Muslim99Muslim99
← Tafsir library

1. Al-Faatiha

The Opening · Meccan · 7 ayahs

سُورَةُ ٱلْفَاتِحَةِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 1–7 of 7

1

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

In the name of Allah, the Entirely Merciful, the Especially Merciful.

مَعْنى الفاتِحَةِ في الأصْلِ أوَّلُ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُفْتَتَحَ بِهِ، ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلى أوَّلِ كُلِّ شَيْءٍ كالكَلامِ، والتّاءُ لِلنَّقْلِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ، فَسُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فاتِحَةَ الكِتابِ لِكَوْنِهِ افْتُتِحَ بِها، إذْ هي أوَّلُ ما يَكْتُبُهُ الكاتِبُ مِنَ المُصْحَفِ، وأوَّلُ ما يَتْلُوهُ التّالِي مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ أوَّلَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ.

وقَدِ اشْتَهَرَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الشَّرِيفَةُ بِهَذا الِاسْمِ في أيّامِ النُّبُوَّةِ.

قِيلَ هي مَكِّيَّةٌ، وقِيلَ مَدَنِيَّةٌ.

وقَدْ أخْرَجَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ، والثَّعْلَبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ بِمَكَّةَ مِن كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في دَلائِلَ النُّبُوَّةِ، والثَّعْلَبِيُّ والواحِدِيُّ مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ شُرَحْبِيلَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَمّا شَكا إلى خَدِيجَةَ ما يَجِدُهُ عِنْدَ أوائِلِ الوَحْيِ، فَذَهَبَتْ بِهِ إلى ورَقَةَ فَأخْبَرَهُ فَقالَ لَهُ: إذا خَلَوْتُ وحْدِي سَمِعْتُ نِداءً خَلْفِي: يا مُحَمَّدُ يا مُحَمَّدُ يا مُحَمَّدُ فَأنْطَلِقُ هارِبًا في الأرْضِ، فَقالَ: لا تَفْعَلْ، إذا أتاكَ فاثْبُتْ حَتّى تَسْمَعَ ما يَقُولُ ثُمَّ ائْتِنِي فَأخْبِرْنِي، فَلَمّا خَلا ناداهُ يا مُحَمَّدُ قُلْ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، حَتّى بَلَغَ ﴿ولا الضّالِّينَ﴾» الحَدِيثَ.

وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ «عَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي سَلِمَةَ قالَ: لَمّا أسْلَمَتْ فِتْيانُ بَنِي سَلِمَةَ وأسْلَمَ ولَدُ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ قالَتِ امْرَأةُ عَمْرٍو لَهُ: هَلْ لَكَ أنْ تَسْمَعَ مِن أبِيكَ ما رُوِيَ عَنْهُ ؟ فَسَألَهُ فَقَرَأ عَلَيْهِ: ( ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ )، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ» .

وأخْرَجَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ عُبادَةَ قالَ: فاتِحَةُ الكِتابِ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.

فَهَذا جُمْلَةُ ما اسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ إنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.

واسْتَدَلَّ مَن قالَ إنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وأبُو سَعِيدِ بْنُ الأعْرابِيِّ في مُعْجَمِهِ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدِ بْنِ أبِي هُرَيْرَةَ «رَنَّ إبْلِيسُ حِينَ أُنْزِلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ» وأُنْزِلَتْ بِالمَدِينَةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وغَيْرُهم مِن طُرُقٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: نَزَلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ بِالمَدِينَةِ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِمَكَّةَ ومَرَّةً بِالمَدِينَةِ جَمْعًا بَيْنَ هَذِهِ الرِّواياتِ.

* *

وتُسَمّى أُمَّ الكِتابِ، قالَ البُخارِيُّ في أوَّلِ التَّفْسِيرِ: وسُمِّيَتْ أُمَّ الكِتابِ؛ لِأنَّهُ يُبْدَأُ بِكِتابَتِها في المَصاحِفِ، ويُبْدَأُ بِقِراءَتِها في الصَّلاةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ في فَضائِلِ القُرْآنِ عَنِ أيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ كانَ يَكْرَهُ أنْ يَقُولَ: أُمُّ الكِتابِ، ويَقُولُ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ ولَكِنْ يَقُولُ: فاتِحَةُ الكِتابِ.

ويُقالُ لَها الفاتِحَةُ لِأنَّها يُفْتَتَحُ بِها القِراءَةُ، وافْتَتَحَتِ الصَّحابَةُ بِها كِتابَةَ المُصْحَفِ الإمامِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: وصَحَّ تَسْمِيَتُها بِالسَّبْعِ المَثانِي، قالُوا: لِأنَّها تُثَنّى في …

Al-Faatiha 1:1Listen in Qur'an →
2

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

[All] praise is [due] to Allah, Lord of the worlds -

الحَمْدُ لِلَّهِ الحَمْدُ: هو الثَّناءُ بِاللِّسانِ عَلى الجَمِيلِ الِاخْتِيارِيِّ، وبِقَيْدِ الِاخْتِيارِ فارَقَ المَدْحَ، فَإنَّهُ يَكُونُ عَلى الجَمِيلِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المَمْدُوحُ مُخْتارًا كَمَدْحِ الرَّجُلِ عَلى جَمالِهِ وقُوَّتِهِ وشَجاعَتِهِ.

وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُما أخَوانِ، والحَمْدُ أخَصُّ مِنَ الشُّكْرِ مَوْرِدًا وأعَمُّ مِنهُ مُتَعَلَّقًا.

فَمَوْرِدُ الحَمْدِ اللِّسانُ فَقَطْ، ومُتَعَلِّقُهُ النِّعْمَةُ وغَيْرُها.

ومَوْرِدُ الشُّكْرِ اللِّسانُ والجَنانُ والأرْكانُ، ومُتَعَلِّقُهُ النِّعْمَةُ.

وقِيلَ: إنَّ مَوْرِدَ الحَمْدِ كَمَوْرِدِ الشُّكْرِ، لِأنَّ كُلَّ ثَناءٍ بِاللِّسانِ لا يَكُونُ مِن صَمِيمِ القَلْبِ مَعَ مُوافَقَةِ الجَوارِحِ لَيْسَ بِحَمْدٍ بَلْ سُخْرِيَةٌ واسْتِهْزاءٌ.

وأُجِيبُ بِأنَّ اعْتِبارَ مُوافَقَةِ القَلْبِ والجَوارِحِ في الحَمْدِ لا يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ مَوْرِدًا لَهُ بَلْ شَرْطًا - وفَرْقٌ بَيْنَ الشَّرْطِ والشَّطْرِ وتَعْرِيفُهُ لِاسْتِغْراقِ أفْرادِ الحَمْدِ وأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالرَّبِّ سُبْحانَهُ عَلى مَعْنى أنَّ حَمْدَ غَيْرِهِ لا اعْتِدادَ بِهِ، لِأنَّ المُنْعِمَ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، أوْ عَلى أنَّ حَمْدَهُ هو الفَرْدُ الكامِلُ فَيَكُونُ الحَصْرُ ادِّعائِيًّا.

ورَجَّحَ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّ التَّعْرِيفَ هُنا هو تَعْرِيفُ الجِنْسِ لا الِاسْتِغْراقُ، والصَّوابُ ما ذَكَرْناهُ.

وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كُلُّهُ» وهو مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ وهو اللَّهُ.

وأصْلُهُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلِهِ كَسائِرِ المَصادِرِ الَّتِي تَنْصِبُها العَرَبُ، فَعَدَلَ عَنْهُ إلى الرَّفْعِ لِقَصْدِ الدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ المُسْتَفادِ مِنَ الجُمَلِ الِاسْمِيَّةِ دُونَ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ اللَّذَيْنِ تُفِيدُهُما الجُمَلُ الفِعْلِيَّةُ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ هي لامُ الِاخْتِصاصِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الحَمْدُ ثَناءٌ أثْنى بِهِ عَلى نَفْسِهِ، وفي ضِمْنِهِ أمَرَ عِبادَهُ أنْ يُثْنُوا عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: قُولُوا الحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ رَجَّحَ اتِّحادَ الحَمْدِ والشُّكْرِ مُسْتَدِلًّا عَلى ذَلِكَ بِما حاصِلُهُ: أنَّ جَمِيعَ أهْلِ المَعْرِفَةِ بِلِسانِ العَرَبِ يُوقِعُونَ كُلًّا مِنَ الحَمْدِ والشُّكْرِ مَكانَ الآخَرِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ اشْتَهَرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ المُتَأخِّرِينَ أنَّ الحَمْدَ هو الثَّناءُ بِالقَوْلِ عَلى المَحْمُودِ بِصِفاتِهِ اللّازِمَةِ والمُتَعَدِّيَةِ.

والشُّكْرُ لا يَكُونُ إلّا عَلى المُتَعَدِّيَةِ ويَكُونُ بِالجَنانِ واللِّسانِ والأرْكانِ انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّ المَرْجِعَ في مِثْلِ هَذا إلى مَعْنى الحَمْدِ في لُغَةِ العَرَبِ لا إلى ما قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ المُتَأخِّرِينَ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُرَدُّ عَلى ابْنِ جَرِيرٍ، ولا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، هَذا إذا لَمْ يَثْبُتْ لِلْحَمْدِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ، فَإنْ ثَبَتَتَ وجَبَ تَقْدِيمُها.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْنا سُبْحانَ اللَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَما الحَمْدُ لِلَّهِ ؟ فَقالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةٌ رَضِيَها لِنَفْسِهِ.

ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةُ الشُّكْرِ، وإذا قالَ العَبْدُ الحَمْدُ لِلَّهِ قالَ: شَكَرَنِي عَبْدِي.

ورَوى هو وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ هو الشُّكْرُ لِلَّهِ والِاسْتِحْذاءُ لَهُ والإقْرارُ لَهُ …

Al-Faatiha 1:2Listen in Qur'an →
3

ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

The Entirely Merciful, the Especially Merciful,

الحَمْدُ لِلَّهِ الحَمْدُ: هو الثَّناءُ بِاللِّسانِ عَلى الجَمِيلِ الِاخْتِيارِيِّ، وبِقَيْدِ الِاخْتِيارِ فارَقَ المَدْحَ، فَإنَّهُ يَكُونُ عَلى الجَمِيلِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المَمْدُوحُ مُخْتارًا كَمَدْحِ الرَّجُلِ عَلى جَمالِهِ وقُوَّتِهِ وشَجاعَتِهِ.

وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُما أخَوانِ، والحَمْدُ أخَصُّ مِنَ الشُّكْرِ مَوْرِدًا وأعَمُّ مِنهُ مُتَعَلَّقًا.

فَمَوْرِدُ الحَمْدِ اللِّسانُ فَقَطْ، ومُتَعَلِّقُهُ النِّعْمَةُ وغَيْرُها.

ومَوْرِدُ الشُّكْرِ اللِّسانُ والجَنانُ والأرْكانُ، ومُتَعَلِّقُهُ النِّعْمَةُ.

وقِيلَ: إنَّ مَوْرِدَ الحَمْدِ كَمَوْرِدِ الشُّكْرِ، لِأنَّ كُلَّ ثَناءٍ بِاللِّسانِ لا يَكُونُ مِن صَمِيمِ القَلْبِ مَعَ مُوافَقَةِ الجَوارِحِ لَيْسَ بِحَمْدٍ بَلْ سُخْرِيَةٌ واسْتِهْزاءٌ.

وأُجِيبُ بِأنَّ اعْتِبارَ مُوافَقَةِ القَلْبِ والجَوارِحِ في الحَمْدِ لا يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ مَوْرِدًا لَهُ بَلْ شَرْطًا - وفَرْقٌ بَيْنَ الشَّرْطِ والشَّطْرِ وتَعْرِيفُهُ لِاسْتِغْراقِ أفْرادِ الحَمْدِ وأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالرَّبِّ سُبْحانَهُ عَلى مَعْنى أنَّ حَمْدَ غَيْرِهِ لا اعْتِدادَ بِهِ، لِأنَّ المُنْعِمَ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، أوْ عَلى أنَّ حَمْدَهُ هو الفَرْدُ الكامِلُ فَيَكُونُ الحَصْرُ ادِّعائِيًّا.

ورَجَّحَ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّ التَّعْرِيفَ هُنا هو تَعْرِيفُ الجِنْسِ لا الِاسْتِغْراقُ، والصَّوابُ ما ذَكَرْناهُ.

وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كُلُّهُ» وهو مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ وهو اللَّهُ.

وأصْلُهُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِإضْمارِ فِعْلِهِ كَسائِرِ المَصادِرِ الَّتِي تَنْصِبُها العَرَبُ، فَعَدَلَ عَنْهُ إلى الرَّفْعِ لِقَصْدِ الدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ المُسْتَفادِ مِنَ الجُمَلِ الِاسْمِيَّةِ دُونَ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ اللَّذَيْنِ تُفِيدُهُما الجُمَلُ الفِعْلِيَّةُ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ هي لامُ الِاخْتِصاصِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الحَمْدُ ثَناءٌ أثْنى بِهِ عَلى نَفْسِهِ، وفي ضِمْنِهِ أمَرَ عِبادَهُ أنْ يُثْنُوا عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: قُولُوا الحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ رَجَّحَ اتِّحادَ الحَمْدِ والشُّكْرِ مُسْتَدِلًّا عَلى ذَلِكَ بِما حاصِلُهُ: أنَّ جَمِيعَ أهْلِ المَعْرِفَةِ بِلِسانِ العَرَبِ يُوقِعُونَ كُلًّا مِنَ الحَمْدِ والشُّكْرِ مَكانَ الآخَرِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ اشْتَهَرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ المُتَأخِّرِينَ أنَّ الحَمْدَ هو الثَّناءُ بِالقَوْلِ عَلى المَحْمُودِ بِصِفاتِهِ اللّازِمَةِ والمُتَعَدِّيَةِ.

والشُّكْرُ لا يَكُونُ إلّا عَلى المُتَعَدِّيَةِ ويَكُونُ بِالجَنانِ واللِّسانِ والأرْكانِ انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّ المَرْجِعَ في مِثْلِ هَذا إلى مَعْنى الحَمْدِ في لُغَةِ العَرَبِ لا إلى ما قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ المُتَأخِّرِينَ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُرَدُّ عَلى ابْنِ جَرِيرٍ، ولا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، هَذا إذا لَمْ يَثْبُتْ لِلْحَمْدِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ، فَإنْ ثَبَتَتَ وجَبَ تَقْدِيمُها.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْنا سُبْحانَ اللَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَما الحَمْدُ لِلَّهِ ؟ فَقالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةٌ رَضِيَها لِنَفْسِهِ.

ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةُ الشُّكْرِ، وإذا قالَ العَبْدُ الحَمْدُ لِلَّهِ قالَ: شَكَرَنِي عَبْدِي.

ورَوى هو وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ هو الشُّكْرُ لِلَّهِ والِاسْتِحْذاءُ لَهُ والإقْرارُ لَهُ …

Al-Faatiha 1:3Listen in Qur'an →
4

مَٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ

Sovereign of the Day of Recompense.

ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الفاتِحَةِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قُرِئَ مَلِكِ ومالِكَ ومَلْكِ بِسُكُونِ اللّامِ ومَلَكَ بِصِيغَةِ الفِعْلِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ أيُّهُما أبْلَغُ ( مَلِكِ ) أوْ ( مالِكِ ) ؟ فَقِيلَ: إنَّ مَلِكَ أعَمُّ وأبْلَغُ مِن مالِكٍ، إذْ كُلُّ مَلِكٍ مالِكٌ، ولَيْسَ كُلُّ مالِكٍ مَلِكًا، ولِأنَّ أمْرَ المَلِكِ نافِذٌ عَلى المالِكِ في مِلْكِهِ حَتّى لا يَنْصَرِفَ إلّا عَنْ تَدْبِيرِ المَلِكِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ والمُبَرِّدُ ورَجَّحَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

وقِيلَ: مالِكٌ أبْلَغُ لِأنَّهُ يَكُونُ مالِكًا لِلنّاسِ وغَيْرِهِمْ، فالمالِكُ أبْلَغُ تَصَرُّفًا وأعْظَمُ.

وقالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّ مالِكًا أبْلَغُ في مَدْحِ الخالِقِ مِن مَلِكٍ، ومَلِكٌ أبْلَغُ في مَدْحِ المَخْلُوقِينَ مِن مالِكٍ، لِأنَّ المالِكَ مِنَ المَخْلُوقِينَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَلِكٍ، وإذا كانَ اللَّهُ تَعالى مالِكًا كانَ مَلِكًا.

واخْتارَ هَذا القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ.

والحَقُّ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الوَصْفَيْنِ نَوْعَ أخَصِّيَّةٍ لا يُوجَدُ في الآخَرِ، فالمالِكُ يَقْدِرُ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ المَلِكُ مِنَ التَّصَرُّفاتِ بِما هُوَ مالِكٌ لَهُ بِالبَيْعِ والهِبَةِ والعِتْقِ ونَحْوِها، والمَلِكُ يَقْدِرُ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ المالِكُ مِنَ التَّصَرُّفاتِ العائِدَةِ إلى تَدْبِيرِ المَلِكِ وحِياطَتِهِ ورِعايَةِ مَصالِحِ الرَّعِيَّةِ، فالمالِكُ أقْوى مِنَ المَلِكِ في بَعْضِ الأُمُورِ، والمَلِكُ أقْوى مِنَ المالِكِ في بَعْضِ الأُمُورِ.

والفَرْقُ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى الرَّبِّ سُبْحانَهُ أنَّ المَلِكَ صِفَةٌ لَذّاتِهِ، والمالِكَ صِفَةٌ لِفِعْلِهِ.

و( يَوْمِ الدِّينِ ): يَوْمُ الجَزاءِ مِنَ الرَّبِّ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ كَما قالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ ﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٩] وهَذِهِ الإضافَةُ إلى الظَّرْفِ عَلى طَرِيقِ الِاتِّساعِ كَقَوْلِهِمْ: يا سارِقٌ اللَّيْلَةَ أهْلَ الدّارِ، و( ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ ) وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا فَقَدْ يُضافُ اسْمُ الفاعِلِ وما في مَعْناهُ إلى المُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِكَ: هَذا ضارِبٌ زَيْدًا غَدًا.

وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يَقْرَأُ " ( مَلِكِ ) بِغَيْرِ ألِفٍ "» .

وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أنَسٍ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أنَسٍ أيْضًا: «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ كانُوا يَقْرَءُونَ ( مالِكِ ) بِالألِفِ» .

وأخْرَجَ نَحْوَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.

وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا وكِيعٌ في تَفْسِيرِهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ يَرْفَعُهُ مُرْسَلًا.

وأخْرَجَهُ أيْضًا عَبْدُ الرَّزّاقِ في تَفْسِيرِهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا.

وقَدْ رُوِيَ هَذا مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، فَهو أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ.

وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «" أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يَقْرَأُ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾» وكَذا رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّهم فَسَّرُوا يَوْمَ الدِّينِ بِيَوْمِ الحِسابِ.

وكَذا رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي …

Al-Faatiha 1:4Listen in Qur'an →
5

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ

It is You we worship and You we ask for help.

قِراءَةُ السَّبْعَةِ وغَيْرِهِمْ بِتَشْدِيدِ الياءِ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فايِدٍ بِتَخْفِيفِها مَعَ الكَسْرِ، وقَرَأ الفَضْلُ والرَّقاشِيُّ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أبُو السَّوّارِ الغَنَوِيُّ هَيّاكَ في المَوْضِعَيْنِ وهي لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ.

والضَّمِيرُ المُنْفَصِلُ هو إيّا وما يَلْحَقُهُ مِنَ الكافِ والهاءِ والياءِ هي حُرُوفٌ لِبَيانِ الخِطابِ والغَيْبَةِ والتَّكَلُّمِ، ولا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ، وتَقْدِيمُهُ عَلى الفِعْلِ لِقَصْدِ الِاخْتِصاصِ، وقِيلَ: لِلِاهْتِمامِ، والصَّوابُ أنَّهُ لَهُما ولا تَزاحُمَ بَيْنَ المُقْتَضَياتِ.

والمَعْنى: نَخُصُّكَ بِالعِبادَةِ ونَخُصُّكَ بِالِاسْتِعانَةِ لا نَعْبُدُ غَيْرَكَ ولا نَسْتَعِينُهُ، والعِبادَةُ أقْصى غاياتِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وفي الشَّرْعِ عِبارَةٌ عَمّا يَجْمَعُ كَمالَ المَحَبَّةِ والخُضُوعِ والخَوْفِ، وعَدَلَ عَنِ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ لِقَصْدِ الِالتِفاتِ، لِأنَّ الكَلامَ إذا نُقِلَ مِن أُسْلُوبٍ إلى آخَرَ كانَ أحْسَنَ تَطْرِيَةً لِنَشاطِ السّامِعِ وأكْثَرَ إيقاظًا لَهُ كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي.

والمَجِيءُ بِالنُّونِ في الفِعْلَيْنِ لِقَصْدِ الإخْبارِ مِنَ الدّاعِي عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ جِنْسِهِ مِنَ العِبادِ، وقِيلَ: إنَّ المَقامَ لَمّا كانَ عَظِيًما لَمْ يَسْتَقِلَّ بِهِ الواحِدُ اسْتِقْصارًا لِنَفْسِهِ واسْتِصْغارًا لَها، فالمَجِيءُ بِالنُّونِ لِقَصْدِ التَّواضُعِ لا لِتَعْظِيمِ النَّفْسِ، وقُدِّمَتِ العِبادَةُ عَلى الِاسْتِعانَةِ لِكَوْنِ الأُولى وسِيلَةً إلى الثّانِيَةِ، وتَقْدِيمُ الوَسائِلِ سَبَبٌ لِتَحْصِيلِ المَطالِبِ، وإطْلاقُ الِاسْتِعانَةِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ إيّاكَ نَعْبُدُ: يَعْنِي إيّاكَ نُوَحِّدُ ونَخافُ يا رَبَّنا لا غَيْرَكَ، وإيّاكَ نَسْتَعِينُ عَلى طاعَتِكَ وعَلى أُمُورِنا كُلِّها.

وحَكى ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: يَأْمُرُكم أنْ تُخْلِصُوا لَهُ العِبادَةَ وأنْ تَسْتَعِينُوهُ عَلى أمْرِكم.

وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ المُعَلّى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: «قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُها لِي ونِصْفُها لِعَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَألَ، إذا قالَ العَبْدُ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وإذا قالَ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قالَ: أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي، فَإذا قالَ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، فَإذا قالَ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قالَ: هَذا بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَألَ، فَإذا قالَ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ قالَ: هَذا لِعَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَألَ» .

وأخْرَجَ أبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ والباوَرْدِيُّ مَعًا في مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنْ أبِي طَلْحَةَ قالَ: «" كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في غَزاةٍ فَلَقِيَ العَدُوَّ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يا مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ، قالَ: فَلَقَدْ رَأيْتُ الرِّجالَ تُصْرَعُ فَتَضْرِبُها المَلائِكَةُ مِن بَيْنِ يَدَيْها ومِن خَلْفِها» " .

Al-Faatiha 1:5Listen in Qur'an →
6

ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ

Guide us to the straight path -

قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالصّادِ، وقُرِئَ السِّراطُ بِالسِّينِ، والزِّراطُ بِالزّايِ، والهِدايَةُ قَدْ يَتَعَذَّرُ فِعْلُها بِنَفْسِهِ كَما هُنا، وكَقَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] وقَدْ يَتَعَدّى بِإلى قَوْلُهُ: ﴿اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١] ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وقَدْ يَتَعَدّى بِاللّامِ كَقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِاللّامِ أوْ بِإلى انْتَهى.

وهِيَ الإرْشادُ أوِ التَّوْفِيقُ أوِ الإلْهامُ أوِ الدَّلالَةُ.

وفَرَّقَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ بَيْنَ مَعْنى المُتَعَدِّي بِنَفَسِهِ وغَيْرِ المُتَعَدِّي فَقالُوا: مَعْنى الأوَّلِ الدَّلالَةُ، والثّانِي الإيصالُ.

وطَلَبُ الهِدايَةِ مِنَ المُهْتَدِي مَعْناهُ طَلَبُ الزِّيادَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧] ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] والصِّراطُ: الطَّرِيقُ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ مِن أهْلِ التَّأْوِيلِ جَمِيعًا عَلى أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو الطَّرِيقُ الواضِحُ الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وهو كَذَلِكَ في لُغَةِ جَمِيعِ العَرَبِ.

قالَ: ثُمَّ تَسْتَعِيرُ العَرَبُ الصِّراطَ فَتَسْتَعْمِلُهُ فَتَصِفُ المُسْتَقِيمَ بِاسْتِقامَتِهِ والمُعْوَجَّ بِاعْوِجاجِهِ.

وقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَرَأ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ بِالصّادِ» .

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ " أنَّهُ قَرَأ الصِّراطَ بِالسِّينِ " .

وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ السِّراطَ بِالسِّينِ.

وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ الزِّراطَ بِالزّايِ قالَ الفَرّاءُ: وهي لُغَةٌ لِعُذْرَةَ وكَلْبٍ وبَنِي القَيْنِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ يَقُولُ: ألْهِمْنا دِينَكَ الحَقَّ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ وابْنُ المُنْذِرِ نَحْوَهُ.

وأخْرَجَ وكِيعٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: " هو دِينُ الإسْلامِ وهو أوْسَعُ مِمّا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ " .

وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ النَّوّاسُ بْنُ سَمْعانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِراطًا مُسْتَقِيمًا، وعَلى جَنْبَتَيِ الصِّراطِ سُورانِ فِيهِما أبْوابٌ مُفَتَّحَةٌ، وعَلى الأبْوابِ سُتُورٌ مُرْخاةٌ، وعَلى بابِ الصِّراطِ داعٍ يَقُولُ: يا أيُّها النّاسُ ادْخُلُوا الصِّراطَ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا، وداعٍ يَدْعُو مِن فَوْقِ الصِّراطِ، فَإذا أرادَ الإنْسانُ أنْ يَفْتَحَ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأبْوابِ قالَ: ويْحَكَ لا تَفْتَحْهُ فَإنَّكَ إنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، فالصِّراطُ: الإسْلامُ، والسُّورانِ: حُدُودُ …

Al-Faatiha 1:6Listen in Qur'an →
7

صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ

The path of those upon whom You have bestowed favor, not of those who have evoked [Your] anger or of those who are astray.

انْتَصَبَ ( صِراطَ ) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، وفائِدَتُهُ التَّوْكِيدُ لِما فِيهِ مِنَ التَّثْنِيَةِ والتَّكْرِيرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ، وفائِدَتُهُ الإيضاحُ، والَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هُمُ المَذْكُورُونَ في سُورَةِ النِّساءِ حَيْثُ قالَ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٦٩، ٧٠] وأطْلَقَ الإنْعامَ لِيَشْمَلَ كُلَّ إنْعامٍ، و﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ ﴿الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ عَلى مَعْنى أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ النِّعْمَتَيْنِ نِعْمَةَ الإيمانِ والسَّلامَةِ مِن ذَلِكَ، وصَحَّ جَعْلُهُ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ مَعَ كَوْنِ غَيْرِ لا تَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ إلى المَعارِفِ لِما فِيها مِنَ الإبْهامِ، لِأنَّها هُنا غَيْرُ مُبْهَمَةٍ لِاشْتِهارِ المُغايِرَةِ بَيْنَ الجِنْسَيْنِ.

والغَضَبُ في اللُّغَةِ قالَ القُرْطُبِيُّ: الشِّدَّةُ، ورَجُلٌ غَضُوبٌ: أيْ شَدِيدُ الخُلُقِ، والغَضُوبُ: الحَيَّةُ الخَبِيثَةُ لِشِدَّتِها.

قالَ: ومَعْنى الغَضَبِ في صِفَةِ اللَّهِ: إرادَةُ العُقُوبَةِ فَهو صِفَةُ ذاتِهِ، أوْ نَفْسُ العُقُوبَةِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «إنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ» فَهو صِفَةُ فِعْلِهِ.

قالَ في الكَشّافِ: هو إرادَةُ الِانْتِقامِ مِنَ العُصاةِ وإنْزالُ العُقُوبَةِ بِهِمْ، وأنْ يَفْعَلَ بِهِمْ ما يَفْعَلُهُ المَلِكُ إذا غَضِبَ عَلى مَن تَحْتَ يَدِهِ، والفَرْقُ بَيْنَ عَلَيْهِمُ الأُولى وعَلَيْهِمُ الثّانِيَةِ، أنَّ الأُولى في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، والثّانِيَةَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ.

و" لا " في قَوْلِهِ ﴿ولا الضّالِّينَ﴾ تَأْكِيدٌ لِلنَّفْيِ المَفْهُومِ مِن ( غَيْرِ )، والضَّلالُ في لِسانِ العَرَبِ قالَ القُرْطُبِيُّ: هو الذَّهابُ عَنْ سَنَنِ القَصْدِ وطَرِيقِ الحَقِّ، ومِنهُ ضَلَّ اللَّبَنُ في الماءِ: أيْ غابَ، ومِنهُ ﴿أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ [السجدة: ١٠] أيْ غِبْنا بِالمَوْتِ وصِرْنا تُرابًا.

وأخْرَجَ وكِيعٌ وأبُو سَعِيدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " صِراطَ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وغَيْرِ الصّالِحِينَ " وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَرَأ كَذَلِكَ.

وأخْرَجَ الأنْبارِيُّ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ عَلَيْهِمِي بِكَسْرِ الهاءِ والمِيمِ وإثْباتِ الياءِ.

وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الأعْرَجِ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " عَلَيْهُمُو " بِضَمِّ الهاءِ والمِيمِ وإلْحاقِ الواوِ.

وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " عَلَيْهِمُو " بِكَسْرِ الهاءِ وضَمِّ المِيمِ مَعَ إلْحاقِ الواوِ.

وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي إسْحاقَ أنَّهُ قَرَأ عَلَيْهِمْ بِضَمِّ الهاءِ والمِيمِ مِن غَيْرِ إلْحاقِ الواوِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ عِكْرِمَةَ والأسْوَدِ أنَّهُما كانا يَقْرَآنِ كَقِراءَةِ عُمَرَ السّابِقَةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: طَرِيقُ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ والصَّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ الَّذِينَ أطاعُوكَ وعَبَدُوكَ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ.

وأخْرَجَ عَبْدُ …

Al-Faatiha 1:7Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.