Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 41–50 of 128

41

وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ ۖ وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ

And those who emigrated for [the cause of] Allah after they had been wronged - We will surely settle them in this world in a good place; but the reward of the Hereafter is greater, if only they could know.

﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ هم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ المُهاجِرُونَ ظَلَمَهم قُرَيْشٌ فَهاجَرَ بَعْضُهم إلى الحَبَشَةِ ثُمَّ إلى المَدِينَةِ وبَعْضُهم إلى المَدِينَةِ، أوِ المَحْبُوسُونَ المُعَذَّبُونَ بِمَكَّةَ بَعْدَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهم بِلالٌ وصُهَيْبٌ وخَبّابٌ وعَمّارٌ وعابِسٌ وأبُو جَنْدَلٍ وسُهَيْلٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وقَوْلُهُ: ﴿فِي اللَّهِ﴾ أيْ في حَقِّهِ ولِوَجْهِهِ. ﴿لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ مَباءَةً حَسَنَةً وهي المَدِينَةُ أوْ تَبْوِئَةً حَسَنَةً. ﴿وَلأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ مِمّا يُعَجَّلُ لَهم في الدُّنْيا. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنَّهُ كانَ إذا أعْطى رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءً قالَ لَهُ خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ هَذا ما وعَدَكَ اللَّهُ في الدُّنْيا وما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أفْضَلُ. ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ الضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ أيْ لَوْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ لِهَؤُلاءِ المُهاجِرِينَ خَيْرَ الدّارَيْنِ لَوافَقُوهم، أوْ لِلْمُهاجِرِينَ أيْ لَوْ عَلِمُوا ذَلِكَ لَزادُوا في اجْتِهادِهِمْ وصَبْرِهِمْ.

﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عَلى الشَّدائِدِ كَأذى الكُفّارِ ومُفارَقَةِ الوَطَنِ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ أوِ الرَّفْعُ عَلى المَدْحِ.

﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ مُنْقَطِعِينَ إلى اللَّهِ مُفَوِّضِينَ إلَيْهِ الأمْرَ كُلَّهُ.

42

ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ

[They are] those who endured patiently and upon their Lord relied.

﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ هم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ المُهاجِرُونَ ظَلَمَهم قُرَيْشٌ فَهاجَرَ بَعْضُهم إلى الحَبَشَةِ ثُمَّ إلى المَدِينَةِ وبَعْضُهم إلى المَدِينَةِ، أوِ المَحْبُوسُونَ المُعَذَّبُونَ بِمَكَّةَ بَعْدَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهم بِلالٌ وصُهَيْبٌ وخَبّابٌ وعَمّارٌ وعابِسٌ وأبُو جَنْدَلٍ وسُهَيْلٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وقَوْلُهُ: ﴿فِي اللَّهِ﴾ أيْ في حَقِّهِ ولِوَجْهِهِ. ﴿لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ مَباءَةً حَسَنَةً وهي المَدِينَةُ أوْ تَبْوِئَةً حَسَنَةً. ﴿وَلأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ مِمّا يُعَجَّلُ لَهم في الدُّنْيا. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنَّهُ كانَ إذا أعْطى رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءً قالَ لَهُ خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ هَذا ما وعَدَكَ اللَّهُ في الدُّنْيا وما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أفْضَلُ. ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ الضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ أيْ لَوْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ لِهَؤُلاءِ المُهاجِرِينَ خَيْرَ الدّارَيْنِ لَوافَقُوهم، أوْ لِلْمُهاجِرِينَ أيْ لَوْ عَلِمُوا ذَلِكَ لَزادُوا في اجْتِهادِهِمْ وصَبْرِهِمْ.

﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عَلى الشَّدائِدِ كَأذى الكُفّارِ ومُفارَقَةِ الوَطَنِ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ أوِ الرَّفْعُ عَلى المَدْحِ.

﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ مُنْقَطِعِينَ إلى اللَّهِ مُفَوِّضِينَ إلَيْهِ الأمْرَ كُلَّهُ.

43

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

And We sent not before you except men to whom We revealed [Our message]. So ask the people of the message if you do not know.

﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِ قُرَيْشٍ: اللَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا، أيْ جَرَتِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ بِأنْ لا يَبْعَثَ لِلدَّعْوَةِ العامَّةِ إلّا بَشَرًا يُوحِي إلَيْهِ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ، والحِكْمَةُ في ذَلِكَ قَدْ ذُكِرَتْ في سُورَةِ « الأنْعامِ» فَإنْ شَكَكْتُمْ فِيهِ. ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ أهْلَ الكِتابِ أوْ عُلَماءَ الأخْبارِ لِيُعْلِمُوكم.

﴿إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يُرْسِلِ امْرَأةً ولا مَلَكًا لِلدَّعْوَةِ العامَّةِ وقَوْلِهِ: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا﴾ مَعْناهُ رُسُلًا إلى المَلائِكَةِ أوْ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ لَمْ يُبْعَثُوا إلى الأنْبِياءِ إلّا مُتَمَثِّلِينَ بِصُورَةِ الرِّجالِ. ورُدَّ بِما رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأى جِبْرِيلَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْها مَرَّتَيْنِ.» وعَلى وُجُوبِ المُراجَعَةِ إلى العُلَماءِ فِيما لا يُعْلَمُ.

﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ أيْ أرْسَلْناهم بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ أيِ المُعْجِزاتِ والكُتُبِ، كَأنَّهُ جَوابُ قائِلٍ قالَ: بِمَ أُرْسِلُوا ؟ ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما أرْسَلْنا داخِلًا في الِاسْتِثْناءِ مَعَ رِجالًا أيْ: وما أرْسَلْنا إلّا رِجالًا بِالبَيِّناتِ كَقَوْلِكَ: ما ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا بِالسَّوْطِ، أوْ صِفَةٌ لَهم أيْ رِجالًا مُلْتَبِسِينَ بِالبَيِّناتِ، أوْ بِيُوحِي عَلى المَفْعُولِيَّةِ أوِ الحالِ مِنَ القائِمِ مَقامَ فاعِلِهِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ فاسْألُوا اعْتِراضٌ، أوْ بِلا تَعْلَمُونَ عَلى أنَّ الشَّرْطَ لِلتَّبْكِيتِ والإلْزامِ. ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ أيِ القُرْآنَ وإنَّما سُمِّيَ ذِكْرًا لِأنَّهُ مَوْعِظَةٌ وتَنْبِيهٌ. ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ في الذِّكْرِ بِتَوَسُّطِ إنْزالِهِ إلَيْكَ مِمّا أُمِرُوا بِهِ ونُهُوا عَنْهُ، أوْ مِمّا تَشابَهَ عَلَيْهِمْ والتَّبْيِينُ أعَمُّ مِن أنْ يَنُصَّ بِالمَقْصُودِ، أوْ يُرْشِدَ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ كالقِياسِ. ودَلِيلُ العَقْلِ. ﴿وَلَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ وإرادَةُ أنْ يَتَأمَّلُوا فِيهِ فَيَتَنَبَّهُوا لِلْحَقائِقِ.

44

بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ

[We sent them] with clear proofs and written ordinances. And We revealed to you the message that you may make clear to the people what was sent down to them and that they might give thought.

﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِ قُرَيْشٍ: اللَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا، أيْ جَرَتِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ بِأنْ لا يَبْعَثَ لِلدَّعْوَةِ العامَّةِ إلّا بَشَرًا يُوحِي إلَيْهِ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ، والحِكْمَةُ في ذَلِكَ قَدْ ذُكِرَتْ في سُورَةِ « الأنْعامِ» فَإنْ شَكَكْتُمْ فِيهِ. ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ أهْلَ الكِتابِ أوْ عُلَماءَ الأخْبارِ لِيُعْلِمُوكم.

﴿إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يُرْسِلِ امْرَأةً ولا مَلَكًا لِلدَّعْوَةِ العامَّةِ وقَوْلِهِ: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا﴾ مَعْناهُ رُسُلًا إلى المَلائِكَةِ أوْ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ لَمْ يُبْعَثُوا إلى الأنْبِياءِ إلّا مُتَمَثِّلِينَ بِصُورَةِ الرِّجالِ. ورُدَّ بِما رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأى جِبْرِيلَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْها مَرَّتَيْنِ.» وعَلى وُجُوبِ المُراجَعَةِ إلى العُلَماءِ فِيما لا يُعْلَمُ.

﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ أيْ أرْسَلْناهم بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ أيِ المُعْجِزاتِ والكُتُبِ، كَأنَّهُ جَوابُ قائِلٍ قالَ: بِمَ أُرْسِلُوا ؟ ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما أرْسَلْنا داخِلًا في الِاسْتِثْناءِ مَعَ رِجالًا أيْ: وما أرْسَلْنا إلّا رِجالًا بِالبَيِّناتِ كَقَوْلِكَ: ما ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا بِالسَّوْطِ، أوْ صِفَةٌ لَهم أيْ رِجالًا مُلْتَبِسِينَ بِالبَيِّناتِ، أوْ بِيُوحِي عَلى المَفْعُولِيَّةِ أوِ الحالِ مِنَ القائِمِ مَقامَ فاعِلِهِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ فاسْألُوا اعْتِراضٌ، أوْ بِلا تَعْلَمُونَ عَلى أنَّ الشَّرْطَ لِلتَّبْكِيتِ والإلْزامِ. ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ أيِ القُرْآنَ وإنَّما سُمِّيَ ذِكْرًا لِأنَّهُ مَوْعِظَةٌ وتَنْبِيهٌ. ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ في الذِّكْرِ بِتَوَسُّطِ إنْزالِهِ إلَيْكَ مِمّا أُمِرُوا بِهِ ونُهُوا عَنْهُ، أوْ مِمّا تَشابَهَ عَلَيْهِمْ والتَّبْيِينُ أعَمُّ مِن أنْ يَنُصَّ بِالمَقْصُودِ، أوْ يُرْشِدَ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ كالقِياسِ. ودَلِيلُ العَقْلِ. ﴿وَلَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ وإرادَةُ أنْ يَتَأمَّلُوا فِيهِ فَيَتَنَبَّهُوا لِلْحَقائِقِ.

45

أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ

Then, do those who have planned evil deeds feel secure that Allah will not cause the earth to swallow them or that the punishment will not come upon them from where they do not perceive?

﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ﴾ أيِ المَكَراتِ السَّيِّئاتِ وهُمُ الَّذِينَ احْتالُوا لِهَلاكِ الأنْبِياءِ، أوِ الَّذِينَ مَكَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورامُوا صَدَّ أصْحابِهِ عَنِ الإيمانِ. ﴿أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما خَسَفَ بِقارُونَ ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ بَغْتَةً مِن جانِبِ السَّماءِ كَما فَعَلَ بِقَوْمِ لُوطٍ.

﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ﴾ أيْ مُتَقَلِّبِينَ في مَسايِرِهِمْ ومَتاجِرِهِمْ. ﴿فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ .

46

أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ

Or that He would not seize them during their [usual] activity, and they could not cause failure?

﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ﴾ أيِ المَكَراتِ السَّيِّئاتِ وهُمُ الَّذِينَ احْتالُوا لِهَلاكِ الأنْبِياءِ، أوِ الَّذِينَ مَكَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورامُوا صَدَّ أصْحابِهِ عَنِ الإيمانِ. ﴿أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما خَسَفَ بِقارُونَ ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ بَغْتَةً مِن جانِبِ السَّماءِ كَما فَعَلَ بِقَوْمِ لُوطٍ.

﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ﴾ أيْ مُتَقَلِّبِينَ في مَسايِرِهِمْ ومَتاجِرِهِمْ. ﴿فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ .

47

أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍۢ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌ

Or that He would not seize them gradually [in a state of dread]? But indeed, your Lord is Kind and Merciful.

﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ﴾ عَلى مَخافَةٍ بِأنْ يُهْلِكَ قَوْمًا قَبْلَهم فَيَتَخَوَّفُوا فَيَأْتِيَهُمُ العَذابُ وهم مُتَخَوِّفُونَ، أوْ عَلى أنْ يُنْقِصَهم شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ في أنْفُسِهِمْ وأحْوالِهِمْ حَتّى يَهْلَكُوا مِن تَخَوَّفْتُهُ إذا تَنَقَّصْتُهُ. رُوِيَ أنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ عَلى المِنبَرِ: ما تَقُولُونَ فِيها فَسَكَتُوا فَقامَ شَيْخٌ مِن هُذَيْلٍ فَقالَ: هَذِهِ لُغَتُنا التَّخَوُّفُ التَّنَقُّصُ، فَقالَ هَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ في أشْعارِها قالَ نَعَمْ، قالَ شاعِرُنا أبُو كَبِيرٍ يَصِفُ ناقَتَهُ:

؎ تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنها تامِكًا قَرَدًا. . . كَما تُخَوِّفُ عُودُ النَّبْعَةِ السُّفُنَ

فَقالَ عُمَرُ عَلَيْكم بِدِيوانِكم لا تَضِلُّوا قالُوا: وما دِيوانُنا قالَ: شِعْرُ الجاهِلِيَّةِ، فَإنَّ فِيهِ تَفْسِيرَ كِتابِكم ومَعانِيَ كَلامِكم. ﴿فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ حَيْثُ لا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ.

48

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍۢ يَتَفَيَّؤُا۟ ظِلَٰلُهُۥ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدًۭا لِّلَّهِ وَهُمْ دَٰخِرُونَ

Have they not considered what things Allah has created? Their shadows incline to the right and to the left, prostrating to Allah, while they are humble.

﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ أيْ قَدْ رَأوْا أمْثالَ هَذِهِ الصَّنائِعِ فَما بالُهم لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيها لِيَظْهَرَ لَهم كَمالُ قُدْرَتِهِ وقَهْرِهِ فَيَخافُوا مِنهُ، وما مَوْصُولَةٌ مُبْهَمَةٌ بَيانُها. ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ أيْ أوَلَمْ يَنْظُرُوا إلى المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَها ظِلالٌ مُتَفَيِّئَةٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « تَرَوْا» بِالتّاءِ وأبُو عَمْرٍو « تَتَفَيَّأُ» بِالتّاءِ.

﴿عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾ عَنْ أيْمانِها وعَنْ شَمائِلِها أيْ عَنْ جانِبَيْ كُلٍّ واحِدٍ مِنها، اسْتِعارَةٌ مِن يَمِينِ الإنْسانِ وشِمالِهِ، ولَعَلَّ تَوْحِيدَ اليَمِينِ وجَمْعَ الشَّمائِلِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ والمَعْنى كَتَوْحِيدِ الضَّمِيرِ في ظِلالِهِ وجَمْعِهِ في قَوْلِهِ: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ وهُما حالانِ مِنَ الضَّمِيرِ في ظِلالِهِ، والمُرادُ مِنَ السُّجُودِ الِاسْتِسْلامُ سَواءٌ كانَ بِالطَّبْعِ أوِ الِاخْتِيارِ، يُقالُ سَجَدَتِ النَّخْلَةُ إذا مالَتْ لِكَثْرَةِ الحِمْلِ وسَجَدَ البَعِيرُ إذا طَأْطَأ رَأْسَهُ لِيُرْكَبَ أوْ سُجَّدًا حالٌ مِنَ الظِّلالِ ﴿وَهم داخِرُونَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ. والمَعْنى يَرْجِعُ الظِّلالُ بِارْتِفاعِ الشَّمْسِ وانْحِدارِها، أوْ بِاخْتِلافِ مَشارِقِها ومَغارِبِها بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ مُنْقادَةً لِما قُدِّرَ لَها مِنَ التَّفَيُّؤِ، أوْ واقِعَةٌ عَلى الأرْضِ مُلْتَصِقَةٌ بِها عَلى هَيْئَةِ السّاجِدِ والأجْرامُ في أنْفُسِها أيْضًا داخِرَةٌ أيْ صاغِرَةٌ مُنْقادَةٌ لِأفْعالِ اللَّهِ تَعالى فِيها، وجَمْعُ ﴿داخِرُونَ﴾ بِالواوِ لِأنَّ مِن جُمْلَتِها مَن يَعْقِلُ، أوْ لِأنَّ الدُّخُورَ مِن أوْصافِ العُقَلاءِ. وقِيلَ المُرادُ بِـ ﴿اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾ يَمِينُ الفَلَكِ وهو جانِبُهُ الشَّرْقِيُّ لِأنَّ الكَواكِبَ تَظْهَرُ مِنهُ آخِذَةً في الِارْتِفاعِ والسُّطُوعِ وشِمالُهُ هو الجانِبُ الغَرْبِيُّ المُقابِلُ لَهُ مِنَ الأرْضِ، فَإنَّ الظِّلالَ في أوَّلِ النَّهارِ تَبْتَدِئُ مِنَ المَشْرِقِ واقِعَةً عَلى الرُّبْعِ الغَرْبِيِّ مِنَ الأرْضِ، وعِنْدَ الزَّوالِ تَبْتَدِئُ مِنَ المَغْرِبِ واقِعَةً عَلى الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ مِنَ الأرْضِ.

49

وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن دَآبَّةٍۢ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ

And to Allah prostrates whatever is in the heavens and whatever is on the earth of creatures, and the angels [as well], and they are not arrogant.

﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ يَنْقادُ انْقِيادًا يَعُمُّ الِانْقِيادَ لِإرادَتِهِ وتَأْثِيرِهِ طَبْعًا والِانْقِيادَ لِتَكْلِيفِهِ وأمْرِهِ طَوْعًا لِيَصِحَّ إسْنادُهُ إلى عامَّةِ أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ وقَوْلِهِ: ﴿مِن دابَّةٍ﴾ بَيانٌ لَهُما لِأنَّ الدَّبِيبَ هو الحَرَكَةُ الجُسْمانِيَّةُ سَواءٌ كانَتْ في أرْضٍ أوْ سَماءٍ. ﴿والمَلائِكَةُ﴾ عُطِفَ عَلى المُبَيَّنِ بِهِ عُطِفَ جِبْرِيلُ عَلى المَلائِكَةِ لِلتَّعْظِيمِ، أوْ عُطِفَ المُجَرَّداتُ عَلى الجُسْمانِيّاتِ، وبِهِ احْتَجَّ مَن قالَ إنَّ المَلائِكَةَ أرْواحٌ مُجَرَّدَةٌ أوْ بَيانٌ لِما في الأرْضِ والمَلائِكَةُ تَكْرِيرٌ لِما في السَّمَواتِ وتَعْيِينٌ لَهُ إجْلالًا وتَعْظِيمًا، أوِ المُرادُ بِها مَلائِكَتُها مِنَ الحَفَظَةِ وغَيْرِهِمْ، و ﴿ما﴾ لَمّا اسْتُعْمِلَ لِلْعُقَلاءِ كَما اسْتُعْمِلَ لِغَيْرِهِمْ كانَ اسْتِعْمالُهُ حَيْثُ اجْتَمَعَ القَبِيلانِ أوْلى مِن إطْلاقِ مِن تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ. ﴿وَهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَنْ عِبادَتِهِ.

﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ يَخافُونَهُ أنْ يُرْسِلَ عَذابًا مِن فَوْقِهِمْ، أوْ يَخافُونَهُ وهو فَوْقَهم بِالقَهْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ . والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، أوْ بَيانٌ لَهُ وتَقْرِيرٌ لِأنَّ مَن خافَ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنْ عِبادَتِهِ. ﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ مِنَ الطّاعَةِ والتَّدْبِيرِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ مُكَلَّفُونَ مُدارُونَ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ.

50

يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ۩

They fear their Lord above them, and they do what they are commanded.

﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ يَنْقادُ انْقِيادًا يَعُمُّ الِانْقِيادَ لِإرادَتِهِ وتَأْثِيرِهِ طَبْعًا والِانْقِيادَ لِتَكْلِيفِهِ وأمْرِهِ طَوْعًا لِيَصِحَّ إسْنادُهُ إلى عامَّةِ أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ وقَوْلِهِ: ﴿مِن دابَّةٍ﴾ بَيانٌ لَهُما لِأنَّ الدَّبِيبَ هو الحَرَكَةُ الجُسْمانِيَّةُ سَواءٌ كانَتْ في أرْضٍ أوْ سَماءٍ. ﴿والمَلائِكَةُ﴾ عُطِفَ عَلى المُبَيَّنِ بِهِ عُطِفَ جِبْرِيلُ عَلى المَلائِكَةِ لِلتَّعْظِيمِ، أوْ عُطِفَ المُجَرَّداتُ عَلى الجُسْمانِيّاتِ، وبِهِ احْتَجَّ مَن قالَ إنَّ المَلائِكَةَ أرْواحٌ مُجَرَّدَةٌ أوْ بَيانٌ لِما في الأرْضِ والمَلائِكَةُ تَكْرِيرٌ لِما في السَّمَواتِ وتَعْيِينٌ لَهُ إجْلالًا وتَعْظِيمًا، أوِ المُرادُ بِها مَلائِكَتُها مِنَ الحَفَظَةِ وغَيْرِهِمْ، و ﴿ما﴾ لَمّا اسْتُعْمِلَ لِلْعُقَلاءِ كَما اسْتُعْمِلَ لِغَيْرِهِمْ كانَ اسْتِعْمالُهُ حَيْثُ اجْتَمَعَ القَبِيلانِ أوْلى مِن إطْلاقِ مِن تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ. ﴿وَهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَنْ عِبادَتِهِ.

﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ يَخافُونَهُ أنْ يُرْسِلَ عَذابًا مِن فَوْقِهِمْ، أوْ يَخافُونَهُ وهو فَوْقَهم بِالقَهْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ . والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، أوْ بَيانٌ لَهُ وتَقْرِيرٌ لِأنَّ مَن خافَ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنْ عِبادَتِهِ. ﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ مِنَ الطّاعَةِ والتَّدْبِيرِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ مُكَلَّفُونَ مُدارُونَ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ.

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.