Muslim99Muslim99
← Tafsir library

25. Al-Furqaan

The Criterion · Meccan · 77 ayahs

سُورَةُ الفُرۡقَانِ

Reading Tafsir Ibn Kathir by Hafiz Ibn Kathir

Ayahs 11–20 of 77

11

بَلْ كَذَّبُوا۟ بِٱلسَّاعَةِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا

But they have denied the Hour, and We have prepared for those who deny the Hour a Blaze.

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ تَعَنُّتِ الْكَفَّارِ وَعِنَادِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ لِلْحَقِّ بِلَا حُجَّةٍ وَلَا دَلِيلٍ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا تَعَلَّلُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ ، يَعْنُونَ: كَمَا نَأْكُلُهُ، وَيَحْتَاجُ إِلَيْهِ كَمَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ، ﴿وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ﴾ أَيْ: يَتَرَدَّدُ فِيهَا وَإِلَيْهَا طَلَبًا لِلتَّكَسُّبِ وَالتِّجَارَةِ، ﴿لَوْلا أُنزلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ يَقُولُونَ في أ: "يقول". : هَلَّا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَيَكُونَ لَهُ شَاهِدًا عَلَى صِدْق مَا يدَّعيه! وَهَذَا كَمَا قَالَ فِرْعَوْنُ: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٣] . وَكَذَلِكَ قَالَ هَؤُلَاءِ عَلَى السَّوَاءِ، تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنز﴾ أَيْ: عِلْمُ كَنْزٍ [يَكُونُ] زيادة من أ. يُنْفِقُ مِنْهُ، ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ أَيْ: تَسِيرُ مَعَهُ حَيْثُ سَارَ. وَهَذَا كُلُّهُ سَهْلٌ يَسِيرٌ عَلَى اللَّهِ، وَلَكِنَّ لَهُ الْحِكْمَةَ فِي تَرْكِ ذَلِكَ، وَلَهُ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ .

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ﴾ أَيْ: جَاءُوا بِمَا يَقْذِفُونَكَ بِهِ وَيَكْذِبُونَ بِهِ عَلَيْكَ، مِنْ قَوْلِهِمْ "سَاحِرٌ، مَسْحُورٌ، مَجْنُونٌ، كَذَّابٌ، شَاعِرٌ" وَكُلُّهَا أَقْوَالٌ بَاطِلَةٌ، كُلُّ أَحَدٍ مِمَّنْ لَهُ أَدْنَى فَهْمٍ وَعَقْلٍ يَعْرِفُ كَذِبَهُمْ وَافْتِرَاءَهُمْ فِي ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَضَلُّوا﴾ أَيْ: عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى، ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ خَرَجَ عَنِ الْحَقِّ فَإِنَّهُ ضَالٌّ حَيْثُمَا تَوَجَّهَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ وَمَنْهَجٌ مُتَّحِدٌ، يُصَدّق بَعْضُهُ بَعْضًا.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا نَبِيَّهُ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَآتَاهُ خَيْرًا مِمَّا يَقُولُونَ فِي الدُّنْيَا وَأَفْضَلَ وَأَحْسَنَ، فَقَالَ [تَعَالَى] زيادة من أ. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ .

قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: فِي الدُّنْيَا، قَالَ: وَقُرَيْشٌ يُسَمُّونَ كُلَّ بَيْتٍ مِنْ حِجَارَةٍ قَصْرًا، سَوَاءً كَانَ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا في ف، أ: "صغيرا أو كبيرا". .

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ خَيْثَمَة؛ قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنْ شِئْتَ أَنْ نُعْطِيَكَ خَزَائِنَ الْأَرْضِ وَمَفَاتِيحَهَا مَا لَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ قَبْلَكَ، وَلَا يُعطى أَحَدٌ مِنْ بَعْدِكَ، وَلَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِمَّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: اجْمَعُوهَا لِي فِي الْآخِرَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ رواه الطبري في تفسيره (١٨/١٤٠) من طريق سفيان به مرسلا. .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ هَكَذَا تَكْذِيبًا وَعِنَادًا، لَا أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ ذَلِكَ تَبَصُّرًا وَاسْتِرْشَادًا، بَلْ تَكْذِيبُهُمْ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُمْ عَلَى قَوْلِ مَا يَقُولُونَهُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ أَيْ: وَأَرْصَدْنَا ﴿لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ أَيْ: عَذَابًا أَلِيمًا حارًّاً لَا …

Al-Furqaan 25:11Listen in Qur'an →
12

إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ سَمِعُوا۟ لَهَا تَغَيُّظًۭا وَزَفِيرًۭا

When the Hellfire sees them from a distant place, they will hear its fury and roaring.

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ تَعَنُّتِ الْكَفَّارِ وَعِنَادِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ لِلْحَقِّ بِلَا حُجَّةٍ وَلَا دَلِيلٍ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا تَعَلَّلُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ ، يَعْنُونَ: كَمَا نَأْكُلُهُ، وَيَحْتَاجُ إِلَيْهِ كَمَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ، ﴿وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ﴾ أَيْ: يَتَرَدَّدُ فِيهَا وَإِلَيْهَا طَلَبًا لِلتَّكَسُّبِ وَالتِّجَارَةِ، ﴿لَوْلا أُنزلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ يَقُولُونَ في أ: "يقول". : هَلَّا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَيَكُونَ لَهُ شَاهِدًا عَلَى صِدْق مَا يدَّعيه! وَهَذَا كَمَا قَالَ فِرْعَوْنُ: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٣] . وَكَذَلِكَ قَالَ هَؤُلَاءِ عَلَى السَّوَاءِ، تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنز﴾ أَيْ: عِلْمُ كَنْزٍ [يَكُونُ] زيادة من أ. يُنْفِقُ مِنْهُ، ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ أَيْ: تَسِيرُ مَعَهُ حَيْثُ سَارَ. وَهَذَا كُلُّهُ سَهْلٌ يَسِيرٌ عَلَى اللَّهِ، وَلَكِنَّ لَهُ الْحِكْمَةَ فِي تَرْكِ ذَلِكَ، وَلَهُ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ .

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ﴾ أَيْ: جَاءُوا بِمَا يَقْذِفُونَكَ بِهِ وَيَكْذِبُونَ بِهِ عَلَيْكَ، مِنْ قَوْلِهِمْ "سَاحِرٌ، مَسْحُورٌ، مَجْنُونٌ، كَذَّابٌ، شَاعِرٌ" وَكُلُّهَا أَقْوَالٌ بَاطِلَةٌ، كُلُّ أَحَدٍ مِمَّنْ لَهُ أَدْنَى فَهْمٍ وَعَقْلٍ يَعْرِفُ كَذِبَهُمْ وَافْتِرَاءَهُمْ فِي ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَضَلُّوا﴾ أَيْ: عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى، ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ خَرَجَ عَنِ الْحَقِّ فَإِنَّهُ ضَالٌّ حَيْثُمَا تَوَجَّهَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ وَمَنْهَجٌ مُتَّحِدٌ، يُصَدّق بَعْضُهُ بَعْضًا.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا نَبِيَّهُ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَآتَاهُ خَيْرًا مِمَّا يَقُولُونَ فِي الدُّنْيَا وَأَفْضَلَ وَأَحْسَنَ، فَقَالَ [تَعَالَى] زيادة من أ. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ .

قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: فِي الدُّنْيَا، قَالَ: وَقُرَيْشٌ يُسَمُّونَ كُلَّ بَيْتٍ مِنْ حِجَارَةٍ قَصْرًا، سَوَاءً كَانَ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا في ف، أ: "صغيرا أو كبيرا". .

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ خَيْثَمَة؛ قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنْ شِئْتَ أَنْ نُعْطِيَكَ خَزَائِنَ الْأَرْضِ وَمَفَاتِيحَهَا مَا لَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ قَبْلَكَ، وَلَا يُعطى أَحَدٌ مِنْ بَعْدِكَ، وَلَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِمَّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: اجْمَعُوهَا لِي فِي الْآخِرَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ رواه الطبري في تفسيره (١٨/١٤٠) من طريق سفيان به مرسلا. .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ هَكَذَا تَكْذِيبًا وَعِنَادًا، لَا أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ ذَلِكَ تَبَصُّرًا وَاسْتِرْشَادًا، بَلْ تَكْذِيبُهُمْ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُمْ عَلَى قَوْلِ مَا يَقُولُونَهُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ أَيْ: وَأَرْصَدْنَا ﴿لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ أَيْ: عَذَابًا أَلِيمًا حارًّاً لَا …

Al-Furqaan 25:12Listen in Qur'an →
13

وَإِذَآ أُلْقُوا۟ مِنْهَا مَكَانًۭا ضَيِّقًۭا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا۟ هُنَالِكَ ثُبُورًۭا

And when they are thrown into a narrow place therein bound in chains, they will cry out thereupon for destruction.

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ تَعَنُّتِ الْكَفَّارِ وَعِنَادِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ لِلْحَقِّ بِلَا حُجَّةٍ وَلَا دَلِيلٍ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا تَعَلَّلُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ ، يَعْنُونَ: كَمَا نَأْكُلُهُ، وَيَحْتَاجُ إِلَيْهِ كَمَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ، ﴿وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ﴾ أَيْ: يَتَرَدَّدُ فِيهَا وَإِلَيْهَا طَلَبًا لِلتَّكَسُّبِ وَالتِّجَارَةِ، ﴿لَوْلا أُنزلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ يَقُولُونَ في أ: "يقول". : هَلَّا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَيَكُونَ لَهُ شَاهِدًا عَلَى صِدْق مَا يدَّعيه! وَهَذَا كَمَا قَالَ فِرْعَوْنُ: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٣] . وَكَذَلِكَ قَالَ هَؤُلَاءِ عَلَى السَّوَاءِ، تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنز﴾ أَيْ: عِلْمُ كَنْزٍ [يَكُونُ] زيادة من أ. يُنْفِقُ مِنْهُ، ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ أَيْ: تَسِيرُ مَعَهُ حَيْثُ سَارَ. وَهَذَا كُلُّهُ سَهْلٌ يَسِيرٌ عَلَى اللَّهِ، وَلَكِنَّ لَهُ الْحِكْمَةَ فِي تَرْكِ ذَلِكَ، وَلَهُ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ .

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ﴾ أَيْ: جَاءُوا بِمَا يَقْذِفُونَكَ بِهِ وَيَكْذِبُونَ بِهِ عَلَيْكَ، مِنْ قَوْلِهِمْ "سَاحِرٌ، مَسْحُورٌ، مَجْنُونٌ، كَذَّابٌ، شَاعِرٌ" وَكُلُّهَا أَقْوَالٌ بَاطِلَةٌ، كُلُّ أَحَدٍ مِمَّنْ لَهُ أَدْنَى فَهْمٍ وَعَقْلٍ يَعْرِفُ كَذِبَهُمْ وَافْتِرَاءَهُمْ فِي ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَضَلُّوا﴾ أَيْ: عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى، ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ خَرَجَ عَنِ الْحَقِّ فَإِنَّهُ ضَالٌّ حَيْثُمَا تَوَجَّهَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ وَمَنْهَجٌ مُتَّحِدٌ، يُصَدّق بَعْضُهُ بَعْضًا.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا نَبِيَّهُ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَآتَاهُ خَيْرًا مِمَّا يَقُولُونَ فِي الدُّنْيَا وَأَفْضَلَ وَأَحْسَنَ، فَقَالَ [تَعَالَى] زيادة من أ. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ .

قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: فِي الدُّنْيَا، قَالَ: وَقُرَيْشٌ يُسَمُّونَ كُلَّ بَيْتٍ مِنْ حِجَارَةٍ قَصْرًا، سَوَاءً كَانَ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا في ف، أ: "صغيرا أو كبيرا". .

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ خَيْثَمَة؛ قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنْ شِئْتَ أَنْ نُعْطِيَكَ خَزَائِنَ الْأَرْضِ وَمَفَاتِيحَهَا مَا لَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ قَبْلَكَ، وَلَا يُعطى أَحَدٌ مِنْ بَعْدِكَ، وَلَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِمَّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: اجْمَعُوهَا لِي فِي الْآخِرَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ رواه الطبري في تفسيره (١٨/١٤٠) من طريق سفيان به مرسلا. .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ هَكَذَا تَكْذِيبًا وَعِنَادًا، لَا أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ ذَلِكَ تَبَصُّرًا وَاسْتِرْشَادًا، بَلْ تَكْذِيبُهُمْ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُمْ عَلَى قَوْلِ مَا يَقُولُونَهُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ أَيْ: وَأَرْصَدْنَا ﴿لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ أَيْ: عَذَابًا أَلِيمًا حارًّاً لَا …

Al-Furqaan 25:13Listen in Qur'an →
14

لَّا تَدْعُوا۟ ٱلْيَوْمَ ثُبُورًۭا وَٰحِدًۭا وَٱدْعُوا۟ ثُبُورًۭا كَثِيرًۭا

[They will be told], "Do not cry this Day for one destruction but cry for much destruction."

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ تَعَنُّتِ الْكَفَّارِ وَعِنَادِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ لِلْحَقِّ بِلَا حُجَّةٍ وَلَا دَلِيلٍ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا تَعَلَّلُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ ، يَعْنُونَ: كَمَا نَأْكُلُهُ، وَيَحْتَاجُ إِلَيْهِ كَمَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ، ﴿وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ﴾ أَيْ: يَتَرَدَّدُ فِيهَا وَإِلَيْهَا طَلَبًا لِلتَّكَسُّبِ وَالتِّجَارَةِ، ﴿لَوْلا أُنزلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ يَقُولُونَ في أ: "يقول". : هَلَّا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَيَكُونَ لَهُ شَاهِدًا عَلَى صِدْق مَا يدَّعيه! وَهَذَا كَمَا قَالَ فِرْعَوْنُ: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٣] . وَكَذَلِكَ قَالَ هَؤُلَاءِ عَلَى السَّوَاءِ، تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنز﴾ أَيْ: عِلْمُ كَنْزٍ [يَكُونُ] زيادة من أ. يُنْفِقُ مِنْهُ، ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ أَيْ: تَسِيرُ مَعَهُ حَيْثُ سَارَ. وَهَذَا كُلُّهُ سَهْلٌ يَسِيرٌ عَلَى اللَّهِ، وَلَكِنَّ لَهُ الْحِكْمَةَ فِي تَرْكِ ذَلِكَ، وَلَهُ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ .

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ﴾ أَيْ: جَاءُوا بِمَا يَقْذِفُونَكَ بِهِ وَيَكْذِبُونَ بِهِ عَلَيْكَ، مِنْ قَوْلِهِمْ "سَاحِرٌ، مَسْحُورٌ، مَجْنُونٌ، كَذَّابٌ، شَاعِرٌ" وَكُلُّهَا أَقْوَالٌ بَاطِلَةٌ، كُلُّ أَحَدٍ مِمَّنْ لَهُ أَدْنَى فَهْمٍ وَعَقْلٍ يَعْرِفُ كَذِبَهُمْ وَافْتِرَاءَهُمْ فِي ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَضَلُّوا﴾ أَيْ: عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى، ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ خَرَجَ عَنِ الْحَقِّ فَإِنَّهُ ضَالٌّ حَيْثُمَا تَوَجَّهَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ وَمَنْهَجٌ مُتَّحِدٌ، يُصَدّق بَعْضُهُ بَعْضًا.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا نَبِيَّهُ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَآتَاهُ خَيْرًا مِمَّا يَقُولُونَ فِي الدُّنْيَا وَأَفْضَلَ وَأَحْسَنَ، فَقَالَ [تَعَالَى] زيادة من أ. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ .

قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: فِي الدُّنْيَا، قَالَ: وَقُرَيْشٌ يُسَمُّونَ كُلَّ بَيْتٍ مِنْ حِجَارَةٍ قَصْرًا، سَوَاءً كَانَ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا في ف، أ: "صغيرا أو كبيرا". .

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ خَيْثَمَة؛ قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنْ شِئْتَ أَنْ نُعْطِيَكَ خَزَائِنَ الْأَرْضِ وَمَفَاتِيحَهَا مَا لَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ قَبْلَكَ، وَلَا يُعطى أَحَدٌ مِنْ بَعْدِكَ، وَلَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِمَّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: اجْمَعُوهَا لِي فِي الْآخِرَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ رواه الطبري في تفسيره (١٨/١٤٠) من طريق سفيان به مرسلا. .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ هَكَذَا تَكْذِيبًا وَعِنَادًا، لَا أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ ذَلِكَ تَبَصُّرًا وَاسْتِرْشَادًا، بَلْ تَكْذِيبُهُمْ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُمْ عَلَى قَوْلِ مَا يَقُولُونَهُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ أَيْ: وَأَرْصَدْنَا ﴿لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ أَيْ: عَذَابًا أَلِيمًا حارًّاً لَا …

Al-Furqaan 25:14Listen in Qur'an →
15

قُلْ أَذَٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۚ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءًۭ وَمَصِيرًۭا

Say, "Is that better or the Garden of Eternity which is promised to the righteous? It will be for them a reward and destination.

يَقُولُ تَعَالَى: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا في أ: "أهذا". الَّذِي وَصَفْنَاهُ مِنْ حَالِ أُولَئِكَ الْأَشْقِيَاءِ في أ: "من هؤلاء الأشقية". ، الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ، فَتَتَلَقَّاهُمْ بِوَجْهٍ عَبُوسٍ وَبِغَيْظٍ في أ: "وتغيظ". وَزَفِيرٍ، ويُلقَون فِي أَمَاكِنِهَا الضَّيِّقَةِ مقرَّنين، لَا يَسْتَطِيعُونَ حَرَاكًا، وَلَا انْتِصَارًا وَلَا فَكَاكًا مِمَّا هُمْ فِيهِ -: أَهَذَا خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وَعَدَهَا اللَّهُ الْمُتَّقِينَ مِنْ عِبَادِهِ، الَّتِي أَعَدَّهَا لَهُمْ، وَجَعَلَهَا لَهُمْ جَزَاءً عَلَى مَا أَطَاعُوهُ فِي الدُّنْيَا، وَجَعَلَ مَآلَهُمْ إِلَيْهَا.

﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ [أَيْ] زيادة من ف، أ. : مِنَ الْمَلَاذِّ: مِنْ مَآكِلَ وَمَشَارِبَ، وَمَلَابِسَ وَمَسَاكِنَ، وَمَرَاكِبَ وَمَنَاظِرَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٍ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَر عَلَى قَلْبِ أَحَدٍ في ف، أ: "بشر". . وَهُمْ فِي ذَلِكَ خَالِدُونَ أَبَدًا دَائِمًا في ف: "دائما أبدا". سَرْمَدًا بلا انقطاع ولا زوا، وَلَا انْقِضَاءٍ، لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حوَلا. وَهَذَا مِنْ وَعْد اللَّهِ الَّذِي تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَأَحْسَنَ بِهِ إِلَيْهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولا﴾ أَيْ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ وَأَنْ يَكُونَ، كَمَا حَكَاهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَعْدًا مَسْئُولا﴾ أَيْ: وَعْدًا وَاجِبًا.

وَقَالَ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولا﴾ يَقُولُ: سَلُوا الَّذِي وَاعَدْتُكُمْ -أَوْ قَالَ: وَاعَدْنَاكُمْ -نُنْجِزْ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظي فِي قَوْلِهِ: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولا﴾ : إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَسْأَلُ لَهُمْ ذَلِكَ: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ [غَافِرٍ: ٨] .

وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالَ الْمُؤْمِنُونَ: رَبَّنَا عَمِلْنَا لَكَ بِالَّذِي أَمَرْتَنَا، فَأَنْجِزْ لَنَا مَا وَعَدْتَنَا. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَعْدًا مَسْئُولا﴾ .

وَهَذَا الْمَقَامُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مَنْ ذِكْرِ النَّارِ، ثُمَّ التَّنْبِيهِ عَلَى حَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، كَمَا ذَكَرَ تَعَالَى في سُورَةِ "الصَّافَّاتِ" حَالَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ وَالْحُبُورِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإلَى الْجَحِيمِ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٦٢ -٧٠] .

Al-Furqaan 25:15Listen in Qur'an →
16

لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَٰلِدِينَ ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْدًۭا مَّسْـُٔولًۭا

For them therein is whatever they wish, [while] abiding eternally. It is ever upon your Lord a promise [worthy to be] requested.

يَقُولُ تَعَالَى: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا في أ: "أهذا". الَّذِي وَصَفْنَاهُ مِنْ حَالِ أُولَئِكَ الْأَشْقِيَاءِ في أ: "من هؤلاء الأشقية". ، الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ، فَتَتَلَقَّاهُمْ بِوَجْهٍ عَبُوسٍ وَبِغَيْظٍ في أ: "وتغيظ". وَزَفِيرٍ، ويُلقَون فِي أَمَاكِنِهَا الضَّيِّقَةِ مقرَّنين، لَا يَسْتَطِيعُونَ حَرَاكًا، وَلَا انْتِصَارًا وَلَا فَكَاكًا مِمَّا هُمْ فِيهِ -: أَهَذَا خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وَعَدَهَا اللَّهُ الْمُتَّقِينَ مِنْ عِبَادِهِ، الَّتِي أَعَدَّهَا لَهُمْ، وَجَعَلَهَا لَهُمْ جَزَاءً عَلَى مَا أَطَاعُوهُ فِي الدُّنْيَا، وَجَعَلَ مَآلَهُمْ إِلَيْهَا.

﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ [أَيْ] زيادة من ف، أ. : مِنَ الْمَلَاذِّ: مِنْ مَآكِلَ وَمَشَارِبَ، وَمَلَابِسَ وَمَسَاكِنَ، وَمَرَاكِبَ وَمَنَاظِرَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٍ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَر عَلَى قَلْبِ أَحَدٍ في ف، أ: "بشر". . وَهُمْ فِي ذَلِكَ خَالِدُونَ أَبَدًا دَائِمًا في ف: "دائما أبدا". سَرْمَدًا بلا انقطاع ولا زوا، وَلَا انْقِضَاءٍ، لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حوَلا. وَهَذَا مِنْ وَعْد اللَّهِ الَّذِي تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَأَحْسَنَ بِهِ إِلَيْهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولا﴾ أَيْ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ وَأَنْ يَكُونَ، كَمَا حَكَاهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَعْدًا مَسْئُولا﴾ أَيْ: وَعْدًا وَاجِبًا.

وَقَالَ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولا﴾ يَقُولُ: سَلُوا الَّذِي وَاعَدْتُكُمْ -أَوْ قَالَ: وَاعَدْنَاكُمْ -نُنْجِزْ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظي فِي قَوْلِهِ: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولا﴾ : إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَسْأَلُ لَهُمْ ذَلِكَ: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ [غَافِرٍ: ٨] .

وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالَ الْمُؤْمِنُونَ: رَبَّنَا عَمِلْنَا لَكَ بِالَّذِي أَمَرْتَنَا، فَأَنْجِزْ لَنَا مَا وَعَدْتَنَا. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَعْدًا مَسْئُولا﴾ .

وَهَذَا الْمَقَامُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مَنْ ذِكْرِ النَّارِ، ثُمَّ التَّنْبِيهِ عَلَى حَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، كَمَا ذَكَرَ تَعَالَى في سُورَةِ "الصَّافَّاتِ" حَالَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ وَالْحُبُورِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإلَى الْجَحِيمِ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٦٢ -٧٠] .

Al-Furqaan 25:16Listen in Qur'an →
17

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَٰٓؤُلَآءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ

And [mention] the Day He will gather them and that which they worship besides Allah and will say, "Did you mislead these, My servants, or did they [themselves] stray from the way?"

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَمَّا يَقَع يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ تَقْرِيعِ الْكُفَّارِ فِي عِبَادَتِهِمْ مَن عَبَدُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ، مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ [[في ف: "يحشرهم".]] وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ . قَالَ مُجَاهِدٌ: عِيسَى، والعُزَير، وَالْمَلَائِكَةُ. ﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ أَيْ: فَيَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى [لِلْمَعْبُودِينَ] زيادة من أ. أَأَنْتُمْ دَعَوْتُمْ هَؤُلَاءِ إِلَى عِبَادَتِكُمْ مِنْ دُونِي، أَمْ هُمْ عَبَدُوكُمْ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ، مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ مِنْكُمْ لَهُمْ؟ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ. مَا قُلْتُ لَهُم﴾ بعدها في ف، أ: (إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فيهم فلما توفيتني) . إِلَى آخِرِ الْآيَةِ؛ [الْمَائِدَةِ: ١١٦ -١١٧] وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَمَّا يُجيِب بِهِ الْمَعْبُودُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ قَرَأَ الْأَكْثَرُونَ بِفَتْحِ "النُّونِ" مِنْ قَوْلِهِ: ﴿نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ أَيْ: لَيْسَ لِلْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ أَنْ يَعْبُدُوا أَحَدًا سِوَاكَ، لَا نَحْنُ وَلَا هُمْ، فَنَحْنُ مَا دَعَوْنَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ، بَلْ هُمْ قَالُوا في أ: "فعلوا". ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَمْرِنَا وَلَا رِضَانَا وَنَحْنُ بُرَآءُ مِنْهُمْ وَمِنْ عِبَادَتِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٤٠ -٤١] . في هـ: "به" والمثبت من أ، وهو الصواب. وَقَرَأَ آخَرُونَ: "مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُتَّخَذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ" أَيْ: مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَعْبُدَنَا، فَإِنَّا عَبِيدٌ لَكَ، فُقَرَاءُ إِلَيْكَ. وَهِيَ قَرِيبَةُ الْمَعْنَى مِنَ الْأُولَى.

﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾ أَيْ: طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ، أَيْ: نَسُوا مَا أَنْزَلْتَهُ إِلَيْهِمْ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِكَ، مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى عِبَادَتِكَ وَحْدَكَ لا شريك لك.

﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ هَلْكَى. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَمَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَيْ لَا خَيْرَ فِيهِمْ. وَقَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى حِينَ أَسْلَمَ:

يَا رَسُولَ المَليك إِنَّ لسَاني ... رَاتقٌ مَا فَتَقْتُ إذْ أَنَا بُورُ ...

إذْ أُجَارِي الشَّيطَانَ فِي سَنَن الغيْ ... يِ، وَمَن مالَ مَيْلَه مَثْبُورُ ...

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ أَيْ: فَقَدْ كَذَّبَكُمُ الَّذِينَ عَبَدْتُم فِيمَا زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ لَكُمْ أَوْلِيَاءُ، وَأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمُوهُمْ قُرْبَانًا يُقَرِّبُونَكُمْ في أ: "يقربوبكم". إِلَيْهِ زُلْفَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو …

Al-Furqaan 25:17Listen in Qur'an →
18

قَالُوا۟ سُبْحَٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِى لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ وَلَٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُوا۟ ٱلذِّكْرَ وَكَانُوا۟ قَوْمًۢا بُورًۭا

They will say, "Exalted are You! It was not for us to take besides You any allies. But You provided comforts for them and their fathers until they forgot the message and became a people ruined."

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَمَّا يَقَع يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ تَقْرِيعِ الْكُفَّارِ فِي عِبَادَتِهِمْ مَن عَبَدُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ، مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ [[في ف: "يحشرهم".]] وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ . قَالَ مُجَاهِدٌ: عِيسَى، والعُزَير، وَالْمَلَائِكَةُ. ﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ أَيْ: فَيَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى [لِلْمَعْبُودِينَ] زيادة من أ. أَأَنْتُمْ دَعَوْتُمْ هَؤُلَاءِ إِلَى عِبَادَتِكُمْ مِنْ دُونِي، أَمْ هُمْ عَبَدُوكُمْ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ، مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ مِنْكُمْ لَهُمْ؟ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ. مَا قُلْتُ لَهُم﴾ بعدها في ف، أ: (إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فيهم فلما توفيتني) . إِلَى آخِرِ الْآيَةِ؛ [الْمَائِدَةِ: ١١٦ -١١٧] وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَمَّا يُجيِب بِهِ الْمَعْبُودُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ قَرَأَ الْأَكْثَرُونَ بِفَتْحِ "النُّونِ" مِنْ قَوْلِهِ: ﴿نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ أَيْ: لَيْسَ لِلْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ أَنْ يَعْبُدُوا أَحَدًا سِوَاكَ، لَا نَحْنُ وَلَا هُمْ، فَنَحْنُ مَا دَعَوْنَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ، بَلْ هُمْ قَالُوا في أ: "فعلوا". ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَمْرِنَا وَلَا رِضَانَا وَنَحْنُ بُرَآءُ مِنْهُمْ وَمِنْ عِبَادَتِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٤٠ -٤١] . في هـ: "به" والمثبت من أ، وهو الصواب. وَقَرَأَ آخَرُونَ: "مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُتَّخَذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ" أَيْ: مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَعْبُدَنَا، فَإِنَّا عَبِيدٌ لَكَ، فُقَرَاءُ إِلَيْكَ. وَهِيَ قَرِيبَةُ الْمَعْنَى مِنَ الْأُولَى.

﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾ أَيْ: طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ، أَيْ: نَسُوا مَا أَنْزَلْتَهُ إِلَيْهِمْ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِكَ، مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى عِبَادَتِكَ وَحْدَكَ لا شريك لك.

﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ هَلْكَى. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَمَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَيْ لَا خَيْرَ فِيهِمْ. وَقَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى حِينَ أَسْلَمَ:

يَا رَسُولَ المَليك إِنَّ لسَاني ... رَاتقٌ مَا فَتَقْتُ إذْ أَنَا بُورُ ...

إذْ أُجَارِي الشَّيطَانَ فِي سَنَن الغيْ ... يِ، وَمَن مالَ مَيْلَه مَثْبُورُ ...

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ أَيْ: فَقَدْ كَذَّبَكُمُ الَّذِينَ عَبَدْتُم فِيمَا زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ لَكُمْ أَوْلِيَاءُ، وَأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمُوهُمْ قُرْبَانًا يُقَرِّبُونَكُمْ في أ: "يقربوبكم". إِلَيْهِ زُلْفَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو …

Al-Furqaan 25:18Listen in Qur'an →
19

فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًۭا وَلَا نَصْرًۭا ۚ وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًۭا كَبِيرًۭا

So they will deny you, [disbelievers], in what you say, and you cannot avert [punishment] or [find] help. And whoever commits injustice among you - We will make him taste a great punishment.

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَمَّا يَقَع يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ تَقْرِيعِ الْكُفَّارِ فِي عِبَادَتِهِمْ مَن عَبَدُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ، مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ، فَقَالَ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ [[في ف: "يحشرهم".]] وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ . قَالَ مُجَاهِدٌ: عِيسَى، والعُزَير، وَالْمَلَائِكَةُ. ﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ أَيْ: فَيَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى [لِلْمَعْبُودِينَ] زيادة من أ. أَأَنْتُمْ دَعَوْتُمْ هَؤُلَاءِ إِلَى عِبَادَتِكُمْ مِنْ دُونِي، أَمْ هُمْ عَبَدُوكُمْ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ، مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ مِنْكُمْ لَهُمْ؟ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ. مَا قُلْتُ لَهُم﴾ بعدها في ف، أ: (إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فيهم فلما توفيتني) . إِلَى آخِرِ الْآيَةِ؛ [الْمَائِدَةِ: ١١٦ -١١٧] وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَمَّا يُجيِب بِهِ الْمَعْبُودُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ قَرَأَ الْأَكْثَرُونَ بِفَتْحِ "النُّونِ" مِنْ قَوْلِهِ: ﴿نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ أَيْ: لَيْسَ لِلْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ أَنْ يَعْبُدُوا أَحَدًا سِوَاكَ، لَا نَحْنُ وَلَا هُمْ، فَنَحْنُ مَا دَعَوْنَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ، بَلْ هُمْ قَالُوا في أ: "فعلوا". ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَمْرِنَا وَلَا رِضَانَا وَنَحْنُ بُرَآءُ مِنْهُمْ وَمِنْ عِبَادَتِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٤٠ -٤١] . في هـ: "به" والمثبت من أ، وهو الصواب. وَقَرَأَ آخَرُونَ: "مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُتَّخَذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ" أَيْ: مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَعْبُدَنَا، فَإِنَّا عَبِيدٌ لَكَ، فُقَرَاءُ إِلَيْكَ. وَهِيَ قَرِيبَةُ الْمَعْنَى مِنَ الْأُولَى.

﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾ أَيْ: طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ، أَيْ: نَسُوا مَا أَنْزَلْتَهُ إِلَيْهِمْ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِكَ، مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى عِبَادَتِكَ وَحْدَكَ لا شريك لك.

﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ هَلْكَى. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَمَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَيْ لَا خَيْرَ فِيهِمْ. وَقَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى حِينَ أَسْلَمَ:

يَا رَسُولَ المَليك إِنَّ لسَاني ... رَاتقٌ مَا فَتَقْتُ إذْ أَنَا بُورُ ...

إذْ أُجَارِي الشَّيطَانَ فِي سَنَن الغيْ ... يِ، وَمَن مالَ مَيْلَه مَثْبُورُ ...

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ أَيْ: فَقَدْ كَذَّبَكُمُ الَّذِينَ عَبَدْتُم فِيمَا زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ لَكُمْ أَوْلِيَاءُ، وَأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمُوهُمْ قُرْبَانًا يُقَرِّبُونَكُمْ في أ: "يقربوبكم". إِلَيْهِ زُلْفَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو …

Al-Furqaan 25:19Listen in Qur'an →
20

وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى ٱلْأَسْوَاقِ ۗ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍۢ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًۭا

And We did not send before you, [O Muhammad], any of the messengers except that they ate food and walked in the markets. And We have made some of you [people] as trial for others - will you have patience? And ever is your Lord, Seeing.

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ جَمِيعِ مَنْ بَعَثَهُ مِنَ الرُّسُلِ الْمُتَقَدِّمِينَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ، وَيَحْتَاجُونَ إِلَى التَّغَذِّي بِهِ ﴿وَيَمْشُونَ فِي الأسْوَاقِ﴾ أَيْ: لِلتَّكَسُّبِ وَالتِّجَارَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُنَافٍ لِحَالِهِمْ وَمَنْصِبِهِمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهُمْ مِنَ السِّمَاتِ الْحَسَنَةِ، وَالصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ، وَالْأَقْوَالِ الْفَاضِلَةِ، وَالْأَعْمَالِ الْكَامِلَةِ، وَالْخَوَارِقِ الْبَاهِرَةِ، وَالْأَدِلَّةِ [الْقَاهِرَةِ] زيادة من أ. ، مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ كُلُّ ذِي لُبٍّ سَلِيمٍ، وَبَصِيرَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ، عَلَى صِدْقِ مَا جَاءُوا بِهِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يُوسُفَ: ١٠٩] ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءَ: ٨] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ أَيْ: اخْتَبَرْنَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ، وَبَلَوْنَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ، لِنَعْلَمَ مَن يُطيع مِمَّنْ يَعْصِي؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ أَيْ: بِمَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] ، وَمَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ لِمَا أَرْسَلَهُمْ بِهِ، وَمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ: لَوْ شِئْتُ أَنْ أَجْعَلَ الدُّنْيَا مَعَ رُسُلِي فَلَا يُخَالَفُونَ، لَفَعَلْتُ، وَلَكِنِّي قد أردتُ أن أبتلي العباد بهم، وَأَبْتَلِيهِمْ في أ: "وأبتليكم". بِهِمْ.

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "يَقُولُ اللَّهُ: إِنِّي مُبْتَلِيك، ومُبْتَلٍ بِكَ" صحيح مسلم برقم (٢٨٦٥) . . وَفِي الْمُسْنَدِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ شِئْتُ لَأَجْرَى اللَّهُ مَعِي جِبَالَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ"، وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ -عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ -خُير بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا مَلِكًا أَوْ عَبْدًا رَسُولًا فَاخْتَارَ أن يكون عبدا رسولا.

Al-Furqaan 25:20Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn Kathir by Hafiz Ibn Kathir. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.