Muslim99Muslim99
← Tafsir library

1. Al-Faatiha

The Opening · Meccan · 7 ayahs

سُورَةُ ٱلْفَاتِحَةِ

Reading Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah

Ayahs 1–7 of 7

1

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

In the name of Allah, the Entirely Merciful, the Especially Merciful.

[فصل: اشْتِمالُ الفاتِحَةِ عَلى أُمَّهاتِ المَطالِبِ]

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ اشْتَمَلَتْ عَلى أُمَّهاتِ المَطالِبِ العالِيَةِ أتَمَّ اشْتِمالٍ، وتَضَمَّنَتْها أكْمَلَ تَضَمُّنٍ.

فاشْتَمَلَتْ عَلى التَّعْرِيفِ بِالمَعْبُودِ تَبارَكَ وتَعالى بِثَلاثَةِ أسْماءٍ، مَرْجِعُ الأسْماءِ الحُسْنى والصِّفاتِ العُلْيا إلَيْها، ومَدارُها عَلَيْها، وهِيَ: اللَّهُ، والرَّبُّ، والرَّحْمَنُ، وبُنِيَتِ السُّورَةُ عَلى الإلَهِيَّةِ، والرُّبُوبِيَّةِ، والرَّحْمَةِ، فَ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] مَبْنِيٌّ عَلى الإلَهِيَّةِ، ﴿إيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] عَلى الرُّبُوبِيَّةِ، وطَلَبُ الهِدايَةِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ بِصِفَةِ الرَّحْمَةِ، والحَمْدُ يَتَضَمَّنُ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ، فَهو المَحْمُودُ في إلَهِيَّتِهِ، ورُبُوبِيَّتِهِ، ورَحْمَتِهِ، والثَّناءُ والمَجْدُ كَمالانِ لِجَدِّهِ.

وَتَضَمَّنَتْ إثْباتَ المَعادِ، وجَزاءَ العِبادِ بِأعْمالِهِمْ، حَسَنِها وسَيِّئِها، وتَفَرُّدَ الرَّبِّ تَعالى بِالحُكْمِ إذْ ذاكَ بَيْنَ الخَلائِقِ، وكَوْنَ حُكْمِهِ بِالعَدْلِ، وكُلُّ هَذا تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤].

وَتَضَمَّنَتْ إثْباتَ النُّبُوّاتِ مِن جِهاتٍ عَدِيدَةٍ:

أحَدُها: كَوْنُهُ رَبَّ العالَمِينَ، فَلا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَتْرُكَ عِبادَهُ سُدًى هَمَلًا لا يُعَرِّفُهم ما يَنْفَعُهم في مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ وما يَضُرُّهم فِيهِما، فَهَذا هَضْمٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ، ونِسْبَةُ الرَّبِّ تَعالى إلى ما لا يَلِيقُ بِهِ، وما قَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ مَن نَسَبَهُ إلَيْهِ.

الثّانِي: أخْذُها مِنَ اسْمِ اللَّهِ، وهو المَأْلُوهُ المَعْبُودُ، ولا سَبِيلَ لِلْعِبادِ إلى مَعْرِفَةِ عِبادَتِهِ إلّا مِن طَرِيقِ رُسُلِهِ.

المَوْضِعُ الثّالِثُ: مِنِ اسْمِهِ الرَّحْمَنِ فَإنَّ رَحْمَتَهُ تَمْنَعُ إهْمالَ عِبادِهِ، وعَدَمَ تَعْرِيفِهِمْ ما يَنالُونَ بِهِ غايَةَ كَمالِهِمْ، فَمَن أعْطى اسْمَ الرَّحْمَنِ حَقَّهُ عَرَفَ أنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، أعْظَمَ مِن تَضَمُّنِهِ إنْزالَ الغَيْثِ، وإنْباتَ الكَلَأِ، وإخْراجَ الحَبِّ، فاقْتِضاءُ الرَّحْمَةِ لِما تَحْصُلُ بِهِ حَياةُ القُلُوبِ والأرْواحِ أعْظَمُ مِنِ اقْتِضائِها لِما تَحْصُلُ بِهِ حَياةُ الأبْدانِ والأشْباحِ، لَكِنِ المَحْجُوبُونَ إنَّما أدْرَكُوا مِن هَذا الِاسْمِ حَظَّ البَهائِمِ والدَّوابِّ، وأدْرَكَ مِنهُ أُولُو الألْبابِ أمْرًا وراءَ ذَلِكَ.

المَوْضِعُ الرّابِعُ: مِن ذِكْرِ يَوْمِ الدِّينِ فَإنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي يُدِينُ اللَّهُ العِبادَ فِيهِ بِأعْمالِهِمْ، فَيُثِيبُهم عَلى الخَيْراتِ، ويُعاقِبُهم عَلى المَعاصِي والسَّيِّئاتِ، وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ أحَدًا قَبْلَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، والحُجَّةُ إنَّما قامَتْ بِرُسُلِهِ وكُتُبِهِ، وبِهِمُ اسْتُحِقَّ الثَّوابُ والعِقابُ، وبِهِمْ قامَ سُوقُ يَوْمِ الدِّينِ، وسِيقَ الأبْرارُ إلى النَّعِيمِ، والفُجّارُ إلى الجَحِيمِ.

المَوْضِعُ الخامِسُ: مِن قَوْلِهِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] فَإنَّ ما يُعْبَدُ بِهِ الرَّبُّ تَعالى لا يَكُونُ إلّا عَلى ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، وعِبادَتُهُ وهي شُكْرُهُ وحُبُّهُ وخَشْيَتُهُ فِطْرِيٌّ ومَعْقُولٌ لِلْعُقُولِ السَّلِيمَةِ، لَكِنَّ طَرِيقَ التَّعَبُّدِ وما يُعْبَدُ بِهِ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ إلّا بِرُسُلِهِ وبَيانِهِمْ، وفي هَذا بَيانُ أنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ أمْرٌ مُسْتَقِرٌّ في العُقُولِ، يَسْتَحِيلُ تَعْطِيلُ العالَمِ عَنْهُ، كَما يَسْتَحِيلُ تَعْطِيلُهُ عَنِ الصّانِعِ، فَمَن أنْكَرَ الرَّسُولَ فَقَدْ أنْكَرَ المُرْسِلَ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، ولِهَذا …

Al-Faatiha 1:1Listen in Qur'an →
2

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

[All] praise is [due] to Allah, Lord of the worlds -

عند قوله: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ تجد تحت هذه الكلمة إثباتَ كل كمال للرب تعالى فعلًا ووصفًا واسمًا، وتنزيهه عن كل سوء وعيب فعلًا ووصفًا واسمًا، فهو محمود في أفعاله وأوصافه وأسمائه، منزَّهٌ عن العيوب والنقائص في أفعاله وأوصافه وأسمائه، فأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل لا تخرج عن ذلك، وأوصافه كلها أوصاف كمال ونعوت جلال، وأسماؤه كلها حسنى، وحمده قد ملأ الدنيا والآخرة والسماوات والأرض وما بينهما وما فيهما، فالكون كله ناطق بحمده، والخلق والأمر صادر عن حمده وقائم بحمده ووُجِد بحمده، فحمده هو سبب وجود كل موجود، وهو غاية كل موجود، وكلُّ موجود شاهد بحمده، وإرساله رسوله بحمده، وإنزاله كتبه بحمده، والجنة عُمرتْ بأهلها بحمده، والنار عُمرتْ بأهلها بحمده، وما أُطِيعَ إلا بحمده، وما عُصي إلا بحمده، ولا تسقط ورقة إلا بحمده، ولا يتحرك في الكون ذرة إلا بحمده.

وهو المحمود لذاته، وإن لم يحمده العباد، كما أنه هو الواحد الأحد ولو لم يُوحِّده العباد، والإله الحق وإن لم يُؤلِّهوه، وهو سبحانه الذي حَمِد نفسَه على لسان القائل: الحمد لله رب العالمين، كما قال النبي ﷺ: "إن الله تعالى قال على لسان نبيه: سمع الله لمن حمده".

فهو الحامد لنفسه في الحقيقة على لسان عبده، فإنه الذي أجرى الحمد على لسانه وقلبه، وإجراؤه بحمده، فله الحمد كله، وله الملك كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، فهذه المعرفة من عبودية الحمد.

ومن عبوديته أيضًا أن يعلم أن حمده لربه سبحانه نعمة منه عليه، يستحق عليها الحمدَ، فإذا حمده على هذه النعمة استوجب عليه حمدًا آخر على نعمة حمده، وهلمَّ جرًّا. فالعبد ولو استنفد أنفاسَه كلَّها في حمده على نعمة من نعمه، كان ما يجب له من الحمد ويستحقه فوق ذلك وأضعافه، ولا يُحصِي أحد البتة ثناءً عليه بمحامده.

ومن عبودية العبد شهودُ العبد لعجزه عن الحمد، وأن ما قام به منه فالرب سبحانه هو المحمود عليه، إذ هو مُجرِيه على لسانه وقلبه.

ومن عبوديته تسليط الحمد على تفاصيل أحوال العبد كلها ظاهرةً وباطنةً على ما يحب العبد وما يكرهه، فهو سبحانه المحمود على ذلك كله في الحقيقة، وإن غاب عن شهود العبد.

ثم لقوله: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ من العبودية شهود تفرده سبحانه بالربوبية، وأنه كما أنه رب العالمين وخالقهم ورازقهم ومُدبِّر أمورهم ومُوجِدهم ومُفنِيهم، فهو وحده إلههم ومعبودهم وملجأهم ومفزعهم عند النوائب، فلا ربَّ غيره، ولا إلهَ سواه.

(لطيفة)

قال جعفر بن محمد رضي الله عنه فقدَ أبي بغلة له فقال إن ردها الله عليَّ لأحمدنه بمحامد يرضاها، فما لبث أن أُتيَ بسرجها ولجامها فركبها، فلما استوى عليها وضم إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء فقال (الحمد لله) لم يزد عليها.

فقيل له في ذلك، فقال هل تركت وأبقيت شيئا؟!

جعلت الحمد كله لله.

(الفرق بين الحمد والمدح)

والفرق بينهما أن حمد يتضمن الثناء مع العلم بما يثنى به فإن تجرد عن العلم كان مدحا ولم يكن حمدا فكل حمد مدح دون العكس ومن حيث كان يتضمن العلم بخصال المحمود جاء فعله على حمد بالكسر موازنا لعلم ولم يجئ كذلك مدح فصار المدح في الأفعال الظاهرة كالضرب ونحوه ومن ثم في الكتاب والسنة حمد: ربنا فلانا ويقول مدح الله فلانا وأثنى على فلان ولا تقول حمد إلا لنفسه ولذلك قال سبحانه: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بلام الجنس المفيدة للاستغراق فالحمد كله له إما ملكا وإما استحقاقا فحمده لنفسه استحقاق وحمد العباد له وحمد بعضهم لبعض ملك له فلو حمد هو غيره لم يسغ أن يقال في ذلك الحمد ملك له لأن الحمد كلامه ولم يسغ أن يضاف إليه على جهة الاستحاق وقد تعلق بغيره.

فإن قيل: أليس ثناؤه ومدحه لأوليائه إنما هو بما علم، فلم لا يجوز أن يسمى حمدا؟

قيل لا يسمى حمدا على الإطلاق إلا ما يتضمن العلم بالمحاسن على الكمال وذلك معدوم في غيره سبحانه فإذا مدح فإنما يمدح بخصلة …

Al-Faatiha 1:2Listen in Qur'an →
3

ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

The Entirely Merciful, the Especially Merciful,

ولقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ عبودية تخصها، وهي شهود عموم رحمته، وسعتها لكل شيء، وأخْذ كل موجود بنصيبه منها، ولاسيما الرحمة الخاصة به التي أقامت عبده بين يديه في خدمته، يناجيه بكلامه ويتملَّقه ويسترحمه ويسأله هدايته ورحمته، وإتمامَ نعمته عليه، فهذا من رحمته بعبده، فرحمتُه وسعتْ كلَّ شيء، كما أن حمده وسعَ كل شيء.

[فَصْلٌ: ذِكْرُ أسْماءِ اللَّهِ بَعْدَ الحَمْدِ]

فِي ذِكْرِ هَذِهِ الأسْماءِ بَعْدَ الحَمْدِ، وإيقاعِ الحَمْدِ عَلى مَضْمُونِها ومُقْتَضاها ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَحْمُودٌ في إلَهِيَّتِهِ، مَحْمُودٌ في رُبُوبِيَّتِهِ، مَحْمُودٌ في رَحْمانِيَّتِهِ، مَحْمُودٌ في مُلْكِهِ، وأنَّهُ إلَهٌ مَحْمُودٌ، ورَبٌّ مَحْمُودٌ، ورَحْمَنٌ مَحْمُودٌ، ومَلِكٌ مَحْمُودٌ، فَلَهُ بِذَلِكَ جَمِيعُ أقْسامِ الكَمالِ: كَمالٌ مِن هَذا الِاسْمِ بِمُفْرَدِهِ، وكَمالٌ مِنَ الآخَرِ بِمُفْرَدِهِ، وكَمالٌ مِنِ اقْتِرانِ أحَدِهِما بِالآخَرِ.

مِثالُ ذَلِكَ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦]، ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦]، ﴿واللَّهُ قَدِيرٌ﴾ [الممتحنة: ٧]، ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] فالغِنى صِفَةُ كَمالٍ، والحَمْدُ صِفَةُ كَمالٍ، واقْتِرانُ غِناهُ بِحَمْدِهِ كَمالٌ أيْضًا، وعِلْمُهُ كَمالٌ، وحِكْمَتُهُ كَمالٌ، واقْتِرانُ العِلْمِ بِالحِكْمَةِ كَمالٌ أيْضًا، وقُدْرَتُهُ كَمالٌ ومَغْفِرَتُهُ كَمالٌ، واقْتِرانُ القُدْرَةِ بِالمَغْفِرَةِ كَمالٌ، وكَذَلِكَ العَفْوُ بَعْدَ القُدْرَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣] واقْتِرانُ العِلْمِ بِالحِلْمِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢].

وَحَمَلَةُ العَرْشِ أرْبَعَةٌ: اثْنانِ يَقُولانِ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، لَكَ الحَمْدُ عَلى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ، واثْنانِ يَقُولانِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، لَكَ الحَمْدُ عَلى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ، فَما كُلُّ مَن قَدَرَ عَفا، ولا كُلُّ مَن عَفا يَعْفُو عَنْ قُدْرَةٍ، ولا كُلُّ مَن عَلِمَ يَكُونُ حَلِيمًا، ولا كُلُّ حَلِيمٍ عالِمٌ، فَما قُرِنَ شَيْءٌ إلى شَيْءٍ أزْيَنُ مِن حِلْمٍ إلى عِلْمٍ، ومِن عَفْوٍ إلى قُدْرَةٍ، ومِن مُلْكٍ إلى حَمْدٍ، ومِن عِزَّةٍ إلى رَحْمَةٍ ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٩]

وَمِن هاهُنا كانَ قَوْلُ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]

أحْسَنُ مِن أنْ يَقُولَ: وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، أيْ إنْ غَفَرْتَ لَهم كانَ مَصْدَرُ مَغْفِرَتِكَ عَنْ عِزَّةٍ، وهي كَمالُ القُدْرَةِ، وعَنْ حِكْمَةٍ، وهي كَمالُ العِلْمِ، فَمَن غَفَرَ عَنْ عَجْزٍ وجَهْلٍ بِجُرْمِ الجانِي، فَأنْتَ لا تَغْفِرُ إلّا عَنْ قُدْرَةٍ تامَّةٍ، وعِلْمٍ تامٍّ، وحِكْمَةٍ تَضَعُ بِها الأشْياءَ مَواضِعَها، فَهَذا أحْسَنُ مِن ذِكْرِ الغَفُورِ الرَّحِيمِ في هَذا المَوْضِعِ، الدّالِّ ذِكْرُهُ عَلى التَّعْرِيضِ بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ في غَيْرِ حِينِها، وقَدْ فاتَتْ، فَإنَّهُ لَوْ قالَ: وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، كانَ في هَذا مِنَ الِاسْتِعْطافِ والتَّعْرِيضِ بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ لِمَن لا يَسْتَحِقُّها ما يُنَزَّهُ عَنْهُ مَنصِبُ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ، لا سِيَّما والمَوْقِفُ مَوْقِفُ عَظَمَةٍ وجَلالٍ، ومَوْقِفُ انْتِقامٍ مِمَّنْ جَعَلَ لِلَّهِ ولَدًا، واتَّخَذَهُ إلَهًا مِن دُونِهِ، فَذِكْرُ العِزَّةِ والحِكْمَةِ فِيهِ ألْيَقُ مِن ذِكْرِ الرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ.

وَهَذا بِخِلافِ قَوْلِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ {واجْنُبْنِي …

Al-Faatiha 1:3Listen in Qur'an →
4

مَٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ

Sovereign of the Day of Recompense.

إنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي يُدِينُ اللَّهُ العِبادَ فِيهِ بِأعْمالِهِمْ، فَيُثِيبُهم عَلى الخَيْراتِ، ويُعاقِبُهم عَلى المَعاصِي والسَّيِّئاتِ، وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ أحَدًا قَبْلَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، والحُجَّةُ إنَّما قامَتْ بِرُسُلِهِ وكُتُبِهِ، وبِهِمُ اسْتُحِقَّ الثَّوابُ والعِقابُ، وبِهِمْ قامَ سُوقُ يَوْمِ الدِّينِ، وسِيقَ الأبْرارُ إلى النَّعِيمِ، والفُجّارُ إلى الجَحِيمِ.

وقال في كتاب (الكلام على مسألة السماع)

ثم يعطي قوله: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ عبوديتها، ويتأمل تضمنها لإثبات المعاد، وتفرد الرب فيه بالحكم بين خلقه، وأنه يوم يدين فيه العباد بأعمالهم في الخير والشر، وذلك من تفاصيل حمده وموجبه.

ولما كان قوله: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إخبارًا عن حمده تعالى قال الله: حمدني عبدي، ولما كان قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إعادةً وتكريرًا لأوصاف كماله قال: أثنى عليَّ عبدي، فإن الثناء إنما يكون بتكرار المحامد وتعداد أوصاف المحمود، ولما وصفه سبحانه بتفرده بملك يوم الدين وهو الملك الحق المتضمن لظهور عدله وكبريائه وعظمته ووحدانيته وصدق رسله، سمى هذا الثناء مجدًا، فقال: مجَّدني عبدي، فإن التمجيد هو الثناء بصفات العظمة والجلال.

(فائدة: في اختصاص المَلِكِ بِيَوْمِ الدِّينِ)

وَصِفاتُ العَدْلِ، والقَبْضِ والبَسْطِ، والخَفْضِ والرَّفْعِ، والعَطاءِ والمَنعِ، والإعْزازِ والإذْلالِ، والقَهْرِ والحُكْمِ، ونَحْوُها أخَصُّ بِاسْمِ المَلِكِ وخَصَّهُ بِيَوْمِ الدِّينِ، وهو الجَزاءُ بِالعَدْلِ، لِتَفَرُّدِهِ بِالحُكْمِ فِيهِ وحْدَهُ، ولِأنَّهُ اليَوْمُ الحَقُّ، وما قَبْلَهُ كَساعَةٍ، ولِأنَّهُ الغايَةُ، وأيّامُ الدُّنْيا مَراحِلُ إلَيْهِ.

تَضَمَّنَتْ الفاتِحَةُ إثْباتَ المَعادِ، وجَزاءَ العِبادِ بِأعْمالِهِمْ، حَسَنِها وسَيِّئِها، وتَفَرُّدَ الرَّبِّ تَعالى بِالحُكْمِ إذْ ذاكَ بَيْنَ الخَلائِقِ، وكَوْنَ حُكْمِهِ بِالعَدْلِ، وكُلُّ هَذا تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.

(فصل)

والدِّينُ فِيهِ مَعْنى الإذْلالِ والقَهْرِ، وفِيهِ مَعْنى الذُّلِّ والخُضُوعِ والطّاعَةِ، فَلِذَلِكَ يَكُونُ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ، كَما يُقالُ: دِنْتُهُ فَدانَ، أيْ قَهَرَتْهُ فَذَلَّ.

قالَ الشّاعِرُ:

؎هُوَ دانَ الرَّبابَ إذْ كَرِهُوا الدِّ ∗∗∗ ينَ فَأضْحَوْا بِعِزَّةٍ وصِيالِ

وَيَكُونُ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، كَما يُقالُ: دِنْتُ اللَّهَ، ودِنْتُ لِلَّهِ، وفُلانٌ لا يَدِينُ اللَّهَ دِينًا، ولا يَدِينُ اللَّهَ بِدِينٍ، فَدانَ اللَّهَ: أيْ أطاعَ اللَّهَ وأحَبَّهُ وخافَهُ، ودانَ اللَّهَ: تَخَشَّعَ لَهُ وخَضَعَ وذَلَّ وانْقادَ.

والدِّينُ الباطِنُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الحُبِّ والخُضُوعِ كالعِبادَةِ سَواءً، بِخِلافِ الدِّينِ الظّاهِرِ، فَإنَّهُ لا يَسْتَلْزِمُ الحُبَّ، وإنْ كانَ فِيهِ انْقِيادٌ وذُلٌّ في الظّاهِرِ.

وَسَمّى اللَّهُ سُبْحانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ [يَوْمَ الدِّينِ] فَإنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي يَدِينُ فِيهِ النّاسُ فِيهِ بِأعْمالِهِمْ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ جَزاءَهم وحِسابَهُمْ، فَلِذَلِكَ فَسَّرُوهُ بِيَوْمِ الجَزاءِ، ويَوْمِ الحِسابِ.

(فائدة)

فإذا قال المصلي: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، فهنا شهد المجد الذي لا يليق بسوى الملك الحق المبين فيشهد ملكا قاهرا قد دانت له الخليقة وعنت له الوجوه وذلت لعظمته الجبابرة وخضع لعزته كل عزيز فيشهد بقلبه ملكا على عرش السماء مهيمنا لعزته تعنو الوجوه وتسجد، وإذا لم تعطل حقيقة صفة الملك أطلعته على شهود حقائق الأسماء والصفات التي تعطيلها تعطيل لملكه وجحد له فإن الملك الحق التام الملك لا يكون إلا حيا قيوما سميعا بصيرا مدبرا قادرا متكلما آمرا ناهيا مستويا على سرير …

Al-Faatiha 1:4Listen in Qur'an →
5

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ

It is You we worship and You we ask for help.

فإذا قال: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ انتظرَ جواب ربه له: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، وتأمل عبوديةَ هاتين الكلمتين وحقوقهما، وميَّز الكلمة التي لله والكلمة التي للعبد، وفَقِهَ سرّ كون إحداهما لله والأخرى للعبد، وميَّزَ بين التوحيد الذي تقتضيه كلمة "إياك نعبد" والتوحيد الذي تقتضيه كلمة "إياك نستعين"، وفَقِهَ سر كون هاتين الكلمتين في وسط السورة بين نوعي الثناء قبلهما والدعاء بعدهما، وفَقِهَ تقديم "إياك نعبد" على "إياك نستعين"، وتقديم المعمول على الفعل مع الإتيان به مؤخرًا أوجز وأخصر، وسر إعادة الضمير مرة بعد مرة، وعلمَ ما تدفع كل واحدة من الكلمتين من الآفة المنافية للعبودية، وكيف تُدخِله الكلمتان في صريح العبودية، وعَلِمَ كيف يدور القرآن من أوله إلى آخره على هاتين الكلمتين، بل كيف يدور عليهما الخلق والأمر والثواب والعقاب والدنيا والآخرة، وكيف تضمنتا لأجلِّ الغايات وأكمل الوسائل، وكيف جيء بهما بضمير الخطاب والحضور دون ضمير الغائب.

وهذا موضع يستدعي كتابًا كبيرًا، ولولا الخروج عما نحن بصدده لأوضحناه وبسطنا القول فيه، فمن أراد الوقوف عليه فقد ذكرناه في كتاب "مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين"، وفي كتاب "الرسالة المصرية".

[فائدة]

والعَبْدُ إذا عَزَمَ عَلى فِعْلِ أمْرٍ فَعَلَيْهِ أنْ يَعْلَمَ أوَّلًا هَلْ هو طاعَةٌ لِلَّهِ أمْ لا؟ فَإنْ لَمْ يَكُنْ طاعَةٌ فَلا يَفْعَلُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مُباحًا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلى الطّاعَةِ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ طاعَةً، فَإذا بانَ لَهُ أنَّهُ طاعَةٌ فَلا يُقْدِمُ عَلَيْهِ حَتّى يَنْظُرَ هَلْ هو مُعانٌ عَلَيْهِ أمْ لا؟ فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُعانًا عَلَيْهِ فَلا يُقْدِمُ عَلَيْهِ فَيُذِلَّ نَفْسَهُ، وإنْ كانَ مُعانًا عَلَيْهِ بَقِيَ عَلَيْهِ نَظَرٌ آخَرُ، وهو أنْ يَأْتِيَهُ مِن بابِهِ؛ فَإنْ أتاهُ مِن غَيْرِ بابِهِ أضاعَهُ أوْ فَرَّطَ فِيهِ أوْ أفْسَدَ مِنهُ شَيْئًا؛ فَهَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ أصْلُ سَعادَةِ العَبْدِ وفَلاحِهِ، وهي مَعْنى قَوْلِ العَبْدِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾

فَأسْعَدُ الخَلْقِ أهْلُ العِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ والهِدايَةِ إلى المَطْلُوبِ، وأشْقاهم مَن عُدِمَ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ، ومِنهم مَن يَكُونُ لَهُ نَصِيبٌ مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ ونَصِيبُهُ مِن ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَعْدُومٌ أوْ ضَعِيفٌ؛ فَهَذا مَخْذُولٌ مُهِينٌ مَحْزُونٌ، ومِنهم مَن يَكُونُ نَصِيبُهُ مِن ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَوِيًّا ونَصِيبُهُ مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ ضَعِيفًا أوْ مَفْقُودًا؛ فَهَذا لَهُ نُفُوذٌ وتَسَلُّطٌ وقُوَّةٌ، ولَكِنْ لا عاقِبَةَ لَهُ، بَلْ عاقِبَتُهُ أسْوَأُ عاقِبَةً، ومِنهم مَن يَكُونُ لَهُ نَصِيبٌ مِن ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ولَكِنْ نَصِيبُهُ مِن الهِدايَةِ إلى المَقْصُودِ ضَعِيفٌ جِدًّا، كَحالِ كَثِيرٍ مِن العِبادِ والزُّهّادِ الَّذِينَ قَلَّ عِلْمُهم بِحَقائِقِ ما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ مِن الهُدى ودِينِ الحَقِّ.

وَقَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " فَمَن خَلَصَتْ نِيَّتُهُ في الحَقِّ ولَوْ عَلى نَفْسِهِ " إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَكْفِي قِيامُهُ في الحَقِّ لِلَّهِ إذا كانَ عَلى غَيْرِهِ، حَتّى يَكُونَ أوَّلَ قائِمٍ بِهِ عَلى نَفْسِهِ، فَحِينَئِذٍ يُقْبَلُ قِيامُهُ بِهِ عَلى غَيْرِهِ، وإلّا فَكَيْفَ يُقْبَلُ الحَقُّ مِمَّنْ أهْمَلَ القِيامَ بِهِ عَلى نَفْسِهِ؟ وخَطَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَوْمًا وعَلَيْهِ ثَوْبانِ، فَقالَ: أيُّها النّاسُ ألا تَسْمَعُونَ؟ فَقالَ سَلْمانُ: لا نَسْمَعُ، فَقالَ عُمَرُ: ولِمَ يا أبا عَبْدِ اللَّهِ؟ قالَ: إنّك قَسَّمْت عَلَيْنا ثَوْبًا ثَوْبًا وعَلَيْك ثَوْبانِ، فَقالَ: لا …

Al-Faatiha 1:5Listen in Qur'an →
6

ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ

Guide us to the straight path -

ثم تأمَّلَ ضرورته وفاقته إلى قوله: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ الذي مضمونه معرفة الحق وقصده وإرادته والعمل به والثبات عليه والدعوة إليه والصبر على أذى المدعو، فباستكمال هذه المراتب الخمس تستكمل الهداية، وما نقص منها نقص من هدايته.

ولما كان العبد مفتقرًا إلى هذه الهداية في ظاهره وباطنه في جميع ما يأتيه ويذره:

من أمورٍ قد فعلها على غير الهداية علمًا وعملًا وإرادةً، فهو محتاج إلى التوبة منها، وتوبته منها هي الهداية.

وأمور قد هُدي إلى أصلها دون تفصيلها، فهو محتاج إلى هداية تفاصيلها.

وأمورٍ قد هُدي إليها من وجه دون وجه، فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها، ليتمَّ له الهداية ويُزاد هدى إلى هداه.

وأمور يحتاج فيها إلى أن يحصل له من الهداية في مستقبلها مثل ما حصل له في ماضيها.

وأمور يعتقد فيها بخلاف ما هي عليه، فهو محتاج إلى هداية تنسخ من قلبه ذلك الاعتقاد، وتُثبِت فيه ضدَّه.

وأمور من الهداية هو قادر عليها، ولكن لم يخلق له إرادة فعلها، فهو محتاج في تمام الهداية إلى خلق إرادة يفعلها بها.

وأمور منها هو غير قادر على فعلها مع كونه مريدًا، فهو محتاج في هدايته إلى إقداره عليها.

وأمور منها هو غير قادر عليها ولا مريد لها فهو محتاج إلى خلق القدرة والإرادة له لتتم له الهداية.

وأمور هو قائم بها على وجه الهداية اعتقادًا وإرادة وعملًا، فهو محتاج إلى الثبات عليها واستدامتها.

كانت حاجته إلى سؤال الهداية أعظم الحاجات، وفاقته إليها أشد الفاقات، فرضَ عليه الرب الرحيم هذا السؤال كل يوم وليلة في أفضل أحواله وهي الصلوات الخمس مراتٍ متعددة، لشدة ضرورته وفاقته إلى هذا المطلوب.

(فصل)

قوله: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ يتضمن طلب الهداية ممن هو قادر عليها وهي بيده إن شاء أعطاها عبده وإن شاء منعه إياها والهداية معرفة الحق والعمل به فمن لم يجعله الله تعالى عالما بالحق عاملا به لم يكن له سبيل إلى الاهتداء فهو سبحانه المتفرد بالهداية الموجبة للاهتداء التي لا يتخلف عنها وهي جعل العبد مريدا للهدى محبا له مؤثرا له عاملا به فهذه الهداية ليست إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل وهي التي قال سبحانه فيها: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ مع قوله تعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فهذه هداية الدعوة والتعليم والإرشاد وهي التي هدي بها ثمود فاستحبوا العمى عليها وهي التي قال تعالى فيها: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُون﴾ فهداهم هدى البيان الذي تقوم به حجته عليهم ومنعهم الهداية الموجبة للاهتداء التي لا يضل من هداه بها فذاك عدله فيهم وهذا حكمته فأعطاهم ما تقوم به الحجة عليهم ومنعهم ما ليسوا له بأهل ولا يليق بهم.

(فصل)

والهِدايَة هي العلم بِالحَقِّ مَعَ قَصده وإيثاره على غَيره، فالمهتدي هو العامِل بِالحَقِّ المريد لَهُ وهِي أعظم نعْمَة لله على العَبْد ولِهَذا أمرنا سُبْحانَهُ أن نَسْألهُ هِدايَة الصِّراط المُسْتَقيم كل يَوْم ولَيْلَة في صلواتنا الخمس فَإن العَبْد مُحْتاج إلى معرفَة الحق الَّذِي يرضي الله في كل حَرَكَة ظاهرة وباطنة، فَإذا عرفها فَهو مُحْتاج إلى من يلهمه قصد الحق فَيجْعَل إرادَته في قلبه ثمَّ إلى من يقدره على فعله، ومَعْلُوم أن ما يجهله العَبْد أضعاف أضعاف ما يُعلمهُ، وإن كل ما يعلم أنه حق لا تطاوعه نَفسه على إرادته ولَو أراده لعجز عَن كثير مِنهُ، فَهو مُضْطَر كل وقت إلى هِدايَة تتَعَلَّق بالماضي وبالحال والمستقبل.

أما الماضِي فَهو مُحْتاج إلى محاسبة نَفسه عَلَيْهِ، وهل وقع على السداد فيشكر الله عَلَيْهِ ويستديمه، أم خرج فِيهِ عَن الحق فيتوب إلى الله تَعالى مِنهُ ويتسغفره، ويعزم على أن لا يعود.

وَأما الهِدايَة في الحال فَهي مَطْلُوبَة مِنهُ، فَإنَّهُ ابْن وقته …

Al-Faatiha 1:6Listen in Qur'an →
7

صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ

The path of those upon whom You have bestowed favor, not of those who have evoked [Your] anger or of those who are astray.

ثم بيَّن أن سبيل أهل هذه الهداية مغاير لسبيل أهل الغضب وأهل الضلال، فانقسم الخلق إذن ثلاثة أقسام بالنسبة إلى هذه الهداية:

مُنعَمٌ عليه بحصولها، واستمرار حظّه من النعم بحسب حظه من تفاصيلها وأقسامها.

وضالٌّ لم يُعطَ هذه الهداية ولم يُوفَّق لها.

ومغضوب عليه عرفَها ولم يُوفَّق للعمل بموجبها.

فالأول المنعم عليه قائم بالهدى ودين الحق علمًا وعملًا، والضالّ منسلخٌ عنه علمًا وعملًا، والمغضوب عليه عارفٌ به علمًا، منسلخ منه عملًا، والله الموفق للصواب.

(فائدة)

وَأما المُنعم عَلَيْهِم فهم الَّذين من الله عَلَيْهِم بِمَعْرِفَة الحق علما وبالانقياد إلَيْهِ وإيثاره على ما سواهُ عملا وهَؤُلاء هم الَّذين على سَبِيل النجاة ومن سواهُم على سَبِيل الهَلاك ولِهَذا أمرنا الله سُبْحانَهُ أن نقُول كل يَوْم ولَيْلَة عدَّة مَرّات ﴿اهدنا الصِّراط المُسْتَقيم صِراط الَّذين أنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم ولا الضّالّين﴾

فَإن العَبْد مُضْطَر كل الِاضْطِرار إلى أن يكون عارِفًا بِما يَنْفَعهُ في معاشه ومعاده وأن يكون مؤثرا مرِيدا لما يَنْفَعهُ مجتنبا لما يضرّهُ فبمجموع هذَيْن يكون قد هدي إلى الصِّراط المُسْتَقيم فَإن فاتَهُ معرفَة ذَلِك سلك سَبِيل الضّالّين وإن فاتَهُ قَصده واتباعه سلك سَبِيل المغضوب عَلَيْهِم وبِهَذا يعرف قدر هَذا الدُّعاء العَظِيم وشدَّة الحاجة إلَيْهِ وتوقف سَعادَة الدُّنْيا والآخِرَة عَلَيْهِ

والعَبْد مفتقر إلى الهِدايَة في كل لَحْظَة ونَفس في جَمِيع ما يَأْتِيهِ ويذره فَإنَّهُ بَين أُمُور لا يَنْفَكّ عَنْها

أحدها أُمُور قد أتاها على غير وجه الهِدايَة جهلا فَهو مُحْتاج إلى أن يطْلب الهِدايَة إلى الحق فِيها

أو يكون عارِفًا بالهداية فِيها فَأتاها على غير وجهها عمدا فَهو مُحْتاج إلى التَّوْبَة مِنها

أو أُمُور لم يعرف وجه الهِدايَة فِيها علما ولا عملا ففاتته الهِدايَة إلى علمها ومعرفتها وإلى قَصدها وإرادتها وعملها

أو أُمُور قد هدي إلَيْها من وجه دون وجه فَهو مُحْتاج إلى تَمام الهِدايَة فِيها

أو أُمُور قد هدي إلى أصْلها دون تفاصيلها فَهو مُحْتاج إلى هِدايَة التَّفْصِيل

أو طَرِيق قد هدي أليها وهو مُحْتاج إلى هِدايَة أُخْرى فِيها فالهداية إلى الطَّرِيق شَيْء والهِدايَة في نفس الطَّرِيق شَيْء آخر ألا ترى أن الرجل يعرف أن طَرِيق البَلَد الفُلانِيّ هو طَرِيق كَذا وكَذا ولَكِن لا يحسن أن يسلكه فَإن سلوكه يحْتاج إلى هِدايَة خاصَّة في نفس السلوك كالسير في وقت كَذا دون وقت كَذا وأخذ الماء في مفازة كَذا مِقْدار كَذا والنُّزُول في مَوضِع كَذا دون كَذا فَهَذِهِ هِدايَة في نفس السّير قد يهملها من هو عارِف بِأن الطَّرِيق هي هَذِه فَيهْلك ويَنْقَطِع عَن المَقْصُود.

وَكَذَلِكَ أيْضا ثمَّ أُمُور هو مُحْتاج إلى أن يحصل لَهُ فِيها من الهِدايَة في المُسْتَقْبل مثل ما حصل لَهُ في الماضِي

وَأُمُور هو خال عَن اعْتِقاد حق أو باطِل فِيها فَهو مُحْتاج إلى هِدايَة الصَّواب فِيها

وَأُمُور يعْتَقد أنه فِيها على هدى وهو على ضَلالَة ولا يشْعر فَهو مُحْتاج إلى انْتِقاله عَن ذَلِك الِاعْتِقاد بهداية من الله

وَأُمُور قد فعلها على وجه الهِدايَة وهو مُحْتاج إلى أن يهدي غَيره إلَيْها ويرشده وينصحه فإهماله

ذَلِك يفوت عَلَيْهِ من الهِدايَة بِحَسبِهِ كَما أن هدايته للْغَيْر وتعليمه ونصحه يفتح لَهُ باب الهِدايَة فَإن الجَزاء من جنس العَمَل فَكلما هدى غَيره وعلمه هداه الله وعلمه فَيصير هاديا مهديا كَما في دُعاء النَّبِي ﷺ الَّذِي رَواهُ التِّرْمِذِيّ وغَيره اللَّهُمَّ زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين غير ضالِّينَ ولا مضلين سلما لأوليائك حَربًا لأعدائك نحب بحبك من أحبك ونعادي بعداوتك من خالفك

وَقد أثنى الله سُبْحانَهُ على عباده المُؤمنِينَ الَّذين يسألونه أن يجعلهم …

Al-Faatiha 1:7Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.