Muslim99Muslim99
← Tafsir library

1. Al-Faatiha

The Opening · Meccan · 7 ayahs

سُورَةُ ٱلْفَاتِحَةِ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 1–7 of 7

1

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

In the name of Allah, the Entirely Merciful, the Especially Merciful.

(1 سُورَةُ الفاتِحَةِ)

مَكِّيَّةٌ وآيُها سَبْعُ آياتٍ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وَتُسَمّى أُمَّ القُرْآنِ، لِأنَّها مُفْتَتَحُهُ ومَبْدَؤُهُ فَكَأنَّها أصْلُهُ ومَنشَؤُهُ، ولِذَلِكَ تُسَمّى أساسًا. أوْ لِأنَّها تَشْتَمِلُ عَلى ما فِيهِ مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والتَّعَبُّدِ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ وبَيانِ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ. أوْ عَلى جُمْلَةِ مَعانِيهِ مِنَ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ، والأحْكامِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي هي سُلُوكُ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ والِاطِّلاعُ عَلى مَراتِبِ السُّعَداءِ ومَنازِلِ الأشْقِياءِ. وسُورَةُ الكَنْزِ والوافِيَةُ والكافِيَةُ لِذَلِكَ. وسُورَةُ الحَمْدِ والشُّكْرِ والدُّعاءِ. وتَعْلِيمِ المَسْألَةِ لِاشْتِمالِها عَلَيْها والصَّلاةِ لِوُجُوبِ قِراءَتِها أوِ اسْتِحْبابِها فِيها. والشّافِيَةُ والشِّفاءُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «هِيَ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ». و «السَّبْعُ المَثانِي» لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ بِالِاتِّفاقِ، إلّا أنَّ مِنهم مَن عَدَّ التَّسْمِيَةَ دُونَ ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ومِنهم مَن عَكَسَ، وتُثَنّى في الصَّلاةِ، أوِ الإنْزالُ إنْ صَحَّ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ حِينَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ، وبِالمَدِينَةِ حِينَ حُوِّلَتِ القِبْلَةُ، وقَدْ صَحَّ أنَّها مَكِّيَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ وهو مَكِّيٌّ بِالنَّصِّ.

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مِنَ الفاتِحَةِ، ومِن كُلِّ سُورَةٍ، وعَلَيْهِ قِراءَةُ مَكَّةَ والكُوفَةِ وفُقَهاؤُهُما وابْنُ المُبارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى والشّافِعِيُّ. وخالَفَهم قُرّاءُ المَدِينَةِ والبَصْرَةِ والشّامِ وفُقَهاؤُها ومالِكٌ والأوْزاعِيُّ، ولَمْ يَنُصَّ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ بِشَيْءٍ فَظُنَّ أنَّها لَيْسَتْ مِنَ السُّورَةِ عِنْدَهُ.

وَسُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ عَنْها فَقالَ: ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى. ولَنا أحادِيثُ كَثِيرَةٌ: مِنها ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «فاتِحَةُ الكِتابِ سَبْعُ آياتٍ، أُولاهُنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ». وقَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الفاتِحَةَ وعَدَّ « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ» آيَةً» ومِن أجْلِهِما اخْتُلِفَ في أنَّها آيَةٌ بِرَأْسِها أمْ بِما بَعْدَها، والإجْماعُ عَلى أنَّ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلامُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والوِفاقُ عَلى إثْباتِها في المَصاحِفِ مَعَ المُبالَغَةِ في تَجْرِيدِ القُرْآنِ حَتّى لَمْ تُكْتَبْ آمِينَ. والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: بِسْمِ اللَّهِ أقْرَأُ لِأنَّ الَّذِي يَتْلُوهُ مَقْرُوءٌ. وكَذَلِكَ يُضْمَرُ كُلُّ فاعِلٍ ما يَجْعَلُ التَّسْمِيَةَ مَبْدَأً لَهُ، وذَلِكَ أوْلى مِن أنْ يُضْمَرَ أبْدَأُ لِعَدَمِ ما يُطابِقُهُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ. أوِ ابْتِدائِي لِزِيادَةِ إضْمارٍ فِيهِ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ هاهُنا أوْقَعُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها﴾ وقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ لِأنَّهُ أهُمُّ وأدَلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، وأدْخَلُ في التَّعْظِيمِ وأوْفَقُ لِلْوُجُودِ فَإنَّ اسْمَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُقَدَّمٌ عَلى القِراءَةِ، كَيْفَ لا وقَدْ جَعَلَ آلَةً لَها مِن حَيْثُ إنَّ الفِعْلَ لا يَتِمُّ ولا يُعْتَدُّ بِهِ شَرْعًا ما لَمْ يَصْدُرْ بِاسْمِهِ تَعالى لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ …

Al-Faatiha 1:1Listen in Qur'an →
2

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

[All] praise is [due] to Allah, Lord of the worlds -

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الحَمْدُ: هو الثَّناءُ عَلى الجَمِيلِ الِاخْتِيارِيِّ مِن نِعْمَةٍ أوْ غَيْرِها، والمَدْحُ: هو الثَّناءُ عَلى الجَمِيلِ مُطْلَقًا. تَقُولُ حَمِدْتُ زَيْدًا عَلى عِلْمِهِ وكَرَمِهِ، ولا تَقُولُ حَمِدْتُهُ عَلى حُسْنِهِ، بَلْ مَدَحْتُهُ. وقِيلَ هُما أخَوانِ. والشُّكْرُ: مُقابَلَةُ النِّعْمَةِ قَوْلًا وعَمَلًا واعْتِقادًا قالَ:

؎ أفادَتْكُمُ النُّعْماءُ مِنِّي ثَلاثَةً... يَدِي ولِسانِي والضَّمِيرَ المُحَجَّبا

فَهُوَ أعَمُّ مِنهُما مِن وجْهٍ، وأخَصُّ مِن آخَرَ، ولَمّا كانَ الحَمْدُ مِن شُعَبِ الشُّكْرِ أشْيَعَ لِلنِّعْمَةِ، وأدُلَّ عَلى مَكانِها لِخَفاءِ الِاعْتِقادِ، وما في آدابِ الجَوارِحِ مِنَ الِاحْتِمالِ جُعِلَ رَأْسَ الشُّكْرِ والعُمْدَةَ فِيهِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ، وما شَكَرَ اللَّهَ مَن لَمْ يَحْمَدْهُ».

والذَّمُّ نَقِيضُ الحَمْدِ والكُفْرانُ نَقِيضُ الشُّكْرِ. ورَفَعَهُ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ لِلَّهِ وأصْلُهُ النَّصْبُ وقَدْ قُرِئَ بِهِ، وإنَّما عَدَلَ عَنْهُ إلى الرَّفْعِ لِيَدُلَّ عَلى عُمُومِ الحَمْدِ وثَباتِهِ لَهُ دُونَ تَجَدُّدِهِ وحُدُوثِهِ. وهو مِنَ المَصادِرِ الَّتِي تُنْصَبُ بِأفْعالٍ مُضْمَرَةٍ لا تَكادُ تُسْتَعْمَلُ مَعَها، والتَّعْرِيفُ فِيهِ لِلْجِنْسِ ومَعْناهُ: الإشارَةُ إلى ما يَعْرِفُ كُلُّ أحَدٍ أنَّ الحَمْدَ ما هُوَ؟ أوْ لِلِاسْتِغْراقِ، إذِ الحَمْدُ في الحَقِيقَةِ كُلُّهُ لَهُ، إذْ ما مِن خَيْرٍ إلّا وهو مُوَلِّيهِ بِوَسَطٍ أوْ بِغَيْرِ وسَطٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ تَعالى حَيٌّ قادِرٌ مُرِيدٌ عالِمٌ. إذِ الحَمْدُ لا يَسْتَحِقُّهُ إلّا مَن كانَ هَذا شَأْنَهُ. وقُرِئَ: الحَمْدُ لِلَّهِ بِإتْباعِ الدّالِ اللّامَ وبِالعَكْسِ تَنْزِيلًا لَهُما مِن حَيْثُ إنَّهُما يُسْتَعْمَلانِ مَعًا مَنزِلَةَ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ.

﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ الرَّبُّ في الأصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّرْبِيَةِ: وهي تَبْلِيغُ الشَّيْءِ إلى كَمالِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، ثُمَّ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ كالصَّوْمِ والعَدْلِ. وقِيلَ: هو نَعْتٌ مِن رَبَّهُ يُرَبِّهِ فَهو رَبٌّ، كَقَوْلِكَ نَمَّ يَنُمُّ فَهو نَمٌّ، ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ المالِكُ لِأنَّهُ يَحْفَظُ ما يَمْلِكُهُ ويُرَبِّيهِ. ولا يُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِ تَعالى إلّا مُقَيَّدًا كَقَوْلِهِ: ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ والعالَمُ اسْمٌ لِما يُعْلَمُ بِهِ، كالخاتَمِ والقالَبِ، غَلَبَ فِيما يُعْلَمُ بِهِ الصّانِعُ تَعالى، وهو كُلُّ ما سِواهُ مِنَ الجَواهِرِ والأعْراضِ، فَإنَّها لِإمْكانِها وافْتِقارِها إلى مُؤَثِّرٍ واجِبٍ لِذاتِهِ تَدُلُّ عَلى وُجُودِهِ، وإنَّما جَمَعَهُ لِيَشْمَلَ ما تَحْتَهُ مِنَ الأجْناسِ المُخْتَلِفَةِ، وغَلَبَ العُقَلاءُ مِنهم فَجَمَعَهُ بِالياءِ والنُّونِ كَسائِرِ أوْصافِهِمْ. وقِيلَ: اسْمٌ وُضِعَ لِذَوِي العِلْمِ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ، وتَناوُلُهُ لِغَيْرِهِمْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِتْباعِ. وقِيلَ: عُنِيَ بِهِ النّاسُ هاهُنا فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم عالَمٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى نَظائِرِ ما في العالَمِ الكَبِيرِ مِنَ الجَواهِرِ والأعْراضِ يُعْلَمُ بِها الصّانِعُ كَما يَعْلَمُ بِما أبْدَعَهُ في العالَمِ الكَبِيرِ، ولِذَلِكَ سَوّى بَيْنَ النَّظَرِ فِيهِما، وقالَ تَعالى: ﴿وَفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ . وقُرِئَ (رَبَّ العالَمِينَ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ. أوِ النِّداءِ. أوْ بِالفِعْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الحَمْدُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُمَكَّناتِ كَما هي مُفْتَقِرَةٌ إلى المُحْدِثِ حالَ حُدُوثِها فَهي مُفْتَقِرَةٌ إلى …

Al-Faatiha 1:2Listen in Qur'an →
3

ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

The Entirely Merciful, the Especially Merciful,

﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ كَرَّرَهُ لِلتَّعْلِيلِ عَلى ما سَنَذْكُرُهُ.

﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قِراءَةُ عاصِمٍ والكِسائِيِّ ويَعْقُوبَ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ . وقَرَأ الباقُونَ: (مَلِكِ) . وهو المُخْتارُ لِأنَّهُ قِراءَةُ أهْلِ الحَرَمَيْنِ ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ ؟ . ولِما فِيهِ مِنَ التَّعْظِيمِ. والمالِكُ هو المُتَصَرِّفُ في الأعْيانِ المَمْلُوكَةِ كَيْفَ يَشاءُ مِنَ المِلْكِ. والمَلِكُ هو المُتَصَرِّفُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ في المَأْمُورِينَ مِنَ المُلْكِ. وقُرِئَ مَلِكِ بِالتَّخْفِيفِ ومَلَكَ بِلَفْظِ الفِعْلِ. ومالِكًا بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ أوِ الحالِ، ومالِكُ بِالرَّفْعِ مُنَوَّنًا ومُضافًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ومَلِكِ مُضافًا بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ. ويَوْمُ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ ومِنهُ «كَما تَدِينُ تُدانُ» وبَيْتُ الحَماسَةِ:

؎ ولَمْ يَبْقَ سِوى العُدْوا... نِ دِنّاهم كَما دانُوا

أضافَ اسْمُ الفاعِلِ إلى الظَّرْفِ إجْراءً لَهُ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ عَلى الِاتِّساعِ كَقَوْلِهِمْ: يا سارِقَ اللَّيْلَةَ أهْلَ الدّارِ، ومَعْناهُ، مَلَكَ الأُمُورَ يَوْمَ الدِّينِ عَلى طَرِيقَةِ ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ . أوَّلَهُ المُلْكُ في هَذا اليَوْمِ، عَلى وجْهِ الِاسْتِمْرارِ لِتَكُونَ الإضافَةُ حَقِيقِيَّةً مُعَدَّةً لِوُقُوعِهِ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ، وقِيلَ: (الدِّينِ) الشَّرِيعَةُ، وقِيلَ: الطّاعَةُ.

والمَعْنى يَوْمَ جَزاءِ الدِّينِ، وتَخْصِيصُ اليَوْمِ بِالإضافَةِ: إمّا لِتَعْظِيمِهِ، أوْ لِتَفَرُّدِهِ تَعالى بِنُفُوذِ الأمْرِ فِيهِ، وإجْراءِ هَذِهِ الأوْصافِ عَلى اللَّهِ تَعالى مِن كَوْنِهِ مُوجِدًا لِلْعالَمِينَ رَبًّا لَهم مُنْعِمًا عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ كُلِّها ظاهِرِها وباطِنِها عاجِلِها وآجِلِها، مالِكًا لِأُمُورِهِمْ يَوْمَ الثَّوابِ والعِقابِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ الحَقِيقُ بِالحَمْدِ لا أحَدَ أحَقُّ بِهِ مِنهُ بَلْ لا يَسْتَحِقُّهُ عَلى الحَقِيقَةِ سِواهُ، فَإنَّ تَرَتُّبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ يُشْعِرُ بِعِلِّيَّتِهِ لَهُ، ولِلْإشْعارِ مِن طَرِيقِ المَفْهُومِ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِتِلْكَ الصِّفاتِ لا يَسْتَأْهِلُ لِأنْ يُحْمَدَ فَضْلًا عَنْ أنْ يُعْبَدَ، فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلى ما بَعْدَهُ، فالوَصْفُ الأوَّلُ لِبَيانِ ما هو المُوجِبُ لِلْحَمْدِ، وهو الإيجادُ والتَّرْبِيَةُ. والثّانِي والثّالِثُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مُتَفَضِّلٌ بِذَلِكَ مُخْتارٌ فِيهِ، لَيْسَ يَصْدُرُ مِنهُ لِإيجابٍ بِالذّاتِ أوْ وُجُوبٍ عَلَيْهِ قَضِيَّةً لِسَوابِقِ الأعْمالِ حَتّى يَسْتَحِقَّ بِهِ الحَمْدَ. والرّابِعُ لِتَحْقِيقِ الِاخْتِصاصِ فَإنَّهُ مِمّا لا يَقْبَلُ الشَّرِكَةَ فِيهِ بِوَجْهٍ ما، وتَضْمِينَ الوَعْدِ لِلْحامِدِينَ والوَعِيدِ لِلْمُعْرِضِينَ.

Al-Faatiha 1:3Listen in Qur'an →
4

مَٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ

Sovereign of the Day of Recompense.

﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ كَرَّرَهُ لِلتَّعْلِيلِ عَلى ما سَنَذْكُرُهُ.

﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قِراءَةُ عاصِمٍ والكِسائِيِّ ويَعْقُوبَ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ . وقَرَأ الباقُونَ: (مَلِكِ) . وهو المُخْتارُ لِأنَّهُ قِراءَةُ أهْلِ الحَرَمَيْنِ ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ ؟ . ولِما فِيهِ مِنَ التَّعْظِيمِ. والمالِكُ هو المُتَصَرِّفُ في الأعْيانِ المَمْلُوكَةِ كَيْفَ يَشاءُ مِنَ المِلْكِ. والمَلِكُ هو المُتَصَرِّفُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ في المَأْمُورِينَ مِنَ المُلْكِ. وقُرِئَ مَلِكِ بِالتَّخْفِيفِ ومَلَكَ بِلَفْظِ الفِعْلِ. ومالِكًا بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ أوِ الحالِ، ومالِكُ بِالرَّفْعِ مُنَوَّنًا ومُضافًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ومَلِكِ مُضافًا بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ. ويَوْمُ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ ومِنهُ «كَما تَدِينُ تُدانُ» وبَيْتُ الحَماسَةِ:

؎ ولَمْ يَبْقَ سِوى العُدْوا... نِ دِنّاهم كَما دانُوا

أضافَ اسْمُ الفاعِلِ إلى الظَّرْفِ إجْراءً لَهُ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ عَلى الِاتِّساعِ كَقَوْلِهِمْ: يا سارِقَ اللَّيْلَةَ أهْلَ الدّارِ، ومَعْناهُ، مَلَكَ الأُمُورَ يَوْمَ الدِّينِ عَلى طَرِيقَةِ ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ . أوَّلَهُ المُلْكُ في هَذا اليَوْمِ، عَلى وجْهِ الِاسْتِمْرارِ لِتَكُونَ الإضافَةُ حَقِيقِيَّةً مُعَدَّةً لِوُقُوعِهِ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ، وقِيلَ: (الدِّينِ) الشَّرِيعَةُ، وقِيلَ: الطّاعَةُ.

والمَعْنى يَوْمَ جَزاءِ الدِّينِ، وتَخْصِيصُ اليَوْمِ بِالإضافَةِ: إمّا لِتَعْظِيمِهِ، أوْ لِتَفَرُّدِهِ تَعالى بِنُفُوذِ الأمْرِ فِيهِ، وإجْراءِ هَذِهِ الأوْصافِ عَلى اللَّهِ تَعالى مِن كَوْنِهِ مُوجِدًا لِلْعالَمِينَ رَبًّا لَهم مُنْعِمًا عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ كُلِّها ظاهِرِها وباطِنِها عاجِلِها وآجِلِها، مالِكًا لِأُمُورِهِمْ يَوْمَ الثَّوابِ والعِقابِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ الحَقِيقُ بِالحَمْدِ لا أحَدَ أحَقُّ بِهِ مِنهُ بَلْ لا يَسْتَحِقُّهُ عَلى الحَقِيقَةِ سِواهُ، فَإنَّ تَرَتُّبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ يُشْعِرُ بِعِلِّيَّتِهِ لَهُ، ولِلْإشْعارِ مِن طَرِيقِ المَفْهُومِ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِتِلْكَ الصِّفاتِ لا يَسْتَأْهِلُ لِأنْ يُحْمَدَ فَضْلًا عَنْ أنْ يُعْبَدَ، فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلى ما بَعْدَهُ، فالوَصْفُ الأوَّلُ لِبَيانِ ما هو المُوجِبُ لِلْحَمْدِ، وهو الإيجادُ والتَّرْبِيَةُ. والثّانِي والثّالِثُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مُتَفَضِّلٌ بِذَلِكَ مُخْتارٌ فِيهِ، لَيْسَ يَصْدُرُ مِنهُ لِإيجابٍ بِالذّاتِ أوْ وُجُوبٍ عَلَيْهِ قَضِيَّةً لِسَوابِقِ الأعْمالِ حَتّى يَسْتَحِقَّ بِهِ الحَمْدَ. والرّابِعُ لِتَحْقِيقِ الِاخْتِصاصِ فَإنَّهُ مِمّا لا يَقْبَلُ الشَّرِكَةَ فِيهِ بِوَجْهٍ ما، وتَضْمِينَ الوَعْدِ لِلْحامِدِينَ والوَعِيدِ لِلْمُعْرِضِينَ.

Al-Faatiha 1:4Listen in Qur'an →
5

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ

It is You we worship and You we ask for help.

﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ثُمَّ إنَّهُ لَمّا ذُكِرَ الحَقِيقُ بِالحَمْدِ، ووُصِفَ بِصِفاتٍ عِظامٍ تَمَيَّزَ بِها عَنْ سائِرِ الذَّواتِ وتَعَلَّقَ العِلْمُ بِمَعْلُومٍ مُعَيَّنٍ خُوطِبَ بِذَلِكَ، أيْ: يا مَن هَذا شَأْنُهُ نَخُصُّكَ بِالعِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ، لِيَكُونَ أدَلَّ عَلى الِاخْتِصاصِ، ولِلتَّرَقِّي مِنَ البُرْهانِ إلى العِيانِ والِانْتِقالِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الشُّهُودِ، فَكَأنَّ المَعْلُومَ صارَ عِيانًا والمَعْقُولَ مُشاهَدًا والغَيْبَةَ حُضُورًا، بَنى أوَّلَ الكَلامِ عَلى ما هو مَبادِي حالِ العارِفِ مِنَ الذِّكْرِ والفِكْرِ والتَّأمُّلِ في أسْمائِهِ والنَّظَرِ في آلائِهِ والِاسْتِدْلالِ بِصَنائِعِهِ عَلى عَظِيمِ شَأْنِهِ وباهِرِ سُلْطانِهِ، ثُمَّ قَفّى بِما هو مُنْتَهى أمْرِهِ وهو أنْ يَخُوضَ لُجَّةَ الوُصُولِ ويَصِيرَ مِن أهْلِ المُشاهَدَةِ فَيَراهُ عِيانًا ويُناجِيهِ شِفاهًا.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِنَ الواصِلِينَ لِلْعَيْنِ دُونَ السّامِعِينَ لِلْأثَرِ. ومِن عادَةِ العَرَبِ التَّفَنُّنُ في الكَلامِ والعُدُولُ مِن أُسْلُوبٍ إلى آخَرَ تَطْرِيَةً لَهُ وتَنْشِيطًا لِلسّامِعِ، فَيُعْدَلُ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، ومِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ وبِالعَكْسِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ﴾ وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

؎ تَطاوَلَ لَيْلُكَ بِالإثْمِدِ... ونامَ الخَلِيُّ ولَمْ تَرْقُدِ

؎ وباتَ وباتَتْ لَهُ لَيْلَةٌ... ∗∗∗ كَلَيْلَةِ ذِي العائِرِ الأرْمَدِ

؎ وذَلِكَ مِن نَبَأٍ جاءَنِي... ∗∗∗ وخُبِّرْتُهُ عَنْ أبِي الأسْوَدِ

وَإيّا ضَمِيرٌ مَنصُوبٌ مُنْفَصِلٌ، وما يَلْحَقُهُ مِنَ الياءِ والكافِ والهاءِ حُرُوفٌ زِيدَتْ لِبَيانِ التَّكَلُّمِ والخِطابِ والغَيْبَةِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، كالتّاءِ في أنْتَ والكافِ في أرَأيْتُكَ. وقالَ الخَلِيلُ: إيّا مُضافٌ إلَيْها، واحْتَجَّ بِما حَكاهُ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ: إذا بَلَغَ الرَّجُلَ السِّتِّينَ فَإيّاهُ وإيّا الشَّوابِّ، وهو شاذٌّ لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: هي الضَّمائِرُ، وإيّا عُمْدَةٌ فَإنَّها لَمّا فُصِلَتْ عَنِ العَوامِلِ تَعَذَّرَ النُّطْقُ بِها مُفْرَدَةً فَضُمَّ إلَيْها إيّا لِتَسْتَقِلَّ بِهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ هو المَجْمُوعُ. وقُرِئَ إيّاكَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ و « هَيّاكَ» بِقَلْبِها هاءً.

والعِبادَةُ: أقْصى غايَةِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ ومِنهُ طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أيْ مُذَلَّلٌ، وثَوْبٌ ذُو عَبَدَةٍ إذا كانَ في غايَةِ الصَّفاقَةِ، ولِذَلِكَ لا تُسْتَعْمَلُ إلّا في الخُضُوعِ لِلَّهِ تَعالى.

والِاسْتِعانَةُ: طَلَبُ المَعُونَةِ وهِيَ: إمّا ضَرُورِيَّةٌ، أوْ غَيْرُ ضَرُورِيَّةٍ. والضَّرُورِيَّةُ ما لا يَتَأتّى الفِعْلُ دُونَهُ كاقْتِدارِ الفاعِلِ وتَصَوُّرِهِ وحُصُولِ آلَةٍ ومادَّةٍ يَفْعَلُ بِها فِيها وعِنْدَ اسْتِجْماعِها يُوصَفُ الرَّجُلُ بِالِاسْتِطاعَةِ ويَصِحُّ أنْ يُكَلَّفَ بِالفِعْلِ. وغَيْرُ الضَّرُورِيَّةِ تَحْصِيلُ ما يَتَيَسَّرُ بِهِ الفِعْلُ ويَسْهُلُ كالرّاحِلَةِ في السَّفَرِ لِلْقادِرِ عَلى المَشْيِ، أوْ يُقَرِّبُ الفاعِلَ إلى الفِعْلِ ويُحِثُّهُ عَلَيْهِ، وهَذا القِسْمُ لا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ التَّكْلِيفِ والمُرادُ طَلَبُ المَعُونَةِ في المُهِمّاتِ كُلِّها، أوْ في أداءِ العِباداتِ، والضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ في الفِعْلَيْنِ لِلْقارِئِ ومَن مَعَهُ مِنَ الحَفَظَةِ، وحاضِرِي صَلاةِ الجَماعَةِ. أوْ لَهُ ولِسائِرِ المُوَحِّدِينَ. أدْرَجَ عِبادَتَهُ في تَضاعِيفِ عِبادَتِهِمْ وخَلْطِ حاجَتِهِ بِحاجَتِهِمْ لَعَلَّها تَقْبَلُ …

Al-Faatiha 1:5Listen in Qur'an →
6

ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ

Guide us to the straight path -

﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ بَيانٌ لِلْمَعُونَةِ المَطْلُوبَةِ فَكَأنَّهُ قالَ: كَيْفَ أُعِينُكم فَقالُوا (اهْدِنا) . أوْ إفْرادٌ لِما هو المَقْصُودُ الأعْظَمُ. والهِدايَةُ دَلالَةٌ بِلُطْفٍ ولِذَلِكَ تُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ وارِدٌ عَلى التَّهَكُّمِ. ومِنهُ الهِدايَةُ وهَوادِي الوَحْشِ لِمُقَدِّماتِها، والفِعْلُ مِنهُ هَدى، وأصْلُهُ أنْ يُعَدّى بِاللّامِ، أوْ إلى، فَعُومِلَ مُعامَلَةَ اخْتارَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ وهِدايَةُ اللَّهِ تَعالى تَتَنَوَّعُ أنْواعًا لا يُحْصِيها عَدٌّ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ ولَكِنَّها تَنْحَصِرُ في أجْناسٍ مُتَرَتِّبَةٍ:

الأوَّلُ: إفاضَةُ القُوى الَّتِي بِها يَتَمَكَّنُ المَرْءُ مِنَ الِاهْتِداءِ إلى مَصالِحِهِ كالقُوَّةِ العَقْلِيَّةِ والحَواسِّ الباطِنَةِ والمَشاعِرِ الظّاهِرَةِ.

الثّانِي: نَصْبُ الدَّلائِلِ الفارِقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والصَّلاحِ والفَسادِ وإلَيْهِ أشارَ حَيْثُ قالَ: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ وقالَ: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ .

الثّالِثُ: الهِدايَةُ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، وإيّاها عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْناهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ .

الرّابِعُ: أنْ يَكْشِفَ عَلى قُلُوبِهِمُ السَّرائِرَ ويُرِيَهُمُ الأشْياءَ كَما هي بِالوَحْيِ، أوِ الإلْهامِ والمَناماتِ الصّادِقَةِ، وهَذا قِسْمٌ يَخْتَصُّ بِنَيْلِهِ الأنْبِياءُ والأوْلِياءُ وإيّاهُ عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ . فالمَطْلُوبُ إمّا زِيادَةُ ما مَنَحُوهُ مِنَ الهُدى، أوِ الثَّباتُ عَلَيْهِ، أوْ حُصُولُ المَراتِبِ المُرَتَّبَةِ عَلَيْهِ. فَإذا قالَهُ العارِفُ بِاللَّهِ الواصِلُ عَنى بِهِ: أرْشِدْنا طَرِيقَ السَّيْرِ فِيكَ لِتَمْحُوَ عَنّا ظُلُماتِ أحْوالِنا، وتُمِيطَ غَواشِيَ أبْدانِنا، لِنَسْتَضِيءَ بِنُورِ قُدْسِكَ فَنَراكَ بِنُورِكَ. والأمْرُ والدُّعاءُ يَتَشارَكانِ لَفْظًا ومَعْنًى ويَتَفاوَتانِ بِالِاسْتِعْلاءِ والتَّسَفُّلِ، وقِيلَ: بِالرُّتْبَةِ.

والسِّراطُ: مِن سَرِطَ الطَّعامُ إذا ابْتَلَعَهُ فَكَأنَّهُ يَسْرُطُ السّابِلَةَ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ لُقَمًا لِأنَّهُ يَلْتَقِمُهم. والصِّراطُ مِن قَلْبِ السِّينِ صادًا لِيُطابِقَ الطّاءَ في الإطْباقِ، وقَدْ يَشُمُّ الصّادُ صَوْتَ الزّايِ لِيَكُونَ أقْرَبَ إلى المُبْدَلِ مِنهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِرِوايَةِ قُنْبُلٍ عَنْهُ، ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِالأصْلِ، وحَمْزَةَ بِالإشْمامِ، والباقُونَ بِالصّادِ وهو لُغَةُ قُرَيْشٍ، والثّابِتُ في الإمامِ وجَمْعُهُ سُرُطٌ كَكُتُبٍ وهو كالطَّرِيقِ في التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ.

والمُسْتَقِيمُ المُسْتَوِي والمُرادُ بِهِ طَرِيقُ الحَقِّ، وقِيلَ: هو مِلَّةُ الإسْلامِ.

Al-Faatiha 1:6Listen in Qur'an →
7

صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ

The path of those upon whom You have bestowed favor, not of those who have evoked [Your] anger or of those who are astray.

﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ بَدَلُ الكُلِّ، وهو في حُكْمِ تَكْرِيرِ العامِلِ مِن حَيْثُ إنَّهُ المَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ، وفائِدَتُهُ التَّوْكِيدُ والتَّنْصِيصُ عَلى أنَّ طَرِيقَ المُسْلِمِينَ هو المَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالِاسْتِقامَةِ عَلى آكَدِ وجْهٍ وأبْلَغِهِ لِأنَّهُ جُعِلَ كالتَّفْسِيرِ والبَيانِ لَهُ فَكَأنَّهُ مِنَ البَيْنِ الَّذِي لا خَفاءَ فِيهِ أنَّ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ ما يَكُونُ طَرِيقَ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمُ الأنْبِياءُ، وقِيلَ: النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ وقِيلَ: أصْحابُ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ التَّحْرِيفِ والنَّسْخِ. وقُرِئَ: « صِراطَ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» والإنْعامُ: إيصالُ النِّعْمَةِ، وهي في الأصْلِ الحالَةُ الَّتِي يَسْتَلِذُّها الإنْسانُ فَأُطْلِقَتْ لِما يَسْتَلِذُّهُ مِنَ النِّعْمَةِ وهي اللِّينُ، ونِعَمُ اللَّهِ وإنْ كانَتْ لا تُحْصى كَما قالَ: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ تَنْحَصِرُ في جِنْسَيْنِ: دُنْيَوِيٍّ وأُخْرَوِيٍّ.

والأوَّلُ قِسْمانِ: مَوْهِبِيٌّ وكَسْبِيٌّ والمَوْهِبِيُّ قِسْمانِ: رُوحانِيٌّ كَنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ وإشْراقِهِ بِالعَقْلِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ القُوى كالفَهْمِ والفِكْرِ والنُّطْقِ، وجُسْمانِيٌّ كَتَخْلِيقِ البَدَنِ والقُوى الحالَّةِ فِيهِ والهَيْئاتِ العارِضَةِ لَهُ مِنَ الصِّحَّةِ وكَمالِ الأعْضاءِ، والكَسْبِيُّ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ عَنِ الرَّذائِلِ وتَحْلِيَتُها بِالأخْلاقِ السَّنِيَّةِ والمَلَكاتِ الفاضِلَةِ، وتَزْيِينُ البَدَنِ بِالهَيْئاتِ المَطْبُوعَةِ والحُلِيِّ المُسْتَحْسَنَةِ وحُصُولُ الجاهِ والمالِ.

والثّانِي: أنْ يَغْفِرَ لَهُ ما فَرَّطَ مِنهُ ويَرْضى عَنْهُ ويُبَوِّئُهُ في أعْلى عِلِّيِّينَ مَعَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ أبَدَ الآبِدِينَ.

والمُرادُ هو القِسْمُ الأخِيرُ وما يَكُونُ وصْلَةً إلى نَيْلِهِ مِنَ الآخِرَةِ فَإنَّ ما عَدا ذَلِكَ يَشْتَرِكُ فِيهِ المُؤْمِنُ والكافِرُ.

﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ بَدَلٌ مِنَ (الَّذِينَ) عَلى مَعْنى أنَّ المُنْعَمَ عَلَيْهِمْ هُمُ الَّذِينَ سَلِمُوا مِنَ الغَضَبِ والضَّلالِ. أوْ صِفَةٌ لَهُ مُبَيِّنَةٌ أوْ مُقَيِّدَةٌ عَلى مَعْنى أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ النِّعْمَةِ المُطْلَقَةِ، وهي نِعْمَةُ الإيمانِ، وبَيْنَ السَّلامَةِ مِنَ الغَضَبِ والضَّلالِ وذَلِكَ إنَّما يَصِحُّ بِأحَدِ تَأْوِيلَيْنِ، إجْراءِ المَوْصُولِ مَجْرى النَّكِرَةِ إذا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ مَعْهُودٌ كالمُحَلّى في قَوْلِهِ:

؎ ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي

وَقَوْلِهِمْ: إنِّي لَأمُرُّ عَلى الرَّجُلِ مِثْلِكَ فَيُكْرِمُنِي. أوْ جُعِلَ غَيْرَ مَعْرِفَةٍ بِالإضافَةِ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى ما لَهُ ضِدٌّ واحِدٌ وهو المُنْعَمُ عَلَيْهِمْ، فَيَتَعَيَّنُ تَعَيُّنُ الحَرَكَةِ مِن غَيْرِ السُّكُونِ.

وَعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ نَصْبُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ والعامِلِ أنْعَمْتَ. أوْ بِإضْمارِ أعْنِي. أوْ بِالِاسْتِثْناءِ إنْ فُسِّرَ النَّعْمَ بِما يَعُمُّ القَبِيلَيْنِ، والغَضَبُ: ثَوَرانُ النَّفْسِ إرادَةَ الِانْتِقامِ، فَإذا أُسْنِدَ إلى اللَّهِ تَعالى أُرِيدَ بِهِ المُنْتَهى والغايَةُ عَلى ما مَرَّ، وعَلَيْهِمْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ لِأنَّهُ نائِبٌ مَنابَ الفاعِلِ بِخِلافِ الأوَّلِ، و (لا) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ ما في (غَيْرِ) مِن مَعْنى النَّفْيِ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ، ولِذَلِكَ جازَ أنا زَيْدًا غَيْرَ ضارِبٍ، كَما جازَ أنا زَيْدًا لا ضارِبٌ، وإنِ امْتَنَعَ أنا زَيْدًا مِثْلُ ضارِبٍ، وقُرِئَ « …

Al-Faatiha 1:7Listen in Qur'an →

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.