Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Al-Tafsir al-Basit by Al-Wahidi

Ayahs 31–40 of 128

31

جَنَّٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْزِى ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ

Gardens of perpetual residence, which they will enter, beneath which rivers flow. They will have therein whatever they wish. Thus does Allah reward the righteous -

قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ ذكرنا وجهَ ارتفاعها إن كانت موصولة، وإن كانت مقطوعة، فقال الزجاج: جنات مرفوعة بإضمار هي؛ كأنك لمّا قلت: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾، قيل: أي دار هذه الممدوحة؟ فقلت على جواب السائل: جنات عَدْن، أي هي جناتُ عَدْن "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 196، بتصرف يسير.، وإن شئت رفعتها على الاستئناف وجعلت يدخلونها الخبر، هذا قول الفراء "معاني القرآن" للفراء 2/ 99، بنحوه.، وعند الزجاج: يجوز أن يكون الخبر نِعم دار المتقين؛ لأنه قال: وان شئت رفعت على الابتداء، ويكون المعنى: جناتُ عَدْنٍ نِعْمَ دارُ المتقين "معانى القرآن وإعرابه" 3/ 196، بنصه..

32

ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

The ones whom the angels take in death, [being] good and pure; [the angels] will say, "Peace be upon you. Enter Paradise for what you used to do."

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ الذين في موضع نصب؛ لأنه صفة المتقين في قوله: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾.

قولى تعالى: ﴿طَيِّبِينَ﴾، أي: بأعمالهم الصالحة، خلاف من يتوفاهم خبيثين بأعمالهم القبيحة، قال الكلبي: طيبين من الشرك ورد بنحوه غير منسوب في "تفسير البغوي" 5/ 17، وابن الجوزي 4/ 443، و"تفسير القرطبي" 10/ 101، والخازن 3/ 113، و"تنوير المقباس" ص 285، و"الشوكاني" 3/ 229، والألوسي 14/ 133، وصديق خان 7/ 236.، وقال مجاهد: زاكية أفعالهم وأقوالهم ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 156 أ، بلفظه، وانظر: البغوي 5/ 17، والخازن 3/ 113، والألوسي 14/ 133، وورد غير منسوب في "تفسير ابن الجوزي" 4/ 443، و"القرطبي" 10/ 101، و"الشوكاني" 3/ 230، وصديق خان 7/ 236..

33

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

Do the disbelievers await [anything] except that the angels should come to them or there comes the command of your Lord? Thus did those do before them. And Allah wronged them not, but they had been wronging themselves.

قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ نظير هذه الآية في سورة البقرة [آية: 210]، وآخر سورة الأنعام [آية: 158]، وقد مر، والمعنى: هل ينظرون إلا الموت؛ لأن الملائكة إنما تأتيهم لقبض أرواحهم، ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ قال ابن عباس: يريد القتل وغيره، وقال قتادة ومجاهد: يعني القيامة أخرج الطبري 14/ 102 بلفظه عنهما من طريقين، وورد غير منسوب في "تفسير الثعلبي" 2/ 156 أ، والبغوي 5/ 18، و"تفسير القرطبي" 10/ 102، والخازن 3/ 113..

وقال الزجاج: ما وعدهم الله به من عذابه "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 196، بنصه..

قال صاحب النظم: إنهم لا ينتظرون ذلك على الحقيقة؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالله، كيف ينتظرون أمره؟! ولكن لمّا كان امتناعهم من الدخول في الإيمان موجبًا عليهم إتيان أمر الله والملائكة بما قدّر عليهم من العذاب، وكان عاقبة أمرهم إلى ذلك، أضيف ذلك إليهم على المجاز والسعة، وجعل مجيء ذلك انتظارًا منهم له؛ فكأنه عز وجل قال: هل يكون مدة إقامتهم على كفرهم إلا مقدار إيقاعي بهم وإنزالي العذاب عليهم، وهذا كما قلنا في لام العاقبة في مواضع، لمّا كانت العاقبة تؤدي إلى ذلك جُعل سببًا له وإن لم يكن في الحقيقة كذلك؛ كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ الآية [القصص: 8]، وقد مر في تفسير الآية [25] من هذه السورة.، وهذا الذي ذكره صاحب النظم وجه جيد في هذه الآية لم يذكره في نظيرها في سورة البقرة والأنعام.

وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يريد كفار الأمم الماضية، وفي الآية حذف على قول الزجاج؛ لأنه قال: أي كذلك فعلوا فأتاهم أمرُ الله بالعذاب "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 197، بنصه.، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾: بتعذيبهم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: بإقامتهم على الشرك وكفران ما أنعم الله عليهم، وإن شئت حملت الكلام على التقديم والتأخير فقلت: التقدير: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ الآية، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية، وهو قول ابن عباس: يريد جزاء ما عملوا من الشرك انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 445، و"تنوير المقباس" ص 285، بنحوه.، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: من العذاب والنقمة.

34

فَأَصَابَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

So they were struck by the evil consequences of what they did and were enveloped by what they used to ridicule.

قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ نظير هذه الآية في سورة البقرة [آية: 210]، وآخر سورة الأنعام [آية: 158]، وقد مر، والمعنى: هل ينظرون إلا الموت؛ لأن الملائكة إنما تأتيهم لقبض أرواحهم، ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ قال ابن عباس: يريد القتل وغيره، وقال قتادة ومجاهد: يعني القيامة أخرج الطبري 14/ 102 بلفظه عنهما من طريقين، وورد غير منسوب في "تفسير الثعلبي" 2/ 156 أ، والبغوي 5/ 18، و"تفسير القرطبي" 10/ 102، والخازن 3/ 113..

وقال الزجاج: ما وعدهم الله به من عذابه "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 196، بنصه..

قال صاحب النظم: إنهم لا ينتظرون ذلك على الحقيقة؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالله، كيف ينتظرون أمره؟! ولكن لمّا كان امتناعهم من الدخول في الإيمان موجبًا عليهم إتيان أمر الله والملائكة بما قدّر عليهم من العذاب، وكان عاقبة أمرهم إلى ذلك، أضيف ذلك إليهم على المجاز والسعة، وجعل مجيء ذلك انتظارًا منهم له؛ فكأنه عز وجل قال: هل يكون مدة إقامتهم على كفرهم إلا مقدار إيقاعي بهم وإنزالي العذاب عليهم، وهذا كما قلنا في لام العاقبة في مواضع، لمّا كانت العاقبة تؤدي إلى ذلك جُعل سببًا له وإن لم يكن في الحقيقة كذلك؛ كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ الآية [القصص: 8]، وقد مر في تفسير الآية [25] من هذه السورة.، وهذا الذي ذكره صاحب النظم وجه جيد في هذه الآية لم يذكره في نظيرها في سورة البقرة والأنعام.

وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يريد كفار الأمم الماضية، وفي الآية حذف على قول الزجاج؛ لأنه قال: أي كذلك فعلوا فأتاهم أمرُ الله بالعذاب "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 197، بنصه.، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾: بتعذيبهم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: بإقامتهم على الشرك وكفران ما أنعم الله عليهم، وإن شئت حملت الكلام على التقديم والتأخير فقلت: التقدير: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ الآية، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية، وهو قول ابن عباس: يريد جزاء ما عملوا من الشرك انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 445، و"تنوير المقباس" ص 285، بنحوه.، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: من العذاب والنقمة.

35

وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍۢ نَّحْنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍۢ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ

And those who associate others with Allah say, "If Allah had willed, we would not have worshipped anything other than Him, neither we nor our fathers, nor would we have forbidden anything through other than Him." Thus did those do before them. So is there upon the messengers except [the duty of] clear notification?

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ يعني أهل مكة، ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: من البحيرة وردت فيها عدةُ أقوال؛ قال سعيد بن جبير: هي التي يمنح دَرُّها للطواغيت، فلا يحتلبها أحدٌ من الناس، وقيل: هي ناقة كانت إذا نُتجت خمسة أبطن وكان آخرها ذكرًا، شقُّوا أذنها وامتنعوا من ركوبها وذبحها، ولا تطرد عن ماءٍ ولا تمنع من مرْعى، وقيل غير ذلك. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 213، و"تفسير المُشْكِل" ص 156، و"تفسير القرطبي" 6/ 335. والسائبة فيها أقوال كذلك، قال سعيد بن المسيب: هي التي كانوا يسيبونها لآلهتهم، == وقال الزجاج: كان الرجل إذا نذر لقدوم من سفر أو برء من علة أو ما أشبه ذلك، قال: ناقتي هذه سائبة، فكانت كالبحيرة؛ في أن لا ينتفع بها وأن لا تُجْلى عن ماءٍ، ولا تمنع من مرعى. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 213، و"تفسير المُشْكِل" ص 156، و"تفسير القرطبي" 6/ 335. وسائر ما حرموا، نظير هذه الآية في سورة الأنعام [آية: 148]، ومضى الكلام هناك مستقصى، على أن أبا إسحاق قال هاهنا: إن المشركين قالوا هذا على جهة الهزء؛ كما قال قوم شعيب له: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: 87]، ولو قالوا هذا معتقدين لكانوا مؤمنين ولكنهم قالوا مستهزئين، وكذلك هؤلاء لو قالوا مُحَقِّقِينَ، ما قيل: إنهم مكذبون، كما كَذَّب الذين من قبلهم "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 197، بتصرف واختصار.، وهو قوله: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، أي: من تكذيب الرسل وتحريم ما أحل الله، قال ابن عباس: يريد عمرو بنَ لُحَيٍّ وأصحابَه تخصيص الآية بعمرو بن لحي وأصحابه لا دليل عليه، وحمل الآية على العموم أولى، إلا أن يراد به التمثيل فيكون مقبولاً، وأغلب الظن أنه نُسب إلى ابن عباس -رضي الله عنهما- من الطرق الضعيفة.، ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ قال: يريد: قد بَلَّغْتَ رسالتي وبَلَّغَ مَن قبلك، يعني ليس عليهم إلا التبليغ، فأما الهداية فهو إلى الله تعالى؛ يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وقد حَقَّقت هذا فيما بعد، وهو:

36

وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلطَّٰغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَٰلَةُ ۚ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ

And We certainly sent into every nation a messenger, [saying], "Worship Allah and avoid Taghut." And among them were those whom Allah guided, and among them were those upon whom error was [deservedly] decreed. So proceed through the earth and observe how was the end of the deniers.

قوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾، يعني كما بعثناك في هؤلاء، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ تعالى، أي: بعبادة الله تعالى، والتقدير: بأن اعبدوا الله، فحذف الجار، ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، أي: الشيطانَ وكلَّ من يدعو إلى الضلالة، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾: أرشده، {وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} قال ابن عباس: يريد في سابق علمي انظر: تفسيره "الوسيط"، تحقيق سيسي 2/ 393، وورد بلا نسبة في "تفسير ابن الجوزي" 4/ 446، وورد بمعناه بلا نسبة في "تفسير الفخر الرازي" 20/ 29، و"تفسير القرطبي" 10/ 104، والخازن 3/ 114..

وقال الزجاج: أعلم اللهُ أنه بَعَثَ الرسلَ بالأمر بالعبادة، وهو من وراء الإضلال والهداية، وهذا يدل على أنهم لو قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا﴾ الآية، معتقدين لكانوا صادقين "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 198، بتصرف يسير.، ومعنى ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾: وجب عليهم الكفر، كما قال: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: 30]، وكقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: 96]، ثم قال: ﴿فَسِيرُوا﴾ الآية، أي: فسيروا معتبرين في الأرض بآثار الأمم المكذبة، فتعرفوا أن العذاب بإزائكم كما نزل بهم، ثم أكد أن من حقَّت عليه الضلالة لا يهتدي.

37

إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَىٰهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ

[Even] if you should strive for their guidance, [O Muhammad], indeed, Allah does not guide those He sends astray, and they will have no helpers.

فقال -عز من قائل-: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ﴾ أي إن تطلب بجهدك ذلك، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾، أي: من يُضلُّه، فالراجع إلى الموصول الذي هو (مَنْ) محذوف مقدر وهو الهاء المحذوفة، وتَقْديره: (يضلُّه).، وهذا كقوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: 186]، وكقوله: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: 23]، أي: من بعد إضلال الله إياه انظر: "الحجة للقراء" 5/ 64، بنحوه.، وقرأ أهل الكوفة يَهْدِي بفتح الياء وهم عاصم وحمزة والكسائي، انظر: "السبعة" ص 372، و"علل القراءات" 1/ 305، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 353، و"المبسوط في القراءات" ص 224، و"التيسير" ص 137، و"النشر" ص 2/ 304، قال الأزهري في "علل == القراءات" وغيره: ومن قرأ (لا يُهْدَى) [وهم: ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر]، فالمعنى: لا يُهْدى أحدٌ يُضله الله، وهذا نظير قوله جل وعز: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾، وقد اختار الطبري هذه القراءة ورجح هذا المعنى، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. انظر: "تفسير الطبري" 14/ 104، والثعلبي 2/ 156 ب، و"تفسير القرطبي" 10/ 104.، وهو يحتمل وجهين: ذكرهما الثعلبي 2/ 156 ب، بنحوه، وذكرهما ابن الجوزي ونسبهما إلى ابن الأنباري. "تفسير ابن الجوزي" 4/ 446.

أحدهما: أن المعنى فإن الله لا يُرْشد من أضله، وبهذا فَسَّره ابن عباس انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 30، وورد غير منسوب في "تفسير القرطبي" 10/ 104..

والثاني: أنّ يَهْدِي بمعنى يَهْتَدي، قال الفراء: والعرب تقول: قد هَدَّي الرجلُ؛ يريدون قد اهتدى، ومثله قوله: ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ "معاني القرآن" للفراء 2/ 99، بنصه. [يونس: 35]، قال ابنُ مجاهد أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس التميمي البغدادي، المشهور بابن مجاهد، شيخ القراءات وأول من سبّع السبعة، ولد سنة (245 هـ)، قرأ على عبد الرحمن بن قدوس عشرين ختمة، وعلى قُنْبُل المكي، وسمع القراءات من طائفة كبيرة، تصدَّر للإقراء وازدحم عليه أهل الأداء، ورُحِل إليه، قرأ عليه: صالح بن إدريس وأبو الفرج الشَّنَبُوذي، صنَّف كتابه المشهور: "السبعة في القراءات"، مات سنة (324 هـ). انظر: "الفهرست" ص 52، و"معرفة القراء الكبار" 1/ 269، و"غاية النهاية" 1/ 139.: ولم يختلفوا في ﴿يُضِلُّ﴾ أنه مضومُ الياء "السبعة" ص 372، بنحوه، وزاد: مكسورة الضاد..

38

وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ۚ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّۭا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

And they swear by Allah their strongest oaths [that] Allah will not resurrect one who dies. But yes - [it is] a true promise [binding] upon Him, but most of the people do not know.

قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ مضى الكلام في هذا في سورة الأنعام [109]، قال ابن عباس: أغلظوا في الأيمان تكذيبًا منهم بقدرة الله على البعث بعد الموت انظر: تفسيره "الوسيط"، تحقيق سيسي 2/ 394، وورد بلا نسبة في "تفسير ابن كثير" 2/ 627.، فقال الله تعالى ردًّا عليهم: ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾، أي: لَيَبْعَثَنَّهم وعدًا عليه حقًّا، وهو مصدر مؤكد؛ أي وعدَ البعثِ وعدًا حقًّا لا خُلْفَ فيه؛ لأنه إذا قال يبعثهم دَلَّ على وعدٍ بالبعث وعدًا.

39

لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَٰذِبِينَ

[It is] so He will make clear to them [the truth of] that wherein they differ and so those who have disbelieved may know that they were liars.

قوله تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ من أمر البعث، واختلافهم فيه: ذهابهم إلى خلاف ما ذهب إليه المؤمنون، واللام في قوله: ﴿لِيُبَيِّنَ﴾ متعلقة بالبعث، المعنى: بلى يبعثهم ليبين لهم، قال الزجاج: ويجوز أن تكون متعلقة بقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾، (ويكون المعنى: بعثنا في كل أمة رسولاً) ما بين القوسين ساقط من (ش)، (ع).؛ ليبين لهم اختلافهم وأنهم كانوا من قبله على ضلالة "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 198، بنحوه.، فعلى هذا لا يعود البيان إلى بيان البعث، وعلى القول الأول: يعود إلى بيان البعث بعد الموت، وهو قول ابن عباس لم أقف عليه، وورد هذا المعنى في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 66، و"تفسير السمرقندي" 2/ 236، والثعلبي 2/ 156 ب.؛ لأنه قال: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾: بهذا الوعد الذي قال: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾، ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾: فيما أقسموا فيه.

40

إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ

Indeed, Our word to a thing when We intend it is but that We say to it, "Be," and it is.

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾ الآية. قال ابن عباس: أخبر بقدرته وقوته، يريد ليس كما يتكلف المخلوقون من الأعوان والاله أمر الله أوحى من ذلك لم أدرك مقصوده بهذه العبارة المعترضة.. وقال الزجاج: أعلمهم الله سهولة خلق الأشياء عليه، فأعلم أنه متى أراد الشيء كان "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 199، بتصرف يسير..

قال ابن الأنباري: وقع اسم الشيء على المعلوم عند الله عز وجل قبل الخلق؛ لأنه بمنزلة ما قد عوين وشوهد انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 106، بنصه، وابن الجوزي 4/ 447، بلا نسبة..

قال الفراء: القول مرفوع بقوله: ﴿أَنْ نَقُولَ﴾ كما تقول: إنما قولنا الحق، هذا كلامه "معاني القرآن" للفراء 2/ 100، بنصه.، وبيانه ما ذكره الزجاج، فقال: ﴿قَوْلُنَا﴾ رفع بالابتداء وخبره: ﴿أَنْ نَقُولَ﴾، المعنى: إنما قولنا لكل مراد قولنا كن، فإن قيل كيف خاطب المعدوم بقوله: ﴿كُنْ﴾، قلنا: هذا تمثيل لنفس الكلفة والمعاناة، ومخاطبةُ الخلق بما يعقلون ليس أنه يخاطب المعدوم؛ لأن ما أراد الله عز وجل فهو كائن على كل حال، وعلى ما أراده من الإسراع، لو أراد خلق الدنيا والسموات والأرض في قدر لمح البصر لَقَدَر على ذلك، ولكن العباد خُوطبوا بما يعقلون "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 198، بتصرف.، وذكرنا في سورة البقرة عند قوله: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آية:117] أجوبة سوى هذا.

واختلفوا في قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾، فقرأه أكثرُ القراء بالرفع انظر: "السبعة" ص 373، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 354، و"الحجة للقراء" 5/ 65، و"المبسوط في القراءات" ص 224، و"التيسير" ص 137، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 736. على: (فهو يكون)، قال الفراء: الرفع على أن تجعل ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ﴾ كلامًا تامًّا يخبر بأنه سيكون؛ كما تقول للرجل: إنّما يكفيه أن آمره، فيفعلُ بعد ذلك ما يؤمر "معاني القرآن" للفراء 2/ 100، بتصرف يسير.، برفع فيفعلُ؛ على معنى فهو يفعل وسيفعل، وقرأ ابن عامر والكسائي: ﴿فَيَكُونُ﴾ نصبًا انظر: "السبعة" ص 373، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 354، و"الحجة للقراء" 5/ 65، و"المبسوط في القراءات" ص 224، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 736.، عطفًا على ﴿أَنْ نَقُولَ﴾، المعنى: أن نقول فيكون، هذا قول جميع النحويين ورد في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 198، و"تفسير الطبري" 14/ 106، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 210، و"الحجة للقراء" 5/ 65، و"مشكل إعراب القرآن" 2/ 14، وانظر: "الإملاء" 2/ 81، و"الفريد في إعراب القرآن" 3/ 228..

قال الزجاج: ويجوز أن يكون نصبًا على جواب كن "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 198، بنصه..

قال أبو علي: هذا الوجه الذي أجازه من النصب في يكون لم يجزه أحد من أصحابنا غيرُه، ولم أعلم لغيره إجازةً له على هذا الوجه، ووجدت الكسائي يقول: إنه سمعه من العرب أكثر من خمسين مرة بالنصب، وما علمته حَمَل ذلك على أنه جواب، ولكن على (أنْ)، وحَمْلُه على الجواب غيرُ سائغ؛ لأن (كُنْ) وإن كان على لفظ الأصل فليس القصد به هاهنا الأمر، إنما هو -والله أعلم- الإخبار عن كون الشيء وحدوثه، وإلى هذا ذهب أبو العباس وغيره "المقتضب" 2/ 18، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 910، و"الحجة للقراء" 2/ 205، و"مشكل إعراب القرآن" 2/ 14، و"الإملاء" 1/ 60، و"الدر المصون" 2/ 89. وبالإضافة إلى كون (كن) هنا للحكاية لا الأمر، يشترط في جواب الأمر أن يخالف الأمر؛ إما في الفعل، أو في الفاعل، أو فيهما، فلما اتفق الفعلان، والفاعلان واحد، لم يحسن أن يكون (فيكون) جواباً للأول. (المصادر السابقة).، وقد ذكرنا هذا في سورة البقرة "الإغفال" 2/ 153 أ، بنصه..

Commentary: Al-Tafsir al-Basit by Al-Wahidi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.