Muslim99Muslim99
← Tafsir library

17. Al-Israa

The Night Journey · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ الإِسۡرَاءِ

Reading Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi

Ayahs 1–10 of 111

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

سُبْحَٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ لَيْلًۭا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْأَقْصَا ٱلَّذِى بَٰرَكْنَا حَوْلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنْ ءَايَٰتِنَآ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ

Exalted is He who took His Servant by night from al-Masjid al-Haram to al-Masjid al-Aqsa, whose surroundings We have blessed, to show him of Our signs. Indeed, He is the Hearing, the Seeing.

قوله تعالى: {سُبْحَانَ} : قد تقدَّم الكلامُ عليه مستوفى أول البقرة. و «أَسْرى» و «سَرَى» لغتان، وقد تقدَّم الكلام عليهما في سورة هود، وأن بعضَهم خَصَّ «أَسْرى» بالليل. قال الزمخشري هنا: «فإن قلتَ: الإِسراءُ لا يكون إلا ليلاً فما معنى ذِكْرِ الليلِ؟ قلت: أراد بقوله» ليلاً «بلفظ التنكيرِ تقليلَ مدةِ الإِسراءِ، وأنه أُسْرِي به في بعضِ الليلِ من مكةَ إلى الشام مسيرةََ أربعين ليلةً؛ وذلك: أنَّ التنكيرَ دلَّ على البعضية، ويَشْهد لذلك قراءةُ عبدِ الله وحذيفة» من الليل «، أي: بعضه كقوله: {وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ} [الإِسراء: 79] . انتهى. فيكون» سَرى «و» أسْرى «ك» سَقَى «و» أَسْقى «والهمزةُ ليست للتعديةِ، وإنما المُعَدَّى الباءُ في» بعبده «، وقد تقدَّم أنها لا تَقْتضي مصاحبةَ الفاعلِ للمفعول عند الجمهور، في البقرة خلافاً للمبرد.

وزعم ابنُ عطية أنَّ مفعولَ» أَسْرى «محذوف، وأنَّ التعديةَ بالهمزة فقال:» ويَظْهر أنَّ «أَسْرى» مُعَدَّاةٌ بالهمزةِ إلى مفعولٍ محذوف، أي: أَسْرى الملائكةُ بعبدِه، لأنه يَقْلَقُ أَنْ يُسْنَد «أسرى» وهو بمعنى «سرى» إلى الله تعالى؛ إذ هو فعلٌ يقتضي النَّقْلة كمشى وجرى وأحضر وانتقل، فلا يَحْسُنُ إسنادُ شيءٍ من هذا مع وجودِ مَنْدوحةٍ عنه، فإذا وقع في الشريعة شيءٌُ من ذلك تَأَوَّلْناه نحو: أَتَيْتُه هَرْوَلة «.

قلت: وهذا كلُّه إنما بناه اعتقاداً على أن التعديةَ بالباء تَقتضي مصاحبةَ الفاعلِ للمفعول في ذلك، وقد تقدَّم الردُّ على هذا المذهبِ في أول البقرة في قوله {وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ} [الآية: 20] . ثم جَوزَّ أن يكونَ» أَسْرى «بمعنى» سَرَى «على حَذْفِ مضافٍ كقولِه: {ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17] ، يعني فيكون التقدير: الذي أَسْرَى ملائكتُه بعبدِه، والحاملُ له على ذلك ما تقدَّم من اعتقاد المصاحبة.

قوله:» لَيْلاً «منصوب على الظرف. وقد تقدَّم فائدةُ تنكيرِه. و» من المسجد «لابتداء الغاية.

قوله: حولَه» فيه وجهان، أظهرُهما: أنه منصوبٌ على الظرف، وقد تقدَّم تحقيقُ القولِ فيه أولَ البقرة. والثاني: انه مفعولٌ. قال أبو البقاء: «أي: طَيَّبْنا ونَمَّيْنا» . يعني ضَمَّنه معنى ما يتعدَّى بنفسه، وفيه نظرٌ لأنه لا يَتَصَرَّف.

قوله: «لِنُرِيَه» قرأ العامَّة بنونِ العظمة جَرْياً على «بارَكْنا» . وفيهما التفاتان: مِنَ الغَيْبة في قوله {الذي أسرى بِعَبْدِهِ} إلى التكلُّم في «بارَكْنا» و «لِنُرِيَه» ، ثم التفتَ إلى الغَيْبَة في قولِه «إنه هو» إن أَعَدْنا الضميرَ على اللهِ تعالى وهو الصحيحُ، ففي الكلام التفاتان.

وقرأ الحسن «لِيُرِيَه» بالياء مِنْ تحتُ أي الله تعالى، وعلى هذه القراءةِ يكون في هذه الآية أربعةُ التفاتات: وذلك أنَّه التفت أولاً من الغَيْبة في قوله {الذي أسرى بِعَبْدِهِ} إلى التكلم في قوله «بارَكْنا» ، ثم التفت ثانياً من التكلمِ في «بارَكْنا» إلى الغيبة في «لِيُرِيَه» على هذه القراءة، ثم التفت بالياء من هذه الغَيْبة إلى التكلم في «آياتنا» ، ثم التفت رابعاً من هذا التكلمِ إلى الغيبة في قوله «إنه هو» على الصحيح في الضميرِ أنَّه لله، وأمَّا على قولٍ نقله أبو البقاء أن الضمير في «إنه هو» للنبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا يجيءُ ذلك، ويكون في قراءة العامَّةِ التفاتٌ واحدٌ، وفي قراءة الحسنِ ثلاثةٌ. وهذا موضعٌ غريبٌ، وأكثرُ ما وَرَدَ الالتفاتُ [فيه] ثلاثُ مرات على ما قال الزمخشري في قولِ امرئ القيس:

302 - 5- تطاوَلَ ليلُكَ بالإِثْمِدِ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الأبيات. وقد تقدَّم النزاعُ معه في ذلك، وبعضُ ما يُجاب به عنه أولَ الفاتحة.

ولو ادَّعى مُدَّعٍ أنَّ فيها خمسةَ التفاتات لاحتاج في دَفْعِه إلى دليلٍ واضحٍ، والخامس: الالتفاتُ مِنْ «إنَّه هو» إلى التكلم في قوله {وَآتَيْنَآ …

2

وَءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَجَعَلْنَٰهُ هُدًۭى لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِى وَكِيلًۭا

And We gave Moses the Scripture and made it a guidance for the Children of Israel that you not take other than Me as Disposer of affairs,

قوله تعالى: {وَآتَيْنَآ} : فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن تُعْطَفَ هذه الجملةُ على الجملةِ السابقة من/ تنزيهِ الربِّ تبارك وتعالى ولا يَلْزَمُ في عَطْفِ الجملِ مشاركةٌ في خبرٍ ولا غيرِه. الثاني: قال العسكري: إنه معطوف على «أسرى» . واستبعده الشيخُ. ووجهُ الاستبعادِ: أن المعطوفَ على الصلةِ صلةٌ، فيؤدِّي التقديرُ إلى ضرورةِ التركيبِ: سُبْحان الذي أسرى وآتينا، وهو في قوة: الذي آتينا موسى، فيعود الضميرُ على الموصولِ ضميرَ تكلمٍ مِنْ غيرِ مسوِّغ لذلك.

والثالث: أنه معطوفٌ على ما في قوله «أسرى» من تقدير الخبر كأنه قال: أَسْرَيْنا بعبدِنا، وأًرَيْناه آياتِنا وآتَيْنا، وهو قريبٌ مِنْ تفسيرِ المعنى لا الإِعراب.

قوله: «وجَعْلَناه» يجوز أن يعودَ ضميرُ النصبِ للكتاب، وهو الظاهرُ، وأَنْ يعودَ لموسى عليه السلام.

قوله: {لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ} يجوز تعلُّقُه بنفس «هدى» كقوله: {يَهْدِي لِلْحَقِّ} [يونس: 35] ، وأَنْ يتعلَّقَ بالجَعْل، أي: جعلناه لأجلِهِم، وأن يتعلَّقَ بمحذوفٍ نعتاً ل «هُدى» .

قوله: {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ} يجوز أَنْ تكون «أَنْ» ناصبةً على حَذْفِ حرفِ العلة، أي: لئلا تتَّخذوا. وقيل: «لا» مزيدةٌ، والتقدير: كراهةَ أَنْ تتخذوا، وأنْ تكونَ المفسرةَ و «لا» ناهيةٌ، فالفعلُ منصوبٌ على الأول مجزومٌ على الثاني، وأَنْ تكونَ مزيدةً عند بعضِهم، والجملةُ التي بعدها معمولةٌ لقولٍ مضمر، أي: مقولاً لهم: لا تتخذوا، أو قلنا لهم: لا تتخذوا، وهذا ظاهرٌ في قراءةِ الخطاب. وهذا مردودٌ بأنه ليس من مواضعِ زيادةِ «أَنْ» .

وقرأ أبو عمروٍ {أَنْ لا يتَّخذوا} بياء الغَيْبة جَرْياً على قوله {لبني إسرائيل} والباقون بالخطاب التفاتاً.

3

ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبْدًۭا شَكُورًۭا

O descendants of those We carried [in the ship] with Noah. Indeed, he was a grateful servant.

قوله تعالى: {ذُرِّيَّةَ} : العامَّةُ على نصبها وفيها أوجهٌ، أحدُها: أنها منصوبةٌ على الاختصاصِ، وبه بدأ الزمخشري. الثاني: أنَّها منصوبَةً على البدلِ من «وَكِيلاً» ، أي: أن لا تتخذوا من دونِه ذريةَ مَنْ حَمَلْنا. الثالث: أنها منصوبةٌ على البدلِ مِنْ «موسى» ، ذكره أبو البقاء وفيه بُعْدٌ بعيد. الرابع: أنها منصوبةٌ على المفعولِ الأولِ ل «تتخذوا» ، والثاني هو «وكيلاً» فقُدِّم، ويكون «وكيلاً» ممَّا وقع مفردَ اللفظ والمَعْنِيُّ به جمعٌ، أي: لا تتخذوا ذريةَ مَنْ حَمَلْنا مع نوح وُكَلاءَ كقوله: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَاباً} [آل عمران: 80] .

الخامس: أنها منصوبةٌ على النداء، أي: يا ذريةَ مَنْ حَمَلْنا، وخَصُّوا هذا الوجهَ بقراءة الخطاب في «تتَّخذوا» وهو واضحٌ عليها، إلا أنه لا يَلْزَمُ، وإن كان مكيٌّ قد منع منه فإنه قال: «فأمَّا مَنْ قرأ» يتَّخذوا «بالياء فذريَّةَ مفعولٌ لا غيرَ، ويَبْعُدُ النداءُ؛ لأن الياءَ للغَيْبة والنداءَ للخطابِ، فلا يجتمعان إلا على بُعْدٍ» . وليس كما زعم، إذ يجوزُ أن يُناديَ الإِنسانَ شخصاً ويُخْبِرَ عن آخرَ فيقول: «يا زيدُ ينطلقٌ بكرٌ وفعلتَ كذا» و «يا زيدُ ليفعلْ عمروٌ كيتَ وكيت» .

وقرأت فرقةٌ «ذُرِّيَّةُ» بالرفع، وفيها وجهان، أحدهما: أنها خبرُ مبتدأ مضمرٍ تقديرُه: هو ذريَّةُ، ذكره [أبو] البقاء وليس بواضحٍ. والثاني: أنه بدلٌ من واوِ «تتَّخذوا» قال ابن عطية: «ولا يجوز ذلك في القراءةِ بالتاءِ، لأنك لا تُبْدِلُ من ضميرٍ مخاطب، لو قلت:» ضربْتُك زيداً «على البدل لم يَجُزْ» .

وَرَدَّ عليه الشيخ هذا الإِطلاقَ وقال: «ينبغي التفصيلُ، وهو إن كان بدلَ بعضٍ أو اشتمالٍ جاز، وإن كان كلاًّ مِنْ كل، وأفاد الإِحاطةَ نحو» جئتُمْ كبيرُكم وصغيركم «جَوَّزه الأخفش والكوفيون. قال:» وهو الصحيحُ «. قلت: وتمثيلُ ابنِ عطيةَ بقولِه» ضَرَبْتُكَ زيداً «قد يَدْفع عنه هذا الردَّ.

وقال مكي:» ويجوز الرفعُ في الكلامِ على قراءةِ مَنْ قرأ بالياء على البدلِ من المضمرِ في «يتَّخذوا» ولا يَحْسُنُ ذلك في قراءة التاء؛ لأنَّ المخاطبَ لا يُبْدَلُ منه الغائبُ، ويجوز الخفضُ على البدل من بني إسرائيل «. قلت: أمَّا الرفعُ فقد تقدَّم أنه قرئ به وكأنه ام يَطَّلِعْ عليه، وأمَّا الجرُّ فلم يُقْرَأْ به فيما عَلِمْتُ ويَرِد عليه في قوله» لأنَّ المخاطب لا يُبْدَلُ منه الغائبُ «ما وَرَدَ على ابن عطية، بل أَوْلَى لأنه لم يذكر مثالاً يبيِّن مرادَه كما فعل ابنُ عطية/.

قوله تعالى: {مَنْ حَمَلْنَا} : يجوز أن تكونَ موصولةً أو موصوفةً.

4

وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ فِى ٱلْكِتَٰبِ لَتُفْسِدُنَّ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّۭا كَبِيرًۭا

And We conveyed to the Children of Israel in the Scripture that, "You will surely cause corruption on the earth twice, and you will surely reach [a degree of] great haughtiness.

قوله: {وَقَضَيْنَآ} «قَضَى» يتعدَّى بنفسِه: {فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً} [الأحزاب: 37] {فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل} [القصص: 29] ، وإنما تَعَدَّى هنا ب «إلى» لتضمُّنه معنى: أَنْفَذْنَا وأَوْحَيْنا، أي: وأَنْفَذْنا إليهم بالقضاءِ المحتومِ. ومتعلِّقُ القضاءِ محذوفٌ، أي: بفسادِهم. وقوله: «لَتُفْسِدُنَّ» جوابُ قسمٍ محذوفٍ تقديرُه: والله لتفسِدُنَّ، وهذا القسمُ مؤكدٌ لمتعلَّق القضاء. ويجوز أن يكونَ «لَتُفْسِدُنَّ» جواباً لقوله: «وقَضَيْنا» لأنه ضُمِّن معنى القسمِ، ومنه قولُهم: «قضاء الله لأفعلنَّ» فيُجْرُون القضاء والنَّذْرَ مُجْرى القسم فَيُتَلَقَّيان بما يُتَلَقَّى به القسمُ.

والعامَّةُ على توحيد «الكتاب» مُراداً به الجنسُ. وابنُ جبير وأبو العالية «في الكُتُب» على الجمع، جاؤوا به نَصَّاً في الجمع.

وقرأ العامَّةُ بضمِّ التاءِ وكسرِ السينِ مضارعَ «أفسدَ» ، ومفعولُه محذوفٌ تقديره: لَتُفْسِدُنَّ الأديانَ. ويجوزُ أْنْ لا يُقَدَّر مفعولٌ، أي: لتُوقِعُنَّ الفساد. وقرأ ابنُ عباسٍ ونصرُ بن علي وجابر بن زيد «لَتُفْسَدُن» ببنائه للمفعولِ، أي: لَيُفْسِدَنَّكم غيرُكم: إمَّا من الإِضلال أو من الغلبة. وقرأ عيسى بن عمر بفتحِ التاء وضمِّ السين، أي: فَسَدْتُم بأنفسِكم.

قوله «مَرَّتَيْنِ» منصوبٌ على المصدر، والعاملُ فيه «لتُفْسِدُنَّ» لأنَّ التقديرَ: مرتين من الفساد.

قوله: «عُلُوَّاً» العامَّةُ على ضمِّ العين مصدرَ علا يَعْلُو. وقرأ زيد بن عليٍّ «عِلِيَّاً» بكسرِهما والياءُ، والأصلُ الواو، وإنما اعتلَّ على اللغة القليلة؛ وذلك أن فُعُولاً المصدرَ الأكثرُ فيه التصحيحُ نحو: عَتا عُتُوَّاً، والإِعلالُ قليلٌ نحو {أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً} [مريم: 69] على أحدِ الوجهين كما سيأتي، وإنْ كان جمعاً فالكثيرُ الإِعلالُ. نحو: «جِثِيَّاً» وشَذَّ: بَهْوٌ وبُهُوُّ، ونَجْوٌ ونَجَوٌّ، وقاسه الفراء.

5

فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًۭا لَّنَآ أُو۟لِى بَأْسٍۢ شَدِيدٍۢ فَجَاسُوا۟ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًۭا مَّفْعُولًۭا

So when the [time of] promise came for the first of them, We sent against you servants of Ours - those of great military might, and they probed [even] into the homes, and it was a promise fulfilled.

قوله تعالى: {وَعْد} : أي: مَوْْعُود، فهو مصدرٌ واقعٌ موقعَ مفعول، وتركه الزمخشري على حالِه، لكن بحذف مضاف، أي: وَعْدُ عقابِ أُوْلاهما. وقيل: الوَعْدُ بمعنى الوعيد. وقيل: بمعنى المَوْعِد الذي يُراد به الوقتَ. فهذه أربعةُ أوجهٍ. والضميرُ عائدٌ على المرتين.

قوله: «عِباداً» العامَّةُ على «عِباد» بزنة فِعال، وزيدُ بن علي والحسنُ «عبيداً» على فَعِيْل، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك.

قوله: «فجاسُوا» عطفٌ على «بَعَثْنا» ، أي: تَرَتَّب على بعثنا إياهم هذا. والجَوْسُ والجُوْس بفتحِ الجيمِ وضمِّها مصدرَ جاسَ يَجُوسُ، أي: فَتَّشَ ونقَّبَ، قاله أبو عبيد. وقال الفراء: «قَتَلُوا» قال حسان:

302 - 6- ومِنَّا الذي لاقى بسيفِ محمدٍ ... فجاسَ به الأعداءُ عَرْضَ العساكرِ

وقال أبو زيد: «الجُوسُ والجَوْسُ والحَوْسُ والهَوْسُ طَلَبُ الطَّوْف بالليل» . وقارب قطرب: «جاسُوا: نزلوا» . وأنشد:

302 - 7- فَجُسْنا ديارَهُمُ عَنْوَةً ... وأُبْنا بساداتِهم مُوْثَقِيْنا

وقيل: «جاسُوا بمعنى داسوا» ، وأنشد:

302 - 8- إليك جُسْنا الفِيلَ بالمَطِيِّ ... وقيل: الجَوْسُ: التردُّد. وقيل: طَلَبُ الشيءِ باستقصاء. ويقال: «حاسُوا» بالحاءِ المهملة، وبها قرأ طلحة وأبو السَِّمَّال، وقرئ «فَجَوَّسُوا» بالجيم بزنة نُكِّسُوا.

قوله: «خلالَ» العامَّةُ على «خِلال» وهو محتملٌ لوجهين، أحدهما: أنه جمعُ خَلَل كجِبال في جَبَل، وجِمال في جَمَل. والثاني: أنه اسمٌٌ مفردٌ بمعنى وَسْط، ويدلُّ له قراءةُ الحسن «خَلَلَ الدِّيار» . وقوله: «وكان وَعْداً» ، أي: وكان الجَوْسُ، أو وكان وَعْدُ أُوْلاهما، أو وكان وَعْدُ عقابِهم.

6

ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَٰكُم بِأَمْوَٰلٍۢ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَٰكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا

Then We gave back to you a return victory over them. And We reinforced you with wealth and sons and made you more numerous in manpower

قوله تعالى: {الكرة} : مفعولُ «رَدَدْنا» وهي في الأصلِ مصدرُ كَرَّ يَكُرُّ، أي: رَجَعَ، ثم يُعَبَّر بها عن الدَّوْلَةِ والقَهْر.

قوله «عليهم» يجوز تعلُّقه ب «رَدَدْنا» ، أو بنفس/ الكَرَّة، لأنه يُقال: كَرَّ عليه فتتعدَّى ب «على» ويجوز أن تتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنها حالٌ من «الكَرَّة» .

قوله: «نَفِيراً» منصوبٌ على التمييز، وفيه أوجهٌ، أحدها: أَنَّه فَعِيْل بمعنى فاعِل، أي: أكثر نافراً، أي: مَنْ يَنْفِرُ معكم. الثاني: أنه جمع نَفْرٍ نحو: عَبْد وعَبيد، قاله الزجاج، وهم الجماعة الصَّائِرون إلى الأعداء. الثالث: أنه مصدرٌ، أي: أكثرُ خروجاً إلى الغَزْو. قال الشاعر:

302 - 9- فَأَكْرِمْ بقَحْطانَ مِنْ والدٍ ... وحِمْيَرَ أكرِمْ بقومٍ نَفيرا

والمفضَّلُ عليه محذوفٌ، فقدَّره بعضُهم: أكثر نفيراً من أعدئكم، وقدَّره الزمخشري: أكثر نفيراً مِمَّا كنتم.

7

إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلْءَاخِرَةِ لِيَسُۥٓـُٔوا۟ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا۟ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَلِيُتَبِّرُوا۟ مَا عَلَوْا۟ تَتْبِيرًا

[And said], "If you do good, you do good for yourselves; and if you do evil, [you do it] to yourselves." Then when the final promise came, [We sent your enemies] to sadden your faces and to enter the temple in Jerusalem, as they entered it the first time, and to destroy what they had taken over with [total] destruction.

قوله تعالى: {فَلَهَا} : في اللامِ أوجهٌ: أحدُها: أنها بمعنى «على» ، أي فعليها كقوله:

303 - 0-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... فَخَرَّ صريعاً لليدينِ وللفمِ

أي: على اليدين. والثاني: أنها بمعنى إلى. قال الطبري: «أي/ فإليها تَرْجِعُ الإِساءةُ» . الثالث: أنها على بابها، وإنما أتى بها دونه «على» للمقابلة في قوله: «لأنفسِكم» فأتى بها ازْدِواجاً. وهذه اللامُ يجوز أن تتعلَّقَ بفعلٍ مقدرٍ كما تقدَّم في قولِ الطبريِّ، وإمَّا بمحذوفٍ على أنها خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ تقديرُه: فلها الإِساءةُ لا لغيرِها.

قوله: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة} ، أي: المرة الآخرة فَحُذِفَت «المرَّة» للدَّلالة عليها، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ تقديرُه: بَعَثْناهم.

وقوله: {لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ} متعلقٌ بهذا الجوابِ المقدرِ. وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر «لِيَسُوْءَ» بالياءِ المفتوحةِ وهمزةٍ مفتوحةٍ آخرَ الفعل. والفاعلُ: إمَّا اللهُ تعالى، وإمَّا الوعدُ، وإمَّا البعثُ، وإمَّا النفيرُ. والكسائيُّ «لِنَسُوءَ» بنونِ العظمة، أي: لِنَسُوءَ نحن، وهو موافِقٌ لِما قبلَه مِنْ قولِه «بَعَثْنا عباداً لنا» و «رَدَدْنا» و «أَمْدَدْنا» ، وما بعده من قوله: «عُدْنا» و «جَعَلْنا» .

وقرأ الباقون: «لِيَسُوْءُوا» مسنداً إلى ضميرِ الجمع العائد على العِباد، أو على النفير؛ لأنه اسمُ جمعٍ، وهو موافِقٌ لِما بعدَه من قوله {وَلِيَدْخُلُواْ المسجد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ} . وفي عَوْدِ الضمير على النفير نظرٌ؛ لأنَّ النفيرَ المذكورَ من المخاطبين، فكيف يُوصف ذلك النفيرُ بأنه يَسُوْء وجوهَهم؟ اللهم إلا أنْ يريدَ هذا القائلَ أنه عائدٌ على لفظِه دون معناه، من بابِ «عندي درهمٌ ونصفُه» .

وقرأ أُبَيٌّ «لِنَسُوْءَنْ» بلامِ الأمرِ ونونِ التوكيدِ الخفيفة ونونِ العظمة، وهذا جوابٌ ل «إذا» ، ولكن على حَذْفِ الفاء، أي «فَلِنَسُوْءَنْ، ودخلت لامُ الأمرِ على فعلِ المتكلمِ كقولِه تعالى: {وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} [العنكبوت: 12] .

وقرأ عليُّ بنُ أبي طالب» لَيَسُوْءَنَّ «و» وَلَنَسوْءَنَّ «بالياء أو النون التي للعظمةِ، ونونِ التوكيدِ الشديدة، واللامِ التي للقسَمِ. وفي مصحف اُبَيّ» لِيَسُوْءُ «بضمِّ الهمزة من غيرِ واوٍ، وهذه القراءةُ تشبه أَنْ تكونَ على لغةِ مَنْ يَجْتَزِئُ عن الواوِ بالضمة، كقوله:

303 - 1- فلوْ أنَّ الأطبَّا كانُ حولي ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

يريد:» كانوا «. وقولِ الآخر:

303 - 2- إذا ما الناسُ جاعُ وأَجْدَبُوا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

يريد» جاعُوا «، فكذا هذه القراءةُ، أي: لِيَسُوْءُوا، كما في القراءةِ الشهيرة، فَحَذَفَ الوَاو.

وقرئ» لِيَسْيء «بضمِّ الياءِ وكسرِ السينِ وياءٍ بعدها، أي: ليُقَبِّحَ اللهُ وجوهكم، أو ليقبِّح الوعدُ، أو البعثُ. وفي مصحفِ أنس» وَجْهَكم «بالإِفرادِ كقوله:

303 - 3- كُلوا في بعضِ بطنِكُمُ تَعِفُّوا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[وكقوله:]

303 - 4-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... في حَلْقِكم عَظْمٌ وقد شَجِيْنا

[وكقوله:]

303 - 5-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . وأمَّا جِلْدُها فَصَلِيْبُ

قوله: «ولِيَدْخُلُوا» مَنْ جَعَلَ الأولى لامَ «كي» كانت هذه أيضاً لامَ «كي» معطوفةً عليها، عَطْفَ علةٍ على أخرى، ومَنْ جَعَلَها لامَ أمرٍ كأُبَيِّ، أو لامَ قسمٍ كعليّ بن أبي طالب فاللامُ في «لِيَدْخُلوا» تحتمل وجهين: الأمرَ والتعليل، و {كَمَا دَخَلُوهُ} نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أو حالٌ من ضميره، كما يقول سيبويه، أي: دخولاً كما دخلوه. و {أَوَّلَ مَرَّةٍ} ظرفُ زمانٍ، وتقدَّم/ الكلامُ عليها في براءة.

[قوله:] {مَا عَلَوْاْ} يجوز في …

8

عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَٰفِرِينَ حَصِيرًا

[Then Allah said], "It is expected, [if you repent], that your Lord will have mercy upon you. But if you return [to sin], We will return [to punishment]. And We have made Hell, for the disbelievers, a prison-bed."

قوله تعالى: {حَصِيراً} : يجوزُ أَنْ يكونَ بمعنى فاعِل، اي: حاصرةً لهم، مُحيطةً بهم، وعلى هذا فكان ينبغي أن يؤنَّثَ بالتاء كخبيرة. وأُجيب: بأنَّها على النسَب، أي ذات حَصْرٍ كقولِه: {السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} [المزمل: 18] ، أي ذاتُ انفطارٍ. وقيل: الحَصِيْرُ: الحَبْسُ، قال لبيد:

303 - 7- ومَقامَةٍ غُلْبِ الرجالِ كأنَّهمْ ... جِنٌّ لدى بابِ الحصيرِ قيامُ

وقال أبو البقاء: «لم يؤنِّثْه لأنَّ فعيلاً بمعنى فاعِل» وهذا منه سهوٌ؛ لأنه يؤدِّ إلى أن تكونَ الصفةُ التي على فعيل إذا كانَتْ بمعنى فاعِل جاز حَذْفُ التاءِ منها، وليس كذلك لِما تقدَّم مِنْ أنَّ فعيلاً بمعنى فاعِل يَلْزَمُ تأنيثه، وبمعنى مَفْعول يجب تذكيرُه، وما جاء شاذَّاً مِنَ النوعين يُؤَوَّل. وقيل: إنما لم يُؤَنَّثْ لأنَّ تأنيث «جهنَّم» مجازيٌّ، وقيل: لأنها في معنى السِّجْن والمَحْبَس، وقيل: لأنها بمعنى فِرَاش.

9

إِنَّ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًۭا كَبِيرًۭا

Indeed, this Qur'an guides to that which is most suitable and gives good tidings to the believers who do righteous deeds that they will have a great reward.

قوله تعالى: {لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} : أي: للحالةِ أو للمِلَّة أو للطريقة. قال الزمخشري: «وأَيَّتَما قدَّرْتَ لم تَجِدْ مع الإِثباتِ ذَوْقَ البلاغةِ الذي تجده مع الحذف؛ لِما في إبهام الموصوفِ بحذفِه مِنْ فخامةٍ تُفْقَدُ مع إيضاحِه» .

10

وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا

And that those who do not believe in the Hereafter - We have prepared for them a painful punishment.

قوله تعالى: {وأَنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ} : فيه وجهان، أحدُهما: أن يكونَ عطفاً على «أنَّ» الأولى، أي: يُبَشِّرُ المؤمنين بشيئين: بأجرٍ كبيرٍ وبتعذيبِ أعدائهم، ولا شكَّ أنَّ ما يُصيبُ عَدُوَّك سُرورٌ لك. وقال الزمخشري: «ويُحتمل أن يكونَ المرادُ: ويُخبر بأنَّ الذين» .

قال الشيخ: «فلا يكونُ إذ ذاك داخلاً تحت البشارةِ» . قلتُ: قولُ الزمخشريِّ يَحْتمل أمرين، أحدُهما: أن يكونَ قولُه «ويُحتمل أن يكونَ المرادُ: ويُخْبِرُ بأنَّ» أنه من باب الحذف، أي: حَذَف «ويُخْبِرُ» وأبقى معموله، وعلى هذا فيكون «أنَّ الذين» غيرَ داخلٍ في حَيِّز البِشارة بلا شك، ويحتمل أن يكونَ قصدَه: أنه أُريد بالبِشارة مجرَّدُ الإِخبار سواءً كان بخيرٍ أم بِشَرّ، وهل هو فيهما حقيقةٌ أو في أحدِهما، وحينئذٍ يكون جمعاً بين الحقيقةِ والمجاز، أو استعمالاً للمشترك في معنييه، وفي المسألتين خلافٌ مشهور، وعلى هذا فلا يكون قولُه {وأَنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ} غيرَ داخلٍ في حَيِّز البِشارة، إلا أنَّ الظاهرَ مِنْ حالِ الزمخشري أنه لا يُجيز الجمعَ بين الحقيقةِ والمجازِ ولا استعمالَ المشتركِ في مَعْنَيَيْه.

Al-Israa 17:10Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.