Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 1–10 of 286

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓمٓ

Alif, Lam, Meem.

قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ: مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ في مُدَدٍ شَتّى.

وقِيلَ هي أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] فَإنَّها آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ، ونَزَلَتْ يَوْمَ النَّحْرِ في حِجَّةِ الوَداعِ بِمِنًى، وآياتُ الرِّبا أيْضًا مِن أواخِرِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ انْتَهى.

وأخْرَجَ أبُو الضُّرَيْسِ في فَضائِلِهِ وأبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ في النّاسِخِ والمَنسُوخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ البَقَرَةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.

وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في النّاسِخِ والمَنسُوخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ البَقَرَةِ.

وقَدْ ورَدَ في فَضْلِها أحادِيثُ مِنها ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «يُؤْتى بِالقُرْآنِ وأهْلِهِ الَّذِينَ كانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ في الدُّنْيا تَقَدَّمُهم سُورَةُ البَقَرَةِ وآلُ عِمْرانَ» قالَ: وضَرَبَ لَهُما رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثَلاثَةَ أمْثالٍ ما نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ قالَ: «كَأنَّهُما غَمامَتانِ أوْ كَأنَّهُما غَيابَتانِ أوْ كَأنَّهُما ظُلَّتانِ سَوْداوانِ أوْ كَأنَّهُما فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوّافَّ تُحاجّانِ عَنْ صاحِبِهِما» .

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والدّارِمِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «تَعَلَّمُوا سُورَةَ البَقَرَةِ فَإنَّ أخْذَها بَرَكَةٌ وتَرْكَها حَسْرَةٌ ولا يَسْتَطِيعُها البَطَلَةُ، ثُمَّ سَكَتَ ساعَةً ثُمَّ قالَ: تَعْلَّمُوا سُورَةَ البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ فَإنَّهُما الزَّهْراوانِ تُظِلّانِ صاحِبَهُما يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ أوْ غَيابَتانِ أوْ فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوّافَّ» .

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وإسْنادُهُ حَسَنٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ.

وأخْرَجَ نَحْوَهُ أبُو عُبَيْدٍ وأحْمَدُ وحُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ ومُسْلِمٌ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا.

وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا الطَّبَرانِيُّ وأبُو ذَرٍّ الهَرَوِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا.

وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا البَزّارُ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا.

وأخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وأحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكم مَقابِرَ، إنَّ الشَّيْطانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيْتِ الَّذِي يُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ» .

وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ عَنْ أنَسٍ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا.

وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ وابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.

وأخْرَجَ النَّسائِيُّ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.

وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.

وأخْرَجَهُ الدّارِمِيُّ والبَيْهَقِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِهِ بِنَحْوِهِ.

وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ …

2

ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًۭى لِّلْمُتَّقِينَ

This is the Book about which there is no doubt, a guidance for those conscious of Allah -

الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى الكِتابِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ هَذا الكِتابُ وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُ جُرَيْجٍ، وحَكاهُ البُخارِيُّ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ.

والعَرَبُ قَدْ تَسْتَعْمِلُ الإشارَةَ إلى البَعِيدِ الغائِبِ مَكانَ الإشارَةِ إلى القَرِيبِ الحاضِرِ كَما قالَ خُفافٌ:

؎أقُولُ لَهُ والرُّمْحُ يَأْطُرُ مَتْنَهُ تَأمَّلْ خُفافًا أنَّنِي أنا ذَلِكا

أيْ أنا هَذا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [السجدة: ٦] و﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ [الأنعام: ٨٣] ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٢] ﴿ذَلِكم حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكم﴾ [الممتحنة: ١٠] وقِيلَ إنَّ الإشارَةَ إلى غائِبٍ، واخْتُلِفَ في ذَلِكَ الغائِبِ، فَقِيلَ: هو الكِتابُ الَّذِي كُتِبَ عَلى الخَلائِقِ بِالسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ والأجَلِ والرِّزْقِ.

﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ لا مُبَدِّلَ لَهُ، وقِيلَ: ذَلِكَ الكِتابُ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلى نَفْسِهِ في الأزَلِ أنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، كَما في صَحِيحِمُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَمّا قَضى اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ في كِتابٍ عَلى نَفْسِهِ فَهو مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ: إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي» .

وفِي رِوايَةٍ سَبَقَتْ.

وقِيلَ: الإشارَةُ إلى ما قَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ، وقِيلَ: إلى ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿الم﴾، ورَجَّحَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ وقَعَ الِاخْتِلافُ في ذَلِكَ إلى تَمامِ عَشْرَةِ أقْوالٍ حَسْبَما حَكاهُ القُرْطُبِيُّ وأرْجَحُها ما صَدَّرْناهُ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، و﴿الكِتابُ﴾ صِفَتُهُ، والخَبَرُ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ومَن جَوَّزَ الِابْتِداءَ بِـ ﴿الم﴾ جَعَلَ ذَلِكَ مُبْتَدَأً ثانِيًا، وخَبَرُهُ ﴿الكِتابُ﴾ أوْ هو صِفَتُهُ، والخَبَرُ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.

ويَجُوزُ أنْتَ يَكُونُ المُبْتَدَأُ مُقَدَّرًا وخَبَرُهُ ﴿الم﴾ وما بَعْدَهُ.

والرَّيْبُ مَصْدَرٌ، وهو قَلَقُ النَّفْسِ واضْطِرابُها، وقِيلَ إنَّ الرَّيْبَ الشَّكُّ.

قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: لا أعْلَمُ في هَذا خِلافًا.

وقَدْ يُسْتَعْمَلُ الرَّيْبُ في التُّهْمَةِ والحاجَةِ، حَكى ذَلِكَ القُرْطُبِيُّ.

ومَعْنى هَذا النَّفْيِ العامِّ أنَّ الكِتابَ لَيْسَ بِمَظِنَّةٍ لِلرَّيْبِ لِوُضُوحِ دَلالَتِهِ وُضُوحًا يَقُومُ مَقامَ البُرْهانِ المُقْتَضِي لِكَوْنِهِ لا يَنْبَغِي الِارْتِيابُ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، والوَقْفُ عَلى ﴿فِيهِ﴾ هو المَشْهُورُ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ نافِعٍ وعاصِمٍ الوَقْفُ عَلى ﴿لا رَيْبَ﴾ .

قالَ في الكَشّافِ: ولا بُدَّ لِلْواقِفِ مِن أنْ يَنْوِيَ خَبَرًا ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا لا ضَيْرَ﴾ [الشعراء: ٥٠] وقَوْلُ العَرَبِ: لا بَأْسَ، وهي كَثِيرَةٌ في لِسانِ أهْلِ الحِجازِ، والتَّقْدِيرُ: لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى.

والهُدى مَصْدَرٌ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو الدَّلالَةُ المُوصِلَةُ إلى البُغْيَةِ بِدَلِيلِ وُقُوعِ الضَّلالِ في مُقابَلَتِهِ انْتَهى.

ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ المَذْكُورُ قَبْلَهُ عَلى ما سَبَقَ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: الهُدى هُدَيانِ: هُدى دَلالَةٍ وهو الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ الرُّسُلُ وأتْباعُهم، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧] وقالَ: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] فَأثْبَتَ …

3

ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ

Who believe in the unseen, establish prayer, and spend out of what We have provided for them,

هُوَ وصْفٌ لِلْمُتَّقِينَ كاشِفٌ، والإيمانُ في اللُّغَةِ: التَّصْدِيقُ، وفي الشَّرْعِ ما سَيَأْتِي.

والغَيْبُ في كَلامِ العَرَبِ: كُلُّ ما غابَ عَنْكَ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَأْوِيلِ الغَيْبِ هُنا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الغَيْبُ في هَذِهِ الآيَةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وضَعَفَّهُ ابْنُ العَرَبِيِّ.

وقالَ آخَرُونَ: القَضاءُ والقَدْرُ.

وقالَ آخَرُونَ: القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ الغُيُوبِ.

وقالَ آخَرُونَ: الغَيْبُ كُلُّ ما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ مِمّا لا تَهْتَدِي إلَيْهِ العُقُولُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ وعَذابِ القَبْرِ والحَشْرِ والنَّشْرِ والصِّراطِ والمِيزانِ والجَنَّةِ والنّارِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الأقْوالُ لا تَتَعارَضُ بَلْ يَقَعُ الغَيْبُ عَلى جَمِيعِها، قالَ: وهَذا هو الإيمانُ الشَّرْعِيُّ المُشارُ إلَيْهِ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ حِينَ قالَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «فَأخْبِرْنِي عَنِ الإيمانِ ؟ قالَ: أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ، قالَ: صَدَقْتَ انْتَهى» .

وهَذا الحَدِيثُ هو ثابِتٌ في الصَّحِيحِ بِلَفْظِ: «أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ، والقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ» .

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَندَهْ وأبُو نُعَيْمٍ كِلاهُما في مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ عَنْ تَوِيلَةَ بِنْتِ أسْلَمَ قالَتْ: «صَلَّيْتُ الظُّهْرَ أوِ العَصْرَ في مَسْجِدِ بَنِي حارِثَةَ، فاسْتَقْبَلْنا مَسْجِدَ إيلِيا فَصَلَّيْنا سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ جاءَنا مَن يُخْبِرُنا بِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَدِ اسْتَقْبَلَ البَيْتَ، فَتَحَوَّلَ الرِّجالُ مَكانَ النِّساءِ والنِّساءُ مَكانَ الرِّجالِ، فَصَلَّيْنا السَّجْدَتَيْنِ الباقِيَتَيْنِ ونَحْنُ مُسْتَقْبِلُونَ البَيْتَ الحَرامَ، فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: أُولَئِكَ قَوْمٌ آمَنُوا بِالغَيْبِ» .

وأخْرَجَ البَزّارُ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: كُنْتُ جالِسًا مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «أنْبِئُونِي بِأفْضَلِ أهْلِ الإيمانِ إيمانًا ؟ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ المَلائِكَةُ، قالَ: هم كَذَلِكَ ويَحِقُّ لَهم، وما يَمْنَعُهم وقَدْ أنْزَلَهُمُ اللَّهُ المَنزِلَةَ الَّتِي أنْزَلَهم بِها، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ الأنْبِياءُ الَّذِينَ أكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِرِسالَتِهِ والنُّبُوَّةِ، قالَ: هم كَذَلِكَ ويَحِقُّ لَهم، وما يَمْنَعُهم وقَدْ أنْزَلَهُمُ اللَّهُ المَنزِلَةَ الَّتِي أنْزَلَهم بِها، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ الشُّهَداءُ الَّذِينَ اسْتَشْهَدُوا مَعَ الأنْبِياءِ، قالَ: هم كَذَلِكَ، وما يَمْنَعُهم وقَدْ أكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِالشَّهادَةِ، قالُوا: فَمَن يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: أقْوامٌ في أصْلابِ الرِّجالِ يَأْتُونَ مِن بَعْدِي يُؤْمِنُونَ بِي ولَمْ يَرَوْنِي ويُصَدِّقُونِي ولَمْ يَرَوْنِي، يَجِدُونَ الوَرَقَ المُعَلَّقَ فَيَعْمَلُونَ بِما فِيهِ، فَهَؤُلاءِ أفْضَلُ أهْلِ الإيمانِ إيمانًا» وفي إسْنادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي حُمَيْدٍ وفِيهِ ضَعْفٌ.

وأخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ في حِزْبِهِ المَشْهُورِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَذَكَرَ نَحْوَ الحَدِيثِ الأوَّلِ، وفي إسْنادِهِ المُغِيرَةُ بْنُ قَيْسٍ البَصَرِيُّ وهو مُنْكَرُ الحَدِيثِ.

وأخْرَجَ نَحْوَهُ …

4

وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ

And who believe in what has been revealed to you, [O Muhammad], and what was revealed before you, and of the Hereafter they are certain [in faith].

وقِيلَ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وما أنْزَلَهُ عَلى مَن قَبْلَهُ وفِيهِمْ نَزَلَتْ.

وقَدْ رَجَّحَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، ونَقَلَهُ السُّدِّيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وأُناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ، واسْتَشْهَدَ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤] الآيَةَ.

والآيَةُ الأُولى نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي العَرَبِ.

وقِيلَ: الآيَتانِ جَمِيعًا في المُؤْمِنِينَ عَلى العُمُومِ.

وعَلى هَذا فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى صِفَةً لِلْمُتَّقِينَ بَعْدَ صِفَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَرْفُوعَةً عَلى الِاسْتِئْنافِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى المُتَّقِينَ بَعْدَ صِفَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَرْفُوعَةً عَلى الِاسْتِئْنافِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى المُتَّقِينَ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ولِلَّذِينِ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ.

والمُرادُ بِما أُنْزِلَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: هو القُرْآنُ، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ: هو الكُتُبُ السّالِفَةُ.

والإيقانُ: إيقانُ العِلْمِ بِانْتِفاءِ الشَّكِّ والشُّبْهَةِ عَنْهُ، قالَهُ في الكَشّافِ، والمُرادُ أنَّهم يُوقِنُونَ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ وسائِرِ أُمُورِ الآخِرَةِ مِن دُونِ شَكٍّ.

والآخِرَةُ تَأْنِيثُ الآخَرِ الَّذِي هو نَقِيضُ الأوَّلِ، وهي صِفَةُ الدّارِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ [القصص: ٨٣] وفي تَقْدِيمِ الظَّرْفِ مَعَ بِناءِ الفِعْلِ عَلى الضَّمِيرِ المَذْكُورِ إشْعارٌ بِالحَصْرِ، وأنَّ ما عَدا هَذا الأمْرَ الَّذِي هو أساسُ الإيمانِ ورَأْسُهُ لَيْسَ بِمُسْتَأْهِلٍ لِلْإيقانِ بِهِ والقَطْعِ بِوُقُوعِهِ.

وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ أنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ إذْ ذاكَ إلّا البَعْضُ لا الكُلُّ تَغْلِيبًا لِلْمَوْجُودِ عَلى ما لَمْ يُوجَدْ، أوْ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ كَأنَّهُ بِمَنزِلَةِ النّازِلِ قَبْلَ نُزُولِهِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبِلَكَ﴾ أيْ يُصَدِّقُونَكَ بِما جِئْتَ بِهِ مِنَ اللَّهِ وما جاءَ بِهِ مِن قَبْلِكَ مِنَ المُرْسَلِينَ، لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهم، ولا يَجْحَدُونَ ما جاءُوهم مِن رَبِّهِمْ ﴿وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ إيمانًا بِالبَعْثِ والقِيامَةِ والجَنَّةِ والنّارِ والحِسابِ والمِيزانِ أيْ لا هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما كانَ قَبْلَكَ ويَكْفُرُونَ بِما جاءَ مِن رَبِّكَ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.

والحَقُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في المُؤْمِنِينَ كالَّتِي قَبْلَها، ولَيْسَ مُجَرَّدَ ذِكْرِ الإيمانِ بِما أُنْزِلَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وما أُنْزِلَ إلى مَن قَبْلَهُ بِمُقْتَضٍ لِجَعْلِ ذَلِكَ وصْفًا لِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، ولَمْ يَأْتِ ما يُوجِبُ المُخالَفَةَ لِهَذا ولا في النَّظْمِ …

5

أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًۭى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

Those are upon [right] guidance from their Lord, and it is those who are the successful.

وقِيلَ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وما أنْزَلَهُ عَلى مَن قَبْلَهُ وفِيهِمْ نَزَلَتْ.

وقَدْ رَجَّحَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، ونَقَلَهُ السُّدِّيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وأُناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ، واسْتَشْهَدَ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤] الآيَةَ.

والآيَةُ الأُولى نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي العَرَبِ.

وقِيلَ: الآيَتانِ جَمِيعًا في المُؤْمِنِينَ عَلى العُمُومِ.

وعَلى هَذا فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى صِفَةً لِلْمُتَّقِينَ بَعْدَ صِفَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَرْفُوعَةً عَلى الِاسْتِئْنافِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى المُتَّقِينَ بَعْدَ صِفَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَرْفُوعَةً عَلى الِاسْتِئْنافِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى المُتَّقِينَ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ولِلَّذِينِ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ.

والمُرادُ بِما أُنْزِلَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: هو القُرْآنُ، وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ: هو الكُتُبُ السّالِفَةُ.

والإيقانُ: إيقانُ العِلْمِ بِانْتِفاءِ الشَّكِّ والشُّبْهَةِ عَنْهُ، قالَهُ في الكَشّافِ، والمُرادُ أنَّهم يُوقِنُونَ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ وسائِرِ أُمُورِ الآخِرَةِ مِن دُونِ شَكٍّ.

والآخِرَةُ تَأْنِيثُ الآخَرِ الَّذِي هو نَقِيضُ الأوَّلِ، وهي صِفَةُ الدّارِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ [القصص: ٨٣] وفي تَقْدِيمِ الظَّرْفِ مَعَ بِناءِ الفِعْلِ عَلى الضَّمِيرِ المَذْكُورِ إشْعارٌ بِالحَصْرِ، وأنَّ ما عَدا هَذا الأمْرَ الَّذِي هو أساسُ الإيمانِ ورَأْسُهُ لَيْسَ بِمُسْتَأْهِلٍ لِلْإيقانِ بِهِ والقَطْعِ بِوُقُوعِهِ.

وإنَّما عَبَّرَ بِالماضِي مَعَ أنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ إذْ ذاكَ إلّا البَعْضُ لا الكُلُّ تَغْلِيبًا لِلْمَوْجُودِ عَلى ما لَمْ يُوجَدْ، أوْ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ كَأنَّهُ بِمَنزِلَةِ النّازِلِ قَبْلَ نُزُولِهِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبِلَكَ﴾ أيْ يُصَدِّقُونَكَ بِما جِئْتَ بِهِ مِنَ اللَّهِ وما جاءَ بِهِ مِن قَبْلِكَ مِنَ المُرْسَلِينَ، لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهم، ولا يَجْحَدُونَ ما جاءُوهم مِن رَبِّهِمْ ﴿وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ إيمانًا بِالبَعْثِ والقِيامَةِ والجَنَّةِ والنّارِ والحِسابِ والمِيزانِ أيْ لا هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما كانَ قَبْلَكَ ويَكْفُرُونَ بِما جاءَ مِن رَبِّكَ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.

والحَقُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في المُؤْمِنِينَ كالَّتِي قَبْلَها، ولَيْسَ مُجَرَّدَ ذِكْرِ الإيمانِ بِما أُنْزِلَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وما أُنْزِلَ إلى مَن قَبْلَهُ بِمُقْتَضٍ لِجَعْلِ ذَلِكَ وصْفًا لِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، ولَمْ يَأْتِ ما يُوجِبُ المُخالَفَةَ لِهَذا ولا في النَّظْمِ …

6

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Indeed, those who disbelieve - it is all the same for them whether you warn them or do not warn them - they will not believe.

ذَكَرَ سُبْحانَهُ فَرِيقَ الشَّرِّ بَعْدَ الفَراغِ مِن ذِكْرِ فَرِيقِ الخَيْرِ قاطِعًا لِهَذا الكَلامِ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ، مُعَنْوِنًا لَهُ بِما يُفِيدُ أنَّ شَأْنَ جِنْسِ الكَفَرَةِ عَدَمُ إجْداءِ الإنْذارِ لَهم، وأنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمْ ما هو المَطْلُوبُ مِنهم مِنَ الإيمانِ، وأنَّ وُجُودَ ذَلِكَ كَعَدَمِهِ.

و" سَواءٌ " اسْمٌ بِمَعْنى الِاسْتِواءِ وُصِفَ بِهِ كَما يُوصَفُ بِالمَصادِرِ، والهَمْزَةُ وأمْ مُجَرَّدَتانِ لِمَعْنى الِاسْتِواءِ غَيْرُ مُرادٍ بِهِما ما هو أصْلُهُما مِنَ الِاسْتِفْهامِ، وصَحَّ الِابْتِداءُ بِالفِعْلِ والإخْبارِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: " سَواءٌ "، هَجْرًا لِجانِبِ اللَّفْظِ إلى جانِبِ المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: الإنْذارُ وعَدَمُهُ سَواءٌ، كَقَوْلِهِمْ: تَسْمَعُ بِالمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ: أيْ سَماعُكَ.

وأصْلُ الكُفْرِ في اللُّغَةِ: السَّتْرُ والتَّغْطِيَةُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمامُها

أيْ سَتَرَها، ومِنهُ سُمِّيَ الكافِرُ كافِرًا لِأنَّهُ يُغَطِّي بِكُفْرِهِ ما يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ.

والإنْذارُ: الإبْلاغُ والإعْلامُ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقِيلَ: هي عامَّةٌ ومَعْناها الخُصُوصُ فِيمَن سَبَقَتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، وسَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى كُفْرِهِ.

أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُعْلِمَ النّاسَ أنَّ فِيهِمْ مَن هَذا حالُهُ دُونَ أنْ يُعَيِّنَ أحَدًا.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في رُؤَساءِ اليَهُودِ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ ونُظَرائِهِما.

وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: نَزَلَتْ فِيمَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قادَةِ الأحْزابِ، والأوَّلُ أصَحُّ، فَإنَّ مَن عَيَّنَ أحَدًا فَإنَّما مَثَّلَ بِمَن كُشِفَ الغَيْبُ بِمَوْتِهِ عَلى الكُفْرِ انْتَهى.

وقَوْلُهُ: لا يُؤْمِنُونَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم لا يُؤْمِنُونَ، وهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِأنَّها جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: هَؤُلاءِ الَّذِي اسْتَوى حالُهم مَعَ الإنْذارِ وعَدَمِهِ ماذا يَكُونُ مِنهم ؟ فَقِيلَ: لا يُؤْمِنُونَ: أيْ هم لا يُؤْمِنُونَ: وقالَ في الكَشّافِ: إنَّها جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، أوْ خَبَرٌ لِأنَّ والجُمْلَةُ قَبْلَها اعْتِراضٌ انْتَهى.

والأوْلى ما ذَكَرْناهُ، لِأنَّ المَقْصُودَ الإخْبارُ عَنْ عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِإنْذارِهِمْ، وأنَّهُ لا يُجْدِي شَيْئًا بَلْ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ هي الَّتِي وقَعَتْ خَبَرًا لِأنَّ، وما بَعْدَها مِن عَدَمِ الإيمانِ مُتَسَبِّبٌ عَنْها لا أنَّهُ المَقْصُودُ.

وقَدْ قالَ بِمِثْلِ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ القُرْطُبِيُّ.

وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: إنَّ خَبَرَ إنَّ سَواءٌ، وما بَعْدَهُ يَقُومُ مَقامَ الصِّلَةِ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: سَواءٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم﴾، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، والخَتْمُ: مَصْدَرُ خَتَمْتُ الشَّيْءَ، ومَعْناهُ: التَّغْطِيَةُ عَلى الشَّيْءِ والِاسْتِيثاقُ مِنهُ حَتّى لا يَدْخُلَهُ شَيْءٌ، ومِنهُ خَتْمُ الكِتابِ والبابِ وما يُشْبِهُ ذَلِكَ حَتّى لا يُوصَلَ إلى ما فِيهِ ولا يُوضَعَ فِيهِ غَيْرُهُ.

والغِشاوَةُ: الغِطاءُ، ومِنهُ غاشِيَةُ السَّرْجِ، والمُرادُ بِالخَتْمِ والغِشاوَةِ هُنا هُما المَعْنَوِيّانِ لا الحِسِّيّانِ: أيْ لَمّا كانَتْ قُلُوبُهم غَيْرَ واعِيَةٍ لِما وصَلَ إلَيْها، والأسْماعُ غَيْرَ مُؤَدِّيَةٍ لِما يَطْرُقُها مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ إلى العَقْلِ عَلى وجْهٍ مَفْهُومٍ، والأبْصارُ غَيْرَ …

7

خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰٓ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَٰوَةٌۭ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

Allah has set a seal upon their hearts and upon their hearing, and over their vision is a veil. And for them is a great punishment.

ذَكَرَ سُبْحانَهُ فَرِيقَ الشَّرِّ بَعْدَ الفَراغِ مِن ذِكْرِ فَرِيقِ الخَيْرِ قاطِعًا لِهَذا الكَلامِ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ، مُعَنْوِنًا لَهُ بِما يُفِيدُ أنَّ شَأْنَ جِنْسِ الكَفَرَةِ عَدَمُ إجْداءِ الإنْذارِ لَهم، وأنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمْ ما هو المَطْلُوبُ مِنهم مِنَ الإيمانِ، وأنَّ وُجُودَ ذَلِكَ كَعَدَمِهِ.

و" سَواءٌ " اسْمٌ بِمَعْنى الِاسْتِواءِ وُصِفَ بِهِ كَما يُوصَفُ بِالمَصادِرِ، والهَمْزَةُ وأمْ مُجَرَّدَتانِ لِمَعْنى الِاسْتِواءِ غَيْرُ مُرادٍ بِهِما ما هو أصْلُهُما مِنَ الِاسْتِفْهامِ، وصَحَّ الِابْتِداءُ بِالفِعْلِ والإخْبارِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: " سَواءٌ "، هَجْرًا لِجانِبِ اللَّفْظِ إلى جانِبِ المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: الإنْذارُ وعَدَمُهُ سَواءٌ، كَقَوْلِهِمْ: تَسْمَعُ بِالمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ: أيْ سَماعُكَ.

وأصْلُ الكُفْرِ في اللُّغَةِ: السَّتْرُ والتَّغْطِيَةُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمامُها

أيْ سَتَرَها، ومِنهُ سُمِّيَ الكافِرُ كافِرًا لِأنَّهُ يُغَطِّي بِكُفْرِهِ ما يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ.

والإنْذارُ: الإبْلاغُ والإعْلامُ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقِيلَ: هي عامَّةٌ ومَعْناها الخُصُوصُ فِيمَن سَبَقَتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، وسَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى كُفْرِهِ.

أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُعْلِمَ النّاسَ أنَّ فِيهِمْ مَن هَذا حالُهُ دُونَ أنْ يُعَيِّنَ أحَدًا.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في رُؤَساءِ اليَهُودِ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ ونُظَرائِهِما.

وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: نَزَلَتْ فِيمَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن قادَةِ الأحْزابِ، والأوَّلُ أصَحُّ، فَإنَّ مَن عَيَّنَ أحَدًا فَإنَّما مَثَّلَ بِمَن كُشِفَ الغَيْبُ بِمَوْتِهِ عَلى الكُفْرِ انْتَهى.

وقَوْلُهُ: لا يُؤْمِنُونَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هم لا يُؤْمِنُونَ، وهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِأنَّها جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: هَؤُلاءِ الَّذِي اسْتَوى حالُهم مَعَ الإنْذارِ وعَدَمِهِ ماذا يَكُونُ مِنهم ؟ فَقِيلَ: لا يُؤْمِنُونَ: أيْ هم لا يُؤْمِنُونَ: وقالَ في الكَشّافِ: إنَّها جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، أوْ خَبَرٌ لِأنَّ والجُمْلَةُ قَبْلَها اعْتِراضٌ انْتَهى.

والأوْلى ما ذَكَرْناهُ، لِأنَّ المَقْصُودَ الإخْبارُ عَنْ عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِإنْذارِهِمْ، وأنَّهُ لا يُجْدِي شَيْئًا بَلْ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ هي الَّتِي وقَعَتْ خَبَرًا لِأنَّ، وما بَعْدَها مِن عَدَمِ الإيمانِ مُتَسَبِّبٌ عَنْها لا أنَّهُ المَقْصُودُ.

وقَدْ قالَ بِمِثْلِ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ القُرْطُبِيُّ.

وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: إنَّ خَبَرَ إنَّ سَواءٌ، وما بَعْدَهُ يَقُومُ مَقامَ الصِّلَةِ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: سَواءٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم﴾، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، والخَتْمُ: مَصْدَرُ خَتَمْتُ الشَّيْءَ، ومَعْناهُ: التَّغْطِيَةُ عَلى الشَّيْءِ والِاسْتِيثاقُ مِنهُ حَتّى لا يَدْخُلَهُ شَيْءٌ، ومِنهُ خَتْمُ الكِتابِ والبابِ وما يُشْبِهُ ذَلِكَ حَتّى لا يُوصَلَ إلى ما فِيهِ ولا يُوضَعَ فِيهِ غَيْرُهُ.

والغِشاوَةُ: الغِطاءُ، ومِنهُ غاشِيَةُ السَّرْجِ، والمُرادُ بِالخَتْمِ والغِشاوَةِ هُنا هُما المَعْنَوِيّانِ لا الحِسِّيّانِ: أيْ لَمّا كانَتْ قُلُوبُهم غَيْرَ واعِيَةٍ لِما وصَلَ إلَيْها، والأسْماعُ غَيْرَ مُؤَدِّيَةٍ لِما يَطْرُقُها مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ إلى العَقْلِ عَلى وجْهٍ مَفْهُومٍ، والأبْصارُ غَيْرَ …

8

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ

And of the people are some who say, "We believe in Allah and the Last Day," but they are not believers.

ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ المُؤْمِنِينَ الخُلَّصَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُمُ الكَفَرَةَ الخُلَّصَ، ثُمَّ ذَكَرَ ثالِثًا المُنافِقِينَ وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، بَلْ صارُوا فِرْقَةً ثالِثَةً لِأنَّهم وافَقُوا في الظّاهِرِ الطّائِفَةَ الأُولى وفي الباطِنِ الطّائِفَةَ الثّانِيَةَ، ومَعَ ذَلِكَ فَهم أهْلُ الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ.

وأصْلُ ناسٍ حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ تَخْفِيفًا، وهو مِنَ النَّوْسِ وهو الحَرَكَةُ، يُقالُ: ناسَ يَنُوسُ: أيْ تَحَرَّكَ، وهو مِن أسْماءِ الجُمُوعِ، جَمْعُ إنْسانٍ وإنْسانَةٍ عَلى غَيْرِ لَفْظِهِ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلَيْهِ لِلْجِنْسِ، و( مِن ) تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ بَعْضُ النّاسِ، و( مِن ) مَوْصُوفَةٌ: أيْ ومِنَ النّاسِ ناسٌ يَقُولُ.

والمُرادُ بِاليَوْمِ الآخِرِ: الوَقْتُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ، بَلْ هو دائِمٌ أبَدًا.

والخِداعُ في أصْلِ اللُّغَةِ: الفَسادُ حَكاهُ ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ، وأنْشَدَ:

؎أبْيَضَ اللَّوْنِ رَقِيقًا طَعْمُهُ طَيِّبَ الرِّيقِ إذا الرِّيقُ خَدَعْ

وقِيلَ: أصْلُهُ الإخْفاءُ، ومِنهُ مَخْدَعُ البَيْتِ الَّذِي يُحْرَزُ فِيهِ الشَّيْءُ، حَكاهُ ابْنُ فارِسٍ وغَيْرُهُ.

والمُرادُ مِن مُخادَعَتِهِمْ لِلَّهِ أنَّهم صَنَعُوا مَعَهُ صُنْعَ المُخادِعِينَ، وإنْ كانَ العالِمُ الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ لا يُخْدَعُ.

وصِيغَةُ فاعِلٍ تُفِيدُ الِاشْتِراكَ في أصْلِ الفِعْلِ، فَكَوْنُهم ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ يُفِيدُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ والَّذِينَ آمَنُوا يُخادِعُونَهم.

والمُرادُ بِالمُخادَعَةِ مِنَ اللَّهِ: أنَّهُ لَمّا أجْرى عَلَيْهِمْ أحْكامَ الإسْلامِ مَعَ أنَّهم لَيْسُوا مِنهُ في شَيْءٍ، فَكَأنَّهُ خادَعَهم بِذَلِكَ كَما خادَعُوهُ بِإظْهارِ الإسْلامِ وإبِطانِ الكُفْرِ مُشاكَلَةً لِما وقَعَ مِنهم بِما وقَعَ مِنهُ.

والمُرادُ بِمُخادَعَةِ المُؤْمِنِينَ لَهم: هو أنَّهم أجْرَوْا عَلَيْهِمْ ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن أحْكامِ الإسْلامِ ظاهِرًا وإنْ كانُوا يَعْلَمُونَ فَسادَ بَواطِنِهِمْ، كَما أنَّ المُنافِقِينَ خادَعُوهم بِإظْهارِ الإسْلامِ وإبِطانِ الكُفْرِ.

والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم﴾ الإشْعارُ بِأنَّهم لَمّا خادَعُوا مَن لا يُخْدَعُ كانُوا مُخادِعِينَ لِأنْفُسِهِمْ، لِأنَّ الخِداعَ إنَّما يَكُونُ مَعَ مَن لا يَعْرِفُ البَواطِنَ.

وأمّا مَن عَرَفَ البَواطِنَ فَمَن دَخَلَ مَعَهُ في الخِداعِ فَإنَّما يَخْدَعُ نَفْسَهُ وما يَشْعُرُ بِذَلِكَ، ومِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: مَن خادَعْتَهُ فانْخَدَعَ لَكَ فَقَدْ خَدَعَكَ.

وقَدْ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو يُخادِعُونَ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ وابْنُ عامِرٍ في الثّانِي " يَخْدَعُونَ " .

والمُرادُ بِمُخادَعَتِهِمْ أنْفُسَهم: أنَّهم يُمَنُّونَها الأمانِيَّ الباطِلَةَ وهي كَذَلِكَ تُمَنِّيهِمْ.

قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: شَعَرْتُ بِالشَّيْءِ فَطِنْتُ.

قالَ في الكَشّافِ: والشُّعُورُ عِلْمُ الشَّيْءِ عِلْمَ حَسٍّ، مِنَ الشِّعارِ - ومَشاعِرُ الإنْسانِ: حَواسُّهُ.

والمَعْنى: أنَّ لُحُوقَ ضَرَرِ ذَلِكَ لَهم كالمَحْسُوسِ، وهم لِتَمادِي غَفْلَتِهِمْ كالَّذِي لا حِسَّ لَهُ.

والمُرادُ بِالأنْفُسِ هُنا ذَواتُهم لا سائِرُ المَعانِي الَّتِي تَدْخُلُ في مُسَمّى النَّفْسِ كالرُّوحِ والدَّمِ والقَلْبِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُمُ المُنافِقُونَ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ ومَن كانَ عَلى أمْرِهِمْ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ …

9

يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

They [think to] deceive Allah and those who believe, but they deceive not except themselves and perceive [it] not.

ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ المُؤْمِنِينَ الخُلَّصَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُمُ الكَفَرَةَ الخُلَّصَ، ثُمَّ ذَكَرَ ثالِثًا المُنافِقِينَ وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، بَلْ صارُوا فِرْقَةً ثالِثَةً لِأنَّهم وافَقُوا في الظّاهِرِ الطّائِفَةَ الأُولى وفي الباطِنِ الطّائِفَةَ الثّانِيَةَ، ومَعَ ذَلِكَ فَهم أهْلُ الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ.

وأصْلُ ناسٍ حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ تَخْفِيفًا، وهو مِنَ النَّوْسِ وهو الحَرَكَةُ، يُقالُ: ناسَ يَنُوسُ: أيْ تَحَرَّكَ، وهو مِن أسْماءِ الجُمُوعِ، جَمْعُ إنْسانٍ وإنْسانَةٍ عَلى غَيْرِ لَفْظِهِ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلَيْهِ لِلْجِنْسِ، و( مِن ) تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ بَعْضُ النّاسِ، و( مِن ) مَوْصُوفَةٌ: أيْ ومِنَ النّاسِ ناسٌ يَقُولُ.

والمُرادُ بِاليَوْمِ الآخِرِ: الوَقْتُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ، بَلْ هو دائِمٌ أبَدًا.

والخِداعُ في أصْلِ اللُّغَةِ: الفَسادُ حَكاهُ ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ، وأنْشَدَ:

؎أبْيَضَ اللَّوْنِ رَقِيقًا طَعْمُهُ طَيِّبَ الرِّيقِ إذا الرِّيقُ خَدَعْ

وقِيلَ: أصْلُهُ الإخْفاءُ، ومِنهُ مَخْدَعُ البَيْتِ الَّذِي يُحْرَزُ فِيهِ الشَّيْءُ، حَكاهُ ابْنُ فارِسٍ وغَيْرُهُ.

والمُرادُ مِن مُخادَعَتِهِمْ لِلَّهِ أنَّهم صَنَعُوا مَعَهُ صُنْعَ المُخادِعِينَ، وإنْ كانَ العالِمُ الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ لا يُخْدَعُ.

وصِيغَةُ فاعِلٍ تُفِيدُ الِاشْتِراكَ في أصْلِ الفِعْلِ، فَكَوْنُهم ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ يُفِيدُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ والَّذِينَ آمَنُوا يُخادِعُونَهم.

والمُرادُ بِالمُخادَعَةِ مِنَ اللَّهِ: أنَّهُ لَمّا أجْرى عَلَيْهِمْ أحْكامَ الإسْلامِ مَعَ أنَّهم لَيْسُوا مِنهُ في شَيْءٍ، فَكَأنَّهُ خادَعَهم بِذَلِكَ كَما خادَعُوهُ بِإظْهارِ الإسْلامِ وإبِطانِ الكُفْرِ مُشاكَلَةً لِما وقَعَ مِنهم بِما وقَعَ مِنهُ.

والمُرادُ بِمُخادَعَةِ المُؤْمِنِينَ لَهم: هو أنَّهم أجْرَوْا عَلَيْهِمْ ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن أحْكامِ الإسْلامِ ظاهِرًا وإنْ كانُوا يَعْلَمُونَ فَسادَ بَواطِنِهِمْ، كَما أنَّ المُنافِقِينَ خادَعُوهم بِإظْهارِ الإسْلامِ وإبِطانِ الكُفْرِ.

والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم﴾ الإشْعارُ بِأنَّهم لَمّا خادَعُوا مَن لا يُخْدَعُ كانُوا مُخادِعِينَ لِأنْفُسِهِمْ، لِأنَّ الخِداعَ إنَّما يَكُونُ مَعَ مَن لا يَعْرِفُ البَواطِنَ.

وأمّا مَن عَرَفَ البَواطِنَ فَمَن دَخَلَ مَعَهُ في الخِداعِ فَإنَّما يَخْدَعُ نَفْسَهُ وما يَشْعُرُ بِذَلِكَ، ومِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: مَن خادَعْتَهُ فانْخَدَعَ لَكَ فَقَدْ خَدَعَكَ.

وقَدْ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو يُخادِعُونَ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ وابْنُ عامِرٍ في الثّانِي " يَخْدَعُونَ " .

والمُرادُ بِمُخادَعَتِهِمْ أنْفُسَهم: أنَّهم يُمَنُّونَها الأمانِيَّ الباطِلَةَ وهي كَذَلِكَ تُمَنِّيهِمْ.

قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: شَعَرْتُ بِالشَّيْءِ فَطِنْتُ.

قالَ في الكَشّافِ: والشُّعُورُ عِلْمُ الشَّيْءِ عِلْمَ حَسٍّ، مِنَ الشِّعارِ - ومَشاعِرُ الإنْسانِ: حَواسُّهُ.

والمَعْنى: أنَّ لُحُوقَ ضَرَرِ ذَلِكَ لَهم كالمَحْسُوسِ، وهم لِتَمادِي غَفْلَتِهِمْ كالَّذِي لا حِسَّ لَهُ.

والمُرادُ بِالأنْفُسِ هُنا ذَواتُهم لا سائِرُ المَعانِي الَّتِي تَدْخُلُ في مُسَمّى النَّفْسِ كالرُّوحِ والدَّمِ والقَلْبِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُمُ المُنافِقُونَ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ ومَن كانَ عَلى أمْرِهِمْ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ …

10

فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًۭا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ

In their hearts is disease, so Allah has increased their disease; and for them is a painful punishment because they [habitually] used to lie.

المَرَضُ: كُلُّ ما يَخْرُجُ بِهِ الإنْسانُ عَنْ حَدِّ الصِّحَّةِ مِن عِلَّةٍ أوْ إنْفاقٍ أوْ تَقْصِيرٍ في أمْرٍ، قالَهُ ابْنُ فارِسٍ، وقِيلَ: هو الألَمُ، فَيَكُونُ عَلى هَذا مُسْتَعارًا لِلْفَسادِ الَّذِي في عَقائِدِهِمْ إمّا شَكًّا ونِفاقًا، أوْ جَحْدًا وتَكْذِيبًا، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ المَرَضَ مُخْتَصٌّ بِها بِمُبالَغَةٍ في تَعَلُّقِ هَذا الدّاءِ بِتِلْكَ القُلُوبِ لِما كانُوا عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ الحَسَدِ وفَرْطِ العَداوَةِ.

والمُرادُ بِقَوْلِهِ: فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا الإخْبارُ بِأنَّهم كَذَلِكَ بِما يَتَجَدَّدُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ النِّعَمِ، ويَتَكَرَّرُ لَهُ مِن مِنَنِ اللَّهِ الدُّنْيَوِيَّةِ والدِّينِيَّةِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِمْ بِزِيادَةِ الشَّكِّ وتَرادُفِ الحَسْرَةِ وفَرْطِ النِّفاقِ.

والألِيمُ المُؤْلِمُ: أيِ المُوجِعِ، و( ما ) في قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ بِتَكْذِيبِهِمْ وهو قَوْلُهم: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] والقُرّاءُ مُجْمِعُونَ عَلى فَتْحِ الرّاءِ مِن قَوْلِهِ: ( مَرَضٌ )، إلّا ما رَواهُ الأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِإسْكانِ الرّاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ يَكْذِبُونَ بِالتَّخْفِيفِ، والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قالَ: شَكٌّ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا قالَ: شَكًّا.

وأخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قالَ: النِّفاقُ، ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ قالَ: نَكالٌ مُوجِعٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ قالَ: يُبَدِّلُونَ ويُحَرِّفُونَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَ ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أوَّلًا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ ألِيمٌ فَهو المُوجِعُ.

وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي العالِيَةِ مِثْلَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ أيْضًا.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ رِيبَةٌ وشَكٌّ في أمْرِ اللَّهِ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا رِيبَةً وشَكًّا ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ قالَ: إيّاكم والكَذِبَ فَإنَّهُ بابُ النِّفاقِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: هَذا مَرَضٌ في الدِّينِ ولَيْسَ مَرَضًا في الأجْسادِ وهُمُ المُنافِقُونَ.

والمَرَضُ: الشَّكُّ الَّذِي دَخَلَ في الإسْلامِ.

ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وطاوُسٍ أنَّ المَرَضَ: الرِّياءُ.

Al-Baqara 2:10Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.