Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 11–20 of 286

11

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ

And when it is said to them, "Do not cause corruption on the earth," they say, "We are but reformers."

قوله عزّ وجلّ:

﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ﴿وَإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾

المَرَضُ عِبارَةٌ مُسْتَعارَةٌ لِلْفَسادِ الَّذِي في عَقائِدِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، وذَلِكَ إمّا أنْ يَكُونَ شَكًّا، وإمّا جَحْدًا بِسَبَبِ حَسَدِهِمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ ما يَجْحَدُونَ، وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ المُتَأوِّلُونَ. وقالَ قَوْمٌ: المَرَضُ غَمَّهم بِظُهُورِ أمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. وقَرَأ الأصْمَعِيُّ عن أبِي عُمَرَ: "مَرْضٌ" بِسُكُونِ الراءِ، وهي لُغَةٌ في المَصْدَرِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: ولَيْسَ بِتَخْفِيفٍ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضًا﴾ فَقِيلَ: هو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو خَبَرُ أنَّ اللهَ قَدْ فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ، وهَذِهِ الزِيادَةُ هي بِما يَنْزِلُ مِنَ الوَحْيِ، ويَظْهَرُ مِنَ البَراهِينِ، فَهي عَلى هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ عَمًى، وكُلَّما كَذَبُوا زادَ المَرَضُ، وقَرَأ حَمْزَةُ "فَزِادَهُمْ" بِكَسْرٍ الزايِ وكَذَلِكَ ابْنُ عامِرٍ، وكانَ نافِعٌ يُشِمُّ الزايَ إلى الكَسْرِ، وفَتَحَ الباقُونَ. و"ألِيمٌ" مَعْناهُ مُؤْلِمٌ، كَما قالَ الشاعِرُ، وهو عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبٍ:

؎ أمِن رَيْحانَةَ الداعِي السَمِيعُ......................................

بِمَعْنى مُسْمِعٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ "يُكَذِّبُونَ" بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ الذالِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الذالِ، فالقِراءَةُ بِالتَثْقِيلِ يُؤَيِّدُها قَوْلُهُ تَعالى قَبْلُ: ﴿وَما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] فَهَذا إخْبارٌ بِأنَّهم يُكَذِّبُونَ، والقِراءَةُ بِالتَخْفِيفِ يُؤَيِّدُها أنَّ سِياقَ الآياتِ إنَّما هي إخْبارٌ بِكَذِبِهِمْ، والتَوَعُّدُ بِالعَذابِ الألِيمِ مُتَوَجِّهٌ عَلى التَكْذِيبِ، وعَلى الكَذِبِ في مِثْلِ هَذِهِ النازِلَةِ إذْ هو مُنْطَوٍ عَلى الكُفْرِ، وقِراءَةُ التَثْقِيلِ أرْجَحُ.

وَ"إذا" ظَرْفُ زَمانٍ. وحُكِيَ عَنِ المُبَرِّدِ أنَّها في قَوْلِكَ في المُفاجَأةِ: "خَرَجَتْ فَإذا زِيدَ" ظَرْفُ مَكانٍ لِأنَّها تَضَمَّنَتْ جُثَّةً، وهَذا مَرْدُودٌ، لِأنَّ المَعْنى: خَرَجَتْ فَإذا حُضُورُ زَيْدٍ، فَإنَّما تَضَمَّنَتِ المَصْدَرَ كَما يَقْتَضِيهِ سائِرُ ظُرُوفِ الزَمانِ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: "اليَوْمَ خَمْرٌ، وغَدًا أمْرٌ" فَمَعْناهُ وُجُودُ خَمْرٍ، ووُقُوعُ أمْرٍ، والعامِلُ في "إذا" في هَذِهِ الآيَةِ: قالُوا. وأصْلُ "قِيلَ" قَوْلٌ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى القافِ فَقُلِبَتْ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، وقَرَأ الكِسائِيُّ: "قِيلَ وغِيضَ وسِيءَ وسِيئَتْ وحِيلَ وسِيقَ وجِيءَ" بِضَمِّ أوائِلِ ذَلِكَ كُلِّهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ كَسَرَ "غِيضَ وقِيلَ وجِيءَ"، الغَيْنُ والقافُ والجِيمُ، حَيْثُ وقَعَ مِنَ القُرْآنِ، وضَمَّ نافِعٌ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ حَرْفَيْنِ "سِيءَ وسِيئَتْ" وكَسْرِ ما بَقِيَ. وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، يَكْسِرُونَ أوائِلَ هَذِهِ الحُرُوفِ كُلِّها.

والضَمِيرُ في "لَهُمْ" عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ المُشارِ إلَيْهِمْ قَبْلُ. وقالَ بَعْضُ الناسِ: الإشارَةُ هُنا هي إلى مُنافِقِي اليَهُودِ. وقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: لَمْ يَجِئْ هَؤُلاءِ بَعْدُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: لَمْ يَنْقَرِضُوا، بَلْ هم يَجِيئُونَ في كُلِّ زَمانٍ.

و﴿لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ مَعْناهُ: بِالكُفْرِ ومُوالاةُ الكَفَرَةِ، …

Al-Baqara 2:11Listen in Qur'an →
12

أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ

Unquestionably, it is they who are the corrupters, but they perceive [it] not.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ﴿وَإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾

المَرَضُ عِبارَةٌ مُسْتَعارَةٌ لِلْفَسادِ الَّذِي في عَقائِدِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، وذَلِكَ إمّا أنْ يَكُونَ شَكًّا، وإمّا جَحْدًا بِسَبَبِ حَسَدِهِمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ ما يَجْحَدُونَ، وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ المُتَأوِّلُونَ. وقالَ قَوْمٌ: المَرَضُ غَمَّهم بِظُهُورِ أمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. وقَرَأ الأصْمَعِيُّ عن أبِي عُمَرَ: "مَرْضٌ" بِسُكُونِ الراءِ، وهي لُغَةٌ في المَصْدَرِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: ولَيْسَ بِتَخْفِيفٍ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضًا﴾ فَقِيلَ: هو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو خَبَرُ أنَّ اللهَ قَدْ فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ، وهَذِهِ الزِيادَةُ هي بِما يَنْزِلُ مِنَ الوَحْيِ، ويَظْهَرُ مِنَ البَراهِينِ، فَهي عَلى هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ عَمًى، وكُلَّما كَذَبُوا زادَ المَرَضُ، وقَرَأ حَمْزَةُ "فَزِادَهُمْ" بِكَسْرٍ الزايِ وكَذَلِكَ ابْنُ عامِرٍ، وكانَ نافِعٌ يُشِمُّ الزايَ إلى الكَسْرِ، وفَتَحَ الباقُونَ. و"ألِيمٌ" مَعْناهُ مُؤْلِمٌ، كَما قالَ الشاعِرُ، وهو عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبٍ:

؎ أمِن رَيْحانَةَ الداعِي السَمِيعُ......................................

بِمَعْنى مُسْمِعٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ "يُكَذِّبُونَ" بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ الذالِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وتَخْفِيفِ الذالِ، فالقِراءَةُ بِالتَثْقِيلِ يُؤَيِّدُها قَوْلُهُ تَعالى قَبْلُ: ﴿وَما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] فَهَذا إخْبارٌ بِأنَّهم يُكَذِّبُونَ، والقِراءَةُ بِالتَخْفِيفِ يُؤَيِّدُها أنَّ سِياقَ الآياتِ إنَّما هي إخْبارٌ بِكَذِبِهِمْ، والتَوَعُّدُ بِالعَذابِ الألِيمِ مُتَوَجِّهٌ عَلى التَكْذِيبِ، وعَلى الكَذِبِ في مِثْلِ هَذِهِ النازِلَةِ إذْ هو مُنْطَوٍ عَلى الكُفْرِ، وقِراءَةُ التَثْقِيلِ أرْجَحُ.

وَ"إذا" ظَرْفُ زَمانٍ. وحُكِيَ عَنِ المُبَرِّدِ أنَّها في قَوْلِكَ في المُفاجَأةِ: "خَرَجَتْ فَإذا زِيدَ" ظَرْفُ مَكانٍ لِأنَّها تَضَمَّنَتْ جُثَّةً، وهَذا مَرْدُودٌ، لِأنَّ المَعْنى: خَرَجَتْ فَإذا حُضُورُ زَيْدٍ، فَإنَّما تَضَمَّنَتِ المَصْدَرَ كَما يَقْتَضِيهِ سائِرُ ظُرُوفِ الزَمانِ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: "اليَوْمَ خَمْرٌ، وغَدًا أمْرٌ" فَمَعْناهُ وُجُودُ خَمْرٍ، ووُقُوعُ أمْرٍ، والعامِلُ في "إذا" في هَذِهِ الآيَةِ: قالُوا. وأصْلُ "قِيلَ" قَوْلٌ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى القافِ فَقُلِبَتْ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، وقَرَأ الكِسائِيُّ: "قِيلَ وغِيضَ وسِيءَ وسِيئَتْ وحِيلَ وسِيقَ وجِيءَ" بِضَمِّ أوائِلِ ذَلِكَ كُلِّهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ كَسَرَ "غِيضَ وقِيلَ وجِيءَ"، الغَيْنُ والقافُ والجِيمُ، حَيْثُ وقَعَ مِنَ القُرْآنِ، وضَمَّ نافِعٌ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ حَرْفَيْنِ "سِيءَ وسِيئَتْ" وكَسْرِ ما بَقِيَ. وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، يَكْسِرُونَ أوائِلَ هَذِهِ الحُرُوفِ كُلِّها.

والضَمِيرُ في "لَهُمْ" عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ المُشارِ إلَيْهِمْ قَبْلُ. وقالَ بَعْضُ الناسِ: الإشارَةُ هُنا هي إلى مُنافِقِي اليَهُودِ. وقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: لَمْ يَجِئْ هَؤُلاءِ بَعْدُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: لَمْ يَنْقَرِضُوا، بَلْ هم يَجِيئُونَ في كُلِّ زَمانٍ.

و﴿لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ مَعْناهُ: بِالكُفْرِ ومُوالاةُ الكَفَرَةِ، …

Al-Baqara 2:12Listen in Qur'an →
13

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ۗ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ

And when it is said to them, "Believe as the people have believed," they say, "Should we believe as the foolish have believed?" Unquestionably, it is they who are the foolish, but they know [it] not.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا كَما آمَنَ الناسُ قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُفَهاءُ ألا إنَّهم هُمُ السُفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾

المَعْنى: صَدِّقُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وشَرْعِهِ، مِثْلُ ما صَدَّقَ المُهاجِرُونَ والمُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ يَثْرِبَ، قالُوا: أنَكُونُ كالَّذِينِ خَفَّتْ عُقُولُهُمْ؟ و"السَفَهُ": الخِفَّةُ والرِقَّةُ الداعِيَةُ إلى الخِفَّةِ، يُقالُ: "ثَوْبُ سَفِيهٍ" إذا كانَ رَقِيقًا هَلْهَلَ النَسْجِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:

؎ مَشِينٌ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ أعالِيها مَرُّ الرِياحِ النَواسِمِ

وَهَذا القَوْلُ إنَّما كانُوا يَقُولُونَهُ في الخَفاءِ، فَأطْلَعَ اللهُ عَلَيْهِ نَبِيَّهُ والمُؤْمِنِينَ، وقَرَّرَ أنَّ السَفَهَ ورِقَّةَ الحُلُومِ وفَسادَ البَصائِرِ إنَّما هو في حَيِّزِهِمْ وصِفَةٌ لَهُمْ، وأخْبَرَ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّهُمُ السُفَهاءُ لِلرَّيْنِ الَّذِي عَلى قُلُوبِهِمْ.

وقالَ قَوْمٌ: الآيَةُ نَزَلَتْ في مُنافِقِي اليَهُودِ، والمُرادُ بِالناسِ: عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ ومَن أسْلَمَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَخْصِيصٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. و"لَقُوا" أصْلُهُ لَقِيُوا اسْتُثْقِلَتِ الضَمَّةُ عَلى الياءِ فَسَكَنَتْ، فاجْتَمَعَ الساكِنانِ فَحُذِفَتِ الياءُ.

وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ: "لاقَوُا الَّذِينَ".

وهَذِهِ كانَتْ حالُ المُنافِقِينَ: إظْهارُ الإيمانِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإظْهارُ الكُفْرِ في خَلَواتِهِمْ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، وكانَ المُؤْمِنُونَ يُلْبِسُونَهم عَلى ذَلِكَ لِمَوْضِعِ القَرابَةِ، فَلَمْ تَلْتَمِسْ عَلَيْهِمُ الشَهاداتُ، ولا تَقَرَّرَ تَعَيُّنُهم في النِفاقِ تَقَرُّرًا يُوجِبُ لِوُضُوحِهِ الحُكْمَ بِقَتْلِهِمْ، وكانَ ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الإيمانِ يَحْقِنُ دِماءَهُمْ، وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْرِضُ عنهُمْ، ويَدَعُهم في غَمْرَةِ الِاشْتِباهِ، مَخافَةَ أنْ يَتَحَدَّثَ عنهُ أنَّهُ يَقْتُلُ أصْحابَهُ، فَيَنْفِرُ الناسُ، حَسَبَ ما «قالَ عَلَيْهِ السَلامُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، حِينَ قالَ لَهُ في وقْتِ قَوْلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] القِصَّةُ، دَعْنِي يا رَسُولَ اللهِ أضْرِبُ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ: دَعْهُ، لا يَتَحَدَّثُ الناسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ» فَهَذِهِ طَرِيقَةُ أصْحابِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في مَعْنى كَفِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ عن قَتْلِ المُنافِقِينَ، مَعَ عِلْمِهِ بِكُفْرِهِمْ في الجُمْلَةِ، نَصَّ عَلى هَذا مُحَمَّدُ بْنُ الجَهْمِ، وإسْماعِيلُ القاضِي، والأبْهَرَيُّ، وابْنُ الماجَشُونِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠] ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلا﴾ [الأحزاب: ٦١] وقالَ قَتادَةُ، مَعْناهُ: إذا هم أعْلَنُوا النِفاقَ.

قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: النِفاقُ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ هُوَ: الزَنْدَقَةُ فِينا اليَوْمَ، فَيُقْتَلُ الزِنْدِيقُ إذا شَهِدَ عَلَيْهِ بِها دُونَ اسْتِتابَةٍ، لِأنَّهُ لا يُظْهِرُ ما يُسْتَتابُ مِنهُ، وإنَّما كَفَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المُنافِقِينَ لِيَسُنَّ لِأُمَّتِهِ أنَّ الحاكِمَ لا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ إذْ لَمْ يَشْهَدْ عَلى المُنافِقِينَ.

قالَ القاضِي …

Al-Baqara 2:13Listen in Qur'an →
14

وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ

And when they meet those who believe, they say, "We believe"; but when they are alone with their evil ones, they say, "Indeed, we are with you; we were only mockers."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا كَما آمَنَ الناسُ قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُفَهاءُ ألا إنَّهم هُمُ السُفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾

المَعْنى: صَدِّقُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وشَرْعِهِ، مِثْلُ ما صَدَّقَ المُهاجِرُونَ والمُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ يَثْرِبَ، قالُوا: أنَكُونُ كالَّذِينِ خَفَّتْ عُقُولُهُمْ؟ و"السَفَهُ": الخِفَّةُ والرِقَّةُ الداعِيَةُ إلى الخِفَّةِ، يُقالُ: "ثَوْبُ سَفِيهٍ" إذا كانَ رَقِيقًا هَلْهَلَ النَسْجِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:

؎ مَشِينٌ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ أعالِيها مَرُّ الرِياحِ النَواسِمِ

وَهَذا القَوْلُ إنَّما كانُوا يَقُولُونَهُ في الخَفاءِ، فَأطْلَعَ اللهُ عَلَيْهِ نَبِيَّهُ والمُؤْمِنِينَ، وقَرَّرَ أنَّ السَفَهَ ورِقَّةَ الحُلُومِ وفَسادَ البَصائِرِ إنَّما هو في حَيِّزِهِمْ وصِفَةٌ لَهُمْ، وأخْبَرَ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّهُمُ السُفَهاءُ لِلرَّيْنِ الَّذِي عَلى قُلُوبِهِمْ.

وقالَ قَوْمٌ: الآيَةُ نَزَلَتْ في مُنافِقِي اليَهُودِ، والمُرادُ بِالناسِ: عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ ومَن أسْلَمَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَخْصِيصٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. و"لَقُوا" أصْلُهُ لَقِيُوا اسْتُثْقِلَتِ الضَمَّةُ عَلى الياءِ فَسَكَنَتْ، فاجْتَمَعَ الساكِنانِ فَحُذِفَتِ الياءُ.

وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ: "لاقَوُا الَّذِينَ".

وهَذِهِ كانَتْ حالُ المُنافِقِينَ: إظْهارُ الإيمانِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإظْهارُ الكُفْرِ في خَلَواتِهِمْ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، وكانَ المُؤْمِنُونَ يُلْبِسُونَهم عَلى ذَلِكَ لِمَوْضِعِ القَرابَةِ، فَلَمْ تَلْتَمِسْ عَلَيْهِمُ الشَهاداتُ، ولا تَقَرَّرَ تَعَيُّنُهم في النِفاقِ تَقَرُّرًا يُوجِبُ لِوُضُوحِهِ الحُكْمَ بِقَتْلِهِمْ، وكانَ ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الإيمانِ يَحْقِنُ دِماءَهُمْ، وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْرِضُ عنهُمْ، ويَدَعُهم في غَمْرَةِ الِاشْتِباهِ، مَخافَةَ أنْ يَتَحَدَّثَ عنهُ أنَّهُ يَقْتُلُ أصْحابَهُ، فَيَنْفِرُ الناسُ، حَسَبَ ما «قالَ عَلَيْهِ السَلامُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، حِينَ قالَ لَهُ في وقْتِ قَوْلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] القِصَّةُ، دَعْنِي يا رَسُولَ اللهِ أضْرِبُ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ: دَعْهُ، لا يَتَحَدَّثُ الناسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ» فَهَذِهِ طَرِيقَةُ أصْحابِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في مَعْنى كَفِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ عن قَتْلِ المُنافِقِينَ، مَعَ عِلْمِهِ بِكُفْرِهِمْ في الجُمْلَةِ، نَصَّ عَلى هَذا مُحَمَّدُ بْنُ الجَهْمِ، وإسْماعِيلُ القاضِي، والأبْهَرَيُّ، وابْنُ الماجَشُونِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠] ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلا﴾ [الأحزاب: ٦١] وقالَ قَتادَةُ، مَعْناهُ: إذا هم أعْلَنُوا النِفاقَ.

قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: النِفاقُ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ هُوَ: الزَنْدَقَةُ فِينا اليَوْمَ، فَيُقْتَلُ الزِنْدِيقُ إذا شَهِدَ عَلَيْهِ بِها دُونَ اسْتِتابَةٍ، لِأنَّهُ لا يُظْهِرُ ما يُسْتَتابُ مِنهُ، وإنَّما كَفَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المُنافِقِينَ لِيَسُنَّ لِأُمَّتِهِ أنَّ الحاكِمَ لا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ إذْ لَمْ يَشْهَدْ عَلى المُنافِقِينَ.

قالَ القاضِي …

Al-Baqara 2:14Listen in Qur'an →
15

ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

[But] Allah mocks them and prolongs them in their transgression [while] they wander blindly.

قوله عزّ وجلّ:

﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾

اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذا الِاسْتِهْزاءِ: فَقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: هي تَسْمِيَةُ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ كَثِيرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ ألا لا يَجْهَلْنَ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا

وقالَ قَوْمٌ: إنَّ اللهَ تَعالى يَفْعَلُ بِهِمْ أفْعالًا هي في تَأمُّلِ البَشَرِ هُزُؤٌ، حَسَبَ ما يُرْوى: "إنَّ النارَ تَجْمُدُ كَما تَجْمُدُ الإهالَةُ فَيَمْشُونَ عَلَيْها، ويَظُنُّونَها مَنجاةً فَتُخْسَفُ بِهِمْ". وما يُرْوى: "إنَّ أبْوابَ النارِ تُفْتَحُ لَهم فَيَذْهَبُونَ إلى الخُرُوجِ، نَحا هَذا المَنحى ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.

وَقالَ قَوْمٌ: اسْتِهْزاؤُهُ بِهِمْ، هو اسْتِدْراجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، وذَلِكَ أنَّهُمْ، بِدُرُورِ نِعَمِ اللهِ الدُنْيَوِيَّةِ عَلَيْهِمْ يَظُنُّونَ أنَّهُ راضٍ عنهُمْ، وهو تَعالى قَدْ حَتَّمَ عَذابَهُمْ، فَهَذا عَلى تَأمُّلِ البَشَرِ كَأنَّهُ اسْتِهْزاءٌ.

و"يَمُدُّهُمْ" مَعْناهُ: يَزِيدُهم في الطُغْيانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: "مَعْناهُ: يُمْلِي لَهُمْ". قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: يُقالُ "مَدَّ في الشَرِّ، وأمَدَّ في الخَيْرِ". وقالَ غَيْرُهُ: "مَدَّ الشَيْءَ. ومَدَّهُ ما كانَ مِثْلَهُ ومِن جِنْسِهِ، وأمَدَّهُ ما كانَ مُغايِرًا لَهُ"، تَقُولُ: مَدَّ النَهْرُ، ومَدَّهُ نَهْرٌ آخَرُ، ويُقالُ: أمَدَّهُ، قالَ اللِحْيانِيُّ: يُقالُ لِكُلِّ شَيْءٍ دَخَلَ فِيهِ مِثْلُهُ فَكَثَّرَهُ: "مَدَّهُ يَمُدُّهُ مَدًّا"، وفي التَنْزِيلِ: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧].

ومادَّةُ الشَيْءِ ما يَمُدُّهُ، دَخَلَتْ فِيهِ الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ: مَدَدْتُ الدَواةَ وأمْدَدْتُها بِمَعْنًى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مَدَدْتُها جَعَلْتُ إلى مِدادِها آخَرُ، وأمْدَدْتُها جَعَلْتُها ذاتَ مِدادٍ، مِثْلَ قَبَرَ، وأقْبَرَ، وحَصَرَ وأحْصَرَ، ومَدَدْنا القَوْمَ: صِرْنا لَهم أنْصارًا وأمْدَدْناهم بِغَيْرِنا، وحَكى اللِحْيانِيُّ أيْضًا: أمَدَّ الأمِيرُ جُنْدَهُ بِالخَيْلِ، وفي التَنْزِيلِ: ﴿وَأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٦].

قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: ﴿وَيَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ﴾ أيْ يُمْهِلْهم ويُلِجُّهُمْ، فَتَحْتَمِلُ اللَفْظَةُ أنْ تَكُونَ مِنَ المَدِّ الَّذِي هو المَطْلُ والتَطْوِيلُ، كَما فُسِّرَ فِي: ﴿عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: ٩]، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن مَعْنى الزِيادَةِ في نَفْسِ الطُغْيانِ، و"الطُغْيانُ": الغُلُوُّ وتَعَدِّي الحَدُّ، كَما يُقالُ: طَغى الماءُ، وطَغَتِ النارُ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ إمالَةُ "طُغْيانِهِمْ"، و"يَعْمَهُونَ": يَتَرَدَّدُونَ حَيْرَةً. والعَمَهُ الحَيْرَةُ مِن جِهَةِ النَظَرِ، والعامَّةُ الَّذِي كَأنَّهُ لا يُبْصِرُ مِنَ التَحَيُّرِ في ظَلامٍ، أو فَلاةٍ، أو هَمٍّ.

وقَوْلُهُ: "أُولَئِكَ" إشارَةٌ إلى المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ، وهو رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، و"الَّذِينَ" خَبَرُهُ، و"اشْتَرَوُا" صِلَةً لـ "الَّذِينَ"، وأصْلُهُ اشْتَرِيُوا تَحَرَّكَتِ الياءُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا، فَحُذِفَتْ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، وقِيلَ: اسْتُثْقِلَتِ الضَمَّةُ عَلى الياءِ فَسَكَنَتْ، وحُذِفَتْ لِلِالتِقاءِ، وحُرِّكَتِ الواوُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلِالتِقاءِ بِالساكِنِ بَعْدَها، وخُصَّتْ بِالضَمِّ لِوُجُوهٍ، مِنها: أنَّ الضَمَّةَ أُخْتُ الواوِ …

Al-Baqara 2:15Listen in Qur'an →
16

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ

Those are the ones who have purchased error [in exchange] for guidance, so their transaction has brought no profit, nor were they guided.

قوله عزّ وجلّ:

﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾

اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذا الِاسْتِهْزاءِ: فَقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: هي تَسْمِيَةُ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ كَثِيرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ ألا لا يَجْهَلْنَ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا

وقالَ قَوْمٌ: إنَّ اللهَ تَعالى يَفْعَلُ بِهِمْ أفْعالًا هي في تَأمُّلِ البَشَرِ هُزُؤٌ، حَسَبَ ما يُرْوى: "إنَّ النارَ تَجْمُدُ كَما تَجْمُدُ الإهالَةُ فَيَمْشُونَ عَلَيْها، ويَظُنُّونَها مَنجاةً فَتُخْسَفُ بِهِمْ". وما يُرْوى: "إنَّ أبْوابَ النارِ تُفْتَحُ لَهم فَيَذْهَبُونَ إلى الخُرُوجِ، نَحا هَذا المَنحى ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.

وَقالَ قَوْمٌ: اسْتِهْزاؤُهُ بِهِمْ، هو اسْتِدْراجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، وذَلِكَ أنَّهُمْ، بِدُرُورِ نِعَمِ اللهِ الدُنْيَوِيَّةِ عَلَيْهِمْ يَظُنُّونَ أنَّهُ راضٍ عنهُمْ، وهو تَعالى قَدْ حَتَّمَ عَذابَهُمْ، فَهَذا عَلى تَأمُّلِ البَشَرِ كَأنَّهُ اسْتِهْزاءٌ.

و"يَمُدُّهُمْ" مَعْناهُ: يَزِيدُهم في الطُغْيانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: "مَعْناهُ: يُمْلِي لَهُمْ". قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: يُقالُ "مَدَّ في الشَرِّ، وأمَدَّ في الخَيْرِ". وقالَ غَيْرُهُ: "مَدَّ الشَيْءَ. ومَدَّهُ ما كانَ مِثْلَهُ ومِن جِنْسِهِ، وأمَدَّهُ ما كانَ مُغايِرًا لَهُ"، تَقُولُ: مَدَّ النَهْرُ، ومَدَّهُ نَهْرٌ آخَرُ، ويُقالُ: أمَدَّهُ، قالَ اللِحْيانِيُّ: يُقالُ لِكُلِّ شَيْءٍ دَخَلَ فِيهِ مِثْلُهُ فَكَثَّرَهُ: "مَدَّهُ يَمُدُّهُ مَدًّا"، وفي التَنْزِيلِ: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧].

ومادَّةُ الشَيْءِ ما يَمُدُّهُ، دَخَلَتْ فِيهِ الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ: مَدَدْتُ الدَواةَ وأمْدَدْتُها بِمَعْنًى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مَدَدْتُها جَعَلْتُ إلى مِدادِها آخَرُ، وأمْدَدْتُها جَعَلْتُها ذاتَ مِدادٍ، مِثْلَ قَبَرَ، وأقْبَرَ، وحَصَرَ وأحْصَرَ، ومَدَدْنا القَوْمَ: صِرْنا لَهم أنْصارًا وأمْدَدْناهم بِغَيْرِنا، وحَكى اللِحْيانِيُّ أيْضًا: أمَدَّ الأمِيرُ جُنْدَهُ بِالخَيْلِ، وفي التَنْزِيلِ: ﴿وَأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٦].

قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: ﴿وَيَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ﴾ أيْ يُمْهِلْهم ويُلِجُّهُمْ، فَتَحْتَمِلُ اللَفْظَةُ أنْ تَكُونَ مِنَ المَدِّ الَّذِي هو المَطْلُ والتَطْوِيلُ، كَما فُسِّرَ فِي: ﴿عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: ٩]، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن مَعْنى الزِيادَةِ في نَفْسِ الطُغْيانِ، و"الطُغْيانُ": الغُلُوُّ وتَعَدِّي الحَدُّ، كَما يُقالُ: طَغى الماءُ، وطَغَتِ النارُ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ إمالَةُ "طُغْيانِهِمْ"، و"يَعْمَهُونَ": يَتَرَدَّدُونَ حَيْرَةً. والعَمَهُ الحَيْرَةُ مِن جِهَةِ النَظَرِ، والعامَّةُ الَّذِي كَأنَّهُ لا يُبْصِرُ مِنَ التَحَيُّرِ في ظَلامٍ، أو فَلاةٍ، أو هَمٍّ.

وقَوْلُهُ: "أُولَئِكَ" إشارَةٌ إلى المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ، وهو رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، و"الَّذِينَ" خَبَرُهُ، و"اشْتَرَوُا" صِلَةً لـ "الَّذِينَ"، وأصْلُهُ اشْتَرِيُوا تَحَرَّكَتِ الياءُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا، فَحُذِفَتْ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، وقِيلَ: اسْتُثْقِلَتِ الضَمَّةُ عَلى الياءِ فَسَكَنَتْ، وحُذِفَتْ لِلِالتِقاءِ، وحُرِّكَتِ الواوُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلِالتِقاءِ بِالساكِنِ بَعْدَها، وخُصَّتْ بِالضَمِّ لِوُجُوهٍ، مِنها: أنَّ الضَمَّةَ أُخْتُ الواوِ …

Al-Baqara 2:16Listen in Qur'an →
17

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًۭا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَٰتٍۢ لَّا يُبْصِرُونَ

Their example is that of one who kindled a fire, but when it illuminated what was around him, Allah took away their light and left them in darkness [so] they could not see.

قوله عزّ وجلّ:

﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾

"المَثَلُ والمَثْلُ والمَثِيلُ" واحِدٌ، مَعْناهُ: الشَبَهُ هَكَذا نَصَّ أهْلُ اللُغَةِ، والمُتَماثِلانِ المُتَشابِهانِ، وقَدْ يَكُونُ مِثْلُ الشَيْءِ جُرْمًا مِثْلَهُ، وقَدْ يَكُونُ ما تَعْقِلُ النَفْسُ وتَتَوَهَّمُهُ مِنَ الشَيْءِ مَثَلًا لَهُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ﴾، مَعْناهُ: أنَّ الَّذِي يَتَحَصَّلُ في نَفْسِ الناظِرِ في أمْرِهِمْ كَمَثَلِ الَّذِي يَتَحَصَّلُ في نَفْسِ الناظِرِ في أمْرِ المُسْتَوْقِدِ، وبِهَذا يَزُولُ الإشْكالُ الَّذِي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥]، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، لِأنَّ ما يَتَحَصَّلُ لِلْعَقْلِ مِن وحْدانِيَّةٍ وأزَلِّيَّةٍ، ونَفْيِ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ لَيْسَ يُماثِلُهُ فِيهِ شَيْءٌ، وذَلِكَ المُتَحَصِّلُ هو المَثَلُ الأعْلى الَّذِي في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ [النحل: ٦٠] وقَدْ جاءَ في تَفْسِيرِهِ: "أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللهُ"، فَفُسِّرَ بِجِهَةِ الوَحْدانِيَّةِ.

وقَوْلُهُ: "مَثَلُهُمْ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ في الكافِ، وهي عَلى هَذا اسْمٌ، كَما هي في قَوْلِ الأعْشى:

؎ أتَنْتَهُونَ ولَنْ يَنْهى ذَوِي شَطَطٍ كالطَعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَيْتُ والفَتْلُ

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ: مَثَلُهم مُسْتَقَرٌّ كَمَثَلِ، فالكافُ عَلى هَذا حَرْفٌ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في بَيْتِ الأعْشى، لِأنَّ المَحْذُوفَ فاعِلٌ تَقْدِيرُهُ شَيْءٌ كالطَعْنِ، والفاعِلُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ ويَجُوزُ حَذْفُ خَبَرِ الِابْتِداءِ إذا كانَ الكَلامُ دالًّا عَلَيْهِ، وجَوَّزَ الأخْفَشُ حَذْفَ الفاعِلِ وأنْ يَكُونَ الكافُ في بَيْتِ الأعْشى حَرْفًا.

ووَحَّدَ "الَّذِي" لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَشْبِيهَ الجَماعَةِ بِالجَماعَةِ، وإنَّما المَقْصِدُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُنافِقِينَ فِعْلُهُ كَفِعْلِ المُسْتَوْقِدِ، و"الَّذِي" أيْضًا لَيْسَ بِإشارَةٍ إلى واحِدٍ ولا بُدَّ، بَلْ إلى هَذا الفِعْلِ: وقَعَ مِن واحِدٍ، أو مِن جَماعَةٍ، وقالَ النَحْوِيُّونَ: الَّذِي اسْمٌ مُبْهَمٌ يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ. و"اسْتَوْقَدَ" قِيلَ: مَعْناهُ أوقَدَ، فَذَلِكَ بِمَنزِلَةِ عَجَبَ واسْتَعْجَبَ بِمَعْنًى. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وبِمَنزِلَةِ هَزِئَ واسْتَهْزَأ، وسَخِرَ واسْتَسْخَرَ، وقَّرَ واسْتَقَرَّ، وعَلا قَرْنُهُ واسْتَعْلاهُ، وقَدْ جاءَ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ: أجابَ واسْتَجابَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَدى ∗∗∗ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ

وأخْلَفَ لِأهْلٍ واسْتَخْلَفَ إذا جَلَبَ لَهُمُ الماءَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ ومُسْتَخْلَفاتٌ مِن بِلادٍ تَنُوفَةٍ ∗∗∗ لَمُصْفَرَّةُ الأشْداقِ حُمْرُ الحَواصِلِ

ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:

؎ ...................................... ∗∗∗ سَقاها فَرَوّاها مِنَ الماءِ مُخْلِفُ

وَمِنهُ أوقَدَ واسْتَوْقَدَ، قالَهُ أبُو زَيْدٍ، وقِيلَ: اسْتَوْقَدَ: يُرادُ بِهِ طَلَبَ مِن غَيْرِهِ أنْ يُوقِدَ لَهُ عَلى المَشْهُورِ مِن بابِ اسْتَفْعَلَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي حاجَتَهُ إلى النارِ، فانْطِفاؤُها مَعَ حاجَتِهِ إلَيْها أنَكى لَهُ، واخْتَلَفَ في "أضاءَتْ" فَقِيلَ: يَتَعَدّى، لِأنَّهُ نُقِلَ بِالهَمْزَةِ مِن ضاءَ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ في النَبِيِّ ﷺ:

؎ وأنْتَ لَمّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الأرْ …

Al-Baqara 2:17Listen in Qur'an →
18

صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌۭ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ

Deaf, dumb and blind - so they will not return [to the right path].

قوله عزّ وجلّ:

﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾

"المَثَلُ والمَثْلُ والمَثِيلُ" واحِدٌ، مَعْناهُ: الشَبَهُ هَكَذا نَصَّ أهْلُ اللُغَةِ، والمُتَماثِلانِ المُتَشابِهانِ، وقَدْ يَكُونُ مِثْلُ الشَيْءِ جُرْمًا مِثْلَهُ، وقَدْ يَكُونُ ما تَعْقِلُ النَفْسُ وتَتَوَهَّمُهُ مِنَ الشَيْءِ مَثَلًا لَهُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ﴾، مَعْناهُ: أنَّ الَّذِي يَتَحَصَّلُ في نَفْسِ الناظِرِ في أمْرِهِمْ كَمَثَلِ الَّذِي يَتَحَصَّلُ في نَفْسِ الناظِرِ في أمْرِ المُسْتَوْقِدِ، وبِهَذا يَزُولُ الإشْكالُ الَّذِي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥]، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، لِأنَّ ما يَتَحَصَّلُ لِلْعَقْلِ مِن وحْدانِيَّةٍ وأزَلِّيَّةٍ، ونَفْيِ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ لَيْسَ يُماثِلُهُ فِيهِ شَيْءٌ، وذَلِكَ المُتَحَصِّلُ هو المَثَلُ الأعْلى الَّذِي في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ [النحل: ٦٠] وقَدْ جاءَ في تَفْسِيرِهِ: "أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللهُ"، فَفُسِّرَ بِجِهَةِ الوَحْدانِيَّةِ.

وقَوْلُهُ: "مَثَلُهُمْ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ في الكافِ، وهي عَلى هَذا اسْمٌ، كَما هي في قَوْلِ الأعْشى:

؎ أتَنْتَهُونَ ولَنْ يَنْهى ذَوِي شَطَطٍ كالطَعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَيْتُ والفَتْلُ

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ: مَثَلُهم مُسْتَقَرٌّ كَمَثَلِ، فالكافُ عَلى هَذا حَرْفٌ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في بَيْتِ الأعْشى، لِأنَّ المَحْذُوفَ فاعِلٌ تَقْدِيرُهُ شَيْءٌ كالطَعْنِ، والفاعِلُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ ويَجُوزُ حَذْفُ خَبَرِ الِابْتِداءِ إذا كانَ الكَلامُ دالًّا عَلَيْهِ، وجَوَّزَ الأخْفَشُ حَذْفَ الفاعِلِ وأنْ يَكُونَ الكافُ في بَيْتِ الأعْشى حَرْفًا.

ووَحَّدَ "الَّذِي" لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَشْبِيهَ الجَماعَةِ بِالجَماعَةِ، وإنَّما المَقْصِدُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُنافِقِينَ فِعْلُهُ كَفِعْلِ المُسْتَوْقِدِ، و"الَّذِي" أيْضًا لَيْسَ بِإشارَةٍ إلى واحِدٍ ولا بُدَّ، بَلْ إلى هَذا الفِعْلِ: وقَعَ مِن واحِدٍ، أو مِن جَماعَةٍ، وقالَ النَحْوِيُّونَ: الَّذِي اسْمٌ مُبْهَمٌ يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ. و"اسْتَوْقَدَ" قِيلَ: مَعْناهُ أوقَدَ، فَذَلِكَ بِمَنزِلَةِ عَجَبَ واسْتَعْجَبَ بِمَعْنًى. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وبِمَنزِلَةِ هَزِئَ واسْتَهْزَأ، وسَخِرَ واسْتَسْخَرَ، وقَّرَ واسْتَقَرَّ، وعَلا قَرْنُهُ واسْتَعْلاهُ، وقَدْ جاءَ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ: أجابَ واسْتَجابَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَدى ∗∗∗ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ

وأخْلَفَ لِأهْلٍ واسْتَخْلَفَ إذا جَلَبَ لَهُمُ الماءَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ ومُسْتَخْلَفاتٌ مِن بِلادٍ تَنُوفَةٍ ∗∗∗ لَمُصْفَرَّةُ الأشْداقِ حُمْرُ الحَواصِلِ

ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:

؎ ...................................... ∗∗∗ سَقاها فَرَوّاها مِنَ الماءِ مُخْلِفُ

وَمِنهُ أوقَدَ واسْتَوْقَدَ، قالَهُ أبُو زَيْدٍ، وقِيلَ: اسْتَوْقَدَ: يُرادُ بِهِ طَلَبَ مِن غَيْرِهِ أنْ يُوقِدَ لَهُ عَلى المَشْهُورِ مِن بابِ اسْتَفْعَلَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي حاجَتَهُ إلى النارِ، فانْطِفاؤُها مَعَ حاجَتِهِ إلَيْها أنَكى لَهُ، واخْتَلَفَ في "أضاءَتْ" فَقِيلَ: يَتَعَدّى، لِأنَّهُ نُقِلَ بِالهَمْزَةِ مِن ضاءَ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ في النَبِيِّ ﷺ:

؎ وأنْتَ لَمّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الأرْ …

Al-Baqara 2:18Listen in Qur'an →
19

أَوْ كَصَيِّبٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٌۭ وَرَعْدٌۭ وَبَرْقٌۭ يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ ۚ وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَٰفِرِينَ

Or [it is] like a rainstorm from the sky within which is darkness, thunder and lightning. They put their fingers in their ears against the thunderclaps in dread of death. But Allah is encompassing of the disbelievers.

قوله عزّ وجلّ:

﴿أو كَصَيِّبٍ مِنَ السَماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَواعِقِ حَذَرَ المَوْتِ واللهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهم كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا ولَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ إنَّ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

"أوَ" لِلتَّخْيِيرِ، مَعْناهُ: مَثَلُوهم بِهَذا، أو بِهَذا، لا عَلى الِاقْتِصارِ عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ. وقَوْلُهُ: ﴿أو كَصَيِّبٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿كَمَثَلِ الَّذِي﴾ [البقرة: ١٧] وقالَ الطَبَرِيُّ: "أوَ" بِمَعْنى "الواوَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عُجْمَةٌ. و"الصَيِّبُ" المَطَرُ، مِن صابَ يَصُوبُ إذا انْحَطَّ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ:

؎ كَأنَّهم صابَتْ عَلَيْهِمْ سَحابَةٌ صَواعِقُها لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ

وقَوْلُ الآخَرِ:

؎ فَلَسْتَ لِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لِمَلْأكٍ ∗∗∗ تَنَزَّلَ مِن جَوِّ السَماءِ يَصُوبُ

وأصْلُ "صَيِّبٍ" صَيُوبٌ، اجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ، وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُكُونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ كَما فَعَلَ في سَيِّدٍ ومَيِّتٍ. وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: أصْلُ "صَيِّبٍ" صُوَيْبٍ عَلى مِثالِ فَعِيلٍ، وكانَ يَلْزَمُهُ ألّا يُعَلَّ كَما لَمْ يُعَلَّ طَوِيلٌ، فَبِهَذا يَضْعُفُ هَذا القَوْلُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ظُلُماتٌ" بِالجَمْعِ إشارَةٌ إلى ظُلْمَةِ اللَيْلِ، وظُلْمَةُ الدَجْنِ، ومِن حَيْثُ تَتَراكَبُ وتَتَزايَدُ جُمِعَتْ، وكَوْنُ الدَجْنِ مُظْلِمًا هَوْلٌ وغَمٌّ لِلنَّفْسِ، بِخِلافِ السَحابِ والمَطَرِ إذا انْجَلى دَجْنُهُ، فَإنَّهُ سارٌّ جَمِيلٌ

ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:

؎ فَما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ القَطا ∗∗∗ كَأنَّ المَصابِيحَ حَوْذانُها

؎ بِأحْسَنَ مِنها، ولا مُزْنَةَ ∗∗∗ دَلُوحٌ تَكَشَّفَ أدْجانُها

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في "الرَعْدِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وغَيْرُهُمْ: هو مَلِكٌ يَزْجُرُ السَحابَ بِهَذا الصَوْتِ المَسْمُوعِ، كُلَّما خالَفَتْ سَحابَةٌ صاحَ بِها، فَإذا اشْتَدَّ غَضَبُهُ طارَ النارُ مِن فِيهِ فَهي الصَواعِقُ، واسْمُ هَذا المَلِكِ: الرَعْدُ، وقِيلَ: الرَعْدُ مَلِكٌ وهَذا الصَوْتُ تَسْبِيحُهُ، وقِيلَ: الرَعْدُ اسْمُ الصَوْتِ المَسْمُوعِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وهَذا هو المَعْلُومُ في لُغَةِ العَرَبِ، وقَدْ قالَ لَبِيدٌ في جاهِلِيَّتِهِ:

؎ فَجَّعَنِي الرَعْدُ والصَواعِقُ بِالفا ∗∗∗ رِسِ يَوْمَ الكَرِيهَةِ النَجْدِ

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الرَعْدُ رِيحٌ تَخْتَنِقُ بَيْنَ السَحابِ فَتُصَوِّتُ ذَلِكَ الصَوْتَ، وقِيلَ: الرَعْدُ اصْطِكاكُ أجْرامِ السَحابِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ الرَعْدَ مَلَكٌ، وذَلِكَ صَوْتُهُ يُسَبِّحُ ويَزْجُرُ السَحابَ.

واخْتَلَفُوا في "البَرْقِ"، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو مِخْراقٌ حَدِيدٌ بِيَدِ المَلَكِ يَسُوقُ بِهِ السَحابَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو سَوْطُ نُورٍ بِيَدِ المَلَكِ يُزْجِي بِهِ السَحابَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنَّ البَرْقَ مَلَكٌ يَتَراءى. وقالَ قَوْمٌ: البَرْقُ ماءٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.

والصاعِقَةُ: قالَ الخَلِيلُ: هي الواقِعَةُ الشَدِيدَةُ مِن صَوْتِ الرَعْدِ، يَكُونُ مَعَها أحْيانًا قِطْعَةُ نارٍ، يُقالُ: إنَّها مِنَ المِخْراقِ الَّذِي بِيَدِ المَلَكِ، وقِيلَ في قِطْعَةِ النارِ: إنَّها ما يَخْرُجُ مِن فَمِ المَلَكِ عِنْدَ غَضَبِهِ.

وَحَكى الخَلِيلُ عن قَوْمٍ مِنَ العَرَبِ: الساعِقَةُ …

Al-Baqara 2:19Listen in Qur'an →
20

يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ ۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَٰرِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

The lightning almost snatches away their sight. Every time it lights [the way] for them, they walk therein; but when darkness comes over them, they stand [still]. And if Allah had willed, He could have taken away their hearing and their sight. Indeed, Allah is over all things competent.

قوله عزّ وجلّ:

﴿أو كَصَيِّبٍ مِنَ السَماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَواعِقِ حَذَرَ المَوْتِ واللهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهم كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا ولَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ إنَّ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

"أوَ" لِلتَّخْيِيرِ، مَعْناهُ: مَثَلُوهم بِهَذا، أو بِهَذا، لا عَلى الِاقْتِصارِ عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ. وقَوْلُهُ: ﴿أو كَصَيِّبٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿كَمَثَلِ الَّذِي﴾ [البقرة: ١٧] وقالَ الطَبَرِيُّ: "أوَ" بِمَعْنى "الواوَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عُجْمَةٌ. و"الصَيِّبُ" المَطَرُ، مِن صابَ يَصُوبُ إذا انْحَطَّ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ:

؎ كَأنَّهم صابَتْ عَلَيْهِمْ سَحابَةٌ صَواعِقُها لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ

وقَوْلُ الآخَرِ:

؎ فَلَسْتَ لِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لِمَلْأكٍ ∗∗∗ تَنَزَّلَ مِن جَوِّ السَماءِ يَصُوبُ

وأصْلُ "صَيِّبٍ" صَيُوبٌ، اجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ، وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُكُونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ كَما فَعَلَ في سَيِّدٍ ومَيِّتٍ. وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: أصْلُ "صَيِّبٍ" صُوَيْبٍ عَلى مِثالِ فَعِيلٍ، وكانَ يَلْزَمُهُ ألّا يُعَلَّ كَما لَمْ يُعَلَّ طَوِيلٌ، فَبِهَذا يَضْعُفُ هَذا القَوْلُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "ظُلُماتٌ" بِالجَمْعِ إشارَةٌ إلى ظُلْمَةِ اللَيْلِ، وظُلْمَةُ الدَجْنِ، ومِن حَيْثُ تَتَراكَبُ وتَتَزايَدُ جُمِعَتْ، وكَوْنُ الدَجْنِ مُظْلِمًا هَوْلٌ وغَمٌّ لِلنَّفْسِ، بِخِلافِ السَحابِ والمَطَرِ إذا انْجَلى دَجْنُهُ، فَإنَّهُ سارٌّ جَمِيلٌ

ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:

؎ فَما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ القَطا ∗∗∗ كَأنَّ المَصابِيحَ حَوْذانُها

؎ بِأحْسَنَ مِنها، ولا مُزْنَةَ ∗∗∗ دَلُوحٌ تَكَشَّفَ أدْجانُها

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في "الرَعْدِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وغَيْرُهُمْ: هو مَلِكٌ يَزْجُرُ السَحابَ بِهَذا الصَوْتِ المَسْمُوعِ، كُلَّما خالَفَتْ سَحابَةٌ صاحَ بِها، فَإذا اشْتَدَّ غَضَبُهُ طارَ النارُ مِن فِيهِ فَهي الصَواعِقُ، واسْمُ هَذا المَلِكِ: الرَعْدُ، وقِيلَ: الرَعْدُ مَلِكٌ وهَذا الصَوْتُ تَسْبِيحُهُ، وقِيلَ: الرَعْدُ اسْمُ الصَوْتِ المَسْمُوعِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وهَذا هو المَعْلُومُ في لُغَةِ العَرَبِ، وقَدْ قالَ لَبِيدٌ في جاهِلِيَّتِهِ:

؎ فَجَّعَنِي الرَعْدُ والصَواعِقُ بِالفا ∗∗∗ رِسِ يَوْمَ الكَرِيهَةِ النَجْدِ

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الرَعْدُ رِيحٌ تَخْتَنِقُ بَيْنَ السَحابِ فَتُصَوِّتُ ذَلِكَ الصَوْتَ، وقِيلَ: الرَعْدُ اصْطِكاكُ أجْرامِ السَحابِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ الرَعْدَ مَلَكٌ، وذَلِكَ صَوْتُهُ يُسَبِّحُ ويَزْجُرُ السَحابَ.

واخْتَلَفُوا في "البَرْقِ"، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو مِخْراقٌ حَدِيدٌ بِيَدِ المَلَكِ يَسُوقُ بِهِ السَحابَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو سَوْطُ نُورٍ بِيَدِ المَلَكِ يُزْجِي بِهِ السَحابَ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أنَّ البَرْقَ مَلَكٌ يَتَراءى. وقالَ قَوْمٌ: البَرْقُ ماءٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.

والصاعِقَةُ: قالَ الخَلِيلُ: هي الواقِعَةُ الشَدِيدَةُ مِن صَوْتِ الرَعْدِ، يَكُونُ مَعَها أحْيانًا قِطْعَةُ نارٍ، يُقالُ: إنَّها مِنَ المِخْراقِ الَّذِي بِيَدِ المَلَكِ، وقِيلَ في قِطْعَةِ النارِ: إنَّها ما يَخْرُجُ مِن فَمِ المَلَكِ عِنْدَ غَضَبِهِ.

وَحَكى الخَلِيلُ عن قَوْمٍ مِنَ العَرَبِ: الساعِقَةُ …

Al-Baqara 2:20Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.