بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
In the name of Allah, the Entirely Merciful, the Especially Merciful.
سُورَةُ الفاتِحَةِ
قالَ قَتادَةُ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي مَدَنِيَّةٌ.
وَلَها ثَلاثَةُ أسْماءٍ: فاتِحَةُ الكِتابِ، وأُمُّ القُرْآنِ، والسَّبْعُ المَثانِي.
رَوى ابْنُ أبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: " «هِيَ أُمُّ القُرْآنِ، وهي فاتِحَةُ الكِتابِ، وهي السَّبْعُ المَثانِي» ". فَأمّا تَسْمِيَتُها بِفاتِحَةِ الكِتابِ فَلِأنَّهُ يُسْتَفْتَحُ الكِتابُ بِإثْباتِها خَطًّا وبِتِلاوَتِها لَفْظًا.
فَأمّا تَسْمِيَتُها بِأُمِّ القُرْآنِ، فَلِتَقَدُّمِها وتَأخُّرِ ما سِواها تَبَعًا لَها، صارَتْ أُمًّا لِأنَّهُ أمَّتْهُ أيْ تَقَدَّمَتْهُ، وكَذَلِكَ قِيلَ لِرايَةِ الحَرْبِ: أُمٌّ لِتَقَدُّمِها واتِّباعِ الجَيْشِ لَها، قالَ الشّاعِرُ:
؎ عَلى رَأْسِهِ أُمٌّ لَها يُقْتَدى بِها جِماعُ أُمُورٍ لا يُعاصى لَها أمْرُ
وَقِيلَ لِما مَضى عَلى الإنْسانِ مِن سِنِي عُمْرِهِ، أُمٌّ لِتَقَدُّمِها.
قالَ الشّاعِرُ:
؎ إذا كانَتِ الخَمْسُونَ أُمَّكَ لَمْ يَكُنْ ∗∗∗ لِرَأْيِكَ إلّا أنْ يَمُوتَ طَبِيبُ
واخْتُلِفَ في تَسْمِيَتِها بِأُمِّ الكِتابِ، فَجَوَّزَهُ الأكْثَرُونَ، لِأنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ، ومَنَعَ مِنهُ الحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وزَعَما أنَّ أُمَّ الكِتابِ، اسْمُ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَلا يُسَمّى بِهِ غَيْرُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزُّخْرُفِ:٤] .
وَأمّا [تَسْمِيَةُ] مَكَّةَ بِأُمِّ القُرى، فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها سُمِّيَتْ أُمَّ القُرى، لِتَقَدُّمِها عَلى سائِرِ القُرى.
والثّانِي: أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأنَّ الأرْضَ مِنها دُحِيَتْ، وعَنْها حَدَثَتْ، فَصارَتْ أُمًّا لَها لِحُدُوثِها عَنْها، كَحُدُوثِ الوَلَدِ عَنْ أُمِّهِ.
وَأمّا تَسْمِيَتُها بِالسَّبْعِ المَثانِي، فَلِأنَّها سَبْعُ آياتٍ في قَوْلِ الجَمِيعِ.
وَأمّا الثّانِي، فَلِأنَّها تُثَنّى في كُلِّ صَلاةٍ مِن فَرْضٍ وتَطَوُّعٍ، ولَيْسَ في تَسْمِيَتِها بِالمَثانِي ما يَمْنَعُ مِن [تَسْمِيَتِهِ] غَيْرَها بِهِ قالَ أعْشى هَمْدانَ
؎ فَلِجُوا المَسْجِدَ وادْعُوا رَبَّكم ∗∗∗ وادْرُسُوا هَذِي المَثانِيَ والطُّوَلْ
***
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أجْمَعُوا أنَّها مِنَ القُرْآنِ في سُورَةِ النَّمْلِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في إثْباتِها في فاتِحَةِ الكِتابِ، وفي أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، فَأثْبَتَها الشّافِعِيُّ في طائِفَةٍ، ونَفاها أبُو حَنِيفَةَ في آخَرِينَ.
واخْتُلِفَ في قَوْلِهِ: ( بِسْمِ ): فَذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ وطائِفَةٌ إلى أنَّها صِلَةٌ زائِدَةٌ، وإنَّما هو اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، واسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِ لَبِيدٍ:
؎ إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
فَذِكْرُ اسْمِ السَّلامِ زِيادَةٌ، وإنَّما أرادَ: ثُمَّ السَّلامُ عَلَيْكُما.
واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا في مَعْنى زِيادَتِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: لِإجْلالِ ذِكْرِهِ وتَعْظِيمِهِ، لِيَقَعَ الفَرْقُ بِهِ بَيْنَ ذِكْرِهِ وذِكْرِ غَيْرِهِ مِنَ المَخْلُوقِينَ، وهَذا قَوْلُ قُطْرُبٍ.
والثّانِي: لِيَخْرُجَ بِهِ مِن حُكْمِ القَسَمِ إلى قَصْدِ التَّبَرُّكِ، وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ.
وَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ (بِسْمِ) أصْلٌ مَقْصُودٌ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى دُخُولِ الباءِ عَلَيْهِ، فَهَلْ دَخَلَتْ عَلى مَعْنى الأمْرِ أوْ عَلى مَعْنى الخَبَرِ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: دَخَلَتْ عَلى مَعْنى الأمْرِ وتَقْدِيرُهُ: ابْدَؤُوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
والثّانِي: عَلى مَعْنى …