Muslim99Muslim99
← Tafsir library

1. Al-Faatiha

The Opening · Meccan · 7 ayahs

سُورَةُ ٱلْفَاتِحَةِ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 1–7 of 7

1

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

In the name of Allah, the Entirely Merciful, the Especially Merciful.

القَوْلُ في تَفْسِيرِ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ﴾

رُوِيَ عن جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصادِقِ، رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: البَسْمَلَةُ تِيجانُ السُوَرِ.

ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا قالَ بِحَضْرَةِ النَبِيِّ ﷺ: تَعِسَ الشَيْطانُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لا تَقُلْ ذَلِكَ؛ فَإنَّهُ يَتَعاظَمُ عِنْدَهُ، ولَكِنْ قُلْ: بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ؛ فَإنَّهُ يَصْغُرُ حَتّى يَصِيرَ أقَلَّ مِن ذُبابٍ».

وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] قالَ: مَعْناهُ: إذا قُلْتَ: (بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ).

ورُوِيَ عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: «كَيْفَ تَفْتَتِحُ الصَلاةَ يا جابِرُ ؟ قالَ: بِالحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. قالَ: "قُلْ: بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ".»

ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: " «أتانِي جِبْرِيلُ، فَعَلَّمَنِي الصَلاةَ، فَقَرَأ: بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ، -يَجْهَرُ بِها-".»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانِ الحَدِيثانِ يَقْتَضِيانِ أنَّها آيَةٌ مِنَ الحَمْدِ، ويَرُدُّ ذَلِكَ حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ الصَحِيحُ؛ إذْ قالَ لَهُ النَبِيُّ ﷺ: «هَلْ لَكَ ألّا تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ حَتّى تَعْلَمَ سُورَةً ما أُنْزِلَ في التَوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الفُرْقانِ مِثْلُها"؟ قالَ: فَجَعَلْتُ أُبْطِئُ في المَشْيِ رَجاءَ ذَلِكَ، فَقالَ لِي: كَيْفَ تَقْرَأُ إذا افْتَتَحْتَ الصَلاةَ؟ قالَ: فَقَرَأْتُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ حَتّى أتَيْتُ عَلى آخِرِها.»

ويَرُدُّهُ الحَدِيثُ الصَحِيحُ: «يَقُولُ اللهُ تَعالى: قَسَمْتُ الصَلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، يَقُولُ العَبْدُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾». ويَرُدُّهُ أنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، ولا عن أبِي بَكْرٍ، ولا عن عُمَرَ، ولا عُثْمانَ، رَضِيَ اللهُ عنهم أنَّهم قَرَءُوا في صَلاتِهِمْ: «بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ».

ويَرُدُّهُ عَدَدُ آياتِ السُورَةِ؛ لِأنَّ الإجْماعَ أنَّها سَبْعُ آياتٍ إلّا ما رُوِيَ عن حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ أنَّها سِتُّ آياتٍ، وهَذا شاذٌّ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عن عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ أنَّهُ جَعَلَ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ آيَةً، فَهي عَلى عَدِّهِ ثَمانِي آياتٍ، وهَذا أيْضًا شاذٌّ. وقَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ [الحجر: ٨٧] هو الفَصْلُ في ذَلِكَ.

والشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يَعُدُّ: (بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ) آيَةً مِنَ الحَمْدِ، وكَثِيرٌ مِن قُرّاءِ مَكَّةَ والكُوفَةِ، ولا يَعُدُّونَ ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. ومالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ، وأبُو حَنِيفَةَ، وجُمْهُورُ الفُقَهاءِ والقُرّاءُ لا يَعُدُّونَ البَسْمَلَةَ آيَةً.

والَّذِي يَحْتَمِلُهُ عِنْدِي حَدِيثُ جابِرٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ -إذا صَحّا- أنَّ النَبِيَّ ﷺ رَأى قِراءَةَ جابِرٍ وحِكايَتَهُ أمْرَ الصَلاةِ قِراءَةً في غَيْرِ الصَلاةِ عَلى جِهَةِ التَعَلُّمِ، فَأمَرَهُ بِالبَسْمَلَةِ لِهَذا، لا لِأنَّها آيَةٌ، وكَذَلِكَ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَآها قِراءَةَ تَعْلِيمٍ، ولَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَ أُبَيٍّ لِأنَّهُ قَصَدَ تَخْصِيصَ السُورَةِ، ووَسَمَها مِنَ الفَضْلِ بِما لَها، فَلَمْ يُدْخِلْ مَعَها ما لَيْسَ مِنها، ولَيْسَ هَذا القَصْدُ في حَدِيثِ جابِرٍ وأبِي هُرَيْرَةَ، واللهُ أعْلَمُ.

وقالَ ابْنُ المُبارَكِ: إنَّ البَسْمَلَةَ آيَةٌ في أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، وهَذا قَوْلٌ شاذٌّ رَدَّ الناسُ عَلَيْهِ. …

Al-Faatiha 1:1Listen in Qur'an →
2

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

[All] praise is [due] to Allah, Lord of the worlds -

"الحَمْدُ" مَعْناهُ: الثَناءُ الكامِلُ، والألِفُ واللامُ فِيهِ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ مِنَ المَحامِدِ، وهو أعَمُّ مِنَ الشُكْرِ، لِأنَّ الشُكْرَ إنَّما يَكُونُ عَلى فِعْلٍ جَمِيلٍ يُسْدى إلى الشاكِرِ، وشُكْرُهُ حَمْدٌ ما، والحَمْدُ المُجَرَّدُ هو ثَناءٌ بِصِفاتِ المَحْمُودِ مِن غَيْرِ أنْ يُسْدِيَ شَيْئًا، فالحامِدُ مِنَ الناسِ قِسْمانِ: الشاكِرُ والمُثْنِي بِالصِفاتِ، وذَهَبَ الطَبَرَيُّ إلى أنَّ الشُكْرَ والحَمْدَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وذَلِكَ غَيْرُ مُرْضِيٍّ. وحُكِيَ عن بَعْضِ الناسِ أنَّهُ قالَ: الشُكْرُ ثَناءٌ عَلى اللهِ بِأفْضالِهِ وإنْعامِهِ، والحَمْدُ ثَناءٌ بِأوصافِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أصَحُّ مَعْنًى مِن أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، واسْتَدَلَّ الطَبَرَيُّ عَلى أنَّهُما بِمَعْنًى بِصِحَّةِ قَوْلِكَ: الحَمْدُ لِلَّهِ شُكْرًا، وهو في الحَقِيقَةِ دَلِيلٌ عَلى خِلافِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ، لِأنَّ قَوْلَكَ: شُكْرًا؛ إنَّما خَصَّصَتْ بِهِ الحَمْدُ أنَّهُ عَلى نِعْمَةٍ مِنَ النِعَمِ.

وأجْمَعَ السَبْعَةُ، وجُمْهُورُ الناسِ عَلى رَفْعِ الدالِّ مِنَ "الحَمْدِ لِلَّهِ"، ورُوِيَ عن سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، ورُؤْبَةَ بْنُ العَجّاجِ: "الحَمْدَ لِلَّهِ" بِفَتْحِ الدالِ، وهَذا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ "الحَمْدِ لِلَّهِ" بِكَسْرِ الدالِ عَلى إتْباعِ الأوَّلِ الثانِي، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ "الحَمْدُ لِلَّهِ" بِضَمِّ الدالِ واللامِ عَلى إتْباعِ الثانِي والأوَّلِ. قالَ الطَبَرِيُّ: "الحَمْدُ لِلَّهِ" ثَناءٌ أثْنى بِهِ عَلى نَفْسِهِ، وفي ضِمْنِهِ أمَرَ عِبادَهُ أنْ يُثْنُوا بِهِ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: قُولُوا الحَمْدُ لِلَّهِ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قُولُوا إيّاكَ. قالَ: وهَذا مِن حَذْفِ العَرَبِ ما يَدُلُّ ظاهِرُ الكَلامِ عَلَيْهِ، كَما قالَ الشاعِرُ:

؎ وأعْلَمُ أنَّنِي سَأكُونُ رَمْسًا إذا سارَ النَواعِجُ لا يَسِيرُ ∗∗∗ فَقالَ السائِلُونَ: لِمَن حَفَرْتُمْ؟ ∗∗∗ فَقالَ المُخْبِرُونَ لَهُمْ: وزِيرُ

المَعْنى: "المَحْفُورُ لَهُ وزِيرُ"، فَحَذَفَ لِدَلالَةِ ظاهِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وهَذا كَثِيرٌ.

وقَرَأتْ طائِفَةٌ "رَبَّ" بِالنَصْبِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو نَصْبٌ عَلى المَدْحِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو عَلى النِداءِ، وعَلَيْهِ يَجِيءُ إيّاكَ.

و"الرَبُّ" في اللُغَةِ المَعْبُودُ، والسَيِّدُ المالِكُ، والقائِمُ بِالأُمُورِ، المُصْلِحُ لِما يَفْسُدُ مِنها، والمَلِكُ، تَأْتِي اللَفْظَةُ لِهَذِهِ المَعانِي.

فَمِمّا جاءَ بِمَعْنى "المَعْبُودِ" قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ أرَبٌّ يَبُولُ الثَعْلَبانُ بِرَأْسِهِ ∗∗∗ لَقَدْ هانَ مَن بالَتْ عَلَيْهِ الثَعالِبُ

وَمِمّا جاءَ بِمَعْنى "السَيِّدِ المالِكِ" قَوْلُهُمْ: رَبُّ العَبِيدِ والمَمالِيكِ.

ومِمّا جاءَ بِمَعْنى "القائِمِ بِالأُمُورِ الرَئِيسُ فِيها" قَوْلُ لَبِيدٍ:

؎ وأهْلَكْنَ يَوْمًا رَبَّ كِنْدَةَ وابْنَهُ ∗∗∗ ورَبَّ مَعَدٍّ بَيْنَ خِبْتٍ وعَرْعَرِ

ومِمّا جاءَ بِمَعْنى "المَلِكِ" قَوْلُ النابِغَةِ:

؎ تَخِبُّ إلى النُعْمانِ حَتّى تَنالَهُ ∗∗∗ فِدًى لَكَ مِن رَبٍّ طَرِيفِي وتالِدِي

ومِن مَعْنى "الإصْلاحِ" قَوْلُهُمْ: أدِيمٌ مَرْبُوبٌ. أيْ: مُصْلِحٌ: قالَ الشاعِرُ:

؎ كانُوا كَسالِئَةٍ حَمْقاءَ إذْ حُقِنَتْ ∗∗∗ سَلاءَها في أدِيمٍ غَيْرِ مَرْبُوبٍ

ومِن مَعْنى "المَلِكِ" قَوْلِ صَفْوانَ بْنِ أُمِّيَّةَ لِأخِيهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ: " لِأنْ يُرَبِّنِي رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ خَيْرٌ مِن أنْ يُرَبِّنِي رَجُلٌ مِن هَوازِنَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في شَأْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُبَيْرِ، وعَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: وإنْ كانَ …

Al-Faatiha 1:2Listen in Qur'an →
3

ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

The Entirely Merciful, the Especially Merciful,

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في ( الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ).

Al-Faatiha 1:3Listen in Qur'an →
4

مَٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ

Sovereign of the Day of Recompense.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( مَلِك يَوْمَ الدِينِ ) فَقَرَأ عاصِمٌ، والكِسائِيُّ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِينِ﴾. قالَ الفارِسِيُّ: وكَذَلِكَ قَرَأها قَتادَةَ، والأعْمَشُ. قالَ مَكِّيُّ: ورَوى الزُهْرِيُّ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَرَأها كَذَلِكَ بِالألْفِ، وكَذَلِكَ قَرَأها أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وطَلْحَةُ، والزُبَيْرُ، رَضِيَ اللهُ عنهُمْ).

وَقَرَأ بَقِيَّةُ السَبْعَةِ ( مَلِكُ يَوْمِ الدِينِ ) وأبُو عَمْرٍو مِنهم يُسَكِّنُ اللامَ فَيَقْرَأُ: ( مَلْكِ يَوْمِ الدِينِ )، هَذِهِ رِوايَةُ عَبْدِ الوارِثِ عنهُ. ورُوِيَ عن نافِعٍ إشْباعُ الكَسْرَةِ مِنَ الكافِ في "مَلِكِ" فَيَقْرَأُ: "مَلَكِيُّ"، وهي لُغَةٌ لِلْعَرَبِ ذَكَرَها المَهْدَوِيُّ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "مَلِكَ" بِفَتْحِ الكافِ وكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والأعْمَشُ، وأبُو صالِحٍ السَمّانُ، وأبُو عَبْدِ المَلِكِ الشامِيُّ "مالِكِ" بِفَتْحِ الكافِ، وهَذانَ عَلى النِداءِ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ: "إيّاكَ"، ورَدَّ الطَبَرِيُّ عَلى هَذا وقالَ: إنَّ مَعْنى السُورَةِ قُولُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ، وعَلى ذَلِكَ يَجِيءُ "إيّاكَ"، و"اهْدِنا"، وذَكَرَ أيْضًا أنَّ مِن فَصِيحِ كَلامِ العَرَبِ الخُرُوجُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، وبِالعَكْسِ، كَقَوْلِ أبِي كَبِيرٍ الهُذَلِيِّ:

؎ يا ويْحَ نَفْسِي كانَ جَدَّةُ خالِدٍ وبَياضُ وجْهِكَ لِلتُّرابِ الأعْفَرِ

وكَما قالَ لَبِيدٌ:

؎ قامَتْ تَشْكِي إلَيَّ النَفْسُ مُجْهِشَةً ∗∗∗ وقَدْ حَمَلْتُكَ سَبْعًا بَعْدَ سَبْعِينا

وَكَقَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: ( مَلَكَ يَوْمَ الدِينِ ) عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ "مَلِيكِ" بِالياءِ وكَسْرِ الكافِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: "وَلَمْ يَمِلْ أحَدٌ مِنَ القُرّاءِ ألِفَ "مالِكِ"، وذَلِكَ جائِزٌ إلّا أنَّهُ لا يُقْرَأُ بِما يَجُوزُ إلّا أنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ أثَرٌ مُسْتَفِيضٌ".

و"المُلْكُ والمِلْكُ" بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِها، وما تَصَرَّفَ مِنهُما راجِعٌ كُلُّهُ إلى "مَلَكَ" بِمَعْنى شَدَّ وضَبَطَ، ثُمَّ يُخْتَصُّ كُلُّ تَصْرِيفٍ مِنَ اللَفْظَةِ بِنَوْعٍ مِنَ المَعْنى. يَدُلُّكَ عَلى الأصْلِ في "مَلَكَ" قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ مَلَكَتْ بِها كَفِّي فَأنْهَرْتُ فَتْقَها ∗∗∗..................................

وهَذا يَصِفُ طَعْنَةً فَأرادَ "شَدَدْتُ" ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أوسِ بْنِ حُجْرٍ:

؎ فَمَلَّكَ بِاللَيْطِ الَّذِي تَحْتَ قِشْرِها ∗∗∗ كَغِرْقِئِ بَيْضٍ كَنَّهُ القَيْضُ مِن عَلِ

أرادَ "شَدَّدَ"، وهَذا يَصِفُ صانِعَ قَوْسٍ تَرَكَ مِن قِشْرِها ما يَحْفَظُ قَلَبَ القَوْسِ، و"الَّذِي" مَفْعُولٌ، ولَيْسَ بِصِفَةٍ لِلَّيْطِ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: "إمْلاكُ المَرْأةِ وإمْلاكُ فُلانٍ" إنَّما هو رَبْطُ النِكاحِ، كَما قالُوا: عُقْدَةُ النِكاحِ، إذِ النِكاحُ مَوْضِعُ شَدٍّ ورَبْطٍ، فالمالِكُ لِلشَّيْءِ شادٌّ عَلَيْهِ، ضابِطٌ لَهُ، وكَذَلِكَ المَلِكُ.

واحْتَجَّ مَن قَرَأ "مَلَكَ" بِأنَّ لَفْظَةَ "مَلَكَ" أعَمُّ مِن لَفْظَةِ "مالِكِ"، إذْ كُلُّ مَلَكٍ مالِكٌ، ولَيْسَ كُلُّ مالِكٍ مَلِكًا، والمَلِكُ الَّذِي يُدَبِّرُ المالِكَ في مِلْكِهِ حَتّى لا يَتَصَرَّفَ إلّا عن تَدْبِيرِ المَلِكِ، وتَتابَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى سَرْدِ هَذِهِ الحُجَّةِ، وهي عِنْدِي غَيْرُ لازِمَةٍ؛ لِأنَّهم أخَذُوا اللَفْظَتَيْنِ مُطْلَقَتَيْنِ لا بِنِسْبَةٍ إلى ما هو …

Al-Faatiha 1:4Listen in Qur'an →
5

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ

It is You we worship and You we ask for help.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ نُطْقُ المُؤْمِنِ بِهِ إقْرارٌ بِالرُبُوبِيَّةِ، وتَذَلُّلٌ وتَحْقِيقٌ لِعِبادَةِ اللهِ، إذْ سائِرُ الناسِ يَعْبُدُونَ سِواهُ مِن أصْنامٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقُدِّمَ المَفْعُولُ عَلى الفِعْلِ اهْتِمامًا، وشَأْنُ العَرَبِ تَقْدِيمُ الأهَمِّ. ويَذْكُرُ أنَّ أعْرابِيًّا سَبَّ آخَرَ، فَأعْرَضَ المَسْبُوبُ عنهُ، فَقالَ لَهُ السابُّ: إيّاكَ أعْنِي، فَقالَ الآخَرُ: وعنكَ أعْرِضُ، فَقَدَّما الأهَمَّ. وقَرَأ الفَضْلُ الرُقاشِيُّ "أيّاكَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ. وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "إيّاكَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ الياءِ، وذَلِكَ أنَّهُ كَرِهَ تَضْعِيفَ الياءِ لِثِقَلِها، وكَوْنُ الكَسْرَةِ قَبْلَها، وهَذا كَتَخْفِيفِ "رَبِ" و"إنْ". وقَرَأ أبُو السِوارِ الغَنَوِيُّ "هَيّاكَ نَعْبُدُ، وهَيّاكَ نَسْتَعِينُ" بِالهاءِ وهي لُغَةٌ.

واخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في "إيّاكَ"، قالَ الخَلِيلُ: "إيّا" اسْمٌ مُضْمَرٌ، أُضِيفَ إلى ما بَعْدَهُ لِلْبَيانِ لا لِلتَّعْرِيفِ، وحُكِيَ عَنِ العَرَبِ: "إذا بَلَغَ الرَجُلُ السِتِّينَ فَإيّاهُ وايا الشَوابِّ"، وقالَ المُبَرِّدُ: "إيّا" اسْمٌ مُبْهَمٌ، أُضِيفَ لِلتَّخْصِيصِ لا لِلتَّعْرِيفِ. وحَكى ابْنُ كَيْسانَ عن بَعْضِ الكُوفِيِّينَ: أنَّ "إيّاكَ" بِكَمالِهِ اسْمٌ مُضْمَرٌ، ولا يُعْرَفُ اسْمٌ مُضْمَرٌ يُتَغَيَّرُ آخِرُهُ غَيْرُهُ.

وحُكِيَ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: الكافُ والهاءُ والياءُ هي الِاسْمُ المُضْمَرُ، لَكِنَّها لا تَقُومُ بِأنْفُسِها، ولا تَكُونُ إلّا مُتَّصِلاتٍ، فَإذا تَقَدَّمَتِ الأفْعالُ جَعَلَ "إيّا" عِمادًا لَها، فَيُقالُ: "إيّاكَ، وإيّاهُ، وإيّايَ". وإذا تَأخَّرَتِ اتَّصَلَتْ بِالأفْعالِ واسْتُغْنِيَ عن "إيّا". وحُكِيَ عن بَعْضِهِمْ: أنَّ "إيّا" اسْمٌ مُبْهَمٌ يُكَنّى بِهِ عَنِ المَنصُوبِ، وزِيدَتِ الكافُ والهاءُ تَفْرِقَةً بَيْنَ المُخاطَبِ والغائِبِ والمُتَكَلِّمِ، ولا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، فَهي كالكافِ في ذَلِكَ، وفي أرَأيْتُكَ زَيْدًا ما فَعَلَ.

و"نَعْبُدُ" مَعْناهُ: نُقِيمُ الشَرْعَ والأوامِرَ مَعَ تَذَلُّلٍ واسْتِكانَةٍ، والطَرِيقُ المُذَلَّلُ يُقالُ لَهُ مُعَبَّدٌ، وكَذَلِكَ البَعِيرُ، وقالَ طَرَفَةُ:

؎ تُبارِي عِتاقًا ناجِياتٍ وأتْبَعَتْ وظِيفًا وظِيفًا فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ

وتَكَرَّرَتْ "إيّاكَ" بِحَسَبِ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، فاحْتاجَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى تَأْكِيدٍ واهْتِمامٍ.

و"نَسْتَعِينُ"، مَعْناهُ نَطْلُبُ العَوْنَ مِنكَ في جَمِيعِ أُمُورِنا، وهَذا كُلُّهُ تَبَرُّو مِن الأصْنامِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، والنَخْعِيُّ: "نَسْتَعِينُ" بِكَسْرِ النُونِ، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ قُرَيْشٍ في النُونِ والتاءِ والهَمْزَةِ، ولا يَقُولُونَها في ياءِ الغائِبِ، وإنَّما ذَلِكَ في كُلِّ فِعْلٍ سُمِّيَ فاعِلُهُ فِيهِ زَوائِدَ، أو فِيما يَأْتِي مِنَ الثُلاثِيِّ عَلى فَعِلَ يَفْعَلُ بِكَسْرِ العَيْنِ في الماضِي، وفَتْحِها في المُسْتَقْبَلِ، نَحْوُ عَلِمَ وشَرِبَ، وكَذَلِكَ فِيما جاءَ مُعْتَلَّ العَيْنِ نَحْوُ خالٍ يَخالُ، فَإنَّهم يَقُولُونَ: تَخالُ وأخالُ. و"نَسْتَعِينُ" أصْلُهُ نَسْتَعْوِنُ. نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى العَيْنِ، وقُلِبَتْ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها.

والمَصْدَرُ: "اسْتِعانَةٌ"، أصْلُهُ "اسْتِعْوانٌ"، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى العَيْنِ، فَلَمّا انْفَتَحَ ما قَبْلَها وهي في نِيَّةِ الحَرَكَةِ انْقَلَبَتْ ألِفًا، فَوَجَبَ حَذْفُ أحَدِ الألِفَيْنِ الساكِنَيْنِ، فَقِيلَ: حُذِفَتِ الأولى لِأنَّ الثانِيَةَ مَجْلُوبَةٌ لِمَعْنًى فَهي أولى بِالبَقاءِ، وقِيلَ: حُذِفَتِ الثانِيَةُ لِأنَّ الأُولى أصْلِيَّةٌ …

Al-Faatiha 1:5Listen in Qur'an →
6

ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ

Guide us to the straight path -

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اهْدِنا﴾ رَغْبَةً، لِأنَّها مِنَ المَرْبُوبِ إلى الرَبِّ، وهَكَذا صِيغَةُ الأمْرِ كُلُّها، فَإذا كانَتْ مِنَ الأعْلى فَهي أمْرٌ.

والهِدايَةُ في اللُغَةِ الإرْشادُ، لَكِنَّها تَتَصَرَّفُ عَلى وُجُوهٍ يُعَبِّرُ عنها المُفَسِّرُونَ بِغَيْرِ لَفْظِ الإرْشادِ، وكُلُّها إذا تُؤُمِّلَتْ رَجَعَتْ إلى الإرْشادِ.

فالهُدى يَجِيءُ بِمَعْنى: "خَلْقُ الإيمانِ في القَلْبِ" ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ يَدْعُو إلى دارِ السَلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. قالَ أبُو المَعالِي: فَهَذِهِ آيَةٌ لا يَتَّجِهُ حَمْلُها إلّا عَلى خَلْقِ الإيمانِ في القَلْبِ، وهو مَحْضُ الإرْشادِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ جاءَ الهُدى بِمَعْنى "الدُعاءِ". مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧]، أيْ: داعٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وهَذا أيْضًا يُبَيِّنُ فِيهِ الإرْشادَ، لِأنَّهُ ابْتِداءُ إرْشادٍ، أجابَ المَدْعُوَّ أو لَمْ يُجِبْ.

وقَدْ جاءَ الهُدى بِمَعْنى "الإلْهامِ"، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠]، قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: ألْهَمَ الحَيَواناتِ كُلَّها إلى مَنافِعِها. وهَذا أيْضًا يُبَيِّنُ فِيهِ مَعْنى الإرْشادِ.

وقَدْ جاءَ الهُدى بِمَعْنى "البَيانِ" مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]، قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: بَيِّنًا لَهُمْ، قالَ أبُو المَعالِي: مَعْناهُ دَعَوْناهم. ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢] أيْ: عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَ، وفي هَذا كُلِّهِ مَعْنى الإرْشادِ، قالَ أبُو المَعالِي: وقَدْ تَرِدُ الهِدايَةُ والمُرادُ بِها "إرْشادُ المُؤْمِنِينَ إلى مَسالِكِ الجِنانِ، والطُرُقُ المُفْضِيَةُ إلَيْها". مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في صِفَةِ المُجاهِدِينَ: ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٤] ﴿سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ [محمد: ٥]، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]، مَعْناهُ: فاسْلُكُوهم إلَيْها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذِهِ الهِدايَةُ بِعَيْنِها هي الَّتِي تُقالُ في طُرُقِ الدُنْيا، وهي ضِدُّ الضَلالِ، وهي الواقِعَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اهْدِنا الصِراطَ المُسْتَقِيمَ﴾. عَلى صَحِيحِ التَأْوِيلاتِ، وذَلِكَ يُبَيِّنُ مِن لَفْظِ الصِراطِ، و"الهُدى" لَفْظٌ مُؤَنَّثٌ، وقالَ اللِحْيانِيُّ: هو مُذَكَّرٌ، قالَ ابْنُ سِيدَهْ: و"الهُدى" اسْمٌ مِن أسْماءِ النَهارِ، قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:

؎ حَتّى اسْتَبَنْتُ الهُدى والبِيدُ هاجِمَةٌ يَخْشَعْنَ في الآلِ غُلْفًا أو يُصَلِّينا

و"الصِراطُ" في اللُغَةِ الطَرِيقُ الواضِحُ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرٍ:

؎ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلى صِراطٍ ∗∗∗ -إذا اعْوَجَّ المَوارِدَ- مُسْتَقِيمُ

ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:

؎ فَصُدَّ عن نَهْجِ الصِراطِ الواضِحِ.

وحَكى النَقّاشُ: "الصِراطَ" الطَرِيقُ بِلُغَةِ الرُومِ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في الصِراطِ...

فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: "السِراطَ" بِالسِينِ، وهَذا هو أصْلُ اللَفْظَةِ. قالَ الفارِسِيُّ: ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالصادِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ -غَيْرُ حَمْزَةَ …

Al-Faatiha 1:6Listen in Qur'an →
7

صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ

The path of those upon whom You have bestowed favor, not of those who have evoked [Your] anger or of those who are astray.

و﴿صِراطَ الَّذِينَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ الزُبَيْرِ: "صِراطَ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ". و"الَّذِينَ" جَمْعُ الَّذِي، وأصْلُهُ "لَذَّ"، حُذِفَتْ مِنهُ الياءُ لِلتَّنْوِينِ، كَما تُحْذَفُ مِن عَمَّ وقاضٍ فَلَمّا دَخَلَتْهُ الألِفُ واللامُ ثَبَتَتِ الياءُ و"الَّذِي" اسْمٌ مُبْهَمٌ ناقِصٌ مُحْتاجٌ إلى صِلَةٍ وعائِدٍ، وهو مَبْنِيٌّ في إفْرادِهِ وجَمْعِهِ، مُعَرَّبٌ في تَثْنِيَتِهِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُعَرِّبُ جَمْعَهُ فَيَقُولُ في الرَفْعِ: "اللَذُونَ"، وكُتِبَ الَّذِي بِلامٍ واحِدَةٍ في الإفْرادِ والجَمْعِ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في المُشارِ إلَيْهِمْ بِأنَّهُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وجُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ أرادَ صِراطَ النَبِيَّيْنِ، والصَدِّيقِينَ، والشُهَداءِ، والصالِحِينَ. وانْتَزَعُوا ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا،﴾ [النساء: ٦٦] ﴿وَإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٦٧] ﴿وَلَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٨] ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ والرَسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللهَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَبِيِّينَ والصِدِّيقِينَ والشُهَداءِ والصالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]

فالآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ هَؤُلاءِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وهو المَطْلُوبُ في آيَةِ الحَمْدِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المُنْعِمُ عَلَيْهِمْ هُمُ المُؤْمِنُونَ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المُنْعِمُ عَلَيْهِمْ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ. وحَكى مَكِّيُّ وغَيْرُهُ عن فِرْقَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أنَّ المُنْعِمَ عَلَيْهِمْ مُؤْمِنُو بَنِي إسْرائِيلَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُنْعِمُ عَلَيْهِمْ أصْحابُ مُوسى قَبْلَ أنْ يُبَدِّلُوا، وهَذا والَّذِي قَبْلَهُ سَواءٌ، وقالَ قَتادَةُ بْنُ دُعامَةَ: المُنْعِمُ عَلَيْهِمُ الأنْبِياءُ خاصَّةً. وحَكى مَكِّيٌّ عن أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ: المُنْعِمُ عَلَيْهِمْ: مُحَمَّدٌ ﷺ، وأبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقَدْ تَقَدَّمَ ما حَكاهُ عنهُ الطَبَرِيُّ مِن أنَّهُ فَسَّرَ ( الصِراطَ المُسْتَقِيمَ ) بِذَلِكَ، وعَلى ما حَكى مَكِّيُّ يَنْتَقِضُ الأوَّلَ، ويَكُونُ ( الصِراطَ المُسْتَقِيمَ ) طَرِيقُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذا أقْوى في المَعْنى، لِأنَّ تَسْمِيَةَ أشْخاصِهِمْ طَرِيقًا تَجُوزُ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في "الهاءِ" مِن "عَلَيْهِمْ" فَقَرَأ حَمْزَةُ "عَلَيْهِمْ" بِضَمِّ الهاءِ وإسْكانِ المِيمِ، وكَذَلِكَ "لَدَيْهِمْ" و"إلَيْهِمْ"، وقَرَأ الباقُونَ في جَمِيعِها بِكَسْرِ الهاءِ، واخْتَلَفُوا في "المِيمِ"، فَرُوِيَ عن نافِعٍ: التَخْيِيرُ بَيْنَ ضَمِّها وسُكُونِها، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ كانَ لا يَعِيبُ ضَمَّ المِيمِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قِراءَتَهُ كانَتْ بِالإسْكانِ، وكانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ يَصِلُ المِيمَ بِواوٍ انْضَمَّتِ الهاءُ قَبْلَها أوِ انْكَسَرَتْ فَيَقْرَأُ: "عَلَيْهِمُو وقُلُوبِهِمُو، وسَمْعِهُمُو، وأبْصارِهُمُو". وقَرَأ ورْشٌ الهاءَ مَكْسُورَةً والمِيمَ مَوْقُوفَةً، إلّا أنْ تَلْقى المِيمُ ألِفًا أصْلِيَّةً فَيَلْحَقُ في اللَفْظِ واوًا مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦]، وكانَ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، يَكْسِرُونَ ويُسَكِّنُونَ "المِيمَ"، فَإذا لَقِيَ …

Al-Faatiha 1:7Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.