Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 101–110 of 286

101

وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌۭ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌۭ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

And when a messenger from Allah came to them confirming that which was with them, a party of those who had been given the Scripture threw the Scripture of Allah behind their backs as if they did not know [what it contained].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠١ ] ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾

﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾ تَصْرِيحٌ بِما طَوى قَبْلُ. فَإنَّ نَبْذَهُمُ العُهُودَ الَّتِي تَقَدَّمَ اللَّهُ إلَيْهِمْ في التَّمَسُّكِ بِها والقِيامِ بِحَقِّها، أعْقَبَهُمُ التَّكْذِيبَ بِالرَّسُولِ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ وإلى النّاسِ كافَّةً، الَّذِي في كُتُبِهِمْ نَعْتُهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآيَةَ، فَتَنْكِيرُ "رَسُولٌ" لِلتَّفْخِيمِ. والجارُّ بَعْدَهُ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِرَسُولٍ، لِإفادَةِ مَزِيدِ تَعْظِيمِهِ بِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ، وقَوْلُهُ "كِتابَ اللَّهِ" يَعْنِي التَّوْراةَ، لِأنَّهم بِكُفْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ، المُصَدِّقِ لِما مَعَهم، كافِرُونَ بِها، نابِذُونَ لَها. وقِيلَ "كِتابَ اللَّهِ" القُرْآنُ نَبَذُوهُ بَعْدَ ما لَزِمَهم تَلَقِّيهِ بِالقَبُولِ. وقَوْلُهُ "وراءَ ظُهُورِهِمْ" مَثَلٌ لِتَرْكِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنْهُ، مُثِّلَ بِما يُرْمى بِهِ وراءَ الظَّهْرِ اسْتِغْناءً عَنْهُ، وقِلَّةَ التِفاتٍ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ "كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ" جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ نَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ، مُشَبَّهِينَ بِمَن لا يَعْلَمُهُ. فَإنْ أُرِيدَ بِهِمْ أحْبارُهم، فالمَعْنى كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَهُ عَلى وجْهِ الإيقانِ، ولا يَعْرِفُونَ ما فِيهِ مِن دَلائِلَ نُبُوَّتِهِ ﷺ . فَفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ عِلْمَهم بِهِ رَصِينٌ، لَكِنَّهم يَتَجاهَلُونَ. أوْ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ كِتابُ اللَّهِ، أوْ لا يَعْلَمُونَ أصْلًا، كَما إذا أُرِيدَ بِهِمُ الكُلُّ.

وفِي هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، زِيادَةُ مُبالَغَةٍ في إعْراضِهِمْ عَمّا في التَّوْراةِ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ. وهَذا، وإنْ أُرِيدَ بِما نَبَذُوهُ مِن كِتابِ اللَّهِ القُرْآنِ، فالمُرادُ بِالعِلْمِ المَنفِيِّ في "كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ" هو العِلْمُ بِأنَّهُ كِتابُ اللَّهِ، فَفِيهِ ما في الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ الإشْعارِ بِأنَّهم مُتَيَقِّنُونَ في ذَلِكَ، وإنَّما يَكْفُرُونَ بِهِ مُكابَرَةً وعِنادًا، وقَوْلُهُ تَعالى:

Al-Baqara 2:101Listen in Qur'an →
102

وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌۭ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَٰقٍۢ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ

And they followed [instead] what the devils had recited during the reign of Solomon. It was not Solomon who disbelieved, but the devils disbelieved, teaching people magic and that which was revealed to the two angels at Babylon, Harut and Marut. But the two angels do not teach anyone unless they say, "We are a trial, so do not disbelieve [by practicing magic]." And [yet] they learn from them that by which they cause separation between a man and his wife. But they do not harm anyone through it except by permission of Allah. And the people learn what harms them and does not benefit them. But the Children of Israel certainly knew that whoever purchased the magic would not have in the Hereafter any share. And wretched is that for which they sold themselves, if they only knew.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٢ ] ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وما أُنْـزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾

﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ هو حِكايَةٌ لِفَنٍّ آخَرَ مِن زَيْغِهِمْ وضَلالِهِمْ، إثْرَ نَبْذِهِمْ كِتابَ اللَّهِ والعَمَلَ بِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ. وهو اتِّباعُهم لِما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ مِنَ السِّحْرِ والكُفْرِ، وإنَّهُ إنَّما نالَ ذَلِكَ المُلْكَ بِسَبَبِ مَعْرِفَتِهِ السِّحْرَ. وزادُوا عَلى ذَلِكَ فَنَسَبُوهُ إلى الرِّدَّةِ والكُفْرِ لِأسْبابٍ افْتَرَوْها عَلَيْهِ، فَبَرَّأهُ اللَّهُ تَعالى مِن هَذا الِافْتِراءِ والِاخْتِلاقِ، وألْصَقَ الكُفْرَ بِأُولَئِكَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يُضَلِّلُونَ العُقُولَ والأفْهامَ بِتَعْلِيمِ السِّحْرِ والشَّعْبَذَةِ، وإسْنادِ التَّأْثِيرِ إلى غَيْرِ الخالِقِ، سُبْحانَهُ، والصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ، وابْتِغائِهِمْ إيّاها عِوَجًا و"تَتْلُو" بِمَعْنى تَقُصُّ وتُحَدِّثُ. مِنَ التِّلاوَةِ، وهي القِراءَةُ. أوْ بِمَعْنى تَكْذِبُ وتَخْتَلِقُ، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ، قالَ: يُقالُ تَلا عَلَيْهِ، إذا كَذَبَ، وتَلا عَنْهُ إذا صَدَقَ. وهَكَذا قالَ الرّاغِبُ في تَفْسِيرِهِ: تَلا عَلَيْهِ كَذِبَ، نَحْوَ رَوى عَلَيْهِ، وقالَ عَلَيْهِ "ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ". وقالَ: الآيَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ اليَهُودِ، وهي مُنْطَوِيَةٌ عَلى أمْرَيْنِ: ذَمِّ اليَهُودِ في تَحَرِّي السِّحْرِ وإيثارِهِ، وتَبْرِئَةٍ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ، وتَخَرَّصُوهُ عَلَيْهِ اهـ. وذَلِكَ أنَّهم زَعَمُوا أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ارْتَدَّ في آخِرِ عُمْرِهِ وعَبَدَ الأصْنامَ، وبَنى لَها المَعابِدَ، كَما تَراهُ في الفَصْلِ الحادِيَ عَشَرَ مِن سِفْرِ المُلُوكِ الثّالِثِ. فانْظُرْ إلى هَذِهِ الجُرْأةِ العَظِيمَةِ والقِحَّةِ الكَبِيرَةِ، ولَمّا تَنَبَّهَ عُقَلاءُ أهْلِ الكِتابِ المُتَأخِّرُونَ لِمِثْلِ هَذِهِ الفِرى، اعْتَرَفُوا بِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ قَوْلٍ مِنَ الأقْوالِ المُنْدَرِجَةِ في كُتُبِهِمُ المُقَدَّسَةِ إلْهامِيًّا، بَلْ بَعْضُها كُتِبَ عَلى طَرِيقَةِ المُؤَرِّخِينَ، يَعْنِي بِلا إلْهامٍ، كَما في "إظْهارِ الحَقِّ" . والمُرادُ بِالشَّياطِينِ شَياطِينُ الإنْسِ، وهُمُ المُتَمَرِّدَةُ العُصاةُ الأشْرارُ الأقْوِياءُ، الدُّعاةُ إلى الباطِلِ.

وقَوْلُهُ "عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ" أيْ عَلى عَهْدِ مُلْكِهِ مِن تِلْكَ الأقاصِيصِ المُخْتَلَقَةِ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى "وما كَفَرَ سُلَيْمانُ" تَنْزِيهٌ لِساحَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الرِّدَّةِ والشِّرْكِ وعِبادَةِ الأوْثانِ الَّتِي نَسَبُوها إلَيْهِ، وتَكْذِيبٌ لِمَن تَقَوَّلَها. وقالَ كَثِيرُونَ: هَذا تَبْرِئَةٌ مِنَ السِّحْرِ، وأنَّهُ تَعالى كَنّى عَنِ السِّحْرِ بِالكُفْرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ كُفْرٌ، وأنَّ مَن كانَ نَبِيًّا كانَ مَعْصُومًا عَنْهُ. وإنَّما كانَ كُفْرًا …

Al-Baqara 2:102Listen in Qur'an →
103

وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَمَثُوبَةٌۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ ۖ لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ

And if they had believed and feared Allah, then the reward from Allah would have been [far] better, if they only knew.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٣ ] ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾

"ولَوْ أنَّهم آمَنُوا" أيْ بِما دَعَوْا إلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ الحَكِيمِ "واتَّقَوْا" أيْ ما يُؤَثِّمُهم، ومِنهُ السِّحْرُ والتَّمْوِيهُ وقَوْلُهُ "لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ" جَوابُ "لَوْ"، وأصْلُهُ: لَأُثِيبُوا مَثُوبَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرًا مِمّا شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم. فَحَذَفَ الفِعْلَ وغَيَّرَ السَّبْكَ إلى ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، دَلالَةً عَلى ثَباتِ المَثُوبَةِ لَهم والجَزْمِ بِخَيْرِيَّتِها، وحُذِفَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ إجْلالًا لِلْمُفَضَّلِ مِن أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى "لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ" أيْ أنَّ ثَوابَ اللَّهِ خَيْرٌ. وإنَّما نُسِبُوا إلى الجَهْلِ لِعَدَمِ العَمَلِ بِمُوجَبِ العِلْمِ.

Al-Baqara 2:103Listen in Qur'an →
104

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

O you who have believed, say not [to Allah 's Messenger], "Ra'ina" but say, "Unthurna" and listen. And for the disbelievers is a painful punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٤ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا واسْمَعُوا ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾

"يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا" لِلنَّبِيِّ ﷺ "راعِنا" الَّتِي تَقْصِدُونَ بِها الرِّعايَةَ والمُراقَبَةَ لِمَقْصِدِ الخَيْرِ وحِفْظِ الجانِبِ، فاغْتَنَمَها اليَهُودُ لِمُوافَقَةِ كَلِمَةِ سَيِّئَةٍ عِنْدَهم فَصارُوا يَلْوُونَ بِها ألْسِنَتَهم، ويَقْصِدُونَ بِها الرُّعُونَةَ، وهي إفْراطُ الجَهالَةِ، فَنَهاهم عَنْ مُوافَقَتِهِمْ في القَوْلِ، مَنعًا لِلصَّحِيحِ المُوافِقِ في الصُّورَةِ لِشُبَهِهِ مِنَ القَبِيحِ، وعِوَضِهِمْ مِنها ما لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ فَسادٌ فَقالَ "وقُولُوا انْظُرْنا" فَأبْقى المَعْنى وصَرَفَ اللَّفْظِ. أيِ انْظُرْ إلَيْنا. بِالحَذْفِ والإيصالِ، أوِ انْتَظِرْنا. عَلى أنَّهُ مِن نَظَرَهُ إذا انْتَظَرَهُ، وقُرِئَ "أنْظِرْنا" مِنَ النَّظْرَةِ أيْ أمْهِلْنا حَتّى نَحْفَظَ. وقُرِئَ راعُونا عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ لِلتَّوْقِيرِ. وراعِنًا عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ أيْ قَوْلًا ذا رَعَنٍ، كَدارِعٍ ولابِنٍ، لِأنَّهُ لَمّا أشْبَهَ قَوْلُهم راعِينا وكانَ سَبَبًا لِلسَّبِّ بِالرَّعَنِ اتَّصَفَ بِهِ.

"واسْمَعُوا" أيْ قُولُوا ما أمَرْتُكم بِهِ، وامْتَثِلُوا جَمِيعَ أوامِرِي، ولا تَكُونُوا كاليَهُودِ، حَيْثُ قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا "ولِلْكافِرِينَ" أيِ اليَهُودِ الَّذِي تَوَسَّلُوا بِقَوْلِكُمُ المَذْكُورِ إلى التَّهاوُنِ بِمَقامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "عَذابٌ ألِيمٌ" لِما اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِ مِنَ العَظِيمَةِ، وهو تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ، فِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم، ونَوْعُ تَحْذِيرٍ لِلْمُخاطَبِينَ عَمّا نُهُوا عَنْهُ.

وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِّينِ ولَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا واسْمَعْ وانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهم وأقْوَمَ ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ [النساء: ٤٦] ومِن لَيِّهِمْ ما جاءَ في الحَدِيثِ أنَّهم كانُوا إذا سَلَّمُوا يَقُولُونَ "السّامُّ عَلَيْكُمْ" والسّامُ هو المَوْتُ، ولِهَذا أُمِرْنا أنْ نَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِـ «وعَلَيْكم» وإنَّما يُسْتَجابُ لَنا فِيهِمْ، ولا يُسْتَجابُ لَهم فِينا.

Al-Baqara 2:104Listen in Qur'an →
105

مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَلَا ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ

Neither those who disbelieve from the People of the Scripture nor the polytheists wish that any good should be sent down to you from your Lord. But Allah selects for His mercy whom He wills, and Allah is the possessor of great bounty.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٥ ] ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكم واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾

﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ بَيانٌ لِشِدَّةِ عَداوَةِ الكافِرِينَ مِنَ القَبِيلَيْنِ لِلْمُؤْمِنِينَ، حَسَدًا وبَغْيًا. لِيَقْطَعَ التَّشَبُّهَ بِهِمْ؛ فَإنَّ مُخالَفَةَ الأعْداءِ مِنَ الأغْراضِ العَظِيمَةِ لِلْمُتَمَكِّنِينَ في الأخْلاقِ الفاضِلَةِ.

ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الحَسَدَ لا يُؤَثِّرُ في زَوالِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ (والِاخْتِصاصُ) عِنايَةٌ تُعَيِّنُ المُخْتَصَّ لِمَرْتَبَةٍ يَنْفَرِدُ بِها دُونَ غَيْرِهِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، مِنَ الشَّرْعِ التّامِّ الكامِلِ الَّذِي شَرَعَهُ لَهم.

ولَمّا أنْكَرَتِ اليَهُودُ أنْ يَقَعَ شَيْءٌ مِنَ النَّسْخِ لِآياتِ اللَّهِ، تَوَصُّلًا بِذَلِكَ إلى إنْكارِ آياتِ القُرْآنِ، وتَأْبِيدِ تَأْبِيدِ التَّوْراةِ، رَدَّ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ -بَعْدَ تَحْقِيقِ حِقَّيَّةِ الوَحْيِ- بِقَوْلِهِ:

Al-Baqara 2:105Listen in Qur'an →
106

۞ مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍۢ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

We do not abrogate a verse or cause it to be forgotten except that We bring forth [one] better than it or similar to it. Do you not know that Allah is over all things competent?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٦ ] ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

"ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ" أيْ: ما نُبَدِّلْ مِن آيَةٍ بِغَيْرِها -كَنَسْخِنا آياتِ التَّوْراةِ بِآياتِ القُرْآنِ- "أوْ نُنْسِها" أيْ: نُذْهِبْها مِنَ القُلُوبِ- كَما أخْبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣] - وقُرِئَ "أوْ نَنْسَأْها" أيْ نُؤَخِّرْها ونَتْرُكْها بِلا نَسْخٍ، كَما أبْقى كَثِيرًا مِن أحْكامِ التَّوْراةِ في القُرْآنِ. وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ، فَقَدْ نُشِرَ عَلى تَرْتِيبِ هَذا اللَّفِّ قَوْلُهُ "نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها" أيْ: مِنَ المَنسُوخَةِ المُبَدَّلَةِ- كَما فَعَلَ في الآياتِ الَّتِي شَرَعَتْ في المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ ما فِيهِ اليُسْرُ، ورَفْعُ الحَرَجِ والعَنَتِ - فَكانَتْ خَيْرًا مِن تِلْكَ الآصارِ والأغْلالِ. وقَوْلُهُ "أوْ مِثْلِها" أيْ: مِثْلِ تِلْكَ الآياتِ المُوحاةِ قَبْلُ، كَما يُرى في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ في القُرْآنِ المُوافِقَةِ لِما بَيْنَ يَدَيْها مِمّا اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ بَقاءَهُ واسْتِمْرارَهُ.

قالَ الرّاغِبُ: فَإنْ قِيلَ: إنَّ الَّذِي تُرِكَ ولَمْ يُنْسَخْ لَيْسَ هو مِثْلَهُ بَلْ هو هو، فَكَيْفَ قالَ "بِمِثْلِها" قِيلَ: الحُكْمُ الَّذِي أُنْزِلَ في القُرْآنِ -وكانَ ثابِتًا في الشَّرْعِ الَّذِي قَبْلَنا- يَصِحُّ أنْ يُقالَ هو هو، إذا اعْتَبَرَ بِنَفْسِهِ ولَمْ يَعْتَبِرْ بِكُسْوَتِهِ- الَّتِي هي اللَّفْظُ. ويَصِحُّ أنْ يُقالَ هو مِثْلُهُ إذا لَمْ يَعْتَبِرْ بِنَفْسِهِ فَقَطْ بَلِ اعْتُبِرَ بِاللَّفْظِ. ونَحْوَ ذَلِكَ أنْ يُقالَ: ماءُ البِئْرِ هو ماءُ النَّهْرِ- إذا اعْتُبِرَ جِنْسُ الماءِ، وتارَةً يُقالُ: مِثْلَ ماءِ النَّهْرِ- إذا اعْتُبِرَ قَرارُ الماءِ. اهـ. عَلى أنَّ إرادَةَ العَيْنِ بِالمِثْلِ شائِعَةٌ؛ كَما في قَوْلِهِمْ: مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ- .

﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَهو يَقْدِرُ عَلى الخَيْرِ، وما هو خَيْرٌ مِنهُ، وعَلى مِثْلِهِ في الخَيْرِ. قالَ الرّاغِبُ: أيْ لا تَحْسَبَنَّ أنَّ تَغْيِيرِي لِحُكْمٍ حالًا فَحالًا، وأنِّي لَمْ آتِ بِالثّانِي في الِابْتِداءِ- هو العَجْزُ؛ فَإنَّ مَن عَلِمَ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا يَظُنُّ ذَلِكَ. وإنَّما تَغَيُّرُ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلى مَصْلَحَةِ العِبادِ، وأنَّ الألْيَقَ بِهِمْ، في الوَقْتِ المُتَقَدِّمِ، الحُكْمُ المُتَقَدِّمُ. وفي الوَقْتِ المُتَأخِّرِ، الحُكْمُ المُتَأخِّرُ.

Al-Baqara 2:106Listen in Qur'an →
107

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍ

Do you not know that to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth and [that] you have not besides Allah any protector or any helper?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٧ ] ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾

﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَهو يَمْلِكُ أُمُورَكم ويُدَبِّرُها، وهو أعْلَمُ بِما يَتَعَبَّدُكم بِهِ مِن ناسِخٍ أوْ مَنسُوخٍ. "وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ" يَلِي أُمُورَكم "ولا نَصِيرٍ" ناصِرٍ يَمْنَعُكم مِنَ العَذابِ.

وقَضِيَّةُ العِلْمِ بِما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، هو الجَزْمُ والإيقانُ بِأنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ بِهِمْ -فِي أمْرٍ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ أوْ دُنْياهُمْ- إلّا ما هو خَيْرٌ لَهم، والعَمَلُ بِمُوجِبِهِ مِنَ الثِّقَةِ بِهِ، والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وتَفْوِيضِ الأمْرِ إلَيْهِ. مِن غَيْرِ إصْغاءٍ إلى أقاوِيلِ اليَهُودِ، وتَشْكِيكاتِها الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما قالُوا في أمْرِ النَّسْخِ، حَيْثُ أنْكَرُوا نَسْخَ أحْكامِ التَّوْراةِ، وجَحَدُوا نُبُوَّةَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، لِمَجِيئِهِما بِما جاءا بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِتَغْيِيرِ ما غَيَّرَ اللَّهُ مِن حُكْمِ التَّوْراةِ. فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ أنَّ لَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ وسُلْطانَهُما، وأنَّ الخَلْقَ أهْلُ مَمْلَكَتِهِ وطاعَتِهِ. عَلَيْهِمُ السَّمْعُ والطّاعَةُ لِأمْرِهِ ونَهْيِهِ، وأنَّ لَهُ أمْرَهم بِما يَشاءُ، ونَهْيَهم عَمّا يَشاءُ، ونَسْخَ ما يَشاءُ، وإقْرارَ ما يَشاءُ. والَّذِي حَمَلَ اليَهُودَ عَلى مَنعِ النَّسْخِ إنَّما هو الكُفْرُ والعِنادُ؛ وإلّا فَقَدَ وُجِدَ في شَرِيعَتِهِمُ النَّسْخُ بِكَثْرَةٍ.

وقَدْ ذَكَرَ العَلّامَةُ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ الهِنْدِيُّ في (إظْهارِ الحَقِّ) أمْثِلَةً وافِرَةً مِمّا وقَعَ مِن ذَلِكَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. فارْجِعْ إلَيْها في البابِ الثّالِثِ مِنهُ.

تَنْبِيهانِ:

الأوَّلُ: قالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لَمّا قالَ المُشْرِكُونَ أوِ اليَهُودُ: إنَّ مُحَمَّدًا يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِأمْرٍ ثُمَّ يَنْهاهم عَنْهُ ويَأْمُرُ بِخِلافِهِ. وفي الآيَةِ رَدٌّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ المَقْصُودَ مِن نَسْخِ الحُكْمِ السّابِقِ: تَهَيُّؤُ النُّفُوسِ لِأرْقى مِنهُ. وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى "نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها" لِأنَّ الخالِقَ تَعالى رَبّى الأُمَّةَ العَرَبِيَّةَ في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً تَرْبِيَةً تَدْرِيجِيَّةً لا تَتِمُّ لِغَيْرِها -بِواسِطَةِ الفَواعِلِ الِاجْتِماعِيَّةِ- إلّا في قُرُونٍ عَدِيدَةٍ. لِذَلِكَ كانَتْ عَلَيْهِمُ الأحْكامُ عَلى حَسَبِ قابِلِيَّتِها، ومَتى ارْتَقَتْ قابِلِيَّتُها بَدَّلَ اللَّهُ لَها ذَلِكَ الحُكْمَ بِغَيْرِهِ. وهَذِهِ سُنَّةُ الخالِقِ في الأفْرادِ والأُمَمِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ. فَإنَّكَ لَوْ نَظَرْتَ في الكائِناتِ الحَيَّةِ -مِن أوَّلِ الخَلِيَّةِ النَّباتِيَّةِ إلى أرْقى شَكْلٍ مِن أشْكالِ الأشْجارِ، ومِن أوَّلِ رُتْبَةٍ مِن رُتَبِ الحَيَواناتِ إلى الإنْسانِ- لَرَأيْتَ أنَّ النَّسْخَ نامُوسٌ طَبِيعِيٌّ مَحْسُوسٌ في الأُمُورِ المادِّيَّةِ، والأدَبِيَّةِ مَعًا. . ! فَإنَّ انْتِقالَ الخَلِيَّةِ الإنْسانِيَّةِ إلى جَنِينٍ، ثُمَّ إلى طِفْلٍ، فَيافِعٍ، فَشابٍّ، فَكَهْلٍ، فَشَيْخٍ، وما يَتْبَعُ كُلَّ دَوْرٍ مِن هَذِهِ الأدْوارِ -مِنَ الأحْوالِ النّاسِخَةِ لِلْأحْوالِ الَّتِي قَبْلَها- يُرِيكَ بِأجْلى دَلِيلٍ: أنَّ التَّبَدُّلَ في الكائِناتِ نامُوسٌ طَبِيعِيٌّ مُحَقَّقٌ. وإذا كانَ هَذا النَّسْخُ لَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ في الكائِناتِ، فَكَيْفَ يُسْتَنْكَرُ نَسْخُ حُكْمٍ وإبْدالُهُ بِحُكْمٍ آخَرَ في الأُمَّةِ، وهي في حالَةِ نُمُوٍّ وتَدَرُّجٍ مِن أدْنى …

Al-Baqara 2:107Listen in Qur'an →
108

أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـَٔلُوا۟ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَٰنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ

Or do you intend to ask your Messenger as Moses was asked before? And whoever exchanges faith for disbelief has certainly strayed from the soundness of the way.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٨ ] ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾

﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ (أمْ) هُنا، إمّا مُتَّصِلَةٌ مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ في (ألَمْ تَعْلَمْ) أيْ ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّهُ مالِكُ الأُمُورِ، قادِرٌ عَلى الأشْياءِ كُلِّها، يَأْمُرُ ويَنْهى كَما أرادَ ... أمْ تَعْلَمُوا وتَقْتَرِحُونَ بِالسُّؤالِ -كَما اقْتَرَحَتِ اليَهُودُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ وإمّا مُنْقَطِعَةٌ -بِمَعْنى بَلْ- لِلْإضْرابِ والِانْتِقالِ عَنْ حَمْلِهِمْ عَلى العَمَلِ بِمُوجِبِ عِلْمِهِمْ بِما ذَكَرَ عِنْدَ ظُهُورِ بَعْضِ مَخايِلِ المُساهَلَةِ مِنهم في ذَلِكَ، وأماراتِ التَّأثُّرِ مِن أقاوِيلِ الكَفَرَةِ، إلى التَّحْذِيرِ مِن ذَلِكَ. ومَعْنى (الهَمْزَةِ) إنْكارُ وُقُوعِ الإرادَةِ مِنهم، واسْتِبْعادُهُ؛ لِما أنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ وازِعَةٌ عَنْها. وتَوْجِيهُ الإنْكارِ إلى الإرادَةِ -دُونَ مُتَعَلِّقِها- لِلْمُبالَغَةِ في إنْكارِهِ واسْتِبْعادِهِ، بِبَيانِ أنَّهُ مِمّا لا يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ إرادَتُهُ، فَضْلًا عَنْ صُدُورِ نَفْسِهِ، وقَوْلُهُ "ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ" أيْ: يَخْتَرْهُ، ويَأْخُذْهُ لِنَفْسِهِ "بِالإيمانِ" . بِمُقابَلَتِهِ بَدَلًا مِنهُ "فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ" أيْ عَدَلَ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ. جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى حُكْمٍ كُلِّيٍّ أُخْرِجَتْ مَخْرَجَ المَثَلِ جِيءَ بِها لِتَأْكِيدِ النَّهْيِ عَنْ الِاقْتِراحِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ "أمْ تُرِيدُونَ" إلَخْ، مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ. ومَعْنى الآيَةِ لا تَقْتَرِحُوا فَتَضِلُّوا وسَطَ السَّبِيلِ ويُؤَدِّي بِكُمُ الضَّلالُ إلى البُعْدِ عَنِ المَقْصِدِ وتَبْدِيلِ الكُفْرِ بِالإيمانِ. فَظَهَرَ وجْهُ ذِكْرِ قَوْلِهِ "أمْ تُرِيدُونَ" إلَخْ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى "ما نَنْسَخْ" . فَإنَّ المَقْصُودَ مِن كُلٍّ مِنهُما تَثْبِيتُهم عَلى الآياتِ وتَوْصِيَتُهم بِالثِّقَةِ بِها.

قالَ الرّاغِبُ: فَإنْ قِيلَ ما فائِدَةُ قَوْلِهِ "ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ" إلَخْ ومَعْلُومٌ أنَّهُ بِدُونِ الكُفْرِ يَضِلُّ الإنْسانُ سَواءَ السَّبِيلِ فَكَيْفَ بِالكُفْرِ ؟ وقِيلَ مَعْنى ذَلِكَ مَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ يَعْلَمْ أنَّهُ قَدْ ضَلَّ، قَبْلُ سَواءَ السَّبِيلِ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ أنَّ ضَلالَهُ سَواءَ السَّبِيلِ قادَهُ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ. ومَعْناهُ لا تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى فَتَضِلُّوا سَواءَ السَّبِيلِ فَيُؤَدِّي بِكم إلى تَبْدِيلِ الكُفْرِ بِالإيمانِ. فَمَبْدَأُ ذَلِكَ، الضَّلالُ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ. ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ سَمّى مُعانَدَةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بَعْدَ حُصُولِ ما تَسْكُنُ النَّفْسُ إلَيْهِ كُفْرًا. إذْ هي مُؤَدِّيَةٌ إلَيْهِ. كَتَسْمِيَةِ العَصِيرِ خَمْرًا، فَقالَ "ومَن يَتَبَدَّلِ" أيْ يَطْلُبُ تَبْدِيلَ الكُفْرِ، أيِ المُعانَدَةُ الَّتِي هي مَبْدَأُ الكُفْرِ، بِالإيمانِ أيْ بِما حَصَلَ لَهُ مِنَ الدَّلالَةِ المُتَقَضِّيَةِ لِسُكُونِ النَّفْسِ، فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ.

ووَجْهٌ ثالِثٌ وهو أنَّ ذَلِكَ نِهايَةُ التَّبْكِيتِ لِمَن ظَهَرَ لَهُ الحَقُّ فَعَدَلَ عَنْهُ إلى الباطِلِ. وأنَّهُ كَمَن كانَ عَلى وضَحِ الطَّرِيقِ فَتاهَ فِيهِ.

ووَجْهٌ رابِعٌ وهو أنَّ "سَواءَ السَّبِيلِ" إشارَةٌ إلى الفِطْرَةِ الَّتِي فُطِرَ النّاسُ عَلَيْها. والإيمانُ إشارَةٌ إلى المُكْتَسَبِ مِن جِهَةِ الشَّرائِعِ فَقالَ "ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ" أيْ …

Al-Baqara 2:108Listen in Qur'an →
109

وَدَّ كَثِيرٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًۭا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَٱعْفُوا۟ وَٱصْفَحُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Many of the People of the Scripture wish they could turn you back to disbelief after you have believed, out of envy from themselves [even] after the truth has become clear to them. So pardon and overlook until Allah delivers His command. Indeed, Allah is over all things competent.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٩ ] ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا﴾ عِلَّةُ ودَّ ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ مِن صِحَّةِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِشَهادَةِ ما طابَقَهُ مِنَ التَّوْراةِ "فاعْفُوا واصْفَحُوا" أيْ أعْرِضُوا عَمّا يَكُونُ مِنهم مِنَ الجَهْلِ والعَداوَةِ فَلا تُجازُوهم "حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ" وهو الإذْنُ في قِتالِهِمْ وإجْلائِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَنْتَقِمُ مِنهم إذا آنَ أوانُهُ.

Al-Baqara 2:109Listen in Qur'an →
110

وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍۢ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

And establish prayer and give zakah, and whatever good you put forward for yourselves - you will find it with Allah. Indeed, Allah of what you do, is Seeing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٠ ] ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ﴾ أيْ ثَوابَهُ "عِنْدَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" فُلا يَضِيعُ عِنْدَهُ عَمَلُ عامِلٍ.

Al-Baqara 2:110Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.