Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 71–80 of 128

71

وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلرِّزْقِ ۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا۟ بِرَآدِّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ

And Allah has favored some of you over others in provision. But those who were favored would not hand over their provision to those whom their right hands possess so they would be equal to them therein. Then is it the favor of Allah they reject?

﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ﴾ فَمِنكم غَنِيٌّ ومِنكم فَقِيرٌ، ومِنكم مَوالٍ يَتَوَلَّوْنَ رِزْقَهم ورِزْقَ غَيْرِهِمْ ومِنكم مَمالِيكُ حالُهم عَلى خِلافِ ذَلِكَ. ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ﴾ بِمُعْطِي رِزْقِهِمْ. ﴿عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ عَلى مَمالِيكِهِمْ فَإنَّ ما يَرُدُّونَ عَلَيْهِمْ رِزْقَهُمُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ في أيْدِيهِمْ. ﴿فَهم فِيهِ سَواءٌ﴾ فالمَوالِي والمَمالِيكُ سَواءٌ في أنَّ اللَّهَ رَزَقَهم، فالجُمْلَةُ لازِمَةٌ لِلْجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ أوْ مُقَرِّرَةٌ لَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ واقِعَةً مَوْقِعَ الجَوابِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَيَسْتَوُوا في الرِّزْقِ، عَلى أنَّهُ رَدٌّ وإنْكارٌ عَلى المُشْرِكِينَ فَإنَّهم يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ في الأُلُوهِيَّةِ ولا يَرْضَوْنَ أنْ يُشارِكَهم عَبِيدُهم فِيما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَيُساوِرُهم فِيهِ. ﴿أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ حَيْثُ يَتَّخِذُونَ لَهُ شُرَكاءَ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يُضافَ إلَيْهِمْ بَعْضُ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ويَجْحَدُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، أوْ حَيْثُ أنْكَرُوا أمْثالَ هَذِهِ الحُجَجِ بَعْدَ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِإيضاحِها، والباءُ لِتَضَمُّنِ الجُحُودِ مَعْنى الكُفْرِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ « تَجْحَدُونَ» بِالتّاءِ لِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ و ﴿فَضَّلَ بَعْضَكُمْ﴾ .

72

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًۭا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةًۭ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ ۚ أَفَبِٱلْبَٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ

And Allah has made for you from yourselves mates and has made for you from your mates sons and grandchildren and has provided for you from the good things. Then in falsehood do they believe and in the favor of Allah they disbelieve?

﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ أيْ مِن جِنْسِكم لِتَأْنَسُوا بِها ولِتَكُونَ أوْلادُكم مِثْلَكم. وقِيلَ هو خَلْقُ حَوّاءَ مِن آدَمَ. ﴿وَجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً﴾ وأوْلادَ أوْلادٍ أوْ بَناتٍ، فَإنَّ الحافِدَ هو المُسْرِعُ في الخِدْمَةِ والبَناتُ يَخْدِمْنَ في البُيُوتِ أتَمَّ خِدْمَةٍ. وقِيلَ هُمُ الأُخْتانِ عَلى البَناتِ. وقِيلَ الرَّبائِبُ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها البَنُونَ أنْفُسُهم والعَطْفُ لِتَغايُرِ الوَصْفَيْنِ. ﴿وَرَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ مِنَ اللَّذائِذِ أوِ الحَلالاتِ و ﴿مِن﴾ لِلتَّبْعِيضِ فَإنَّ المَرْزُوقَ في الدُّنْيا أُنْمُوذَجٌ مِنها. ﴿أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو أنَّ الأصْنامَ تَنْفَعُهم، أوْ أنَّ مِنَ الطَّيِّباتِ ما يَحْرُمُ كالبَحائِرِ والسَّوائِبِ. ﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هم يَكْفُرُونَ﴾ حَيْثُ أضافُوا نِعَمَهُ إلى الأصْنامِ، أوْ حَرَّمُوا ما أحَلَّ اللَّهُ لَهم، وتَقْدِيمُ الصِّلَةِ عَلى الفِعْلِ إمّا لِلِاهْتِمامِ أوْ لِإيهامِ التَّخْصِيصِ مُبالَغَةً، أوْ لِلْمُحافَظَةِ عَلى الفَواصِلِ.

73

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًۭا مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ شَيْـًۭٔا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ

And they worship besides Allah that which does not possess for them [the power of] provision from the heavens and the earth at all, and [in fact], they are unable.

﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا﴾ مِن مَطَرٍ ونَباتٍ، و ﴿رِزْقًا﴾ إنْ جَعَلْتَهُ مَصْدَرًا فَشَيْئًا مَنصُوبٌ بِهِ وإلّا فَبَدَلٌ مِنهُ. ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أنْ يَتَمَلَّكُوهُ أوْ لا اسْتِطاعَةَ لَهم أصْلًا، وجَمْعُ الضَّمِيرِ فِيهِ وتَوْحِيدُهُ في ﴿لا يَمْلِكُ﴾ لِأنَّ ﴿ما﴾ مُفْرَدٌ في مَعْنى الألِهَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الكُفّارِ أيْ ولا يَسْتَطِيعُ هَؤُلاءِ مَعَ أنَّهم أحْياءٌ مُتَصَرِّفُونَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَكَيْفَ بِالجَمادِ.

74

فَلَا تَضْرِبُوا۟ لِلَّهِ ٱلْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

So do not assert similarities to Allah. Indeed, Allah knows and you do not know.

﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ فَلا تَجْعَلُوا لَهُ مَثَلًا تُشْرِكُونَهُ بِهِ، أوْ تَقِيسُونَهُ عَلَيْهِ فَإنَّ ضَرْبَ المَثَلِ تَشْبِيهُ حالٍ بِحالٍ. ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ فَسادَ ما تُعَوِّلُونَ عَلَيْهِ مِنَ القِياسِ عَلى أنَّ عِبادَةَ عَبِيدِ المَلِكِ أُدْخِلَ في التَّعْظِيمِ مِن عِبادَتِهِ وعَظُمَ جُرْمُكم فِيما تَفْعَلُونَ. ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ ولَوْ عَلِمْتُمُوهُ لَما جَرَأْتُمْ عَلَيْهِ فَهو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، أوْ أنَّهُ يَعْلَمُ كُنْهَ الأشْياءِ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَهُ فَدَعُوا رَأْيَكم دُونَ نَصِّهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ فَإنَّهُ يَعْلَمُ كَيْفَ تُضْرَبُ الأمْثالُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. ثُمَّ عَلَّمَهم كَيْفَ يُضْرَبُ فَضَرَبَ مَثَلًا لِنَفْسِهِ ولِمَن عُبِدَ دُونَهُ فَقالَ:

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ مَثَّلَ ما يُشْرَكُ بِهِ بِالمَمْلُوكِ العاجِزِ عَنِ التَّصَرُّفِ رَأْسًا ومَثَّلَ نَفْسَهُ بِالحُرِّ المالِكِ الَّذِي رَزَقَهُ اللَّهُ مالًا كَثِيرًا فَهو يَتَصَرَّفُ فِيهِ ويُنْفِقُ مِنهُ كَيْفَ يَشاءُ، واحْتَجَّ بِامْتِناعِ الِاشْتِراكِ والتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما مَعَ تَشارُكِهِما في الجِنْسِيَّةِ والمَخْلُوقِيَّةِ عَلى امْتِناعِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الأصْنامِ الَّتِي هي أعْجَزُ المَخْلُوقاتِ وبَيْنَ اللَّهِ الغَنِيِّ القادِرِ عَلى الإطْلاقِ.

وَقِيلَ هو تَمْثِيلٌ لِلْكافِرِ المَخْذُولِ والمُؤْمِنِ المُوَفَّقِ، وتَقْيِيدُ العَبْدِ بِالمَمْلُوكِيَّةِ لِلتَّمْيِيزِ عَنِ الحَرِّ فَإنَّهُ أيْضًا عَبْدُ اللَّهِ وبِسَلْبِ القُدْرَةِ لِلتَّمْيِيزِ عَنِ المَكاتَبِ والمَأْذُونِ وجَعْلُهُ قَسِيمًا لِلْمالِكِ المُتَصَرِّفِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَمْلُوكَ لا يَمْلِكُ، والأظْهَرُ أنَّ (مَن) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ لِيُطابِقَ عَبْدًا، وجَمْعُ الضَّمِيرِ في ﴿يَسْتَوُونَ﴾ لِأنَّهُ لِلْجِنْسَيْنِ فَإنَّ المَعْنى هَلْ يَسْتَوِي الأحْرارُ والعَبِيدُ ؟ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ كُلُّ الحَمْدِ لَهُ، لا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ فَضْلًا عَنِ العِبادَةِ لِأنَّهُ مَوْلى النِّعَمِ كُلِّها. ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ فَيُضِيفُونَ نِعْمَةً إلى غَيْرِهِ ويَعْبُدُونَهُ لِأجْلِها.

75

۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبْدًۭا مَّمْلُوكًۭا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَمَن رَّزَقْنَٰهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًۭا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّۭا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُۥنَ ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

Allah presents an example: a slave [who is] owned and unable to do a thing and he to whom We have provided from Us good provision, so he spends from it secretly and publicly. Can they be equal? Praise to Allah! But most of them do not know.

﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ فَلا تَجْعَلُوا لَهُ مَثَلًا تُشْرِكُونَهُ بِهِ، أوْ تَقِيسُونَهُ عَلَيْهِ فَإنَّ ضَرْبَ المَثَلِ تَشْبِيهُ حالٍ بِحالٍ. ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ فَسادَ ما تُعَوِّلُونَ عَلَيْهِ مِنَ القِياسِ عَلى أنَّ عِبادَةَ عَبِيدِ المَلِكِ أُدْخِلَ في التَّعْظِيمِ مِن عِبادَتِهِ وعَظُمَ جُرْمُكم فِيما تَفْعَلُونَ. ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ ولَوْ عَلِمْتُمُوهُ لَما جَرَأْتُمْ عَلَيْهِ فَهو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، أوْ أنَّهُ يَعْلَمُ كُنْهَ الأشْياءِ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَهُ فَدَعُوا رَأْيَكم دُونَ نَصِّهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ فَإنَّهُ يَعْلَمُ كَيْفَ تُضْرَبُ الأمْثالُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. ثُمَّ عَلَّمَهم كَيْفَ يُضْرَبُ فَضَرَبَ مَثَلًا لِنَفْسِهِ ولِمَن عُبِدَ دُونَهُ فَقالَ:

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ مَثَّلَ ما يُشْرَكُ بِهِ بِالمَمْلُوكِ العاجِزِ عَنِ التَّصَرُّفِ رَأْسًا ومَثَّلَ نَفْسَهُ بِالحُرِّ المالِكِ الَّذِي رَزَقَهُ اللَّهُ مالًا كَثِيرًا فَهو يَتَصَرَّفُ فِيهِ ويُنْفِقُ مِنهُ كَيْفَ يَشاءُ، واحْتَجَّ بِامْتِناعِ الِاشْتِراكِ والتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما مَعَ تَشارُكِهِما في الجِنْسِيَّةِ والمَخْلُوقِيَّةِ عَلى امْتِناعِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الأصْنامِ الَّتِي هي أعْجَزُ المَخْلُوقاتِ وبَيْنَ اللَّهِ الغَنِيِّ القادِرِ عَلى الإطْلاقِ.

وَقِيلَ هو تَمْثِيلٌ لِلْكافِرِ المَخْذُولِ والمُؤْمِنِ المُوَفَّقِ، وتَقْيِيدُ العَبْدِ بِالمَمْلُوكِيَّةِ لِلتَّمْيِيزِ عَنِ الحَرِّ فَإنَّهُ أيْضًا عَبْدُ اللَّهِ وبِسَلْبِ القُدْرَةِ لِلتَّمْيِيزِ عَنِ المَكاتَبِ والمَأْذُونِ وجَعْلُهُ قَسِيمًا لِلْمالِكِ المُتَصَرِّفِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَمْلُوكَ لا يَمْلِكُ، والأظْهَرُ أنَّ (مَن) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ لِيُطابِقَ عَبْدًا، وجَمْعُ الضَّمِيرِ في ﴿يَسْتَوُونَ﴾ لِأنَّهُ لِلْجِنْسَيْنِ فَإنَّ المَعْنى هَلْ يَسْتَوِي الأحْرارُ والعَبِيدُ ؟ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ كُلُّ الحَمْدِ لَهُ، لا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ فَضْلًا عَنِ العِبادَةِ لِأنَّهُ مَوْلى النِّعَمِ كُلِّها. ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ فَيُضِيفُونَ نِعْمَةً إلى غَيْرِهِ ويَعْبُدُونَهُ لِأجْلِها.

76

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَىٰهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

And Allah presents an example of two men, one of them dumb and unable to do a thing, while he is a burden to his guardian. Wherever he directs him, he brings no good. Is he equal to one who commands justice, while he is on a straight path?

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ﴾ ولِدَ أخْرَسَ لا يُفْهَمُ ولا يُفْهِمُ. ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ مِنَ الصَّنائِعِ والتَّدابِيرِ لِنُقْصانِ عَقْلِهِ. ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ﴾ عِيالٌ وثِقْلٌ عَلى مَن يَلِي أمْرَهُ. ﴿أيْنَما يُوَجِّهْهُ﴾ حَيْثُما يُرْسِلْهُ مَوْلاهُ في أمْرٍ، وقُرِئَ « يُوَجَّهُ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ و « يُوَجِّهْ» بِمَعْنى يَتَوَجَّهُ كَقَوْلِهِ أيْنَما أُوَجِّهْ ألْقَ سَعْدًا « وتَوَجَّهَ» بِلَفْظِ الماضِي. ﴿لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ بِنُجْحٍ وكِفايَةِ مُهِمٍّ. ﴿هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ ومَن هو فَهْمٌ مِنطِيقٌ ذُو كِفايَةٍ ورُشْدٍ يَنْفَعُ النّاسَ بِحَثِّهِمْ عَلى العَدْلِ الشّامِلِ لِمَجامِعِ الفَضائِلِ. ﴿وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو في نَفْسِهِ عَلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ لا يَتَوَجَّهُ إلى مَطْلَبٍ إلّا ويَبْلُغُهُ بِأقْرَبِ سَعْيٍ، وإنَّما قابَلَ تِلْكَ الصِّفاتِ بِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ لِأنَّهُما كَمالُ ما يُقابِلُهُما، وهَذا تَمْثِيلٌ ثانٍ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِنَفْسِهِ ولِلْأصْنامِ لِإبْطالِ المُشارَكَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَها أوْ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ.

77

وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

And to Allah belongs the unseen [aspects] of the heavens and the earth. And the command for the Hour is not but as a glance of the eye or even nearer. Indeed, Allah is over all things competent.

﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَخْتَصُّ بِهِ عِلْمُهُ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، وهو ما غابَ فِيهِما عَنِ العِبادِ بِأنْ لَمْ يَكُنْ مَحْسُوسًا ولَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ مَحْسُوسٌ. وقِيلَ يَوْمَ القِيامَةِ فَإنَّ عِلْمَهُ غائِبٌ عَنْ أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ. ﴿وَما أمْرُ السّاعَةِ﴾ وما أمْرُ قِيامِ السّاعَةِ في سُرْعَتِهِ وسُهُولَتِهِ. ﴿إلا كَلَمْحِ البَصَرِ﴾ إلّا كَرَجْعِ الطَّرْفِ مِن أعْلى الحَدَقَةِ إلى أسْفَلِها. ﴿أوْ هو أقْرَبُ﴾ أوْ أمْرُها أقْرَبُ مِنهُ بِأنْ يَكُونَ في زَمانِ نِصْفِ تِلْكَ الحَرَكَةِ بَلْ في الآنِ الَّذِي تَبْتَدِئُ فِيهِ، فَإنَّهُ تَعالى يُحْيِي الخَلائِقَ دُفْعَةً وما يُوجَدُ دُفْعَةٌ كانَ في آنٍ، و ﴿أوْ﴾ لِلتَّخْيِيرِ أوْ بِمَعْنى بَلْ. وقِيلَ مَعْناهُ أنَّ قِيامَ السّاعَةِ وإنْ تَراخى فَهو عِنْدَ اللَّهِ كالشَّيْءِ الَّذِي تَقُولُونَ فِيهِ هو كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ مُبالَغَةً في اسْتِقْرابِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ أنْ يُحْيِيَ الخَلائِقَ دُفْعَةً كَما قَدَرَ أنْ أحْياهم مُتَدَرِّجًا، ثُمَّ دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ وقَرَأ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ لُغَةٌ أوْ إتْباعٌ لِما قَبْلَها، وحَمْزَةُ بِكَسْرِها وكَسْرِ المِيمِ والهاءُ مَزِيدَةٌ مِثْلُها في أهْراقَ. ﴿لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ جُهّالًا مُسْتَصْحِبِينَ جَهْلَ الجَمادِيَّةِ. ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ أداةً تَتَعَلَّمُونَ بِها فَتُحِسُّونَ بِمَشاعِرِكم جُزْئِيّاتِ الأشْياءِ فَتُدْرِكُونَها ثُمَّ تَتَنَبَّهُونَ بِقُلُوبِكم لِمُشارَكاتٍ ومُبايَناتٍ بَيْنَها بِتَكَرُّرِ الإحْساسِ حَتّى تَتَحَصَّلَ لَكُمُ العُلُومُ البَدِيهِيَّةُ، وتَتَمَكَّنُوا مِن تَحْصِيلِ المَعالِمِ الكَسْبِيَّةِ بِالنَّظَرِ فِيها. ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ كَيْ تَعْرِفُوا ما أنْعَمَ عَلَيْكم طَوْرًا بَعْدَ طَوْرٍ فَتَشْكُرُوهُ.

78

وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْـًۭٔا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

And Allah has extracted you from the wombs of your mothers not knowing a thing, and He made for you hearing and vision and intellect that perhaps you would be grateful.

﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَخْتَصُّ بِهِ عِلْمُهُ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، وهو ما غابَ فِيهِما عَنِ العِبادِ بِأنْ لَمْ يَكُنْ مَحْسُوسًا ولَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ مَحْسُوسٌ. وقِيلَ يَوْمَ القِيامَةِ فَإنَّ عِلْمَهُ غائِبٌ عَنْ أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ. ﴿وَما أمْرُ السّاعَةِ﴾ وما أمْرُ قِيامِ السّاعَةِ في سُرْعَتِهِ وسُهُولَتِهِ. ﴿إلا كَلَمْحِ البَصَرِ﴾ إلّا كَرَجْعِ الطَّرْفِ مِن أعْلى الحَدَقَةِ إلى أسْفَلِها. ﴿أوْ هو أقْرَبُ﴾ أوْ أمْرُها أقْرَبُ مِنهُ بِأنْ يَكُونَ في زَمانِ نِصْفِ تِلْكَ الحَرَكَةِ بَلْ في الآنِ الَّذِي تَبْتَدِئُ فِيهِ، فَإنَّهُ تَعالى يُحْيِي الخَلائِقَ دُفْعَةً وما يُوجَدُ دُفْعَةٌ كانَ في آنٍ، و ﴿أوْ﴾ لِلتَّخْيِيرِ أوْ بِمَعْنى بَلْ. وقِيلَ مَعْناهُ أنَّ قِيامَ السّاعَةِ وإنْ تَراخى فَهو عِنْدَ اللَّهِ كالشَّيْءِ الَّذِي تَقُولُونَ فِيهِ هو كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ مُبالَغَةً في اسْتِقْرابِهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ أنْ يُحْيِيَ الخَلائِقَ دُفْعَةً كَما قَدَرَ أنْ أحْياهم مُتَدَرِّجًا، ثُمَّ دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ وقَرَأ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ لُغَةٌ أوْ إتْباعٌ لِما قَبْلَها، وحَمْزَةُ بِكَسْرِها وكَسْرِ المِيمِ والهاءُ مَزِيدَةٌ مِثْلُها في أهْراقَ. ﴿لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ جُهّالًا مُسْتَصْحِبِينَ جَهْلَ الجَمادِيَّةِ. ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ أداةً تَتَعَلَّمُونَ بِها فَتُحِسُّونَ بِمَشاعِرِكم جُزْئِيّاتِ الأشْياءِ فَتُدْرِكُونَها ثُمَّ تَتَنَبَّهُونَ بِقُلُوبِكم لِمُشارَكاتٍ ومُبايَناتٍ بَيْنَها بِتَكَرُّرِ الإحْساسِ حَتّى تَتَحَصَّلَ لَكُمُ العُلُومُ البَدِيهِيَّةُ، وتَتَمَكَّنُوا مِن تَحْصِيلِ المَعالِمِ الكَسْبِيَّةِ بِالنَّظَرِ فِيها. ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ كَيْ تَعْرِفُوا ما أنْعَمَ عَلَيْكم طَوْرًا بَعْدَ طَوْرٍ فَتَشْكُرُوهُ.

79

أَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍۢ فِى جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

Do they not see the birds controlled in the atmosphere of the sky? None holds them up except Allah. Indeed in that are signs for a people who believe.

﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ ويَعْقُوبُ بِالتّاءِ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْعامَّةِ. ﴿مُسَخَّراتٍ﴾ مُذَلَّلاتٍ لِلطَّيَرانِ بِما خُلِقَ لَها مِنَ الأجْنِحَةِ والأسْبابِ المُؤاتِيَةِ لَهُ. ﴿فِي جَوِّ السَّماءِ﴾ في الهَواءِ المُتَباعِدِ مِنَ الأرْضِ.

﴿ما يُمْسِكُهُنَّ﴾ فِيهِ. ﴿إلا اللَّهُ﴾ فَإنَّ ثِقَلَ جَسَدِها يَقْتَضِي سُقُوطَها ولا عَلّاقَةَ فَوْقَها ولا دِعامَةَ تَحْتَها تُمْسِكُها.

﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ﴾ تَسْخِيرُ الطَّيْرِ لِلطَّيَرانِ بِأنْ خَلَقَها خِلْقَةً يُمْكِنُ مَعَها الطَّيَرانُ، وخَلَقَ الجَوَّ بِحَيْثُ يُمْكِنُ الطَّيَرانُ فِيهِ وإمْساكُها في الهَواءِ عَلى خِلافِ طَبْعِها. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها.

80

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمْ سَكَنًۭا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلْأَنْعَٰمِ بُيُوتًۭا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ۙ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَٰثًۭا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٍۢ

And Allah has made for you from your homes a place of rest and made for you from the hides of the animals tents which you find light on your day of travel and your day of encampment; and from their wool, fur and hair is furnishing and enjoyment for a time.

﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا﴾ مَوْضِعًا تَسْكُنُونَ فِيهِ وقْتَ إقامَتِكم كالبُيُوتِ المُتَّخَذَةِ مِنَ الحَجَرِ والمَدَرِ، فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. ﴿وَجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ هي القِبابُ المُتَّخَذَةُ مِنَ الأُدُمِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَناوَلَ المُتَّخَذَةَ مِنَ الوَبَرِ والصُّوفِ والشَّعَرِ فَإنَّها مِن حَيْثُ إنَّها نابِتَةٌ عَلى جُلُودِها يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها مِن جُلُودِها. ﴿تَسْتَخِفُّونَها﴾ تَجِدُونَها خَفِيفَةً يَخِفُّ عَلَيْكم حَمْلُها ونَقْلُها. ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ وقْتَ تِرْحالِكم. ﴿وَيَوْمَ إقامَتِكُمْ﴾ ووَضْعُها أوْ ضَرْبُها وقْتَ الحَضَرِ أوِ النُّزُولِ. وقَرَأ الحِجازِيّانِ والبَصْرِيّانِ ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ بِالفَتْحِ وهو لُغَةٌ فِيهِ. ﴿وَمِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها﴾ الصُّوفُ لِلضّائِنَةِ والوَبَرُ لِلْإبِلِ والشَّعَرُ لِلْمَعِزِ، وإضافَتُها إلى ضَمِيرِ ﴿الأنْعامِ﴾ لِأنَّها مِن جُمْلَتِها. ﴿أثاثًا﴾ ما يُلْبَسُ ويُفْرَشُ. ﴿وَمَتاعًا﴾ ما يُتَّجَرُ بِهِ. ﴿إلى حِينٍ﴾ إلى مُدَّةٍ مِنَ الزَّمانِ فَإنَّها لِصَلابَتِها تَبْقى مُدَّةً مَدِيدَةً، أوْ إلى حِينِ مَماتِكم أوْ إلى أنْ تَقْضُوا مِنهُ أوْطارَكم.

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.