Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 61–70 of 128

61

وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍۢ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ

And if Allah were to impose blame on the people for their wrongdoing, He would not have left upon the earth any creature, but He defers them for a specified term. And when their term has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ أيْ: بِشِرْكِهِمْ ومَعاصِيهِمْ، كُلَّما وُجِدَ شَيْءٌ مِنهم أُوخِذُوا بِهِ " ما ﴿تَرَكَ عَلى ظَهْرِها﴾ " يَعْنِي: الأرْضَ، وهَذِهِ كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، غَيْرَ أنَّهُ مَفْهُومٌ، لِأنَّ الدَّوابَّ إنَّما هي عَلى الأرْضِ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿مِن دابَّةٍ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ عَنى جَمِيعَ ما يَدِبُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. قالَ قَتادَةُ: وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ في زَمَنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ السُّدِّيُّ: المَعْنى لَأقْحَطَ المَطَرَ فَلَمْ تَبْقَ دابَّةٌ إلّا هَلَكَتْ، وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ مِنَ النّاسِ خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّالِثُ: مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو مُنْتَهى آجالِهِمْ، وباقِي الآيَةِ قَدْ تَقَدَّمَ [الأعْرافِ:٣٤] .

62

وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ ۖ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ

And they attribute to Allah that which they dislike, and their tongues assert the lie that they will have the best [from Him]. Assuredly, they will have the Fire, and they will be [therein] neglected.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ المَعْنى: ويَحْكُمُونَ لَهُ بِما يَكْرَهُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ، وهو البَناتُ، ﴿وَتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ أيْ: تَقُولُ الكَذِبَ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، والنَّخَعِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " الكُذُبُ " بِضَمِّ الكافِ والذّالِ. ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ الكَذِبَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها البَنُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّها الجَزاءُ الحَسَنُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: [أنَّها] الجَنَّةُ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ، قالَ المُشْرِكُونَ: إنْ كانَ ما تَقُولُونَهُ حَقًّا، لَنَدْخُلَنَّها قَبْلَكم، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا جَرَمَ﴾ قَدْ شَرَحْناها فِيما مَضى [هُودٍ:٢٢] . وقالَ الزَّجّاجُ: " لا " رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ، والمَعْنى: لَيْسَ ذَلِكَ كَما وصَفُوا " جَرَمَ " أنَّ لَهُمُ النّارَ، المَعْنى: جَرَمَ فِعْلُهم، أيْ: كَسَبَ فِعْلُهم هَذا " أنَّ لَهُمُ النّارَ وأنَّهم مُفْرَطُونَ " وفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، قَرَأ الأكْثَرُونَ: ﴿مُفْرَطُونَ﴾ بِسُكُونِ الفاءِ وتَخْفِيفِ الرّاءِ وفَتْحِها، وفي مَعْناها قَوْلانِ:

أحَدُهُما: مُتْرَكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ الفَرّاءُ: مَنسِيُّونَ في النّارِ.

والثّانِي: مُعَجَّلُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مُعَجَّلُونَ إلى النّارِ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " الفَرْطِ " في اللُّغَةِ: المُتَقَدِّمُ، فَمَعْنى " مُفْرَطُونَ ": مُقَدَّمُونَ إلى النّارِ، ومَن فَسَّرَها " مُتْرَكُونَ " فَهو كَذَلِكَ [أيْضًا]، أيْ: قَدْ جُعِلُوا مُقَدَّمِينَ إلى العَذابِ أبَدًا، مَتْرُوكِينَ فِيهِ. وقَرَأ نافِعٌ، ومَحْبُوبٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، وقُتَيْبَةُ عَنِ الكِسائِيِّ " مُفْرِطُونَ " بِسُكُونِ الفاءِ وكَسْرِ الرّاءِ وتَخْفِيفِها، قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناها: أنَّهم أفْرَطُوا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " مُفَرِّطُونَ " بِفَتْحِ الفاءِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ وكَسْرِها. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناها: أنَّهم فَرَّطُوا في الدُّنْيا فَلَمْ يَعْمَلُوا فِيها لِلْآخِرَةِ، وتَصْدِيقُ هَذِهِ القِراءَةِ ﴿يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرِ:٥٦] . ورَوى الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ " مُفَرَّطُونَ " بِفَتْحِ الفاءِ والرّاءِ وتَشْدِيدِها، قالَ الزَّجّاجُ: وتَفْسِيرُها كَتَفْسِيرِ القِراءَةِ الأوْلى، فالمُفَرَّطُ و المُفْرَطُ بِمَعْنًى واحِدٍ.

63

تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَعْمَٰلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

By Allah, We did certainly send [messengers] to nations before you, but Satan made their deeds attractive to them. And he is the disbelievers' ally today [as well], and they will have a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذِهِ تَعْزِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ الخَبِيثَةَ حَتّى عَصَوْا وكَذَّبُوا، ﴿فَهُوَ ولِيُّهُمُ اليَوْمَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ، كَأنَّهُما أرادا: فَهو ولِيُّهم يَوْمَ تَكُونُ لَهُمُ النّارُ.

والثّانِي: أنَّهُ الدُّنْيا، فالمَعْنى فَهو مُوالِيهِمْ في الدُّنْيا ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في الآخِرَةِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ يَعْنِي: الكَفّارَ ﴿الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ: ما خالَفُوا فِيهِ المُؤْمِنِينَ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ والجَزاءِ، فالمَعْنى: أنْزَلْناهُ بَيانًا لِما وقَعَ فِيهِ الِاخْتِلافُ.

64

وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۙ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

And We have not revealed to you the Book, [O Muhammad], except for you to make clear to them that wherein they have differed and as guidance and mercy for a people who believe.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذِهِ تَعْزِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ الخَبِيثَةَ حَتّى عَصَوْا وكَذَّبُوا، ﴿فَهُوَ ولِيُّهُمُ اليَوْمَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ، كَأنَّهُما أرادا: فَهو ولِيُّهم يَوْمَ تَكُونُ لَهُمُ النّارُ.

والثّانِي: أنَّهُ الدُّنْيا، فالمَعْنى فَهو مُوالِيهِمْ في الدُّنْيا ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في الآخِرَةِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ يَعْنِي: الكَفّارَ ﴿الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ: ما خالَفُوا فِيهِ المُؤْمِنِينَ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ والجَزاءِ، فالمَعْنى: أنْزَلْناهُ بَيانًا لِما وقَعَ فِيهِ الِاخْتِلافُ.

65

وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَسْمَعُونَ

And Allah has sent down rain from the sky and given life thereby to the earth after its lifelessness. Indeed in that is a sign for a people who listen.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ يَعْنِي: المَطَرَ " فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها " أيْ: بَعْد يُبْسِها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أيْ: يَعْتَبِرُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " نُسْقِيكم " بِضَمِّ النُّونِ، ومِثْلُهُ في (المُؤْمِنُونَ:٢١) . وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " نَسْقِيكم " بِفَتْحِ النُّونِ فِيهِما. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: " تَسْقِيكم " بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، وكَذَلِكَ في (المُؤْمِنُونَ:٢١)، وَقَدْ سَبَقَ بَيانُ الأنْعامِ. وذَكَرْنا مَعْنى " العِبْرَةِ " في (آلِ عِمْرانَ:١٣)، والفَرْقَ بَيْنَ " سَقى " و " أسْقى " في (الحِجْرِ:٢٢) .

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِمّا في بُطُونِهِ﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: النَّعَمُ والأنْعامُ شَيْءٌ واحِدٌ، وهُما جَمْعانِ، فَرَجَعَ التَّذْكِيرُ إلى مَعْنى " النَّعَمِ " إذْ كانَ يُؤَدِّي عَنِ الأنْعامِ، أنْشَدَنِي بَعْضُهم:

وَطابَ ألْبانُ اللَّقاحِ وبَرَدْ

فَرَجَعَ إلى اللَّبَنِ، لِأنَّ اللَّبَنَ والألْبانَ في مَعْنًى؛ قالَ: وقالَ الكِسائِيُّ: أرادَ: نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِ ما ذَكَرْنا، وهو صَوابٌ، أنْشَدَنِي بَعْضُهم:

مِثْلَ الفِراخِ نُتِفَتْ حَواصِلُهْ

وَقالَ المُبَرِّدُ: هَذا فاشٍ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ لِلشَّمْسِ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ [الأنْعامِ:٧٨] يَعْنِي: هَذا الشَّيْءُ الطّالِعُ، وكَذَلِكَ ﴿وَإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ [النَّمْلِ:٣٥،٣٦] ولَمْ يَقُلْ: " جاءَتْ " لِأنَّ المَعْنى: جاءَ الشَّيْءُ الَّذِي ذَكَرْنا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الهاءُ في " بُطُونِهِ " لِلْبَعْضِ، والمَعْنى: نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِ البَعْضِ الَّذِي لَهُ لَبَنٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ لِكُلِّ الأنْعامِ لَبَنٌ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ذَهَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِمّا في بُطُونِهِ﴾ إلى النَّعَمِ، والنَّعَمُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، والفَرْثُ: ما في الكِرْشِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّبَنَ كانَ طَعامًا، فَخَلَصَ مِن ذَلِكَ الطَّعامِ دَمٌ، وبَقِيَ مِنهُ فَرْثٌ في الكِرْشِ، وخَلُصَ مِن ذَلِكَ الدَّمِ " لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ " أيْ: سَهْلًا في الشُّرْبِ لا يَشْجى بِهِ شارِبُهُ، ولا يَغَصُّ. وقالَ بَعْضُهم: سائِغًا، أيْ: لا تَعافُهُ النَّفْسُ وإنْ كانَ قَدْ خَرَجَ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ، ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا اسْتَقَرَّ العَلَفُ في الكِرْشِ، طَحَنَهُ، فَصارَ أسْفَلُهُ فَرْثًا، وأعْلاهُ دَمًا، وأوْسَطُهُ لَبَنًا، والكَبِدُ مُسَلَّطَةٌ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، فَيَجْرِي الدَّمُ في العُرُوقِ، واللَّبَنُ في الضَّرْعِ، ويَبْقى الفَرْثُ في الكِرْشِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ﴾ تَقْدِيرُ الكَلامِ: ولَكم مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ ما تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا. والعَرَبُ تُضْمِرُ " ما " كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ﴾ [الإنْسانِ:٢٠] أيْ: ما ثَمَّ. والكِنايَةُ في " مِنهُ " عائِدَةٌ عَلى " ما " المُضْمَرَةُ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: مِنهُما، لِأنَّهُ أضْمَرَ الشَّيْءَ، كَأنَّهُ قالَ: ومِنها شَيْءٌ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا.

وَفِي المُرادِ بِالسَّكَرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ الخَمْرُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ ابْنُ أبِي لَيْلى، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. ورَوى عَمْرُو بْنُ سُفْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قالَ السَّكَرُ: ما حُرِّمَ مِن ثَمَرَتِها، وقالَ هَؤُلاءِ …

66

وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَٰمِ لَعِبْرَةًۭ ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍۢ وَدَمٍۢ لَّبَنًا خَالِصًۭا سَآئِغًۭا لِّلشَّٰرِبِينَ

And indeed, for you in grazing livestock is a lesson. We give you drink from what is in their bellies - between excretion and blood - pure milk, palatable to drinkers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ يَعْنِي: المَطَرَ " فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها " أيْ: بَعْد يُبْسِها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أيْ: يَعْتَبِرُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " نُسْقِيكم " بِضَمِّ النُّونِ، ومِثْلُهُ في (المُؤْمِنُونَ:٢١) . وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " نَسْقِيكم " بِفَتْحِ النُّونِ فِيهِما. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: " تَسْقِيكم " بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، وكَذَلِكَ في (المُؤْمِنُونَ:٢١)، وَقَدْ سَبَقَ بَيانُ الأنْعامِ. وذَكَرْنا مَعْنى " العِبْرَةِ " في (آلِ عِمْرانَ:١٣)، والفَرْقَ بَيْنَ " سَقى " و " أسْقى " في (الحِجْرِ:٢٢) .

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِمّا في بُطُونِهِ﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: النَّعَمُ والأنْعامُ شَيْءٌ واحِدٌ، وهُما جَمْعانِ، فَرَجَعَ التَّذْكِيرُ إلى مَعْنى " النَّعَمِ " إذْ كانَ يُؤَدِّي عَنِ الأنْعامِ، أنْشَدَنِي بَعْضُهم:

وَطابَ ألْبانُ اللَّقاحِ وبَرَدْ

فَرَجَعَ إلى اللَّبَنِ، لِأنَّ اللَّبَنَ والألْبانَ في مَعْنًى؛ قالَ: وقالَ الكِسائِيُّ: أرادَ: نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِ ما ذَكَرْنا، وهو صَوابٌ، أنْشَدَنِي بَعْضُهم:

مِثْلَ الفِراخِ نُتِفَتْ حَواصِلُهْ

وَقالَ المُبَرِّدُ: هَذا فاشٍ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ لِلشَّمْسِ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ [الأنْعامِ:٧٨] يَعْنِي: هَذا الشَّيْءُ الطّالِعُ، وكَذَلِكَ ﴿وَإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ [النَّمْلِ:٣٥،٣٦] ولَمْ يَقُلْ: " جاءَتْ " لِأنَّ المَعْنى: جاءَ الشَّيْءُ الَّذِي ذَكَرْنا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الهاءُ في " بُطُونِهِ " لِلْبَعْضِ، والمَعْنى: نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِ البَعْضِ الَّذِي لَهُ لَبَنٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ لِكُلِّ الأنْعامِ لَبَنٌ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ذَهَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِمّا في بُطُونِهِ﴾ إلى النَّعَمِ، والنَّعَمُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، والفَرْثُ: ما في الكِرْشِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّبَنَ كانَ طَعامًا، فَخَلَصَ مِن ذَلِكَ الطَّعامِ دَمٌ، وبَقِيَ مِنهُ فَرْثٌ في الكِرْشِ، وخَلُصَ مِن ذَلِكَ الدَّمِ " لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ " أيْ: سَهْلًا في الشُّرْبِ لا يَشْجى بِهِ شارِبُهُ، ولا يَغَصُّ. وقالَ بَعْضُهم: سائِغًا، أيْ: لا تَعافُهُ النَّفْسُ وإنْ كانَ قَدْ خَرَجَ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ، ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا اسْتَقَرَّ العَلَفُ في الكِرْشِ، طَحَنَهُ، فَصارَ أسْفَلُهُ فَرْثًا، وأعْلاهُ دَمًا، وأوْسَطُهُ لَبَنًا، والكَبِدُ مُسَلَّطَةٌ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، فَيَجْرِي الدَّمُ في العُرُوقِ، واللَّبَنُ في الضَّرْعِ، ويَبْقى الفَرْثُ في الكِرْشِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ﴾ تَقْدِيرُ الكَلامِ: ولَكم مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ ما تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا. والعَرَبُ تُضْمِرُ " ما " كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ﴾ [الإنْسانِ:٢٠] أيْ: ما ثَمَّ. والكِنايَةُ في " مِنهُ " عائِدَةٌ عَلى " ما " المُضْمَرَةُ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: مِنهُما، لِأنَّهُ أضْمَرَ الشَّيْءَ، كَأنَّهُ قالَ: ومِنها شَيْءٌ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا.

وَفِي المُرادِ بِالسَّكَرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ الخَمْرُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ ابْنُ أبِي لَيْلى، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. ورَوى عَمْرُو بْنُ سُفْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قالَ السَّكَرُ: ما حُرِّمَ مِن ثَمَرَتِها، وقالَ هَؤُلاءِ …

67

وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًۭا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ

And from the fruits of the palm trees and grapevines you take intoxicant and good provision. Indeed in that is a sign for a people who reason.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ يَعْنِي: المَطَرَ " فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها " أيْ: بَعْد يُبْسِها ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أيْ: يَعْتَبِرُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " نُسْقِيكم " بِضَمِّ النُّونِ، ومِثْلُهُ في (المُؤْمِنُونَ:٢١) . وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " نَسْقِيكم " بِفَتْحِ النُّونِ فِيهِما. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: " تَسْقِيكم " بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، وكَذَلِكَ في (المُؤْمِنُونَ:٢١)، وَقَدْ سَبَقَ بَيانُ الأنْعامِ. وذَكَرْنا مَعْنى " العِبْرَةِ " في (آلِ عِمْرانَ:١٣)، والفَرْقَ بَيْنَ " سَقى " و " أسْقى " في (الحِجْرِ:٢٢) .

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِمّا في بُطُونِهِ﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: النَّعَمُ والأنْعامُ شَيْءٌ واحِدٌ، وهُما جَمْعانِ، فَرَجَعَ التَّذْكِيرُ إلى مَعْنى " النَّعَمِ " إذْ كانَ يُؤَدِّي عَنِ الأنْعامِ، أنْشَدَنِي بَعْضُهم:

وَطابَ ألْبانُ اللَّقاحِ وبَرَدْ

فَرَجَعَ إلى اللَّبَنِ، لِأنَّ اللَّبَنَ والألْبانَ في مَعْنًى؛ قالَ: وقالَ الكِسائِيُّ: أرادَ: نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِ ما ذَكَرْنا، وهو صَوابٌ، أنْشَدَنِي بَعْضُهم:

مِثْلَ الفِراخِ نُتِفَتْ حَواصِلُهْ

وَقالَ المُبَرِّدُ: هَذا فاشٍ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ لِلشَّمْسِ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ [الأنْعامِ:٧٨] يَعْنِي: هَذا الشَّيْءُ الطّالِعُ، وكَذَلِكَ ﴿وَإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ [النَّمْلِ:٣٥،٣٦] ولَمْ يَقُلْ: " جاءَتْ " لِأنَّ المَعْنى: جاءَ الشَّيْءُ الَّذِي ذَكَرْنا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الهاءُ في " بُطُونِهِ " لِلْبَعْضِ، والمَعْنى: نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِ البَعْضِ الَّذِي لَهُ لَبَنٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ لِكُلِّ الأنْعامِ لَبَنٌ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ذَهَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِمّا في بُطُونِهِ﴾ إلى النَّعَمِ، والنَّعَمُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، والفَرْثُ: ما في الكِرْشِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّبَنَ كانَ طَعامًا، فَخَلَصَ مِن ذَلِكَ الطَّعامِ دَمٌ، وبَقِيَ مِنهُ فَرْثٌ في الكِرْشِ، وخَلُصَ مِن ذَلِكَ الدَّمِ " لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ " أيْ: سَهْلًا في الشُّرْبِ لا يَشْجى بِهِ شارِبُهُ، ولا يَغَصُّ. وقالَ بَعْضُهم: سائِغًا، أيْ: لا تَعافُهُ النَّفْسُ وإنْ كانَ قَدْ خَرَجَ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ، ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا اسْتَقَرَّ العَلَفُ في الكِرْشِ، طَحَنَهُ، فَصارَ أسْفَلُهُ فَرْثًا، وأعْلاهُ دَمًا، وأوْسَطُهُ لَبَنًا، والكَبِدُ مُسَلَّطَةٌ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، فَيَجْرِي الدَّمُ في العُرُوقِ، واللَّبَنُ في الضَّرْعِ، ويَبْقى الفَرْثُ في الكِرْشِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ﴾ تَقْدِيرُ الكَلامِ: ولَكم مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ ما تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا. والعَرَبُ تُضْمِرُ " ما " كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ﴾ [الإنْسانِ:٢٠] أيْ: ما ثَمَّ. والكِنايَةُ في " مِنهُ " عائِدَةٌ عَلى " ما " المُضْمَرَةُ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: مِنهُما، لِأنَّهُ أضْمَرَ الشَّيْءَ، كَأنَّهُ قالَ: ومِنها شَيْءٌ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا.

وَفِي المُرادِ بِالسَّكَرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ الخَمْرُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ ابْنُ أبِي لَيْلى، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. ورَوى عَمْرُو بْنُ سُفْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قالَ السَّكَرُ: ما حُرِّمَ مِن ثَمَرَتِها، وقالَ هَؤُلاءِ …

68

وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًۭا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ

And your Lord inspired to the bee, "Take for yourself among the mountains, houses, and among the trees and [in] that which they construct.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ في هَذا الوَحْيِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ إلْهامٌ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ أمْرٌ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوى ابْنُ مُجاهِدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: أرْسَلَ إلَيْها. والنَّحْلُ: زَنابِيرُ العَسَلِ، واحِدَتُها نَحْلَةٌ. و ﴿يَعْرِشُونَ﴾ يَجْعَلُونَهُ عَرِيشًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يَعْرُشُونَ " بِضَمِّ الرّاءِ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: " يَعْرِشُ " و " يَعْرُشُ " مِثْلُ " يَعْكِفُ " و " يَعْكُفُ " ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: ما يَعْرِشُونَ مِنَ الكُرُومِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّها سُقُوفُ البُيُوتِ، قالَهُ الفَرّاءُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كُلُّ شَيْءٍ عُرِشَ، مِن كَرْمٍ، أوْ نَباتٍ، أوْ سَقْفٍ، فَهو عَرْشٌ، ومَعْرُوشٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِـ " مِمّا يَعْرِشُونَ ": مِمّا يَبْنُونَ لَهم مِنَ الأماكِنِ الَّتِي تُلْقِي فِيها العَسَلَ، ولَوْلا التَّسْخِيرُ، ما كانَتْ تَأْوِي إلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مِنَ الثَّمَراتِ، وَ " كُلٌّ " هاهُنا لَيْسَتْ عَلى العُمُومِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحْقافِ:٢٥] . قالَ الزَّجّاجُ: فَهي تَأْكُلُ الحامِضَ، والمُرَّ، وما لا يُوصَفُ طَعْمُهُ، فَيُحِيلُ الله عَزَّ وجَلَّ مِن ذَلِكَ عَسَلًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾ السُّبُلُ: الطُّرُقُ، وهي الَّتِي يَطْلُبُ فِيها الرَّعْيَ. و " الذُّلُلُ " جَمْعُ ذَلُولٍ. وفي المَوْصُوفِ بِها قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها السُّبُلُ، فالمَعْنى: اسْلُكِي السُّبُلَ مُذَلَّلَةً لَكِ، فَلا يَتَوَعَّرُ عَلَيْها مَكانٌ سَلَكَتْهُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، واخْتِيارُ الزَّجّاجِ.

والثّانِي: أنَّها النَّحْلُ، فالمَعْنى: إنَّكَ مُذَلَّلَةٌ بِالتَّسْخِيرِ لِبَنِي آدَمَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، واخْتِيارُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ﴾ يَعْنِي: العَسَلَ " مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنهُ أحْمَرُ، وأبْيَضُ، وأصْفَرُ. قالَ الزَّجّاجُ: [يَخْرُجُ] مِن بُطُونِها، إلّا أنَّها تُلْقِيه مِن أفْواهِها، وإنَّما قالَ: مِن بُطُونِها، لِأنَّ اسْتِحالَةَ الأطْعِمَةِ لا تَكُونُ إلّا في البَطْنِ، فَيَخْرُجُ كالرِّيقِ الدّائِمِ الَّذِي يَخْرُجُ مِن فَمِ ابْنِ آدَمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى العَسَلِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ. واخْتَلَفُوا، هَلِ الشِّفاءُ الَّذِي فِيهِ يَخْتَصُّ بِمَرَضٍ دُونَ غَيْرِهِ، أمْ لا ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ مَرَضٍ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: العَسَلُ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ. وقالَ قَتادَةُ: فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ مِنَ الأدْواءِ. وقَدْ رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ أخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ، فَقالَ: " اسْقِهِ عَسَلًا " فَسَقاهُ، ثُمَّ أتى فَقالَ: قَدْ سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إلّا اسْتِطْلاقًا، قالَ: " اسْقِهِ، عَسَلًا "، فَذَكَرَ الحَدِيثَ. . . إلى أنْ قالَ: فَشُفِيَ، إمّا في الثّالِثَةِ، وإمّا في الرّابِعَةِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " صَدَقَ اللَّهُ، وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ» " أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ " صَدَقَ اللَّهُ ": هَذِهِ الآيَةُ. والثّانِي: فِيهِ شِفاءٌ لِلْأوْجاعِ الَّتِي شِفاؤُها فِيهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. …

69

ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًۭا ۚ يَخْرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٌۭ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٌۭ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ

Then eat from all the fruits and follow the ways of your Lord laid down [for you]." There emerges from their bellies a drink, varying in colors, in which there is healing for people. Indeed in that is a sign for a people who give thought.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ في هَذا الوَحْيِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ إلْهامٌ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ أمْرٌ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوى ابْنُ مُجاهِدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: أرْسَلَ إلَيْها. والنَّحْلُ: زَنابِيرُ العَسَلِ، واحِدَتُها نَحْلَةٌ. و ﴿يَعْرِشُونَ﴾ يَجْعَلُونَهُ عَرِيشًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يَعْرُشُونَ " بِضَمِّ الرّاءِ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: " يَعْرِشُ " و " يَعْرُشُ " مِثْلُ " يَعْكِفُ " و " يَعْكُفُ " ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: ما يَعْرِشُونَ مِنَ الكُرُومِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّها سُقُوفُ البُيُوتِ، قالَهُ الفَرّاءُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كُلُّ شَيْءٍ عُرِشَ، مِن كَرْمٍ، أوْ نَباتٍ، أوْ سَقْفٍ، فَهو عَرْشٌ، ومَعْرُوشٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِـ " مِمّا يَعْرِشُونَ ": مِمّا يَبْنُونَ لَهم مِنَ الأماكِنِ الَّتِي تُلْقِي فِيها العَسَلَ، ولَوْلا التَّسْخِيرُ، ما كانَتْ تَأْوِي إلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مِنَ الثَّمَراتِ، وَ " كُلٌّ " هاهُنا لَيْسَتْ عَلى العُمُومِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحْقافِ:٢٥] . قالَ الزَّجّاجُ: فَهي تَأْكُلُ الحامِضَ، والمُرَّ، وما لا يُوصَفُ طَعْمُهُ، فَيُحِيلُ الله عَزَّ وجَلَّ مِن ذَلِكَ عَسَلًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾ السُّبُلُ: الطُّرُقُ، وهي الَّتِي يَطْلُبُ فِيها الرَّعْيَ. و " الذُّلُلُ " جَمْعُ ذَلُولٍ. وفي المَوْصُوفِ بِها قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها السُّبُلُ، فالمَعْنى: اسْلُكِي السُّبُلَ مُذَلَّلَةً لَكِ، فَلا يَتَوَعَّرُ عَلَيْها مَكانٌ سَلَكَتْهُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، واخْتِيارُ الزَّجّاجِ.

والثّانِي: أنَّها النَّحْلُ، فالمَعْنى: إنَّكَ مُذَلَّلَةٌ بِالتَّسْخِيرِ لِبَنِي آدَمَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، واخْتِيارُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ﴾ يَعْنِي: العَسَلَ " مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنهُ أحْمَرُ، وأبْيَضُ، وأصْفَرُ. قالَ الزَّجّاجُ: [يَخْرُجُ] مِن بُطُونِها، إلّا أنَّها تُلْقِيه مِن أفْواهِها، وإنَّما قالَ: مِن بُطُونِها، لِأنَّ اسْتِحالَةَ الأطْعِمَةِ لا تَكُونُ إلّا في البَطْنِ، فَيَخْرُجُ كالرِّيقِ الدّائِمِ الَّذِي يَخْرُجُ مِن فَمِ ابْنِ آدَمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى العَسَلِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ. واخْتَلَفُوا، هَلِ الشِّفاءُ الَّذِي فِيهِ يَخْتَصُّ بِمَرَضٍ دُونَ غَيْرِهِ، أمْ لا ؟ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ مَرَضٍ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: العَسَلُ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ. وقالَ قَتادَةُ: فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ مِنَ الأدْواءِ. وقَدْ رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ أخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ، فَقالَ: " اسْقِهِ عَسَلًا " فَسَقاهُ، ثُمَّ أتى فَقالَ: قَدْ سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إلّا اسْتِطْلاقًا، قالَ: " اسْقِهِ، عَسَلًا "، فَذَكَرَ الحَدِيثَ. . . إلى أنْ قالَ: فَشُفِيَ، إمّا في الثّالِثَةِ، وإمّا في الرّابِعَةِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " صَدَقَ اللَّهُ، وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ» " أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ " صَدَقَ اللَّهُ ": هَذِهِ الآيَةُ. والثّانِي: فِيهِ شِفاءٌ لِلْأوْجاعِ الَّتِي شِفاؤُها فِيهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. …

70

وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمْ ۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَىْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍۢ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۭ قَدِيرٌۭ

And Allah created you; then He will take you in death. And among you is he who is reversed to the most decrepit [old] age so that he will not know, after [having had] knowledge, a thing. Indeed, Allah is Knowing and Competent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ أيْ: أوْجَدَكم ولَمْ تَكُونُوا شَيْئًا ﴿ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ﴾ عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِكم، ﴿وَمِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ وهو أرْدَؤُهُ، وأدْوَنُهُ، وهي حالَةُ الهَرَمِ. وفي مِقْدارِهِ مِن السِّنِينَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: خَمْسٌ وسَبْعُونَ سَنَةً، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: تِسْعُونَ سَنَةً، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: ثَمانُونَ سَنَةً، قالَهُ قُطْرُبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ قالَ الفَرّاءُ: لِكَيْ لا يَعْقِلَ مِن بَعْدِ عَقْلِهِ الأوَّلِ شَيْئًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: حَتّى لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالأُمُورِ شَيْئًا، لِشِدَّةِ هَرَمِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ مِنكم مَن يَكْبُرُ حَتّى يَذْهَبَ عَقْلُهُ خَرَفًا، فَيَصِيرُ بَعْدَ أنْ كانَ عالِمًا جاهِلًا، لِيُرِيَكم مِن قُدْرَتِهِ، كَما قَدَرَ عَلى إماتَتِهِ وإحْيائِهِ، أنَّهُ قادِرٌ عَلى نَقْلِهِ مِنَ العِلْمِ إلى الجَهْلِ. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ هَذا في المُسْلِمِينَ، المُسْلِمُ لا يَزْدادُ في طُولِ العُمُرِ والبَقاءِ إلّا كَرامَةً عِنْدَ اللَّهِ، وعَقْلًا، ومَعْرِفَةً. وقالَ عِكْرِمَةُ: مَن قَرَأ القُرْآنَ، لَمْ يُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ.

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.