Muslim99Muslim99
← Tafsir library

17. Al-Israa

The Night Journey · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ الإِسۡرَاءِ

Reading Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji

Ayahs 71–80 of 111

71

يَوْمَ نَدْعُوا۟ كُلَّ أُنَاسٍۭ بِإِمَٰمِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِىَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَٰبَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًۭا

[Mention, O Muhammad], the Day We will call forth every people with their record [of deeds]. Then whoever is given his record in his right hand - those will read their records, and injustice will not be done to them, [even] as much as a thread [inside the date seed].

(يوم) أي أذكر يوم (ندعو كل أناس بإمامهم) قال الزجاج: يعني يوم القيامة وقرئ يدعو بالتحتية، ويدعى على المجهول، والأناس فعال بضم الفاء ويجوز حذف الهمزة تخففاً على غير قياس فيبقى ناس ووزنه عال والباء للإلصاق كما تقول أدعوك باسمك.

ويجوز أن تكون متعلقة بمحذوف هو حال والتقدير ندعو كل أناس متلبسين بإمامهم أي يدعون وإمامهم فيهم نحو ركب الأمير بجنوده والأول أولى، والإمام في اللغة كل ما يؤتم به من نبي أو مقدم في الدين أو الكتاب.

وقد اختلف المفسرون في تعيين الإمام الذي يدعى كل أناس به فقال ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك: أنه كتاب كل إنسان الذي فيه عمله أي يدعى كل إنسان بكتاب عمله، ويؤيد هذا قوله (فأما من أوتي كتابه) الآية.

وقال ابن زيد: الإمام هو الكتاب المنزل عليهم فيدعى أهل التوراة بالتوراة وأهل الإنجيل بالإنجيل وأهل القرآن بالقرآن، فيقال: يا أهل التوراة يا أهل الإنجيل يا أهل القرآن.

وقال مجاهد وقتادة: إمامهم نبيهم. وعن أنس مثله فيقال: هاتوا متبعي إبراهيم هاتوا متبعي موسى هاتوا متبعي عيسى هاتوا متبعي محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم وبه قال الزجاج، وروي عن أبي هريرة مرفوعاً أيضاً فلينظر في سنده.

وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: المراد بالإمام إمام عصرهم فيدعى أهل كل عصر بإمامهم الذي كانوا يأتمرون بأمره وينتهون بنهيه. وقال الحسن وأبو هريرة وأبو العالية: المراد بإمامهم أعمالهم؛ فيقال مثلاً: أين المجاهدون أين الصابرون أين الصائمون أين المصلون ونحو ذلك.

وقال أبو عبيدة: المراد إمامهم صاحب مذهبهم، فيقال مثلاً: أين التابعون للعالم فلان بن فلان، وهذا من البعد بمكان، وأبعد منه ما قال محمد ابن كعب: بإمامهم بأمهاتهم، على أن إماماً جمع أم كخف وخفاف.

وأيضًا في هذا القول نظر فإن في الحديث الصحيح عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة رفع لكل غادر لواء، فيقال هذه غدرة فلان بن فلان " أخرجه البخاري ومسلم مسلم 1735 - البخاري 1505..

وهذا دليل على أن الناس يدعون بأسمائهم وأسماء آبائهم، ويرد على من قال إنما يدعون بأسماء آبائهم وبأسماء أمهاتهم لأن في ذلك ستراً على آبائهم، ولذا قال الزمخشري: ومن بدع التفاسير أن الإمام جمع أم وأنهم يدعون بأمهاتهم دون آبائهم، وأن الحكمة فيه رعاية حق عيسى وإظهار شرف الحسن والحسين وأن لا يفتضح أولاد الزنا.

قال القرطبي: قيل بمذاهبهم فيدعون بما كانوا يأتمون به في الدنيا ويقلدونه، فيقال يا حنفي، يا شافعي، يا معتزلي، يا قدري، ونحو ذلك. وهذا كالأول بل أبعد منه، وقيل كل خلق حسن يظهر من الإنسان كالعلم والكرم والشجاعة أو قبيح كأضدادها، فالداعي إلى تلك الأفعال خلق باطن هو كالإمام، ذكره الرازي في تفسيره. وعن ابن عباس قال: بإمامهم إمام هدى وإمام ضلالة، وعنه أيضاً بإمام زمانهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم وقيل بمعبودهم. وأخرج الترمذي وحسنه البزار وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أنه قال " يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه ويمد له في جسمه ستين ذراعاً ويبيض وجهه ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد فيقولون: اللهم ائتنا بهذا وبارك لنا في هذا حتى يأتيهم فيقول أبشروا لكل رجل منكم مثل هذا.

وأما الكافر فيسود وجهه ويمد له جسمه ستين ذراعاً على صورة آدم ويلبس تاجاً من نار فيراه أصحابه فيقولون نعوذ بالله من هذا أو من شر هذا، اللهم لا تأتنا بهذا. قال فيأتيهم فيقولون اللهم أخره، فيقول أبعدكم الله فإن لكلا رجل منكم مثل هذا " المستدرك كتاب التفسير 2/ 243. قال البزار بعد إخراجه لا يروى إلا من هذا الوجه.

(فمن أوتي كتابه بيمينه) من أولئك المدعوين وهم السعداء أولو البصائر وتخصيص اليمين بالذكر للتشريف والتبشير …

Al-Israa 17:71Listen in Qur'an →
72

وَمَن كَانَ فِى هَٰذِهِۦٓ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًۭا

And whoever is blind in this [life] will be blind in the Hereafter and more astray in way.

(ومن كان) من المدعوين (في هذه) الدنيا (أعمى) أي فاقد البصيرة وهو الذي يعطي كتابه بشماله بدلالة حال ما سبق من الفريق المقابل له، ولعل العدول عن ذكره بذلك العنوان مع أنه الذي يستدعيه حسن المقابلة حسبما هو الواقع في سورة الحاقة وسورة الانشقاق للإيذان بالعلة الموجبة له كما في قوله تعالى (وأما إن كان من المكذبين الضالين) الخ بعد قوله (وأما إن كان من أصحاب اليمين) وللرمز إلى علة حال الفريق الأول، وقد ذكر في أحد الجانبين المسبب وفي الآخر السبب، ودل بالمذكور في كل منهما على المتروك في الآخر تعويلاً على شهادة العقل كما في قوله (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله) ذكره أبو السعود. قال النيسابوري: لا خلاف أن المراد بهذا العمى، عمى القلب لا عمى البصر.

وأما قوله (فهو في الآخرة) التي لم تعاين ولم تر (أعمى) فيحتمل أن يراد به عمى البصر كقوله (ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً) وفي هذه زيادة العقوبة، ويحتمل أن يراد عمى القلب، وقيل المراد بالآخرة عمل الآخرة فهو في عمل الآخرة أو في أمرها أعمى؛ وقيل المراد من عمى عن النعم التي أنعم الله بها عليه في الدنيا فهو عن نعم الآخرة أعمى.

وقيل من كان في الدنيا التي تقبل فيها التوبة أعمى فهو في الآخرة التي لا توبة فيها أعمى.

وقيل من كان في الدنيا عن حجج الله أعمى فهو في الآخرة أعمى، وقد قيل أن قوله فهو في الآخرة أعمى أفعل تفضيل أي أشد عمى، وهذا مبني على أنه من عمى القلب إذ لا يقال ذلك في عمى العين.

قال الخليلي وسيبويه: لأنه خلقه بمنزلة اليد والرجل فلا يقال ما أعماه كما لا يقال ما أيداه.

وقال الأخفش: لا يقال فيه ذلك لأنه أكثر من ثلاثة أحرف، وقد حكى الفراء عن بعض العرب إنه سمعه يقول ما أسود شعره والبحث مستوفى في النجو (وأضل سبيلاً) من الأعمى لكونه لا يجد طريقاً إلى الهداية بخلاف الأعمى فإنه قد يهتدي في بعض الأحوال.

قال ابن عباس: من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرتي من خلق السماء والأرض والجبال والبحار والناس والدواب وأشباه ذلك فهو عما وصفت له في الآخرة ولم يره أعمى وأبعد حجة.

ثم لما عدد سبحانه في الآية المتقدمة أقسام النعم على بني آدم أردفه بما يجري مجرى التحذير من الاغترار بوساوس الأشقياء فقال

Al-Israa 17:72Listen in Qur'an →
73

وَإِن كَادُوا۟ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُۥ ۖ وَإِذًۭا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلًۭا

And indeed, they were about to tempt you away from that which We revealed to you in order to [make] you invent about Us something else; and then they would have taken you as a friend.

(وإن كادوا ليفتنونك) المعنى إن الشأن أنهم قد قاربوا أن يخدعوك فاتنين، وأصل الفتنة الاختبار، ومنه فتن الصائغ الذهب ثم استعمل في كل من أزال الشيء عن حده وجهته (عن الذي أوحينا إليك) من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد (لتفتري علينا غيره) أي لتتقوّل وتكذب علينا غير الذي أوحينا إليك مما اقترحه علينا كفار قريش ولم نقله.

وذلك لأن في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن وافتراء على الله سبحانه من تبديل الوعد بالوعيد وغير ذلك. وعن ابن عباس قال: أن أمية ابن خلف وأبا جهل بن هشام ورجالاً من قريش أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: تعال فتمسح آلهتنا وندخل معك في دينك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه فراق قومه ويحب إسلامهم فرقّ لهم، فأنزل الله هذه الآية، وعن جابر بن عبد الله مثله.

وعن سعيد بن جبير قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر فقالوا: لا ندعك تستلمه حتى تستلم بآلهتنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وما عليَّ لو فعلت والله يعلم مني خلافه " فأنزل لله (وإن كادوا ليفتنونك) الآية وعن ابن شهاب نحوه.

وعن جبير بن نفير أن قريشاً أتو النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن كنت أرسلت إلينا فاطرد الذين اتبعوك من سقاط الناس ومواليهم لنكون نحن أصحابك فركن إليهم، فأوحى الله إليه هذه الآية. وقال الجلال السيوطي وغيره إن ثقيفاً سألوه صلى الله عليه وسلم أن يحرم واديهم وألحوا عليه فنزلت هذه الآية:

(وإذن لاتخذوك خليلاً) أي لو اتبعت أهواءهم لوالوك ووافوك وصافوك مأخوذ من الخلة بفتح الخاء.

Al-Israa 17:73Listen in Qur'an →
74

وَلَوْلَآ أَن ثَبَّتْنَٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْـًۭٔا قَلِيلًا

And if We had not strengthened you, you would have almost inclined to them a little.

(ولولا أن ثبتناك) على الحق وعصمناك من موافقتهم (لقد كدت تركن إليهم) أي لقاربت أن تميل إليهم أدنى ميل والركون هو الميل اليسير، ولهذا قال (شيئاً قليلاً) لكن أدركته صلى الله عليه وسلم العصمة فمنعته من أن يقرب من أدنى مراتب الركون إليهم فضلاً عن نفس الركون، وهذا دليل على أنه صلى الله عليه وسلم ما همّ بإجابتهم، ذكر معناه القشيري وغيره والنظم صريح في أنه لم يركن أي باللازم ولا قارب أي بمنطوق التركيب.

وذلك لأن لولا حرف امتناع لوجود فالترتيب يدل على امتناع القرب من الركون وإذا امتنع القرب منه امتنع هو بالضرورة؛ وقيل المعنى وأن كادوا ليخبرون عنك بأنك ملت إلى قولهم فنسب فعلهم إليه مجازاً واتساعاً كما تقول للرجل كدت تقتل نفسك أي كاد الناس يقتلونك بسبب ما فعلت، ذكر معناه المهدوي، ثم توعده سبحانه في ذلك أشد الوعيد فقال:

Al-Israa 17:74Listen in Qur'an →
75

إِذًۭا لَّأَذَقْنَٰكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًۭا

Then [if you had], We would have made you taste double [punishment in] life and double [after] death. Then you would not find for yourself against Us a helper.

(إذاً) أي لو قاربت إن تركن إليهم (لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات) أي مثلي ما يعذب به غيرك ممن يفعل هذا الفعل في الدارين والمعنى عذاباً ضعفاً في الحياة وعذاباً ضعفاً في الممات أي مضاعفاً ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه وأضيفت وذلك لأن خطأ العظيم عظيم كما قال سبحانه (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين) وضعف الشيء مثلاه؛ وقد يكون الضعف النصيب كقوله لكل ضعف أي نصيب.

وقال الرازي: حاصل الكلام إنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك وعقدت على الركون همك لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا والآخرة ولصار عذابك مِثْلَي عذاب المشرك في الدنيا وَمِثْلَيْ عذابه في الآخرة (ثم لا تجدلك علينا نصيراً) ينصرك فيدفع عنك ويمنع منك هذا العذاب.

قال النيسابوري: اعلم أن القرب من الفتنة لا يدل على الوقوع فيها والتهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها فلا يلزم من الآية طعن في العصمة.

وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (77) أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80)

Al-Israa 17:75Listen in Qur'an →
76

وَإِن كَادُوا۟ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًۭا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَٰفَكَ إِلَّا قَلِيلًۭا

And indeed, they were about to drive you from the land to evict you therefrom. And then [when they do], they will not remain [there] after you, except for a little.

(وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها) الكلام في هذا كالكلام في إن كادوا ليفتنونك أي وإن الشأن أنهم قاربوا أن يزعجوك بعداوتهم ومكرهم من أرض مكة لتخرج عنها ولكنه لم يقع ذلك منهم بل منعهم الله عنه حتى هاجر بأمر ربه بعد أن هموا به والاستفزاز الإزعاج وقيل إنه أطلق الإخراج على إرادة الإخراج تجوزاً، قال سعيد بن جبير قال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت الأنبياء تسكن الشام فما لك وللمدينة فهم أن يشخص "، فأنزل الله وإن كادوا الآية.

(وإذن لا يلبثون خلافك) أي لا يبقون بعد إخراجك (إلا) لبثاً أو زمناً (قليلاً) حتى يهلكوا ثم يعاقبون عقوبة تستأصلهم جميعاً.

قال ابن عباس: يعني بالقليل يوم أخذهم ببدر فكان ذلك هو القليل الذي لبثوا بعده، قال ابن الأنباري خلافك بمعنى مخالفتك.

وقال قتادة همَّ أهل مكة بإخراج النبي صلى الله عليه وسلم منها وقد فعلوا بعد ذلك فأهلكهم الله يوم بدر ولم يلبثوا بعده إلا قليلاً وكذلك كانت سنة الله في الرسل إذ فعل بهم قومهم مثل ذلك.

Al-Israa 17:76Listen in Qur'an →
77

سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا ۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا

[That is Our] established way for those We had sent before you of Our messengers; and you will not find in Our way any alteration.

(سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا) أي سن الله سنة، قال الفراء: أي يعذبون كسنة من قد أرسلنا، وقيل المعنى سنتنا سنة من قد أرسلنا، وقيل اتبع أنت سنة من، وقال الزجاج: يقول إن سنتنا هذه السنة فيمن أرسلنا قبلك إليهم أنهم إذا أخرجوا نبيهم من بين أظهرهم أو قتلوه أن ينزل العذاب بهم (ولا تجد لسنتنا تحويلاً) أي ما أجرى الله به العادة لم يتمكن من تحويله ولا يقدر على تغييره.

ولما ذكر سبحانه الإلهيات والمعاد والجزاء أردفها بذكر أشرف الطاعات وهي الصلاة فقال

Al-Israa 17:77Listen in Qur'an →
78

أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًۭا

Establish prayer at the decline of the sun [from its meridian] until the darkness of the night and [also] the Qur'an of dawn. Indeed, the recitation of dawn is ever witnessed.

(أقم الصلاة لدلوك الشمس) أجمع المفسرون على أن المراد بها الصلوات المفروضة، وقد اختلف العلماء في الدلوك على قولين: أحدهما: أنه زوال الشمس عن كبد السماء قاله عمر وابنه وأبو هريرة وابن عباس وجابر والحسن والشعبي وعطاء ومجاهد وقتادة والضحاك وأبو جعفر الباقر وأكثر التابعين واختاره ابن جرير.

والقول الثاني: أنه غروب الشمس قاله عليّ وابن مسعود وأبي بن كعب، وروي عن ابن عباس؛ وبه قال النخعي ومقاتل والسدي، قال الفراء: دلوك الشمس من لدن زوالها إلى غروبها، قال الأزهري: معنى الدلوك في كلام العرب الزوال ولذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار دالكة وقيل لها إذا أفلت دالكة لأنها في الحالتين زائلة قال: والقول عندي أنه زوالها نصف النهار لتكون الآية جامعة للصلوات الخمس.

وأصل هذه المادة أي ما تركب من الدال واللام والكاف يدل على التحول والانتقال ومنه الدلك فإن الدلاك لا تستقر يده ومنه دلوك الشمس ففي الزوال انتقال من وسط السماء إلى ما يليه وكذا كل ما تركب من الدال واللام بقطع النظر عن آخره يدل على ذلك كدلج بالجيم من الدلجة وهي سير الليل والانتقال فيه من مكان إلى مكان آخر ودلح بالحاء المهملة إذا مشى مشياً متثاقلاً ودلع بالعين المهملة إذا أخرج لسانه ودلف بالفاء إذا مشى مشي المقيد أو بالقاف لإخراج الماء من مقره ودله إذا ذهب عقله ففيه انتقال معنوي.

وقال أبو عبيد: دلوكها غروبها ودلكت براح أي غابت وبراح اسم من اسماء الشمس على وزن حذام وقطام وعن ابن عمر قال: دلوك الشمس زياغها بعد نصف النهار، وعن ابن عباس قال: إذا فاء الفيء، وعن عقبة ابن عمرو مرفوعاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر " الحديث أخرجه ابن جرير وعن أبي برزة الأسلمي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر إذا زالت الشمس ثم تلا (أقم الصلاة لدلوك الشمس).

والحاصل أن اللفظ يجمعهما لأن أصل الدلوك الميل والشمس تميل إذا زالت وإذا غربت والحمل على الزوال أولى القولين لكثرة القائلين به، واذا حملناه عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها كما ذكروا وعلى الثاني يخرج الظهر والعصر وفي هذه اللام وجهان:

أحدهما: أنها بمعنى بعد ومثله قولهم كتبته لثلاث خلون.

والثاني: أنها على بابها أي لأجل دلوك، قال الواحدي: لأنها إنما تجب بزوال الشمس وفيه ثلاثة أقوال أشهرها أنه الزوال وهو نصف النهار، والثاني أنه من الزوال إلى الغروب، والثالث أنه الغروب.

(إلى غسق الليل) أي اجتماع الظلمة قاله ابن عباس، وقال الفراء والزجاج: يقال غسق الليل وأغسق إذا أقبل بظلامه، وقيل مغيب الشفق وهذا يتناول المغرب والعشاء والجاري متعلق بأقم لانتهاء غاية الإقامة أو أقمها ممدودة إليه قاله أبو البقاء وفيه نظر من حيث أنه قدر المتعلق كوناً مقيداً إلا أن يريد تفسير المعنى لا الإعراب.

والغسق دخول أول الليل قاله ابن شميل وقيل هو سواد الليل وظلمته وأصله من السيلان يقال غسقت العين أي سأل دمعها فكأن الظلمة تنصب على العالم وتسيل عليهم ويقال غسق الجرح امتلأ دماً فكأن الظلمة ملأت الوجود، والمراد في قوله من شر غاسق القمر إذا كسف واسود.

وقيل الليل والغساق بالتخفيف والتشديد ما يسيل من صديد أهل النار ويقال غسق الليل واغسق وظلم وأظلم ودجا وأدجى وغبش وأغبش نقله الفراء قاله السمين وقد استدل بهذه الغاية من قال إن صلاة الظهر يتمادى وقتها من الزوال إلى الغروب روى ذلك عن الأوزاعي وأبي حنيفة وجوزه مالك والشافعي في حال الضرورة.

وقد وردت الأحاديث الصحيحة المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعيين أوقات الصلوات فيجب حمل مجمل هذه الآية على ما بينته السنة فلا نطيل بذكر ذلك، ومعنى الآية أقم الصلاة من وقت دلوك الشمس إلى غسق الليل فيدخل فيها الظهر والعصر وصلاتا غسق الليل وهما العشاآن.

ثم قال (وقرآن الفجر) عطف على الصلاة …

Al-Israa 17:78Listen in Qur'an →
79

وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِۦ نَافِلَةًۭ لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًۭا مَّحْمُودًۭا

And from [part of] the night, pray with it as additional [worship] for you; it is expected that your Lord will resurrect you to a praised station.

(ومن الليل فتهجد به) في (من) وجهان أحدهما: أنها متعلقة بتهجد أي تهجد بالقرآن بعض الليل. والثاني: أنها متعلقة بمحذوف أي قم بعد نومك نومة من الليل أو اسهر من الليل ذكرهما الخوفي ومن للتبعيض أي قم بعض الليل والضمير المجرور راجع إلى القرآن من حيث هو لا يقيد إضافته إلى الفجر ففي الكلام استخدام، وقيل التقدير بذلك الوقت والباء بمعنى في، قاله السمين ولو قال من بمعنى في لكان أوضح وما قيل من أنه منتصب على الإغراء والتقدير وعليك بعض الليل فبعيد جداً.

والتهجد مأخوذ من الهجود، وقال أبو عبيدة وابن الأعرابي: هو من الأضداد لأنه يقال هجد الرجل إذا نام وهجد إذا سهر؛ وقال الأزهري: الهجود في الأصل هو النوم بالليل ولكن التفعل فيه لأجل التجنب ومنه تأثم وتحرج أي تجنب الإثم والحرج فالمتهجد من تجنب الهجود فقام بالليل، وروي عنه أيضا المتهجد القائم إلى الصلاة من الليل هكذا حكى عنه الواحدي فقيد التهجد بالقيام من النوم وهكذا قال مجاهد وعلقمة والأسود فقالوا: التهجد بعد النوم، قال الليث: يقال تهجد إذا استيقظ للصلاة.

(نافلة لك) معناها في اللغة الزيادة على الأصل، فالمعنى إنها للنبي صلى الله عليه وسلم نافلة زائدة على الفرائض، والأمر بالتهجد وإن كان ظاهره الوجوب لكن التصريح بكونه نافلة قرينة صارفة للأمر.

وقيل المراد بالنافلة هنا إنها فريضة زائدة على الفرائض الخمس في حقه صلى الله عليه وسلم، ويدفع ذلك التصريح بلفظ النافلة، وقيل كانت صلاة الليل فريضة في حقه صلى الله عليه وسلم ثم نسخ الوجوب فصار قيام الليل تطوعاً وعلى هذا يحمل ما ورد في الحديث أنها عليه فريضة ولأمته تطوع.

قال الواحدي: إن صلاة الليل كانت زيادة للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة لرفع الدرجات لا للكفارات، لأنه قد غفر له من ذنبه ما تقدم وما تأخر، وليس لنا بنافلة لكثرة ذنوبنا إنما نعمل لكفارتها. قال: وهو قول جميع المفسرين.

والحاصل أن الخطاب في هذه الآية وإن كان خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم في قوله أقم الصلاة فالأمر له أمر لأمته، فهو شرع عام، ومن ذلك الترغيب في صلاة الليل فإنه يعم جميع الأمة والتصريح بكونه نافلة يدل على عدم الوجوب، فالتهجد من الليل مندوب إليه ومشروع لكل مكلف.

وأخرج البيهقي في سننه والطبراني في الأوسط عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاث هن علي فرائض وهن لكم سنة: الوتر والسواك وقيام الليل ".

ثم وعد سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم على إقامة الفرائض والنوافل فقال (عسى أن يبعثك ربك) قد ذكرنا في مواضع أن عسى من الكريم أطماع واجب الوقوع (مقاماً محموداً) نصب على الظرفية أي يبعثك فيقيمك في الآخرة مقاماً محموداً، ويجوز أن يكون حالاً بتقدير مضاف أي ذا مقام محمود، ومعنى كون المقام محموداً أنه يحمده كل من علم به.

وقد اختلف في تعيين هذا المقام على أقوال:

الأول: أنه المقام الذي يقومه النبي صلى الله عليه وسلم للشفاعة يوم القيامة للناس ليريحهم ربهم سبحانه مما هم فيه وهذا القول هو الذي دلت عليه الأدلة الصحيحة في تفسير الآية، وحكاه ابن جرير عن أكثر أهل التأويل. قال الواحدي: وإجماع المفسرين على أن المقام المحمود هو مقام الشفاعة في فصل القضاء.

القول الثاني: إن المقام المحمود إعطاء للنبي صلى الله عليه وسلم لواء الحمد يوم القيامة، ويمكن أن يقال أن هذا لا ينافي القول الأول إذ لا منافاة بين كونه قائماً مقام الشفاعة وبيده لواء الحمد.

الثالث: إن المقام المحمود هو أن الله سبحانه يجلس محمداً صلى الله عليه وسلم معه على كرسيه، حكاه ابن جرير عن فرقة منهم مجاهد، وقد ورد في ذلك حديث وحكى النقاش عن أبي داود السجستاني أنه قال: من أنكر هذا الحديث فهو عندنا متهم، ما زال أهل العلم يتحدثون بهذا الحديث.

قال ابن عبد البر: مجاهد وإن كان أحد الأئمة بالتأويل فإن له قولين مهجورين عند أهل العلم: أحدهما: هذا والثاني: في تأويل …

Al-Israa 17:79Listen in Qur'an →
80

وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍۢ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍۢ وَٱجْعَل لِّى مِن لَّدُنكَ سُلْطَٰنًۭا نَّصِيرًۭا

And say, "My Lord, cause me to enter a sound entrance and to exit a sound exit and grant me from Yourself a supporting authority."

(وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق) قرئ بضم الميمين وبفتحهما وهما مصدران بمعنى الإدخال والإخراج فهما كالمجرى والمرسى والإضافة إلى الصدق لأجل المبالغة نحو حاتم الجواد، أي إدخالاً يستأهل أن يسمى إدخالاً ولا يرى فيه ما يكره. وقال الواحدي: إضافتهما إلى الصدق مدح لهما وكل شيء أضفته إلى الصدق فهو مدح.

وقد اختلف المفسرون في معنى الآية، فقيل نزلت حين أمر صلى الله عليه وسلم بالهجرة يريد إدخال المدينة والإخراج من مكة، واختاره ابن جرير، وهذا يقتضي أن الآية مكيّة مع أنها آخر الثمان المدنيات، لكن البيضاوي مشى على أن السورة كلها مكيّة. وحكى الاستثناء الذي ذكره الجلال بقيل، وعليه فلا إشكال ومن المعلوم أن إدخاله المدينة بعد إخراجه من مكة وإنما قدمه عليه إهتماماً بشأنه ولأنه هو المقصود.

وقيل المعنى أمتني إماتة صدق وابعثني يوم القيامة مبعث صدق، وقيل المعنى أدخلني فيما أمرتني به وأخرجني مما نهيتني عنه. وقيل إدخاله موضع الأمن وإخراجه من بين المشركين، وهو كالقول الأول، وقيل المراد إدخال عز وإخراج نصر.

وقيل أدخلني في الأمر الذي كرّمتني به من النبوة مدخل صدق وأخرجني منه إذا أمتني مخرج صدق؛ وقيل أدخلني القبر عند الموت مدخل صدق وأخرجني منه عند البعث مخرج صدق، وقيل أدخلني حيثما أدخلتني بالصدق وأخرجني بالصدق، وقيل الآية عامة في كل ما تتناوله من الأمور فهي دعاء ومعناها رب أصلح لي وردي في كل الأمور وصدي عنها.

(واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً) أي حجة ظاهرة قاهرة تنصرني بها على جميع ما خالفني، وقيل اجعل لي من لدنك ملكاً وعزاً قوياً أقيم به دينك وكأنه صلى الله عليه وآله وسلم علم أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان فسأل سلطاناً نصيراً، وبه قال الحسن وقتادة واختاره ابن جرير.

وقال ابن كثير: هو الأرجح لأنه لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه ولهذا يقول تعالى (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب).

وفي الأثر أن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن أي ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام ما لا يمنع كثيراً من الناس بالقرآن وما فيه من الوعيد الشديد والتهديد الأكيد وهذا هو الواقع انتهى.

وقيل وعده الله لينزعن ملك فارس والروم وغيرهما فيجعله له وأجاب دعاءه فقال له والله يعصمك من الناس؛ وقال: ليظهره على الدين كله، وقال: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض. الآية وقد كان كما وعد ولله الحمد.

وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (83) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (84) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86)

Al-Israa 17:80Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.