Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 101–110 of 286

101

وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌۭ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌۭ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

And when a messenger from Allah came to them confirming that which was with them, a party of those who had been given the Scripture threw the Scripture of Allah behind their backs as if they did not know [what it contained].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ مَعْنى كَوْنِ الرَّسُولِ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم هو أنَّهُ كانَ مُعْتَرِفًا بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبِصِحَّةِ التَّوْراةِ أوْ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم مِن حَيْثُ إنَّ التَّوْراةَ بَشَّرَتْ بِمَقْدِمِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإذا أتى مُحَمَّدٌ كانَ مُجَرَّدُ مَجِيئِهِ مُصَدِّقًا لِلتَّوْراةِ.

صفحة ١٨٤

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ﴾ فَهو مَثَلٌ لِتَرْكِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنْهُ بِمِثْلِ ما يُرْمى بِهِ وراءَ الظَّهْرِ اسْتِغْناءً عَنْهُ وقِلَّةَ التِفاتٍ إلَيْهِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِمَّنْ أُوتِيَ عِلْمَ الكِتابِ مَن يَدْرُسُهُ ويَحْفَظُهُ، قالَ هَذا القائِلُ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذا الفَرِيقَ بِالعِلْمِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ .

الثّانِي: المُرادُ مَن يَدَّعِي التَّمَسُّكَ بِالكِتابِ سَواءٌ عَلِمَهُ أوْ لَمْ يَعْلَمْهُ، وهَذا كَوَصْفِ المُسْلِمِينَ بِأنَّهم مِن أهْلِ القُرْآنِ لا يُرادُ بِذَلِكَ مَن يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَةِ عُلُومِهِ، بَلِ المُرادُ مَن يُؤْمِنُ بِهِ ويَتَمَسَّكُ بِمُوجَبِهِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ فَقِيلَ: إنَّهُ التَّوْراةُ، وقِيلَ: إنَّهُ القُرْآنُ، وهَذا هو الأقْرَبُ لِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ النَّبْذَ لا يُعْقَلُ إلّا فِيما تَمَسَّكُوا بِهِ أوَّلًا وأمّا إذا لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ لا يُقالُ إنَّهم نَبَذُوهُ.

الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ ولَوْ كانَ المُرادُ بِهِ القُرْآنُ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ الفَرِيقِ مَعْنًى لِأنَّ جَمِيعَهم لا يُصَدِّقُونَ بِالقُرْآنِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ نَبْذُهُمُ التَّوْراةَ وهم يَتَمَسَّكُونَ بِهِ ؟ قُلْنا: إذا كانَ يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما فِيهِ مِنَ النَّعْتِ والصِّفَةِ وفِيهِ وُجُوبُ الإيمانِ ثُمَّ عَدَلُوا عَنْهُ كانُوا نابِذِينَ لِلتَّوْراةِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾ فَدَلالَةٌ عَلى أنَّهم نَبَذُوهُ عَنْ عِلْمٍ ومَعْرِفَةٍ لِأنَّهُ لا يُقالُ ذَلِكَ إلّا فِيمَن يَعْلَمُ، فَدَلَّتِ الآيَةُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ عَلى أنَّ هَذا الفَرِيقَ كانُوا عالِمِينَ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ إلّا أنَّهم جَحَدُوا ما يَعْلَمُونَ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الجَمْعَ العَظِيمَ لا يَصِحُّ الجَحْدُ عَلَيْهِمْ فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ أُولَئِكَ الجاحِدِينَ كانُوا في القِلَّةِ بِحَيْثُ تَجُوزُ المُكابَرَةُ عَلَيْهِمْ.

Al-Baqara 2:101Listen in Qur'an →
102

وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌۭ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَٰقٍۢ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ

And they followed [instead] what the devils had recited during the reign of Solomon. It was not Solomon who disbelieved, but the devils disbelieved, teaching people magic and that which was revealed to the two angels at Babylon, Harut and Marut. But the two angels do not teach anyone unless they say, "We are a trial, so do not disbelieve [by practicing magic]." And [yet] they learn from them that by which they cause separation between a man and his wife. But they do not harm anyone through it except by permission of Allah. And the people learn what harms them and does not benefit them. But the Children of Israel certainly knew that whoever purchased the magic would not have in the Hereafter any share. And wretched is that for which they sold themselves, if they only knew.

قَوْلُهُ تَعالى: (? ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾

صفحة ١٨٥

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو نَوْعٌ آخَرُ مِن قَبائِحِ أفْعالِهِمْ وهو اشْتِغالُهم بِالسِّحْرِ وإقْبالُهم عَلَيْهِ ودُعاؤُهُمُ النّاسَ إلَيْهِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا﴾ حِكايَةٌ عَمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهُمُ اليَهُودُ، ثُمَّ فِيهِ أقْوالٌ:

أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وثانِيها: أنَّهُمُ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا مِنَ اليَهُودِ.

وثالِثُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السَّحَرَةِ لِأنَّ أكْثَرَ اليَهُودِ يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ويَعُدُّونَهُ مِن جُمْلَةِ المُلُوكِ في الدُّنْيا، فالَّذِينَ كانُوا مِنهم في زَمانِهِ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَعْتَقِدُوا فِيهِ أنَّهُ إنَّما وُجِدَ ذَلِكَ المُلْكُ العَظِيمُ بِسَبَبِ السِّحْرِ.

ورابِعُها: أنَّهُ يَتَناوَلُ الكُلَّ وهَذا أوْلى لِأنَّهُ لَيْسَ صَرْفُ اللَّفْظِ إلى البَعْضِ أوْلى مِن صَرْفِهِ إلى غَيْرِهِ، إذْ لا دَلِيلَ عَلى التَّخْصِيصِ. قالَ السُّدِّيُّ: لَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عارَضُوهُ بِالتَّوْراةِ فَخاصَمُوهُ بِها فاتَّفَقَتِ التَّوْراةُ والقُرْآنُ فَنَبَذُوا التَّوْراةَ وأخَذُوا بِكِتابِ آصِفَ وسِحْرِ هارُوتَ ومارُوتَ فَلَمْ يُوافِقِ القُرْآنَ، فَهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا كُتُبَ السِّحْرِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ: ﴿تَتْلُو﴾ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِنهُ التِّلاوَةُ والإخْبارُ.

وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ (تَتْلُوا) أيْ تَكْذِبُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ. يُقالُ: تَلا عَلَيْهِ إذا كَذَبَ وتَلا عَنْهُ إذا صَدَقَ وإذا أبْهَمَ جازَ الأمْرانِ. والأقْرَبُ هو الأوَّلُ لِأنَّ التِّلاوَةَ حَقِيقَةٌ في الخَبَرِ، إلّا أنَّ المُخْبِرَ يُقالُ في خَبَرِهِ إذا كانَ كَذِبًا إنَّهُ تَلا فُلانٌ وإنَّهُ قَدْ تَلا عَلى فُلانٍ لِيَمِيزَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الصِّدْقِ الَّذِي لا يُقالُ فِيهِ رَوى عَلى فُلانٍ، بَلْ يُقالُ: رَوى عَنْ فُلانٍ وأخْبَرَ عَنْ فُلانٍ وتَلا عَنْ فُلانٍ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالأخْبارِ والتِّلاوَةِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الَّذِي كانُوا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنْ سُلَيْمانَ مِمّا يُتْلى ويُقْرَأُ فَيَجْتَمِعُ فِيهِ كُلُّ الأوْصافِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في الشَّياطِينِ فَقِيلَ: المُرادُ شَياطِينُ الجِنِّ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وقِيلَ: شَياطِينُ الإنْسِ وهو قَوْلُ المُتَكَلِّمِينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، وقِيلَ: هم شَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ مَعًا. أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى …

Al-Baqara 2:102Listen in Qur'an →
103

وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَمَثُوبَةٌۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ ۖ لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ

And if they had believed and feared Allah, then the reward from Allah would have been [far] better, if they only knew.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى اليَهُودِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فِيهِمُ الوَعِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ﴾ أتْبَعَهُ بِالوَعْدِ جامِعًا بَيْنَ التَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَهُما أدْعى إلى الطّاعَةِ والعُدُولِ عَنِ المَعْصِيَةِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آمَنُوا﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ ثُمَّ وصَفَهم بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ، وأنَّهم تَمَسَّكُوا بِالسِّحْرِ. قالَ مِن بَعْدِ: ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا﴾ يَعْنِي: بِما نَبَذُوهُ مِن كِتابِ اللَّهِ. فَإنْ حَمَلْتَ ذَلِكَ عَلى القُرْآنِ جازَ، وإنْ حَمَلْتَهُ عَلى كِتابِهِمُ المُصَدِّقِ لِلْقُرْآنِ جازَ؛ وإنْ حَمَلْتَهُ عَلى الأمْرَيْنِ جازَ، والمُرادُ مِنَ التَّقْوى الِاحْتِرازُ عَنْ فِعْلِ المَنهِيّاتِ وتَرْكِ المَأْمُوراتِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا لَأُثِيبُوا إلّا أنَّهُ تُرِكَتِ الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ إلى هَذِهِ الِاسْمِيَّةِ لِما في الجُمْلَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ المَثُوبَةِ واسْتِقْرارِها. فَإنْ قِيلَ: هَلّا قِيلَ: لَمَثُوبَةُ اللَّهِ خَيْرٌ ؟ قُلْنا: لِأنَّ المُرادَ: لَشَيْءٌ مِن ثَوابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَهم.

وثانِيها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا﴾ تَمَنِّيًا لِإيمانِهِمْ عَلى سَبِيلِ المَجازِ عَنْ إرادَةِ اللَّهِ إيمانَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَيْتَهم آمَنُوا، ثُمَّ ابْتَدَأ: لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ.

Al-Baqara 2:103Listen in Qur'an →
104

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

O you who have believed, say not [to Allah 's Messenger], "Ra'ina" but say, "Unthurna" and listen. And for the disbelievers is a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا واسْمَعُوا ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا شَرَحَ قَبائِحَ أفْعالِهِمْ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أرادَ مِن هَهُنا أنْ يَشْرَحَ قَبائِحَ أفْعالِهِمْ عِنْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ وجِدِّهِمْ واجْتِهادِهِمْ في القَدْحِ فِيهِ والطَّعْنِ في دِينِهِ، وهَذا هو النَّوْعُ الأوَّلُ مِن هَذا البابِ، وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى خاطَبَ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في ثَمانِيَةٍ وثَمانِينَ مَوْضِعًا مِنَ القُرْآنِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ يُخاطِبُ في التَّوْراةِ بِقَوْلِهِ: ”يا أيُّها المَساكِينُ“ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا خاطَبَهم أوَّلًا بِالمَساكِينِ أثْبَتَ المَسْكَنَةَ لَهم آخِرًا حَيْثُ قالَ: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ﴾

صفحة ٢٠٣

[البقرة: ٦١] .

وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالإيمانِ أوَّلًا فَإنَّهُ تَعالى يُعْطِيهِمُ الأمانَ مِنَ العَذابِ في النِّيرانِ يَوْمَ القِيامَةِ، وأيْضًا فاسْمُ المُؤْمِنِ أشْرَفُ الأسْماءِ والصِّفاتِ، فَإذا كانَ يُخاطِبُنا في الدُّنْيا بِأشْرَفِ الأسْماءِ والصِّفاتِ، فَنَرْجُو مِن فَضْلِهِ أنْ يُعامِلَنا في الآخِرَةِ بِأحْسَنِ المُعامَلاتِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ لا يَبْعُدُ في الكَلِمَتَيْنِ المُتَرادِفَتَيْنِ أنْ يَمْنَعَ اللَّهُ مِن أحَدِهِما، ويَأْذَنَ في الأُخْرى، ولِذَلِكَ فَإنَّ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لا تَصْلُحُ الصَّلاةُ بِتَرْجَمَةِ الفاتِحَةِ، سَواءٌ كانَتْ بِالعِبْرِيَّةِ أوْ بِالفارِسِيَّةِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَمْنَعَ اللَّهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿راعِنا﴾ ويَأْذَنَ في قَوْلِهِ: ﴿انْظُرْنا﴾ وإنْ كانَتا مُتَرادِفَتَيْنِ، ولَكِنَّ جُمْهُورَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما مَنَعَ مِن قَوْلِهِ: ﴿راعِنا﴾ لِاشْتِمالِها عَلى نَوْعِ مَفْسَدَةٍ، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: كانَ المُسْلِمُونَ يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا تَلا عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ: راعِنا يا رَسُولَ اللَّهِ، واليَهُودُ كانَتْ لَهم كَلِمَةٌ عِبْرانِيَّةٌ يَتَسابُّونَ بِها تُشْبِهُ هَذِهِ الكَلِمَةَ، وهي ”راعِينا“، ومَعْناها: اسْمَعْ لا سَمِعْتَ، فَلَمّا سَمِعُوا المُؤْمِنِينَ يَقُولُونَ: راعِنا افْتَرَضُوهُ وخاطَبُوا بِهِ النَّبِيَّ، وهم يَعْنُونَ تِلْكَ المَسَبَّةَ، فَنُهِيَ المُؤْمِنُونَ عَنْها وأُمِرُوا بِلَفْظَةٍ أُخْرى، وهي قَوْلُهُ: ﴿انْظُرْنا﴾، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦]، ورُوِيَ أنَّ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ سَمِعَها مِنهم فَقالَ: يا أعْداءَ اللَّهِ، عَلَيْكم لَعْنَةُ اللَّهِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَئِنْ سَمِعْتُها مِن رَجُلٍ مِنكم يَقُولُها لِرَسُولِ اللَّهِ لَأضْرِبَنَّ عُنُقَهُ، فَقالُوا: أوَلَسْتُمْ تَقُولُونَها ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وثانِيها: قالَ قُطْرُبٌ: هَذِهِ الكَلِمَةُ وإنْ كانَتْ صَحِيحَةَ المَعْنى إلّا أنَّ أهْلَ الحِجازِ ما كانُوا يَقُولُونَها إلّا عِنْدَ الهُزُؤِ والسُّخْرِيَةِ، فَلا جَرَمَ نَهى اللَّهُ عَنْها.

وثالِثُها: أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: راعِينا، أيْ: أنْتَ راعِي غَنَمِنا، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْها.

ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ”راعِنا“ مُفاعَلَةٌ مِنَ الرَّعْيِ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَكانَ هَذا …

Al-Baqara 2:104Listen in Qur'an →
105

مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَلَا ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ

Neither those who disbelieve from the People of the Scripture nor the polytheists wish that any good should be sent down to you from your Lord. But Allah selects for His mercy whom He wills, and Allah is the possessor of great bounty.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكم واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ اليَهُودِ والكُفّارِ في العَداوَةِ والمُعانَدَةِ حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ مِنهم، فَقالَ: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَنَفى عَنْ قُلُوبِهِمُ الوُدَّ والمَحَبَّةَ لِكُلِّ ما يَظْهَرُ بِهِ فَضْلُ المُؤْمِنِينَ، وهَهُنا مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: ”مِن“ الأوْلى لِلْبَيانِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا جِنْسٌ، تَحْتَهُ نَوْعانِ: أهْلُ الكِتابِ والمُشْرِكُونَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] والثّانِيَةُ: مَزِيدَةٌ لِاسْتِغْراقِ الخَيْرِ، والثّالِثَةُ: لِابْتِداءِ الغايَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الخَيْرُ الوَحْيُ وكَذَلِكَ الرَّحْمَةُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] المَعْنى أنَّهم يَرَوْنَ أنْفُسَهم أحَقَّ بِأنْ يُوحى إلَيْهِمْ، فَيَحْسُدُونَكم وما يُحِبُّونَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ ذَلِكَ الحَسَدَ لا يُؤَثِّرُ في زَوالِ ذَلِكَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ وإحْسانِهِ مَن يَشاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِن طَعْنِ اليَهُودِ في الإسْلامِ، فَقالُوا: ألا تَرَوْنَ إلى مُحَمَّدٍ يَأْمُرُ أصْحابَهُ

صفحة ٢٠٥

بِأمْرٍ ثُمَّ يَنْهاهم عَنْهُ ويَأْمُرُهم بِخِلافِهِ، ويَقُولُ اليَوْمَ قَوْلًا وغَدًا يَرْجِعُ عَنْهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والكَلامُ في الآيَةِ مُرَتَّبٌ عَلى مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: النَّسْخُ في أصْلِ اللُّغَةِ بِمَعْنى إبْطالِ الشَّيْءِ، وقالَ القَفّالُ: إنَّهُ لِلنَّقْلِ والتَّحْوِيلِ، لَنا أنَّهُ يُقالُ: نَسَخَتِ الرِّيحُ آثارَ القَوْمِ إذا عُدِمَتْ، ونَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ إذا عُدِمَ، لِأنَّهُ قَدْ لا يَحْصُلُ الظِّلُّ في مَكانٍ آخَرَ حَتّى يُظَنَّ أنَّهُ انْتَقَلَ إلَيْهِ، وقالَ تَعالى: ﴿إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ [الحج: ٥٢] أيْ: يُزِيلُهُ ويُبْطِلُهُ، والأصْلُ في الكَلامِ الحَقِيقَةُ. وإذا ثَبَتَ كَوْنُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً في الإبْطالِ وجَبَ ألّا يَكُونَ حَقِيقَةً في النَّقْلِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ. فَإنْ قِيلَ: وصْفُهُمُ الرِّيحَ بِأنَّها ناسِخَةٌ لِلْآثارِ، والشَّمْسَ بِأنَّها ناسِخَةٌ لِلظِّلِّ مَجازٌ، لِأنَّ المُزِيلَ لِلْآثارِ والظِّلِّ هو اللَّهُ تَعالى، وإذا كانَ ذَلِكَ مَجازًا امْتَنَعَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى كَوْنِ اللَّفْظِ حَقِيقَةً في مَدْلُولِهِ، ثُمَّ نُعارِضُ ما ذَكَرْتُمُوهُ ونَقُولُ: بَلِ النَّسْخُ هو النَّقْلُ والتَّحْوِيلُ، ومِنهُ نَسَخَ الكِتابَ إلى كِتابٍ آخَرَ، كَأنَّهُ يَنْقُلُهُ إلَيْهِ أوْ يَنْقُلُ حِكايَتَهُ، ومِنهُ تَناسُخُ الأرْواحِ، وتَناسُخُ القُرُونِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وتَناسُخُ المَوارِيثِ إنَّما هو التَّحَوُّلُ مِن واحِدٍ إلى آخَرَ بَدَلًا عَنِ الأوَّلِ، وقالَ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً في النَّقْلِ، ويَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ حَقِيقَةً في الإبْطالِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ، والجَوابُ …

Al-Baqara 2:105Listen in Qur'an →
106

۞ مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍۢ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

We do not abrogate a verse or cause it to be forgotten except that We bring forth [one] better than it or similar to it. Do you not know that Allah is over all things competent?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكم واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ اليَهُودِ والكُفّارِ في العَداوَةِ والمُعانَدَةِ حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ مِنهم، فَقالَ: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَنَفى عَنْ قُلُوبِهِمُ الوُدَّ والمَحَبَّةَ لِكُلِّ ما يَظْهَرُ بِهِ فَضْلُ المُؤْمِنِينَ، وهَهُنا مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: ”مِن“ الأوْلى لِلْبَيانِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا جِنْسٌ، تَحْتَهُ نَوْعانِ: أهْلُ الكِتابِ والمُشْرِكُونَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] والثّانِيَةُ: مَزِيدَةٌ لِاسْتِغْراقِ الخَيْرِ، والثّالِثَةُ: لِابْتِداءِ الغايَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الخَيْرُ الوَحْيُ وكَذَلِكَ الرَّحْمَةُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] المَعْنى أنَّهم يَرَوْنَ أنْفُسَهم أحَقَّ بِأنْ يُوحى إلَيْهِمْ، فَيَحْسُدُونَكم وما يُحِبُّونَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ ذَلِكَ الحَسَدَ لا يُؤَثِّرُ في زَوالِ ذَلِكَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ وإحْسانِهِ مَن يَشاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِن طَعْنِ اليَهُودِ في الإسْلامِ، فَقالُوا: ألا تَرَوْنَ إلى مُحَمَّدٍ يَأْمُرُ أصْحابَهُ

صفحة ٢٠٥

بِأمْرٍ ثُمَّ يَنْهاهم عَنْهُ ويَأْمُرُهم بِخِلافِهِ، ويَقُولُ اليَوْمَ قَوْلًا وغَدًا يَرْجِعُ عَنْهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والكَلامُ في الآيَةِ مُرَتَّبٌ عَلى مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: النَّسْخُ في أصْلِ اللُّغَةِ بِمَعْنى إبْطالِ الشَّيْءِ، وقالَ القَفّالُ: إنَّهُ لِلنَّقْلِ والتَّحْوِيلِ، لَنا أنَّهُ يُقالُ: نَسَخَتِ الرِّيحُ آثارَ القَوْمِ إذا عُدِمَتْ، ونَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ إذا عُدِمَ، لِأنَّهُ قَدْ لا يَحْصُلُ الظِّلُّ في مَكانٍ آخَرَ حَتّى يُظَنَّ أنَّهُ انْتَقَلَ إلَيْهِ، وقالَ تَعالى: ﴿إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ [الحج: ٥٢] أيْ: يُزِيلُهُ ويُبْطِلُهُ، والأصْلُ في الكَلامِ الحَقِيقَةُ. وإذا ثَبَتَ كَوْنُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً في الإبْطالِ وجَبَ ألّا يَكُونَ حَقِيقَةً في النَّقْلِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ. فَإنْ قِيلَ: وصْفُهُمُ الرِّيحَ بِأنَّها ناسِخَةٌ لِلْآثارِ، والشَّمْسَ بِأنَّها ناسِخَةٌ لِلظِّلِّ مَجازٌ، لِأنَّ المُزِيلَ لِلْآثارِ والظِّلِّ هو اللَّهُ تَعالى، وإذا كانَ ذَلِكَ مَجازًا امْتَنَعَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى كَوْنِ اللَّفْظِ حَقِيقَةً في مَدْلُولِهِ، ثُمَّ نُعارِضُ ما ذَكَرْتُمُوهُ ونَقُولُ: بَلِ النَّسْخُ هو النَّقْلُ والتَّحْوِيلُ، ومِنهُ نَسَخَ الكِتابَ إلى كِتابٍ آخَرَ، كَأنَّهُ يَنْقُلُهُ إلَيْهِ أوْ يَنْقُلُ حِكايَتَهُ، ومِنهُ تَناسُخُ الأرْواحِ، وتَناسُخُ القُرُونِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وتَناسُخُ المَوارِيثِ إنَّما هو التَّحَوُّلُ مِن واحِدٍ إلى آخَرَ بَدَلًا عَنِ الأوَّلِ، وقالَ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً في النَّقْلِ، ويَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ حَقِيقَةً في الإبْطالِ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ، والجَوابُ …

Al-Baqara 2:106Listen in Qur'an →
107

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍ

Do you not know that to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth and [that] you have not besides Allah any protector or any helper?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا حَكَمَ بِجَوازِ النَّسْخِ عَقَّبَهُ بِبَيانِ أنَّ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ لَهُ لا لِغَيْرِهِ،

صفحة ٢١٢

وهَذا هو التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما حَسُنَ مِنهُ الأمْرُ والنَّهْيُ؛ لِكَوْنِهِ مالِكًا لِلْخَلْقِ، وهَذا هو مَذْهَبُ أصْحابِنا، وأنَّهُ إنَّما حَسُنَ التَّكْلِيفُ مِنهُ لِمَحْضِ كَوْنِهِ مالِكًا لِلْخَلْقِ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِمْ، لا لِثَوابٍ يَحْصُلُ، أوْ لِعِقابٍ يَنْدَفِعُ.

قالَ القَفّالُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا إشارَةً إلى أمْرِ القِبْلَةِ، فَإنَّهُ تَعالى أخْبَرَهم بِأنَّهُ مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّ الأمْكِنَةَ والجِهاتِ كُلَّها لَهُ، وأنَّهُ لَيْسَ بَعْضُ الجِهاتِ أكْبَرَ حُرْمَةً مِنَ البَعْضِ، إلّا مِن حَيْثُ يَجْعَلُها هو تَعالى لَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، وكانَ الأمْرُ بِاسْتِقْبالِ القِبْلَةِ إنَّما هو مَحْضُ التَّخْصِيصِ بِالتَّشْرِيفِ، فَلا مانِعَ يَمْنَعُ مِن تَغَيُّرِهِ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ، وأمّا الوَلِيُّ والنَّصِيرُ فَكِلاهُما فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ عَلى وجْهِ المُبالِغَةِ، ومِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المُلْكَ غَيْرُ القُدْرَةِ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى قالَ أوَّلًا: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَلَوْ كانَ المُلْكُ عِبارَةً عَنِ القُدْرَةِ لَكانَ هَذا تَكْرِيرًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، والكَلامُ في حَقِيقَةِ المُلْكِ والقُدْرَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] .

Al-Baqara 2:107Listen in Qur'an →
108

أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـَٔلُوا۟ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَٰنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ

Or do you intend to ask your Messenger as Moses was asked before? And whoever exchanges faith for disbelief has certainly strayed from the soundness of the way.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَهُنا مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: ”أمْ“ عَلى ضَرْبَيْنِ: مُتَّصِلَةٍ، ومُنْقَطِعَةٍ، فالمُتَّصِلَةُ عَدِيلَةُ الألِفِ، وهي مُفَرِّقَةٌ لِما جَمَعَتْهُ (أيٌّ) كَما أنَّ ”أوْ“ مُفَرِّقَةٌ لِما جَمَعَتْهُ، تَقُولُ: اضْرِبْ أيَّهم شِئْتَ زَيْدًا أمْ عَمْرًا، فَإذا قُلْتَ: اضْرِبْ أحَدَهم، قُلْتَ: اضْرِبْ زَيْدًا أوْ عَمْرًا، والمُنْقَطِعَةُ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ كَلامٍ تامٍّ، لِأنَّها بِمَعْنى ”بَلْ“ والألِفِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: إنَّها الإبِلُ أمْ شاءٌ، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ هي شاءٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [السجدة: ٣] أيْ: بَلْ يَقُولُونَ، قالَ الأخْطَلُ:

كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أمْ رَأيْتَ بِواسِطٍ غَلَسَ الظَّلامِ مِنَ الرَّبابِ خَيالًا

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُخاطَبِ بِهِ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ، وهو قَوْلُ الأصَمِّ والجُبّائِيِّ وأبِي مُسْلِمٍ، واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ وهَذا الكَلامُ لا يَصِحُّ إلّا في حَقِّ المُؤْمِنِينَ.

الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ﴾ يَقْتَضِي مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا تَقُولُوا راعِنا﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: وقُولُوا: انْظُرْنا واسْمَعُوا، فَهَلْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ كَما أُمِرْتُمْ، أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم ؟ .

الثّالِثُ: أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَسْألُونَ مُحَمَّدًا ﷺ عَنْ أُمُورٍ لا خَيْرَ لَهم في البَحْثِ عَنْها، لِيَعْلَمُوها، كَما سَألَ اليَهُودُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما لَمْ يَكُنْ لَهم فِيهِ خَيْرٌ عَنِ البَحْثِ عَنْهُ.

الرّابِعُ: سَألَ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَجْعَلَ لَهم ذاتَ أنْواطٍ كَما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ ذاتُ أنْواطٍ، وهي شَجَرَةٌ كانُوا يَعْبُدُونَها، ويُعَلِّقُونَ عَلَيْها المَأْكُولَ والمَشْرُوبَ، كَما سَألُوا مُوسى أنْ يَجْعَلَ لَهم إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ. قالَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيَّ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في رَهْطٍ مِن قُرَيْشٍ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ واللَّهِ ما أُومِنُ بِكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا، أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ، أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ، أوْ تَرْقى في السَّماءِ بِأنْ تَصْعَدَ، ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ بَعْدَ ذَلِكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا مِنَ اللَّهِ إلى

صفحة ٢١٣

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فاتَّبِعُوهُ.

وقالَ لَهُ بَقِيَّةُ الرَّهْطِ: فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ ذَلِكَ فائْتِنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ جُمْلَةً واحِدَةً، فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ والحُدُودُ والفَرائِضُ، كَما جاءَ مُوسى إلى قَوْمِهِ بِالألْواحِ مِن عِنْدِ اللَّهِ فِيها كُلُّ ذَلِكَ، فَنُؤْمِنُ بِكَ عِنْدَ ذَلِكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم مُحَمَّدًا أنْ يَأْتِيَكُمُ الآياتِ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما سَألَ السَّبْعُونَ، فَقالُوا: أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً.

وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ قُرَيْشًا سَألَتْ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا وفِضَّةً، فَقالَ: نَعَمْ، هو لَكم كالمائِدَةِ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأبَوْا ورَجَعُوا.

القَوْلُ الثّالِثُ: المُرادُ اليَهُودُ، وهَذا القَوْلُ أصَحُّ؛ لِأنَّ …

Al-Baqara 2:108Listen in Qur'an →
109

وَدَّ كَثِيرٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًۭا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَٱعْفُوا۟ وَٱصْفَحُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Many of the People of the Scripture wish they could turn you back to disbelief after you have believed, out of envy from themselves [even] after the truth has become clear to them. So pardon and overlook until Allah delivers His command. Indeed, Allah is over all things competent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّالِثُ مِن كَيْدِ اليَهُودِ مَعَ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ «رُوِيَ أنَّ فِنْحاصَ بْنَ

صفحة ٢١٤

عازُوراءَ»، وزَيْدَ بْنَ قَيْسٍ، ونَفَرًا مِنَ اليَهُودِ قالُوا لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ: ألَمْ تَرَوْا ما أصابَكم، ولَوْ كُنْتُمْ عَلى الحَقِّ ما هُزِمْتُمْ، فارْجِعُوا إلى دِينِنا فَهو خَيْرٌ لَكم وأفْضَلُ، ونَحْنُ أهْدى مِنكم سَبِيلًا، فَقالَ عَمّارٌ: كَيْفَ نَقْضُ العَهْدِ فِيكم ؟ قالُوا: شَدِيدٌ، قالَ: فَإنِّي قَدْ عاهَدْتُ أنِّي لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ ما عِشْتُ، فَقالَتِ اليَهُودُ: أمّا هَذا فَقَدَ صَبَأ، وقالَ حُذَيْفَةُ: وأمّا أنا فَقَدْ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِالقُرْآنِ إمامًا، وبِالكَعْبَةِ قِبْلَةً، وبِالمُؤْمِنِينَ إخْوانًا، ثُمَّ أتَيا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأخْبَراهُ، فَقالَ: أصَبْتُما خَيْرًا وأفْلَحْتُما، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، واعْلَمْ أنّا نَتَكَلَّمُ أوَّلًا في الحَسَدِ ثُمَّ نَرْجِعُ إلى التَّفْسِيرِ.

المَسْألَةُ الأُولى: في ذَمِّ الحَسَدِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الحَسَدُ يَأْكُلُ الحَسَناتِ كَما تَأْكُلُ النّارُ الحَطَبَ» “ .

الثّانِي: قالَ أنَسٌ: ”«كُنّا يَوْمًا جالِسِينَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ مِن هَذا الفَجِّ رَجُلٌ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ تَنْظِفُ لِحْيَتُهُ مِن وُضُوئِهِ، وقَدْ عَلَّقَ نَعْلَيْهِ في شِمالِهِ فَسَلَّمَ، فَلَمّا كانَ الغَدُ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، وقالَ في اليَوْمِ الثّالِثِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَلَمّا قامَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ تَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ فَقالَ: إنِّي تَأذَّيْتُ مِن أبِي فَأقْسَمْتُ لا أدْخُلُ عَلَيْهِ ثَلاثًا، فَإنْ رَأيْتَ أنْ تَذْهَبَ بِي إلى دارِكَ فَعَلْتَ، قالَ: نَعَمْ، فَباتَ عِنْدَهُ ثَلاثَ لَيالٍ فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا غَيْرَ أنَّهُ إذا انْقَلَبَ عَلى فِراشِهِ ذَكَرَ اللَّهَ ولا يَقُومُ حَتّى يَقُومَ لِصَلاةِ الفَجْرِ، غَيْرَ أنِّي لَمْ أسْمَعْهُ يَقُولُ إلّا خَيْرًا، فَلَمّا مَرَّتِ الثَّلاثُ، وكِدْتُ أنْ أحْتَقِرَ عَمَلَهُ، قُلْتُ: يا عَبْدَ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وبَيْنَ والِدِي غَضَبٌ ولا هَجْرٌ، ولَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ كَذا وكَذا، فَأرَدْتُ أنْ أعْرِفَ عَمَلَكَ، فَلَمْ أرَكَ تَعْمَلُ عَمَلًا كَثِيرًا، فَما الَّذِي بَلَغَ بِكَ ذاكَ ؟ قالَ: ما هو إلّا ما رَأيْتَ. فَلَمّا ولَّيْتُ دَعانِي، فَقالَ: ما هو إلّا ما رَأيْتَ غَيْرَ أنِّي لَمْ أجِدْ عَلى أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ في نَفْسِي عَيْبًا ولا حَسَدًا عَلى خَيْرٍ أعْطاهُ اللَّهُ إيّاهُ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: هي الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وهي الَّتِي لا تُطاقُ» “ .

الثّالِثُ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«دَبَّ إلَيْكم داءُ الأُمَمِ قَبْلَكم، الحَسَدُ والبَغْضاءُ، والبِغْضَةُ هي الحالِقَةُ، لا أقُولُ حالِقَةُ الشَّعْرِ، ولَكِنْ حالِقَةُ الدِّينِ» “ .

الرّابِعُ: قالَ: ”«إنَّهُ سَيُصِيبُ أُمَّتِي داءُ الأُمَمِ، قالُوا: ما داءُ الأُمَمِ ؟ قالَ: الأشَرُ والبَطَرُ والتَّكاثُرُ والتَّنافُسُ في الدُّنْيا والتَّباعُدُ …

Al-Baqara 2:109Listen in Qur'an →
110

وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍۢ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

And establish prayer and give zakah, and whatever good you put forward for yourselves - you will find it with Allah. Indeed, Allah of what you do, is Seeing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّالِثُ مِن كَيْدِ اليَهُودِ مَعَ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ «رُوِيَ أنَّ فِنْحاصَ بْنَ

صفحة ٢١٤

عازُوراءَ»، وزَيْدَ بْنَ قَيْسٍ، ونَفَرًا مِنَ اليَهُودِ قالُوا لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ: ألَمْ تَرَوْا ما أصابَكم، ولَوْ كُنْتُمْ عَلى الحَقِّ ما هُزِمْتُمْ، فارْجِعُوا إلى دِينِنا فَهو خَيْرٌ لَكم وأفْضَلُ، ونَحْنُ أهْدى مِنكم سَبِيلًا، فَقالَ عَمّارٌ: كَيْفَ نَقْضُ العَهْدِ فِيكم ؟ قالُوا: شَدِيدٌ، قالَ: فَإنِّي قَدْ عاهَدْتُ أنِّي لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ ما عِشْتُ، فَقالَتِ اليَهُودُ: أمّا هَذا فَقَدَ صَبَأ، وقالَ حُذَيْفَةُ: وأمّا أنا فَقَدْ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِالقُرْآنِ إمامًا، وبِالكَعْبَةِ قِبْلَةً، وبِالمُؤْمِنِينَ إخْوانًا، ثُمَّ أتَيا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأخْبَراهُ، فَقالَ: أصَبْتُما خَيْرًا وأفْلَحْتُما، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، واعْلَمْ أنّا نَتَكَلَّمُ أوَّلًا في الحَسَدِ ثُمَّ نَرْجِعُ إلى التَّفْسِيرِ.

المَسْألَةُ الأُولى: في ذَمِّ الحَسَدِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الحَسَدُ يَأْكُلُ الحَسَناتِ كَما تَأْكُلُ النّارُ الحَطَبَ» “ .

الثّانِي: قالَ أنَسٌ: ”«كُنّا يَوْمًا جالِسِينَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ مِن هَذا الفَجِّ رَجُلٌ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ تَنْظِفُ لِحْيَتُهُ مِن وُضُوئِهِ، وقَدْ عَلَّقَ نَعْلَيْهِ في شِمالِهِ فَسَلَّمَ، فَلَمّا كانَ الغَدُ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، وقالَ في اليَوْمِ الثّالِثِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَلَمّا قامَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ تَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ فَقالَ: إنِّي تَأذَّيْتُ مِن أبِي فَأقْسَمْتُ لا أدْخُلُ عَلَيْهِ ثَلاثًا، فَإنْ رَأيْتَ أنْ تَذْهَبَ بِي إلى دارِكَ فَعَلْتَ، قالَ: نَعَمْ، فَباتَ عِنْدَهُ ثَلاثَ لَيالٍ فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا غَيْرَ أنَّهُ إذا انْقَلَبَ عَلى فِراشِهِ ذَكَرَ اللَّهَ ولا يَقُومُ حَتّى يَقُومَ لِصَلاةِ الفَجْرِ، غَيْرَ أنِّي لَمْ أسْمَعْهُ يَقُولُ إلّا خَيْرًا، فَلَمّا مَرَّتِ الثَّلاثُ، وكِدْتُ أنْ أحْتَقِرَ عَمَلَهُ، قُلْتُ: يا عَبْدَ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وبَيْنَ والِدِي غَضَبٌ ولا هَجْرٌ، ولَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ كَذا وكَذا، فَأرَدْتُ أنْ أعْرِفَ عَمَلَكَ، فَلَمْ أرَكَ تَعْمَلُ عَمَلًا كَثِيرًا، فَما الَّذِي بَلَغَ بِكَ ذاكَ ؟ قالَ: ما هو إلّا ما رَأيْتَ. فَلَمّا ولَّيْتُ دَعانِي، فَقالَ: ما هو إلّا ما رَأيْتَ غَيْرَ أنِّي لَمْ أجِدْ عَلى أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ في نَفْسِي عَيْبًا ولا حَسَدًا عَلى خَيْرٍ أعْطاهُ اللَّهُ إيّاهُ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: هي الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وهي الَّتِي لا تُطاقُ» “ .

الثّالِثُ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«دَبَّ إلَيْكم داءُ الأُمَمِ قَبْلَكم، الحَسَدُ والبَغْضاءُ، والبِغْضَةُ هي الحالِقَةُ، لا أقُولُ حالِقَةُ الشَّعْرِ، ولَكِنْ حالِقَةُ الدِّينِ» “ .

الرّابِعُ: قالَ: ”«إنَّهُ سَيُصِيبُ أُمَّتِي داءُ الأُمَمِ، قالُوا: ما داءُ الأُمَمِ ؟ قالَ: الأشَرُ والبَطَرُ والتَّكاثُرُ والتَّنافُسُ في الدُّنْيا والتَّباعُدُ …

Al-Baqara 2:110Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.