باطِلٌ غَيْرُ ثابِتٍ. انْتَهى.

Al-Baqara 2:111Listen in Qur'an →
112

بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌۭ فَلَهُۥٓ أَجْرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Yes [on the contrary], whoever submits his face in Islam to Allah while being a doer of good will have his reward with his Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٢ ] ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

"بَلى" إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ مِن دُخُولِ غَيْرِهِمُ الجَنَّةَ "مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ" مَن أخْلَصَ نَفْسَهُ لَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ غَيْرَهُ. وإنَّما عَبَّرَ عَنِ النَّفْسِ بِالوَجْهِ، لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ، ومَجْمَعُ المَشاعِرِ، ومَوْضِعُ السُّجُودِ، ومَظْهَرُ آثارِ الخُضُوعِ. أوِ المَعْنى: مَن أخْلَصَ تَوَجُّهَهُ وقَصْدَهُ، بِحَيْثُ لا يَلْوِي عَزِيمَتَهُ إلى شَيْءٍ غَيْرِهِ "وهُوَ مُحْسِنٌ" في عَمَلِهِ، مُوافِقٌ لِهَدْيِهِ ﷺ، وإلّا لَمْ يُقْبَلْ، ولِذا قالَ ﷺ: ««مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنا فَهو رَدٌّ»» رَواهُ مُسْلِمٌ ﴿فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ وهو عِبارَةٌ عَنْ دُخُولِ الجَنَّةِ. وتَصْوِيرُهُ بِصُورَةِ الأجْرِ لِلْإيذانِ بِقُوَّةِ ارْتِباطِهِ بِالعَمَلِ. "ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ" مِن لُحُوقِ مَكْرُوهٍ "ولا هم يَحْزَنُونَ" مِن فَواتِ مَطْلُوبٍ. والجَمْعُ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ مَعْنى "مَن" كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الأُوَلِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ.

Al-Baqara 2:112Listen in Qur'an →
113

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

The Jews say "The Christians have nothing [true] to stand on," and the Christians say, "The Jews have nothing to stand on," although they [both] recite the Scripture. Thus the polytheists speak the same as their words. But Allah will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٣ ] ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ وهم يَتْلُونَ الكِتابَ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾

﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾ بَيانٌ لِتَضْلِيلِ كُلِّ فَرِيقٍ صاحِبَهُ بِخُصُوصِهِ، إثْرَ بَيانِ تَضْلِيلِهِ كُلَّ مَن عَداهُ عَلى وجْهِ العُمُومِ. ومَعْنى "عَلى شَيْءٍ" أيَّ أمْرٍ يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الدِّينِ "وهم يَتْلُونَ الكِتابَ" الواوُ لِلْحالِ. والكِتابُ لِلْجِنْسِ. أيْ قالُوا ذَلِكَ وحالُهم أنَّهم مِن أهْلِ العِلْمِ والتِّلاوَةِ لِلْكُتُبِ. وحَقُّ مَن حَمَلَ التَّوْراةَ أوِ الإنْجِيلَ، أوْ غَيْرَهُما مِن كُتُبِ اللَّهِ، وآمَنَ بِهِ، أنْ لا يَكْفُرَ بِالباقِي. لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الكِتابَيْنِ مُصَدِّقٌ لِلثّانِي، شاهِدٌ بِصِحَّتِهِ. وكَذَلِكَ كُتُبُ اللَّهِ جَمِيعًا مُتَوارِدَةٌ عَلى تَصْدِيقِ بَعْضِها بَعْضًا "كَذَلِكَ" أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الَّذِي سَمِعْتَ بِهِ عَلى ذَلِكَ المِنهاجِ "قالَ" الجَهَلَةُ "الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" لا عِلْمَ عِنْدَهم ولا كِتابَ. كَعَبَدَةِ الأصْنامِ. قالُوا لِأهْلِ كُلِّ دِينٍ "مِثْلَ قَوْلِهِمْ" لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ. وهَذا تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ، حَيْثُ نَظَّمُوا أنْفُسَهم، مَعَ عِلْمِهِمْ، فِي سِلْكِ مَن لا يَعْلَمُ.

﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ يَفْصِلُ بَيْنَهم بِقَضائِهِ العَدْلِ، فَيَحْكُمُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ. وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الحَجِّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧] وكَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وهو الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ [سبإ: ٢٦]

قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ بِعَيْنِها قَدْ وقَعَتْ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تُكَفِّرُ الأُخْرى. مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى تِلاوَةِ القُرْآنِ. انْتَهى.

فَها هُنا تُسْكَبُ العَبَراتُ بِما جَناهُ التَّعَصُّبُ في الدِّينِ عَلى غالِبِ المُسْلِمِينَ مِنَ التَّرامِي بِالكُفْرِ، لا بِسُنَّةٍ ولا قُرْآنٍ، ولا لِبَيانٍ مِنَ اللَّهِ ولا لِبُرْهانٍ، بَلْ لَمّا غَلَتْ مَراجِلُ العَصَبِيَّةِ في الدِّينِ، تَمَكَّنَ الشَّيْطانُ مِن تَفْرِيقِ كَلِمَةِ المُسْلِمِينَ.

؎يَأْبى الفَتى إلّا اتِّباعَ الهَوى ومَنهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحٌ

مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالجَماعَةِ والِائْتِلافِ. ونَهى عَنِ الفُرْقَةِ والِاخْتِلافِ. فَقالَ تَعالى: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] وقالَ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥] وقالَ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقَدِ امْتازَ أهْلُ الحَقِّ، مِن هَذِهِ الأُمَّةِ بِالسُّنَّةِ والجَماعَةِ، عَنْ أهْلِ الباطِلِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَّبِعُونَ الكِتابَ ويُعْرِضُونَ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، …

Al-Baqara 2:113Listen in Qur'an →
114

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَآ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

And who are more unjust than those who prevent the name of Allah from being mentioned in His mosques and strive toward their destruction. It is not for them to enter them except in fear. For them in this world is disgrace, and they will have in the Hereafter a great punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٤ ] ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ وسَعى في خَرابِها أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ وسَعى في خَرابِها﴾ إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ، ولَمّا وجَّهَ تَعالى الذَّمَّ فِيما سَبَقَ في حَقِّ اليَهُودِ والنَّصارى، ذَيَّلَهُ بِذَمِّ المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١١٣] ثُمَّ وجَّهَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ أيْضًا لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أخْرَجُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ مِن مَكَّةَ، ومَنَعُوهم مِنَ الصَّلاةِ في المَسْجِدِ الحَرامِ، وصَدُّوهم أيْضًا عَنْهُ، حِينَ ذَهَبَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ مِنَ المَدِينَةِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وكُلُّ هَذا تَخْرِيبٌ لِلْمَسْجِدِ الحَرامِ، لِأنَّ مَنعَ النّاسِ مِن إقامَةِ شَعائِرِ العِبادَةِ فِيهِ، سَعْيٌ في تَخْرِيبِهِ. وأيُّ خَرابٍ أعْظَمُ مِمّا فَعَلُوا ؟ أخْرَجُوا عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ. واسْتَحْوَذُوا عَلَيْهِ بِأصْنامِهِمْ وأنْدادِهِمْ وشِرْكِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] وقالَ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم وفي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ [التوبة: ١٧] ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلا اللَّهَ فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨] وقالَ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] فَإذا كانَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ..إلَخْ مَصْدُودًا عَنْهُ، مَطْرُودًا مِنهُ، فَأيُّ خَرابٍ لَهُ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ. والعِمارَةُ إحْياءُ المَكانِ وشَغْلُهُ بِما وُضِعَ لَهُ. ولَيْسَ المُرادُ بِعِمارَتِهِ، زَخْرَفَتَهُ وإقامَةَ صُورَتِهِ فَقَطْ، إنَّما عِمارَتُهُ بِذِكْرِ اللَّهِ فِيهِ وإقامَةِ شَرْعِهِ فِيهِ ورَفْعِهِ عَنِ الدَّنَسِ والشِّرْكِ. وإنَّما أُوقِعَ المَنعُ عَلى المَساجِدِ، وإنْ كانَ المَمْنُوعُ هو النّاسُ لِما أنَّ المَآلَ عائِدٌ لَها. ولا يُقالُ: كَيْفَ قِيلَ مَساجِدُ والمُرادُ المَسْجِدُ الحَرامُ فَقَطْ ؟ لِأنَّهُ لا بَأْسَ أنْ يَجِيءَ الحُكْمُ عامًّا، وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا، كَما تَقُولُ، لِمَن آذى صالِحًا واحِدًا: ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ آذى الصّالِحِينَ ؟ وكَما قالَ تَعالى ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] والمَنزُولُ فِيهِ واحِدٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ﴾ هَذا بِشارَةٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّهُ سَيُظْهِرُهم عَلى المَسْجِدِ الحَرامِ، ويُذِلُّ لَهُمُ المُشْرِكِينَ، حَتّى لا يَدْخُلَ المَسْجِدُ الحَرامُ واحِدٌ مِنهم إلّا خائِفًا. يَخافُ أنْ يُؤْخَذَ فَيُعاقَبَ، أوْ يُقْتَلَ إنْ لَمْ يُسْلِمْ. وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ صِدْقَ هَذا الوَعْدِ فَمَنَعَهم مِن دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرامِ. ونادى فِيهِمْ عامَ حَجَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ««ألا لا يَحُجَّنَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ»» . فَحَجَّ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ العامِ الثّانِي ظاهِرًا عَلى …

Al-Baqara 2:114Listen in Qur'an →
115

وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا۟ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ

And to Allah belongs the east and the west. So wherever you [might] turn, there is the Face of Allah. Indeed, Allah is all-Encompassing and Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٥ ] ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾

﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ بَيانٌ لِشُمُولِ مَلَكُوتِهِ لِجَمِيعِ الآفاقِ، المُتَسَبِّبِ عَنْهُ سِعَةُ عِلْمِهِ. وفي ذَلِكَ تَحْذِيرٌ مِنَ المَعاصِي وزَجْرٌ عَنِ ارْتِكابِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] أيْ: عَمَّ كُلَّ شَيْءٍ بِعِلْمِهِ وتَدْبِيرِهِ وإحاطَتِهِ بِهِ وعُلُوِّهِ عَلَيْهِ.

Al-Baqara 2:115Listen in Qur'an →
116

وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًۭا ۗ سُبْحَٰنَهُۥ ۖ بَل لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ كُلٌّۭ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ

They say, "Allah has taken a son." Exalted is He! Rather, to Him belongs whatever is in the heavens and the earth. All are devoutly obedient to Him,

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٦ ] ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾

﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ يُرِيدُ الَّذِينَ قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والمَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فَأكْذَبَ اللَّهُ تَعالى جَمِيعَهم في دَعْواهم وقَوْلِهِمْ: إنَّ لِلَّهِ ولَدًا. فَقالَ "سُبْحانَهُ" أيْ تَقَدَّسَ وتَنَزَّهَ عَمّا زَعَمُوا تَنَزُّهًا بَلِيغًا. وكَلِمَةُ "بَلْ" لِلْإضْرابِ عَمّا تَقْتَضِيهِ مَقالَتُهُمُ الباطِلَةُ مِن مُجانَسَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِشَيْءٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ. أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا، بَلْ هو خالِقُ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها عُزَيْرٌ والمَسِيحُ والمَلائِكَةُ، والتَّنْوِينُ في "كُلٌّ" عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. أيْ كُلُّ ما فِيهِما، كائِنًا ما كانَ مِن أُولِي العِلْمِ وغَيْرِهِمْ "لَهُ قانِتُونَ" مُنْقادُونَ، لا يَسْتَعْصِي شَيْءٌ مِنهم عَلى تَكْوِينِهِ وتَقْدِيرِهِ ومَشِيئَتِهِ، ومَن كانَ هَذا شَأْنُهُ لَمْ يُتَصَوَّرْ مُجانَسَتُهُ لِشَيْءٍ، ومِن حَقِّ الوَلَدِ أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ الوالِدِ.

قالَ الرّاغِبُ في تَفْسِيرِهِ: نَبَّهَ عَلى أقْوى حُجَّةٍ عَلى نَفْيِ ذَلِكَ. وبَيانُها: هو أنَّ لِكُلِّ مَوْجُودٍ في العالَمِ، مَخْلُوقًا طَبِيعِيًّا، أوْ مَعْمُولًا صِناعِيًّا، غَرَضًا وكَمالًا أُوجِدَ لِأجْلِهِ. وإنْ كانَ قَدْ يَصْلُحُ لِغَيْرِهِ عَلى سَبِيلِ العَرْضِ، كاليَدِ لِلْبَطْشِ، والرِّجْلِ لِلْمَشْيِ، والسِّكِّينِ لِقَطْعٍ مَخْصُوصٍ، والمِنشارِ لِلنَّشْرِ، وإنْ كانَتِ اليَدُ قَدْ تَصْلُحُ لِلْمَشْيِ في حالٍ، والرِّجْلُ لِلتَّناوُلِ، لَكِنْ لَيْسَ عَلى التَّمامِ.

والغَرَضُ في الوَلَدِ لِلْإنْسانِ إنَّما هو لِأنْ يَبْقى بِهِ نَوْعُهُ، وجُزْءٌ مِنهُ، لَمّا لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ سَبِيلًا إلى بَقائِهِ بِشَخْصِهِ، فَجَعَلَ لَهُ بَذْرًا لِحِفْظِ نَوْعِهِ. ويُقَوِّي ذَلِكَ، أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ وسائِرِ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ بَذْرًا واسْتِخْلافًا، لَمّا لَمْ يَجْعَلْ لَها فَناءَ النَّباتِ والحَيَوانِ.

ولِما كانَ اللَّهُ تَعالى هو الباقِيَ الدّائِمَ، بِلا ابْتِداءٍ ولا انْتِهاءٍ، لَمْ يَكُنْ لِاتِّخاذِهِ الوَلَدَ لِنَفْسِهِ مَعْنًى، ولِهَذا قالَ: ﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١] أيْ هو مُنَزَّهٌ عَنِ السَّبَبِ المُقْتَضِي لِلْوَلَدِ. ثُمَّ لَمّا كانَ اقْتِناءُ الوَلَدِ لِفَقْرٍ ما، وذَلِكَ لِما تَقَدَّمَ، أنَّ الإنْسانَ افْتَقَرَ إلى نَسْلٍ يَخْلُفُهُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ كامِلٍ إلى نَفْسِهِ - بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أنَّهُ لا يُتَوَهَّمُ لَهُ فَقَرٌ، فَيَحْتاجُ إلى اتِّخاذِ ما هو سَدٌّ لِفَقْرِهِ، فَصارَ في قَوْلِهِ "لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ" دَلالَةٌ ثانِيَةٌ، ثُمَّ زادَ حُجَّةً بِقَوْلِهِ "قانِتُونَ" وهو أنَّهُ لَمّا كانَ الوَلَدُ يُعْتَقَدُ فِيهِ خِدْمَةُ الأبِ، ومُظاهَرَتُهُ كَما قالَ: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢] بَيَّنَ أنَّ كُلَّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، مَعَ كَوْنِهِ مُلْكًا لَهُ، قانِتٌ أيْضًا، إمّا طائِعًا، وإمّا كارِهًا، وإمّا مُسَخَّرًا. كَقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وهَذا أبْلَغُ حُجَّةً لِمَن هو عَلى المَحَجَّةِ.

ثُمَّ قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ مِن أيْنَ وقَعَ لَهُمُ …

Al-Baqara 2:116Listen in Qur'an →
117

بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ

Originator of the heavens and the earth. When He decrees a matter, He only says to it, "Be," and it is.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٧ ] ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾

"بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ" أيْ مُبْدِعُهُما وخالِقُهُما عَلى غَيْرِ مِثالٍ سَبَقَ. وكُلُّ مَن فَعَلَ ما لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ يُقالُ لَهُ: أبْدَعْتَ. ولِهَذا قِيلَ لِمَن خالَفَ السُّنَّةَ والجَماعَةَ: مُبْتَدِعٌ، لِأنَّهُ يَأْتِي في دِينِ الإسْلامِ، ما لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حُجَّةٌ أُخْرى لِدَفْعِ تَشَبُّثِهِمْ في وِلادَةِ عِيسى بِلا أبٍ، وعِلْمِ عُزَيْرٍ بِالتَّوْراةِ بِلا تَعَلُّمٍ. وتَقْرِيرُ الحُجَّةِ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ مُبْدِعُ الأشْياءِ كُلِّها. فَلا يَبْعُدُ أنْ يُوجِدَ أحَدًا بِلا أبٍ، أوْ يَعْلَمَ بِلا واسِطَةِ بَشَرٍ. وقالَ الرّاغِبُ: ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ حُجَّةً رابِعَةً. شَرْحُها: إنَّ الأبَ هو عُنْصُرٌ لِلِابْنِ. مِنهُ تَكَوَّنَ. واللَّهُ مُبْدِعُ الأشْياءِ كُلِّها، فَلا يَكُونُ عُنْصُرًا لِلْوَلَدِ، فَمِنَ المُحالِ أنْ يَكُونَ المُنْفَعِلُ فاعِلًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ: إذا أرادَ أمْرًا. والقَضاءُ إنْفاذُ المُقَدَّرِ. والمُقَدَّرُ ما حَدَّ مِن مُطْلَقِ المَعْلُومِ. قالَ الرّاغِبُ: القَضاءُ إتْمامُ الشَّيْءِ قَوْلًا أوْ فِعْلًا، فَمِنَ القَوْلِ آيَةُ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ [الإسراء: ٤] ومِنَ الفِعْلِ قَوْلُهُ: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] وقَضى فُلانٌ دَيْنَهُ، وقَضى نَحْبَهُ، وانْقَضى الأمْرُ. (ثُمَّ قالَ) ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ "وإذا قَضى أمْرًا" عَلى حُجَّةٍ خامِسَةٍ وهو أنَّ الوَلَدَ يَكُونُ بِنُشُوءٍ وتَرْكِيبٍ، حالًا بَعْدَ حالٍ. وهو إذا أرادَ شَيْئًا، فَقَدْ فَعَلَ بِلا مُهْلَةٍ. ولَمْ يُرَدْ بِـ "إذا" حَقِيقَةُ الزَّمانِ، إذْ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى ما قَبْلَ وُجُودِ الزَّمانِ. ولَمْ يُرَدْ أيْضًا بِـ "كُنْ" حَقِيقَةُ اللَّفْظِ، ولا بِالفاءِ التَّعْقِيبُ الزَّمانِيُّ. بَلِ اسْتُعِيرَ كُلُّ ذَلِكَ لِأنَّهُ أقْرَبُ ما يَتَراءى لَنا بِهِ سُرْعَةَ الفِعْلِ وتَمامَهُ، وذُكِرَ لَفْظُ القَضاءِ إذْ هو لِإتْمامِ الفِعْلِ، والأمْرُ لِكَوْنِهِ مُنْطَوِيًا عَلى اللَّفْظِ والفِعْلِ، والقَوْلُ إذْ هو أخَفُّ مُوجِدٍ مِنّا وأسْرَعُهُ إيجادًا، ولَفْظُ "كُنْ" لِعُمُومِ مَعْناهُ واخْتِصارِ لَفْظِهِ، ثُمَّ قالَ "فَيَكُونُ" تَنْبِيهًا لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ يُرِيدُ إيجادَهُ. و"كُنْ فَيَكُونُ" وإنْ كانَ مَخْرَجُها مَخْرَجَ شَيْئَيْنِ، أحَدُهُما مَبْنِيٌّ عَلى الآخَرِ، فَهو في الحَقِيقَةِ شَيْءٌ واحِدٌ. انْتَهى.

والَّذِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ المُرادَ بِـ "كُنْ" حَقِيقَةُ اللَّفْظِ، ورَدَّ عَلَيْهِمْ سُؤالٌ مَشْهُورٌ، وهو: إنَّ "كُنْ" لَفْظُ أمْرٍ، والأمْرُ لا يَكُونُ إلّا لِمَوْجُودٍ. فَبَعْضٌ أجابَ بِأنَّهُ أمْرٌ لِلشَّيْءِ في حالِ تَكَوُّنِهِ لا قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ. وبَعْضٌ قالَ: هو أمْرٌ لِمَعْلُومٍ لَهُ، وذَلِكَ في حُكْمِ المَوْجُودِ، وإنْ كانَ مَعْدُومَ الذّاتِ. وبَعْضٌ قالَ: هو أمْرٌ لِلْمَعْدُومِ. قالَ ويَصِحُّ أمْرُ المَعْدُومِ كَما يَصِحُّ أمْرُ المَوْجُودِ.

ولَهم أجْوِبَةٌ أكْثَرُ تَكَلُّفًا وتَمَحُّلًا.

وقَدْ سُئِلَ شَيْخُ الإسْلامِ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا بِأنَّهُ إنْ كانَ المُخاطَبُ بِـ "كُنْ" مَوْجُودًا، فَتَحْصِيلُ الحاصِلِ مُحالٌ. وإنْ كانَ مَعْدُومًا، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ خِطابُ …

Al-Baqara 2:117Listen in Qur'an →
118

وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌۭ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ

Those who do not know say, "Why does Allah not speak to us or there come to us a sign?" Thus spoke those before them like their words. Their hearts resemble each other. We have shown clearly the signs to a people who are certain [in faith].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٨ ] ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهم قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾

"وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" مِنَ المُشْرِكِينَ أوْ مِن أهْلِ الكِتابِ وهو الأظْهَرُ. لِأنَّ ما تَقَدَّمَ، كُلُّهُ في حِوارِهِمْ ورَدِّ أضالِيلِهِمْ، ونَفى عَنْهُمُ العِلْمَ لِأنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ: ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾ هَلّا يُكَلِّمُنا كَما يُكَلِّمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَ مُوسى ؟ اسْتِكْبارًا مِنهم وعُتُوًّا "أوْ تَأْتِينا آيَةٌ" جُحُودًا لِأنْ يَكُونَ ما أتاهم مِن آياتِ اللَّهِ، آياتٌ، واسْتِهانَةً بِها: ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ أيْ: هَذا الباطِلُ الشَّنِيعُ فَقالُوا: أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً. وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأنَّهُ كَما تُعُنِّتَ عَلَيْهِ تُعُنِّتَ عَلى مَن قَبْلَهُ "تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ" أيْ قُلُوبُ هَؤُلاءِ ومَن قَبْلَهم في العَمى والعِنادِ والتَّحَكُّمِ عَلى الأنْبِياءِ ﴿قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أيْ بِالحَقِّ. لا تَعْتَرِيهِمْ شُبْهَةٌ ولا رِيبَةٌ. وهَذا رَدٌّ لِطَلَبِهِمُ الآيَةَ وفي تَعْرِيفِ الآياتِ وجَمْعِها وإيرادِ التَّبْيِينِ المُفْصِحِ عَنْ كَمالِ التَّوْضِيحِ، مَكانَ الإتْيانِ الَّذِي طَلَبُوهُ، ما لا يَخْفى مِنَ الجَزالَةِ. والمَعْنى أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا آيَةً فَذَّةً، ونَحْنُ قَدْ بَيَّنّا الآياتِ العِظامَ لِقَوْمٍ يَطْلُبُونَ الحَقَّ واليَقِينَ. وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ "لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ" إيذانًا بِأنَّهُ مِن ظُهُورِ البُطْلانِ بِحَيْثُ لا حاجَةَ لَهُ إلى الرَّدِّ والجَوابِ.

Al-Baqara 2:118Listen in Qur'an →
119

إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا ۖ وَلَا تُسْـَٔلُ عَنْ أَصْحَٰبِ ٱلْجَحِيمِ

Indeed, We have sent you, [O Muhammad], with the truth as a bringer of good tidings and a warner, and you will not be asked about the companions of Hellfire.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٩ ] ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾

﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا﴾ بِالثَّوابِ لِلْمُؤْمِنِينَ "ونَذِيرًا" بِالعِقابِ لِلْكافِرِينَ "ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ" ولا نَسْألُكَ عَنْهم: ما لَهم لَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدَ أنْ بَلَّغْتَ وبَلَغْتَ جُهْدَكَ في دَعْوَتِهِمْ ؟ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وفي التَّعْبِيرِ عَنْهم بِصاحِبِيَّةِ الجَحِيمِ، دُونَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ ونَحْوِهِما، وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم، وإيذانٌ بِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، لا يُرْجى مِنهُمُ الإيمانُ.

والجَحِيمُ، مِن أسْماءِ النّارِ وتُطْلَقُ عَلى النّارِ الشَّدِيدَةِ التَّأجُّجِ، وعَلى كُلِّ نارٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وعَلى كُلِّ نارٍ عَظِيمَةٍ في مِهْواةٍ، وعَلى المَكانِ الشَّدِيدِ الحَرِّ.

Al-Baqara 2:119Listen in Qur'an →
120

وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ ٱلَّذِى جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍ

And never will the Jews or the Christians approve of you until you follow their religion. Say, "Indeed, the guidance of Allah is the [only] guidance." If you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, you would have against Allah no protector or helper.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢٠ ] ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾

﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ أيْ لِأنَّهم يُرِيدُونَ أنْ يَكُونُوا مَتْبُوعِينَ عَلى الإطْلاقِ. وفِيهِ مُبالَغَةٌ في الإقْناطِ مِن إسْلامِهِمْ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا يُرْضِيهِمْ إلّا ما لا يَجُوزُ وُقُوعُهُ مِنهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ "قُلْ" لا يَتْبَعُ رَسُولٌ إلّا الهُدى "إنَّ هُدى اللَّهِ" أيِ الَّذِي هو الإسْلامُ "هُوَ الهُدى" أيْ فَلَيْسَ وراءَهُ هُدًى. وما تَدْعُونَ إلَيْهِ لَيْسَ بِهُدًى، بَلْ هو هَوًى. كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ "ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ" أيْ آراءَهُمُ الزّائِغَةَ الصّادِرَةَ عَنْهم بِقَضِيَّةِ شَهَواتِ أنْفُسِهِمْ "بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ" بِأنَّ دِينَ اللَّهِ هو الإسْلامُ، أوْ مِنَ الدِّينِ المَعْلُومِ صِحَّتُهُ بِالبَراهِينِ الواضِحَةِ ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ﴾ يَلِي أمْرَكَ "ولا نَصِيرٍ" يَدْفَعُ عَنْكَ عِقابَهُ. وإنَّما أُوثِرَ خِطابُهُ ﷺ لِيَدْخُلَ دُخُولًا أوَّلِيًّا مَنِ اتَّبَعَ أهْواءَهم بَعْدَ الإسْلامِ مِنَ المُنافِقِينَ تَمَسُّكًا بِوِلايَتِهِمْ، طَمَعًا في نُصْرَتِهِمْ.

قالَ الإمامُ الرّازِيُّ: وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اتِّباعَ الهَوى لا يَكُونُ إلّا باطِلًا. فَمِن هَذا الوَجْهِ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ. انْتَهى.

وفِي فَتْحِ البَيانِ ما نَصُّهُ: وفي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ الَّذِي تَرْجُفُ لَهُ القُلُوبُ وتَنْصَدِعُ مِنهُ الأفْئِدَةُ، ما يُوجِبُ عَلى أهْلِ العِلْمِ الحامِلِينَ لِحُجَجِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والقائِمِينَ بِبَيانِ شَرائِعِهِ تَرْكَ الدِّهانِ لِتارِكِي العَمَلِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، المُؤْثِرِينَ لِمَحْضِ الرَّأْيِ عَلَيْهِما. انْتَهى.

Al-Baqara 2:120Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.