Muslim99Muslim99
← Tafsir library

1. Al-Faatiha

The Opening · Meccan · 7 ayahs

سُورَةُ ٱلْفَاتِحَةِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 1–7 of 7

1

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

In the name of Allah, the Entirely Merciful, the Especially Merciful.

سُورَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ وهي سَبْعُ آياتٍ

الفاتِحَةُ في الأصْلِ أوَّلُ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُفْتَحَ؛ كالكِتابِ، والثَّوْبِ؛ أُطْلِقَتْ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ واسِطَةً في فَتْحِ الكُلِّ؛ ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلى أوَّلِ كُلِّ شَيْءٍ فِيهِ تَدْرِيجٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ كالكَلامِ التَّدْرِيجِيِّ حُصُولًا؛ والسُّطُورِ والأوْراقِ التَّدْرِيجِيَّةِ قِراءَةً وعَدًّا؛ والتّاءُ لِلنَّقْلِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ؛ أوْ هي مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفَتْحِ؛ أُطْلِقَتْ عَلَيْهِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِاسْمِ المَصْدَرِ؛ إشْعارًا بِأصالَتِهِ؛ كَأنَّهُ نَفْسُ الفَتْحِ؛ فَإنَّ تَعَلُّقَهُ بِهِ بِالذّاتِ؛ وبِالباقِي بِواسِطَتِهِ؛ لَكِنْ لا عَلى مَعْنى أنَّهُ واسِطَةٌ في تَعَلُّقِهِ بِالباقِي ثانِيًا؛ حَتّى يَرُدَّ أنَّهُ لا يَتَسَنّى في الخاتِمَةِ؛ لِما أنَّ خَتْمَ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنْ بُلُوغِ آخِرِهِ؛ وذَلِكَ إنَّما يَتَحَقَّقُ بَعْدَ انْقِطاعِ المُلابَسَةِ عَنْ أجْزائِهِ الأُوَلِ؛ بَلْ عَلى مَعْنى أنَّ الفَتْحَ المُتَعَلِّقَ بِالأوَّلِ فَتْحٌ لَهُ أوَّلًا؛ وبِالذّاتِ؛ وهو بِعَيْنِهِ فَتَحٌ لِلْجُمُوعِ بِواسِطَتِهِ؛ لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنهُ؛ وكَذا الكَلامُ في الخاتِمَةِ؛

فَإنَّ بُلُوغَ آخِرِ الشَّيْءِ يَعْرِضُ لِلْآخِرِ أوَّلًا؛ وبِالذّاتِ؛ ولِلْكُلِّ بِواسِطَتِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَحَقَّقَتْهُ؛ والمُرادُ بِالأوَّلِ ما يَعُمُّ الإضافِيَّ؛ فَلا حاجَةَ إلى الِاعْتِذارِ بِأنَّ إطْلاقَ الفاتِحَةِ عَلى السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِتَمامِها؛ بِاعْتِبارِ جُزْئِها الأوَّلِ؛ والمُرادُ بِالكِتابِ هو المَجْمُوعُ الشَّخْصِيُّ؛ لا القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أجْزائِهِ عَلى ما عَلَيْهِ اصْطِلاحُ أهْلِ الأُصُولِ؛ ولا ضَيْرَ في اشْتِهارِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِهَذا الِاسْمِ في أوائِلِ عَهْدِ النُّبُوَّةِ؛ قَبْلَ تَحَصُّلِ المَجْمُوعِ بِنُزُولِ الكُلِّ؛ لِما أنَّ التَّسْمِيَةَ مِن جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ؛ أوْ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ ﷺ بِالإذْنِ؛ فَيَكْفِي فِيها تَحَصُّلُهُ بِاعْتِبارِ تَحَقُّقِهِ في عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ؛ أوْ في اللَّوْحِ؛ أوْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ أُنْزِلَ جُمْلَةً إلى السَّماءِ الدُّنْيا؛ وأمْلاهُ جِبْرِيلُ عَلى السَّفَرَةِ؛ ثُمَّ كانَ يُنْزِلُهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ ما في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً؛ كَما هو المَشْهُورُ؛ والإضافَةُ بِمَعْنى اللّامِ؛ كَما في جُزْءِ الشَّيْءِ؛ لا بِمَعْنى "مِن"؛ كَما في خاتَمِ فِضَّةٍ؛ لِما عَرَفْتَ أنَّ المُضافَ جُزْءٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ؛ لا جُزْئِيٌّ لَهُ؛ ومَدارُ التَّسْمِيَةِ كَوْنُهُ مَبْدَأً لِلْكِتابِ عَلى التَّرْتِيبِ المَعْهُودِ؛ لا في القِراءَةِ في الصَّلاةِ؛ ولا في التَّعْلِيمِ؛ ولا في النُّزُولِ كَما قِيلَ؛ أمّا الأوَّلُ فَبَيِّنٌ؛ إذْ لَيْسَ المُرادُ بِالكِتابِ القَدْرَ المُشْتَرَكَ الصّادِقَ عَلى ما يُقْرَأُ في الصَّلاةِ حَتّى تُعْتَبَرَ في التَّسْمِيَةِ مَبْدَئِيَّتُها لَهُ؛ وأمّا الأخِيرانِ فَلِأنَّ اعْتِبارَ المَبْدَئِيَّةِ مِن حَيْثُ التَّعْلِيمُ؛ أوْ مِن حَيْثُ النُّزُولُ يَسْتَدْعِي مُراعاةَ التَّرْتِيبِ في بَقِيَّةِ أجْزاءِ الكِتابِ مِن تَيْنِكَ الحَيْثِيَّتَيْنِ؛ ولا رَيْبَ في أنَّ التَّرْتِيبَ التَّعْلِيمِيَّ والتَّرْتِيبَ النُّزُولِيَّ لَيْسا عَلى نَسَقِ التَّرْتِيبِ المَعْهُودِ؛ وتُسَمّى أُمَّ القرآن؛ لِكَوْنِها أصْلًا ومَنشَأً لَهُ؛ إمّا لِمَبْدَئِيَّتِها لَهُ؛ وإمّا لِاشْتِمالِها عَلى ما فِيهِ مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والتَّعَبُّدِ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ؛ وبَيانِ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ؛ أوْ عَلى جُمْلَةِ مَعانِيهِ مِنَ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ؛ والأحْكامِ …

Al-Faatiha 1:1Listen in Qur'an →
2

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

[All] praise is [due] to Allah, Lord of the worlds -

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الحَمْدُ هو النَّعْتُ بِالجَمِيلِ عَلى الجَمِيلِ؛ اخْتِيارِيًّا كانَ أوْ مَبْدَأً لَهُ؛ عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ ذَلِكَ بِتَوْجِيهِهِ إلى المَنعُوتِ؛ وبِهَذِهِ الحَيْثِيَّةِ يَمْتازُ عَنِ المَدْحِ؛ فَإنَّهُ خالٍ عَنْها؛ يُرْشِدُكَ إلى ذَلِكَ ما تَرى بَيْنَهُما مِنَ الِاخْتِلافِ في كَيْفِيَّةِ التَّعَلُّقِ بِالمَفْعُولِ في قَوْلِكَ: حَمِدْتُهُ؛ ومَدَحْتُهُ؛ فَإنَّ تَعَلُّقَ الثّانِي بِمَفْعُولِهِ عَلى مِنهاجِ تَعَلُّقِ عامَّةِ الأفْعالِ بِمَفْعُولاتِها؛ وأمّا الأوَّلُ فَتَعَلُّقُهُ بِمَفْعُولِهِ مُنْبِئٌ عَنْ مَعْنى الإنْهاءِ؛ كَما في قَوْلِكَ: كَلَّمْتُهُ؛ فَإنَّهُ مُعْرِبٌ عَمّا يُقَيِّدُهُ لامُ التَّبْلِيغِ في قَوْلِكَ: "قُلْتُ لَهُ"؛ ونَظِيرِهِ؛ و"شَكَرْتُهُ"؛ و"عَبَدْتُهُ"؛ و"خَدَمْتُهُ"؛ فَإنَّ تَعَلُّقَ كُلٍّ مِنها مُنْبِئٌ عَنِ المَعْنى المَذْكُورِ؛ وتَحْقِيقُهُ أنَّ مَفْعُولَ كُلِّ فِعْلٍ في الحَقِيقَةِ هو الحَدَثُ الصّادِرُ عَنْ فاعِلِهِ؛ ولا يُتَصَوَّرُ في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ الفِعْلِ بِهِ - أيِّ فِعْلٍ كانَ - اخْتِلافٌ أصْلًا؛ وأمّا المَفْعُولُ بِهِ الَّذِي هو مَحَلُّهُ ومَوْقِعُهُ؛ فَلَمّا كانَ تَعَلُّقُهُ بِهِ؛ ووُقُوعُهُ عَلَيْهِ عَلى أنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ - حَسْبَما يَقْتَضِيهِ خُصُوصِيّاتُ الأفْعالِ؛ بِحَسَبِ مَعانِيها المُخْتَلِفَةِ؛ فَإنَّ بَعْضَها يَقْتَضِي أنْ يُلابِسَهُ مُلابَسَةً تامَّةً؛ مُؤَثِّرَةً فِيهِ؛ كَعامَّةِ الأفْعالِ؛ وبَعْضَها يَسْتَدْعِي أنْ يُلابِسَهُ أدْنى مُلابَسَةٍ؛ إمّا بِالِانْتِهاءِ إلَيْهِ؛ كالإعانَةِ مَثَلًا؛ أوْ بِالِابْتِداءِ مِنهُ؛ كالِاسْتِعانَةِ مَثَلًا -؛ اعْتُبِرَ في كُلِّ نَحْوِ مِن أنْحاءِ تَعَلُّقِهِ بِهِ كَيْفِيَّةٌ لائِقَةٌ بِذَلِكَ النَّحْوِ؛ مُغايِرَةٌ لِما اعْتُبِرَ في النَّحْوَيْنِ الأخِيرَيْنِ؛ فَنُظِمَ القِسْمُ الأوَّلُ مِنَ التَّعَلُّقِ في سِلْكِ التَّعَلُّقِ بِالمَفْعُولِ الحَقِيقِيِّ؛ مُراعاةً لِقُوَّةِ المُلابَسَةِ؛ وجُعِلَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ الأخِيرَيْنِ مِن قَبِيلِ التَّعَلُّقِ بِواسِطَةِ الجارِّ المُناسِبِ لَهُ؛ فَإنَّ قَوْلَكَ: أعَنْتُهُ؛ مُشْعِرٌ بِانْتِهاءِ الإعانَةِ إلَيْهِ؛ وقَوْلَكَ: اسْتَعَنْتُهُ؛ بِابْتِدائِها مِنهُ؛ وقَدْ يَكُونُ لِفِعْلٍ واحِدٍ مَفْعُولانِ؛ يَتَعَلَّقُ بِأحَدِهِما عَلى الكَيْفِيَّةِ الأُولى؛ وبِالآخَرِ عَلى الثّانِيَةِ؛ أوِ الثّالِثَةِ؛ كَما في قَوْلِكَ: حَدَّثَنِي الحَدِيثَ؛ وسَألَنِي المالَ؛ فَإنَّ التَّحْدِيثَ؛ مَعَ كَوْنِهِ فِعْلًا واحِدًا؛ قَدْ تَعَلَّقَ بِكَ عَلى الكَيْفِيَّةِ الثّانِيَةِ؛ وبِالحَدِيثِ عَلى الأُولى؛ وكَذا السُّؤالُ؛ فَإنَّهُ فِعْلٌ واحِدٌ؛ وقَدْ تَعَلَّقَ بِكَ عَلى الكَيْفِيَّةِ الثّالِثَةِ؛ وبِالمالِ عَلى الأُولى؛ ولا رَيْبَ في أنَّ اخْتِلافَ هَذِهِ الكَيْفِيّاتِ الثَّلاثِ؛ وتَبايُنَها واخْتِصاصَ كُلٍّ مِنَ المَفاعِيلِ المَذْكُورَةِ بِما نُسِبَ إلَيْهِ مِنها؛ مِمّا لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَرَدُّدٌ؛ ولا نَكِيرٌ؛ وإنْ كانَ لا يَتَّضِحُ حَقَّ الِاتِّضاحِ إلّا عِنْدَ التَّرْجَمَةِ والتَّفْسِيرِ؛ وإنَّ مَدارَ ذَلِكَ الِاخْتِلافِ لَيْسَ إلّا اخْتِلافَ الفِعْلِ؛ أوِ اخْتِلافَ المَفْعُولِ؛ وإذْ لا اخْتِلافَ في مَفْعُولِ الحَمْدِ والمَدْحِ؛ تَعَيَّنَ أنَّ اخْتِلافَهُما في كَيْفِيَّةِ التَّعَلُّقِ؛ لِاخْتِلافِهِما في المَعْنى قَطْعًا؛ هَذا وقَدْ قِيلَ: المَدْحُ مُطْلَقٌ عَنْ قَيْدِ الِاخْتِيارِ؛ يُقالُ: مَدَحْتُ زَيْدًا عَلى حُسْنِهِ ورَشاقَةِ قَدِّهِ؛ وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ بَيْنَهُما تَرادُفٌ؛ بَلْ أُخُوَّةٌ مِن جِهَةِ الِاشْتِقاقِ الكَبِيرِ؛ وتَناسُبٌ تامٌّ في …

Al-Faatiha 1:2Listen in Qur'an →
3

ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

The Entirely Merciful, the Especially Merciful,

﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: صِفَتانِ لِلَّهِ؛ فَإنْ أُرِيدَ بِما فِيهِما مِنَ الرَّحْمَةِ ما يَخْتَصُّ بِالعُقَلاءِ مِنَ العالَمِينَ؛ أوْ ما يَفِيضُ عَلى الكُلِّ بَعْدَ الخُرُوجِ إلى طَوْرِ الوُجُودِ مِنَ النِّعَمِ؛ فَوَجْهُ تَأْخِيرِهِما عَنْ وصْفِ الربوبية ظاهِرٌ؛ وإنْ أُرِيدَ ما يَعُمُّ الكُلَّ في الأطْوارِ كُلِّها؛ حَسْبَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَرَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾؛ فَوَجْهُ التَّرْتِيبِ أنَّ التَّرْبِيَةَ لا تَقْتَضِي المُقارَنَةَ لِلرَّحْمَةِ؛ فَإيرادُهُما في عَقِبِها لِلْإيذانِ بِأنَّهُ (تَعالى) مُتَفَضِّلٌ فِيها؛ فاعِلٌ بِقَضِيَّةِ رَحْمَتِهِ السّابِقَةِ؛ مِن غَيْرِ وُجُوبٍ عَلَيْهِ؛ وبِأنَّها واقِعَةٌ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ؛ والِاقْتِصارُ عَلى نَعْتِهِ (تَعالى) بِهِما في التَّسْمِيَةِ لِما أنَّهُ الأنْسَبُ بِحالِ المُتَبَرِّكِ المُسْتَعِينِ بِاسْمِهِ الجَلِيلِ؛ والأوْفَقُ لِمَقاصِدِهِ.

Al-Faatiha 1:3Listen in Qur'an →
4

مَٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ

Sovereign of the Day of Recompense.

﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: صِفَةٌ رابِعَةٌ لَهُ (تَعالى)؛ وتَأْخِيرُها عَنِ الصِّفاتِ الأُوَلِ مِمّا لا حاجَةَ إلى بَيانِ وجْهِهِ؛ وقَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ المُحْتَرَمَيْنِ: "مَلِكِ"؛ مِنَ المُلْكِ؛ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ السُّلْطانِ القاهِرِ؛ والِاسْتِيلاءِ الباهِرِ؛ والغَلَبَةِ التّامَّةِ؛ والقُدْرَةِ عَلى التَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ في أُمُورِ العامَّةِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ؛ وهو الأنْسَبُ بِمَقامِ الإضافَةِ إلى يَوْمِ الدِّينِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾؛ وقُرِئَ: "مَلْكِ"؛ بِالتَّخْفِيفِ؛ و"مَلَكَ"؛ بِلَفْظِ الماضِي؛ و"مالِكَ"؛ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ؛ أوِ الحالِ؛ وبِالرَّفْعِ؛ مُنَوَّنًا ومُضافًا؛ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ و"مَلِكُ"؛ مُضافًا بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ؛ و"اليَوْمُ" في العُرْفِ: عِبارَةٌ عَمّا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ وغُرُوبِها؛ مِنَ الزَّمانِ؛ وفي الشَّرْعِ: عَمّا بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ الثّانِي؛ وغُرُوبِ الشَّمْسِ؛ والمُرادُ هَهُنا مُطْلَقُ الوَقْتِ؛ و"الدِّينُ": الجَزاءُ؛ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا؛ ومِنهُ الثّانِي في المَثَلِ السّائِرِ: "كَما تَدِينُ تُدانُ"؛ والأوَّلُ في بَيْتِ الحَماسَةِ

؎ ولَمْ يَبْقَ سِوى العُدْوا ∗∗∗ نِ دِنّاهم كَما دانُوا

وَأمّا الأوَّلُ في الأوَّلِ؛ والثّانِي في الثّانِي؛ فَلَيْسَ بِجَزاءٍ حَقِيقَةً؛ وإنَّما سُمِّيَ بِهِ مُشاكَلَةً؛ أوْ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مُسَبِّبِهِ؛ كَما سُمِّيَتْ إرادَةُ القِيامِ والقِراءَةِ بِاسْمِهِما في قَوْلِهِ - عَزَّ اسْمُهُ -: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإذا قَرَأْتَ القرآن فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾؛ ولَعَلَّهُ هو السِّرُّ في بِناءِ المُفاعَلَةِ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تَقُومُ أسْبابُها بِمَفْعُولاتِها؛ نَحْوَ: عاقَبْتُ اللِّصَّ؛ ونَظائِرِهِ؛ فَإنَّ قِيامَ السَّرِقَةِ؛ الَّتِي هي سَبَبٌ لِلْعُقُوبَةِ بِاللِّصِّ؛ نُزِّلَ مَنزِلَةَ قِيامِ المُسَبِّبِ بِهِ؛ وهي العُقُوبَةُ؛ فَصارَ كَأنَّها قامَتْ بِالجانِبَيْنِ؛ وصَدَرَتْ عَنْهُما؛ فَبُنِيَتْ صِيغَةُ المُفاعَلَةِ الدّالَّةِ عَلى المُشارَكَةِ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ؛ وإضافَةُ اليَوْمِ إلَيْهِ - لِأدْنى مُلابَسَةٍ - كَإضافَةِ سائِرِ الظُّرُوفِ الزَّمانِيَّةِ إلى ما وقَعَ فِيها مِنَ الحَوادِثِ؛ كَـ "يَوْمُ الأحْزابِ"؛ و"عامُ الفَتْحِ"؛ وتَخْصِيصُهُ مِن بَيْنِ سائِرِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ القِيامَةِ، والجَمْعِ، والحِسابِ؛ لِكَوْنِهِ أدْخَلَ في التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ؛ فَإنَّ ما ذُكِرَ مِنَ القِيامَةِ؛ وغَيْرِها؛ مِن مَبادِئِ الجَزاءِ؛ ومُقَدِّماتِهِ؛ وإضافَةُ "مالِكِ" إلى "اليَوْمِ" مِن إضافَةِ اسْمِ الفاعِلِ إلى الظَّرْفِ - عَلى نَهْجِ الِاتِّساعِ المَبْنِيِّ عَلى إجْرائِهِ مُجْرى المَفْعُولِ بِهِ؛ مَعَ بَقاءِ المَعْنى عَلى حالِهِ؛ كَقَوْلِهِمْ: يا سارِقَ اللَّيْلَةِ أهْلَ الدّارِ -؛ أيْ: مالِكِ أُمُورِ العالَمِينَ كُلِّها في يَوْمِ الدِّينِ؛ وخُلُوُّ إضافَتِهِ عَنْ إفادَةِ التَّعْرِيفِ المُسَوِّغِ لِوُقُوعِهِ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ؛ إنَّما هو إذا أُرِيدَ بِهِ الحالُ؛ أوْ الِاسْتِقْبالُ؛ وأمّا عِنْدَ إرادَةِ الِاسْتِمْرارِ الثُّبُوتِيِّ - كَما هو اللّائِقُ بِالمَقامِ - فَلا رَيْبَ في كَوْنِها إضافَةً حَقِيقِيَّةً؛ كَإضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى غَيْرِ مَعْمُولِها؛ في قِراءَةِ "مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ"؛ ويَوْمُ الدِّينِ - وإنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَمِرًّا في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ؛ إلّا أنَّهُ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ؛ وبَقائِهِ أبَدًا - أُجْرِيَ مُجْرى المُتَحَقَّقِ المُسْتَمِرِّ؛ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الماضِي بِهَذا الِاعْتِبارِ؛ …

Al-Faatiha 1:4Listen in Qur'an →
5

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ

It is You we worship and You we ask for help.

﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ؛ وتَلْوِينٌ لِلنَّظْمِ مِن بابٍ إلى بابٍ؛ جارٍ عَلى نَهْجِ البَلاغَةِ؛ في افْتِنانِ الكَلامِ ومَسْلَكِ البَراعَةِ؛ حَسْبَما يَقْتَضِي المَقامُ؛ لِما أنَّ التَّنَقُّلَ مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ أدْخُلُ في اسْتِجْلابِ النُّفُوسِ؛ واسْتِمالَةِ القُلُوبِ؛ يَقَعُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَ التَّكَلُّمِ والخِطابِ والغَيْبَةِ؛ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الآخَرَيْنِ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾؛ الآيَةِ؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِالتِفاتاتِ الوارِدَةِ في التَّنْزِيلِ؛ لِأسْرارٍ تَقْتَضِيها؛ ومَزايا تَسْتَدْعِيها؛ ومِمّا اسْتَأْثَرَ بِهِ هَذا المَقامُ الجَلِيلُ مِنَ النُّكَتِ الرّائِقَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ العِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ بِهِ (تَعالى) لِما أُجْرِيَ عَلَيْهِ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ؛ الَّتِي أوْجَبَتْ لَهُ (تَعالى) أكْمَلَ تَمَيُّزٍ؛ وأتَمَّ ظُهُورٍ؛ بِحَيْثُ تُبَدِّلُ خَفاءَ الغَيْبَةِ بِجَلاءِ الحُضُورِ؛ فاسْتَدْعى اسْتِعْمالُ صِيغَةِ الخِطابِ؛ والإيذانُ بِأنَّ حَقَّ التّالِي بَعْدَما تَأمَّلَ فِيما سَلَفَ - مِن تَفَرُّدِهِ تَعالى بِذاتِهِ الأقْدَسِ؛ المُسْتَوْجِبِ لِلْعُبُودِيَّةِ؛ وامْتِيازِهِ بِذاتِهِ عَمّا سِواهُ بِالكُلِّيَّةِ؛ واسْتِبْدادِهِ بِجَلائِلِ الصِّفاتِ وأحْكامِ الربوبية المُمَيِّزَةِ لَهُ عَنْ جَمِيعِ أفْرادِ العالَمِينَ؛ وافْتِقارِ الكُلِّ إلَيْهِ في الذّاتِ والوُجُودِ ابْتِداءً؛ وبَقاءً؛ عَلى التَّفْصِيلِ الَّذِي مَرَّتْ إلَيْهِ الإشارَةُ - أنْ يَتَرَقّى مِن رُتْبَةِ البُرْهانِ إلى طَبَقَةِ العِيانِ؛ ويَنْتَقِلَ مِن عالَمِ الغَيْبَةِ إلى مَعالِمِ الشُّهُودِ؛ ويُلاحِظَ نَفْسَهُ في حَظائِرِ القُدْسِ حاضِرًا في مَحاضِرِ الأُنْسِ؛ كَأنَّهُ واقِفٌ لَدى مَوْلاهُ؛ ماثِلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو يَدْعُو بِالخُضُوعِ والإخْباتِ؛ ويَقْرَعُ بِالضَّراعَةِ بابَ المُناجاةِ؛ قائِلًا: يا مَن هَذِهِ شُئُونُ ذاتِهِ وصِفاتِهِ؛ نَخُصُّكَ بِالعِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ؛ فَإنَّ كُلَّ ما سِواكَ - كائِنًا ما كانَ - بِمَعْزِلٍ مِنَ اسْتِحْقاقِ الوُجُودِ؛ فَضْلًا عَنِ اسْتِحْقاقِ أنْ يُعْبَدَ؛ أوْ يُسْتَعانَ؛ ولَعَلَّ هَذا هو السِّرُّ في اخْتِصاصِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِوُجُوبِ القِراءَةِ في كُلِّ رَكْعَةٍ مِنَ الصَّلاةِ؛ الَّتِي هي مُناجاةُ العَبْدِ لِمَوْلاهُ؛ ومَئِنَّةٌ لِلتَّبَتُّلِ إلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ.

وَ"إيّا" ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ؛ مَنصُوبٌ؛ وما يَلْحَقُهُ مِنَ الكافِ والياءِ والهاءِ حُرُوفٌ زِيدَتْ لِتَعْيِينِ الخِطابِ؛ والتَّكَلُّمِ والغَيْبَةِ؛ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ كالتّاءِ في "أنْتَ"؛ والكافِ في "أرَأيْتَكَ"؛ وما ادَّعاهُ الخَلِيلُ مِنَ الإضافَةِ - مُحْتَجًّا عَلَيْهِ بِما حَكاهُ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ: إذا بَلَغَ الرَّجُلُ السِّتِّينَ فَإيّاهُ وإيّا الشَّوابَّ -؛ فَمِمّا لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ وقِيلَ: هي الضَّمائِرُ؛ و"إيّا" دِعامَةٌ لَها؛ لِتُصَيِّرَها مُنْفَصِلَةً؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ هو المَجْمُوعُ؛ وقُرِئَ "إيّاكَ" بِالتَّخْفِيفِ؛ وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ والتَّشْدِيدِ؛ و"هِيّاكَ" بِقَلْبِ الهَمْزَةِ هاءً. والعِبادَةُ أقْصى غايَةِ التَّذَلُّلِ والخُضُوعِ؛ ومِنهُ طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ؛ أيْ مُذَلَّلٌ؛ والعُبُودِيَّةُ أدْنى مِنها؛ وقِيلَ: العِبادَةُ فِعْلُ ما يَرْضى بِهِ اللَّهُ؛ والعُبُودِيَّةُ الرِّضا بِما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى؛ والِاسْتِعانَةُ طَلَبُ المَعُونَةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي مَرَّ بَيانُهُ؛ وتَقْدِيمُ …

Al-Faatiha 1:5Listen in Qur'an →
6

ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ

Guide us to the straight path -

﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾: إفْرادٌ لِمُعْظَمِ أفْرادِ المَعُونَةِ المَسْؤُولَةِ بِالذِّكْرِ؛ وتَعْيِينٌ لِما هو الأهَمُّ؛ أوْ بَيانٌ لَها؛ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ أُعِينُكُمْ؟ فَقِيلَ: اهْدِنا؛ والهِدايَةُ دَلالَةٌ بِلُطْفٍ عَلى ما يُوَصِّلُ إلى البُغْيَةِ؛ ولِذَلِكَ اخْتُصَّتْ بِالخَيْرِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجحيم﴾؛ وارِدٌ عَلى نَهْجِ التَّهَكُّمِ؛ والأصْلُ تَعْدِيَتُهُ بِـ "إلى" و"اللّامِ"؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَهْدِي إلى الحَقِّ قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾؛ فَعُومِلَ مُعامَلَةَ "اخْتارَ" في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾؛ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾؛ وهِدايَةُ اللَّهِ (تَعالى) - مَعَ تَنَوُّعِها إلى أنْواعٍ لا تَكادُ تُحْصَرُ - مُنْحَصِرَةٌ في أجْناسٍ مُتَرَتِّبَةٍ؛ مِنها أنْفُسِيَّةٌ؛ كَإفاضَةِ القُوى الطَّبِيعِيَّةِ والحَيَوانِيَّةِ الَّتِي بِها يَصْدُرُ عَنِ المَرْءِ أفاعِيلُهُ الطَّبِيعِيَّةُ والحَيَوانِيَّةُ؛ والقُوى المُدْرِكَةِ؛ والمَشاعِرِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ الَّتِي بِها يَتَمَكَّنُ مِن إقامَةِ مَصالِحِهِ المَعاشِيَّةِ والمَعادِيَّةِ؛ ومِنها آفاقِيَّةٌ؛ فَإمّا تَكْوِينِيَّةٌ مُعْرِبَةٌ عَنِ الحَقِّ بِلِسانِ الحالِ - وهي نَصْبُ الأدِلَّةِ المُودَعَةِ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العالَمِ؛ حَسْبَما لُوِّحَ بِهِ فِيما سَلَفَ -؛ وإمّا تَنْزِيلِيَّةٌ مُفْصِحَةٌ عَنْ تَفاصِيلِ الأحْكامِ النَّظَرِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ بِلِسانِ المَقالِ؛ بِإرْسالِ الرُّسُلِ؛ وَإنْزالِ الكُتُبِ المُنْطَوِيَةِ عَلى فُنُونِ الهِداياتِ - الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإرْشادُ إلى مَسْلَكِ الِاسْتِدْلالِ بِتِلْكَ الأدِلَّةِ التَّكْوِينِيَّةِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ -؛ والتَّنْبِيهِ عَلى مَكانِها؛ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ مُجْمَلًا في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ ﴿وَفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾؛ وفي قَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾؛ ومِنها الهِدايَةُ الخاصَّةُ؛ وهي كَشْفُ الأسْرارِ عَلى قَلْبِ المَهْدِيِّ بِالوَحْيِ؛ أوِ الإلْهامِ؛ ولِكُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن هَذِهِ المَراتِبِ صاحِبٌ يَنْتَحِيها؛ وطالِبٌ يَسْتَدْعِيها؛ والمَطْلُوبُ إمّا زِيادَتُها؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾؛ وإمّا الثَّباتُ عَلَيْها؛ كَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ؛ وأُبَيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: اهْدِنا: ثَبِّتْنا؛ ولَفْظُ الهِدايَةِ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ مَجازٌ - قَطْعًا -؛ وأمّا عَلى الأوَّلِ فَإنِ اعْتُبِرَ مَفْهُومُ الزِّيادَةِ داخِلًا في المَعْنى المُسْتَعْمَلِ فِيهِ كانَ مَجازًا أيْضًا؛ وإنِ اعْتُبِرَ خارِجًا عَنْهُ؛ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِالقَرائِنِ؛ كانَ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ الهِدايَةَ الزّائِدَةَ هِدايَةٌ؛ كَما أنَّ العِبادَةَ الزّائِدَةَ عِبادَةٌ؛ فَلا يَلْزَمُ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ؛ وقُرِئَ: "أرْشِدْنا"؛ و"الصِّراطَ": الجادَّةَ؛ أصْلُهُ السِّينُ؛ قُلِبَتْ صادًا لِمَكانِ الطّاءِ؛ كَـ "مُصَيْطِرٍ"؛ في "مُسَيْطِرٍ"؛ مِن سَرْطِ الشَّيْءِ إذا ابْتَلَعَهُ؛ سُمِّيَتْ بِهِ لِأنَّها تَسْتَرِطُ السّابِلَةَ إذا سَلَكُوها؛ كَما سُمِّيَتْ لَقْمًا لِأنَّها تَلْتَقِمُهُمْ؛ وقَدْ تُشَمُّ الصّادُ صَوْتَ الزّايِ؛ تَحَرِّيًا لِلْقُرْبِ مِنَ المُبْدَلِ مِنهُ؛ وقَدْ قُرِئَ بِهِنَّ جَمِيعًا؛ وفُصْحاهُنَّ إخْلاصُ الصّادِ؛ وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ؛ وهي الثّابِتَةُ في الإمامِ؛ وجَمْعُهُ "صُرُطٌ"؛ كَـ "كِتابٌ؛ وكُتُبٌ"؛ وهو …

Al-Faatiha 1:6Listen in Qur'an →
7

صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ

The path of those upon whom You have bestowed favor, not of those who have evoked [Your] anger or of those who are astray.

﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾: بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ بَدَلَ الكُلِّ؛ وهو في حُكْمِ تَكْرِيرِ العامِلِ؛ مِن حَيْثُ إنَّهُ المَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ؛ وفائِدَتُهُ التَّأْكِيدُ؛ والتَّنْصِيصُ عَلى أنَّ طَرِيقَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ - وهُمُ المُسْلِمُونَ - هو العَلَمُ في الِاسْتِقامَةِ؛ والمَشْهُودُ لَهُ بِالِاسْتِواءِ؛ بِحَيْثُ لا يَذْهَبُ الوَهْمُ عِنْدَ ذِكْرِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ إلّا إلَيْهِ؛ وإطْلاقُ الإنْعامِ لِقَصْدِ الشُّمُولِ؛ فَإنَّ نِعْمَةَ الإسْلامِ عُنْوانُ النِّعَمِ كُلِّها؛ فَمَن فازَ بِها فَقَدْ حازَها بِحَذافِيرِها؛ وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ ولَعَلَّ الأظْهَرَ أنَّهُمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ - عَزَّ قائِلًا -: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾؛ بِشَهادَةِ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾؛ وقِيلَ: هم أصْحابُ مُوسى وعِيسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - قَبْلَ النَّسْخِ والتَّحْرِيفِ؛ وقُرِئَ: "صِراطَ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ"؛ والإنْعامُ: إيصالُ النِّعْمَةِ؛ وهي في الأصْلِ الحالَةُ الَّتِي يَسْتَلِذُّها الإنْسانُ مِنَ النِّعْمَةِ؛ وهي اللِّينُ؛ ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلى ما تَسْتَلِذُّهُ النَّفْسُ مِن طَيِّباتِ الدُّنْيا؛ ونِعَمُ اللَّهِ (تَعالى) - مَعَ اسْتِحالَةِ إحْصائِها - يَنْحَصِرُ أُصُولُها فِي: دُنْيَوِيٍّ؛ وأُخْرَوِيٍّ؛ والأوَّلُ قِسْمانِ: وهْبِيٌّ؛ وكَسْبِيٌّ؛ والوَهْبِيُّ أيْضًا قِسْمانِ: رُوحانِيٌّ؛ كَنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ؛ وإمْدادِهِ بِالعَقْلِ؛ وما يَتْبَعُهُ مِنَ القُوى المُدْرِكَةِ؛ فَإنَّها - مَعَ كَوْنِها مِن قَبِيلِ الهِداياتِ - نِعَمٌ جَلِيلَةٌ في أنْفُسِها؛ وجُسْمانِيٌّ؛ كَتَخْلِيقِ البَدَنِ؛ والقُوى الحالَّةِ فِيهِ؛ والهَيْئاتِ العارِضَةِ لَهُ؛ مِنَ الصِّحَّةِ؛ وسَلامَةِ الأعْضاءِ؛ والكَسْبِيُّ: تَخْلِيَةُ النَّفْسِ عَنِ الرَّذائِلِ؛ وتَحْلِيَتُها بِالأخْلاقِ السَّنِيَّةِ؛ والمَلَكاتِ البَهِيَّةِ؛ وتَزْيِينُ البَدَنِ بِالهَيْئاتِ المَطْبُوعَةِ؛ والحُلِيِّ المُرْضِيَةِ؛ وحُصُولُ الجاهِ والمالِ؛ والثّانِي مَغْفِرَةُ ما فَرَطَ مِنهُ؛ والرِّضا عَنْهُ؛ وتَبْوِئَتُهُ في أعْلى عِلِّيِّينَ مَعَ المُقَرَّبِينَ؛ والمَطْلُوبُ هو القِسْمُ الأخِيرُ؛ وما هو ذَرِيعَةٌ إلى نَيْلِهِ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ؛ اللَّهُمَّ ارْزُقْنا ذَلِكَ بِفَضْلِكَ العَظِيمِ؛ ورَحْمَتِكَ الواسِعَةِ.

﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾: صِفَةٌ لِلْمَوْصُولِ؛ عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ إحْدى الطَّوائِفِ المَذْكُورَةِ المَشْهُورَةِ بِالإنْعامِ عَلَيْهِمْ؛ وبِاسْتِقامَةِ المَسْلَكِ؛ ومِن ضَرُورَةِ هَذِهِ الشُّهْرَةِ شُهْرَتُهم بِالمُغايَرَةِ لِما أُضِيفَ إلَيْهِ كَلِمَةُ "غَيْرِ"؛ مِنَ المُتَّصِفِينَ بِضِدَّيِ الوَصْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ؛ أعْنِي مُطْلَقَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ؛ والضّالِّينَ؛ فاكْتَسَبَتْ بِذَلِكَ تَعَرُّفًا مُصَحِّحًا لِوُقُوعِها صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ؛ كَما في قَوْلِكَ: عَلَيْكَ بِالحَرَكَةِ غَيْرِ السُّكُونِ؛ وُصِفُوا بِذَلِكَ تَكْمِلَةً لِما قَبْلَهُ؛ وإيذانًا بِأنَّ السَّلامَةَ مِمّا ابْتُلِيَ بِهِ أُولَئِكَ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ في نَفْسِها؛ أيِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ النِّعْمَةِ المُطْلَقَةِ - الَّتِي هي نِعْمَةُ الإيمانِ -؛ ونِعْمَةِ السَّلامَةِ مِنَ الغَضَبِ والضَّلالِ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ لا بِأعْيانِهِمْ؛ فَيَكُونُ بِمَعْنى النَّكِرَةِ؛ كَذِي اللّامِ؛ إذا أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ في ضِمْنِ بَعْضِ …

Al-Faatiha 1:7Listen in Qur'an →

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.