بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
In the name of Allah, the Entirely Merciful, the Especially Merciful.
* *
سُورَةُ الفاتِحَةِ
بِسْمِ اللَّهِ القَيُّومِ الشَّهِيدِ الَّذِي لا يَعْزُبُ شَيْءٌ عَنْ عِلْمِهِ، ولا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِإذْنِهِ؛ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الَّذِي عَمَّتْ رَحْمَتُهُ المَوْجُوداتِ، وطُبِعَ في مَرائِي القُلُوبِ عَظْمَتُهُ فَتَعالَتْ تِلْكَ السُّبُحاتُ، وأُجْرِيَ عَلى الألْسِنَةِ ذِكْرُهُ في العِباداتِ والعاداتِ؛ الرَّحِيمِ الَّذِي تَمَّتْ نِعْمَتُهُ بِتَخْصِيصِ أهْلِ وِلايَتِهِ بِأرْضى العِباداتِ.
قالَ شَيْخُنا الإمامُ المُحَقِّقُ أبُو الفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ العَلّامَةِ القُدْوَةِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ ابْنِ العَلّامَةِ القُدْوَةِ أبِي القاسِمِ مُحَمَّدٍ المِشْدالِيُّ المَغْرِبِيُّ البَجائِيُّ المالِكِيُّ عَلّامَةُ الزَّمانِ سَقى اللَّهُ عَهَدَهُ سَحائِبَ الرِّضْوانِ، وأسْكَنَهُ أعْلى الجِنانِ: الأمْرُ الكُلِّيُّ المُفِيدُ لِعِرْفانِ مُناسَباتِ الآياتِ في جَمِيعِ القُرْآنِ هو أنَّكَ تَنْظُرُ الغَرَضَ الَّذِي سِيقَتْ لَهُ السُّورَةُ، وتَنْظُرُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ ذَلِكَ الغَرَضُ مِنَ المُقَدِّماتِ [ وتَنْظُرُ إلى مَراتِبِ تِلْكَ المُقَدِّماتِ ] في القُرْبِ والبُعْدِ مِنَ المَطْلُوبِ، وتَنْظُرُ عِنْدَ انْجِرارِ الكَلامِ في المُقَدِّماتِ إلى ما يَسْتَتْبِعُهُ مِنِ اسْتِشْرافِ نَفْسِ السّامِعِ إلى الأحْكامِ واللَّوازِمِ التّابِعَةِ لَهُ الَّتِي تَقْتَضِي البَلاغَةُ شِفاءَ العَلِيلِ بِدَفْعِ عَناءِ الِاسْتِشْرافِ إلى الوُقُوفِ عَلَيْها؛ فَهَذا هو الأمْرُ الكُلِّيُّ المُهَيْمِنُ عَلى حُكْمِ الرَّبْطِ بَيْنَ جَمِيعِ أجْزاءِ القُرْآنِ، وإذا فَعَلْتَهُ تَبَيَّنَ لَكَ إنْ شاءَ اللَّهُ وجْهُ النَّظْمِ مُفَصَّلًا بَيْنَ كُلِّ آيَةٍ وآيَةٍ في كُلِّ سُورَةٍ سُورَةٍ واللَّهُ الهادِي. انْتَهى. وقَدْ ظَهَرَ لِي بِاسْتِعْمالِي لِهَذِهِ القاعِدَةِ بَعْدَ وُصُولِي إلى سُورَةِ سَبَأٍ في السَّنَةِ العاشِرَةِ مِنِ ابْتِدائِي في عَمَلِ هَذا الكِتابِ أنَّ اسْمَ كُلِّ سُورَةٍ مُتَرْجِمٌ عَنْ مَقْصُودِها لِأنَّ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ تُظْهِرُ المُناسَبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُسَمّاهُ عُنْوانُهُ الدّالُّ إجْمالًا عَلى تَفْصِيلِ ما فِيهِ، وذَلِكَ هو الَّذِي أنْبَأ بِهِ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ العَرْضِ عَلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَقْصُودُ كُلِّ سُورَةٍ هادٍ إلى تَناسُبِها؛ فَأذْكُرُ قُصُودَ السُّورَةِ، وأُطَبِّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ اسْمِها، وأُفَسِّرُ كُلَّ بَسْمَلَةٍ بِما يُوافِقُ مَقْصُودَ السُّورَةِ، ولا أخْرُجُ عَنْ مَعانِي كَلِماتِها؛ فالفاتِحَةُ اسْمُها ”أُمُّ الكِتابِ“ و”الأساسُ“ و”المَثانِي“ و”الكَنْزُ“ [ و”الشّافِيَةُ“ ] و”الكافِيَةُ“ و”الوافِيَةُ“ [ و”الواقِيَةُ“ ] و”الرُّقْيَةُ“ و”الحَمْدُ“ و”الشُّكْرُ“ و”الدُّعاءُ“ و”الصَّلاةُ“، فَمَدارُ هَذِهِ الأسْماءِ كَما تَرى عَلى أمْرٍ خَفِيٍّ كافٍ لِكُلِّ مُرادٍ وهو المُراقَبَةُ الَّتِي سَأقُولُ إنَّها مَقْصُودُها فَكُلُّ شَيْءٍ لا يُفْتَتَحُ بِها لا اعْتِدادَ بِهِ، وهي أُمُّ كُلِّ خَيْرٍ، وأساسُ كُلِّ مَعْرُوفٍ، ولا يُعْتَدُّ بِها إلّا إذا ثُنِّيَتْ فَكانَتْ دائِمَةَ التَّكْرارِ، وهي كَنْزٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، شافِيَةٌ لِكُلِّ داءٍ، كافِيَةٌ لِكُلِّ هَمٍّ، وافِيَةٌ بِكُلِّ مَرامٍ، واقِيَةٌ مِن كُلِّ سُوءٍ، رُقْيَةٌ لِكُلِّ مُلِمٍّ، وهي إثْباتٌ لِلْحَمْدِ الَّذِي هو الإحاطَةُ بِصِفاتِ الكَمالِ، ولِلشُّكْرِ الَّذِي هو تَعْظِيمُ المُنْعِمِ، وهي عَيْنُ الدُّعاءِ فَإنَّهُ التَّوَجُّهُ إلى المَدْعُوِّ، وأعْظَمُ مَجامِعِها الصَّلاةُ.
إذا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فالغَرَضُ الَّذِي سِيقَتْ لَهُ الفاتِحَةُ وهو إثْباتُ اسْتِحْقاقِ اللَّهِ تَعالى لِجَمِيعِ المَحامِدِ …