Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 11–20 of 128

11

يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلْأَعْنَٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ

He causes to grow for you thereby the crops, olives, palm trees, grapevines, and from all the fruits. Indeed in that is a sign for a people who give thought.

﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِالنُّونِ عَلى التَّفْخِيمِ. ﴿والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ وبَعْضِ كُلِّها إذا لَمْ يَنْبُتْ في الأرْضِ كُلُّ ما يُمْكِنُ مِنَ الثِّمارِ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ ما يُسامُ فِيهِ عَلى ما يُؤْكَلُ مِنهُ لِأنَّهُ سَيَصِيرُ غِذاءً حَيَوانِيًّا هو أشْرَفُ الأغْذِيَةِ، ومِن هَذا تَقْدِيمُ الزَّرْعِ والتَّصْرِيحُ بِالأجْناسِ الثَّلاثَةِ وتَرْتِيبُها.

﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وحِكْمَتِهِ، فَإنَّ مَن تَأمَّلَ أنَّ الحَبَّةَ تَقَعُ في الأرْضِ وتَصِلُ إلَيْها نَداوَةٌ تَنْفُذُ فِيها، فَيَنْشَقُّ أعْلاها ويَخْرُجُ مِنهُ ساقُ الشَّجَرَةِ، ويَنْشَقُّ أسْفَلُها فَيَخْرُجُ مِنهُ عُرُوقُها. ثُمَّ يَنْمُو ويَخْرُجُ مِنهُ الأوْراقُ والأزْهارُ والأكْمامُ والثِّمارُ، ويَشْتَمِلُ كُلٌّ مِنها عَلى أجْسامٍ مُخْتَلِفَةِ الأشْكالِ والطِّباعِ مَعَ اتِّحادِ المَوادِّ ونِسْبَةِ الطَّبائِعِ السُّفْلِيَّةِ والتَّأْثِيراتِ الفَلَكِيَّةِ إلى الكُلِّ، عُلِمَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا بِفِعْلِ فاعِلٍ مُخْتارٍ مُقَدَّسٍ عَنْ مُنازَعَةِ الأضْدادِ والأنْدادِ ولَعَلَّ فَصَّلَ الآيَةَ بِهِ لِذَلِكَ.

12

وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتٌۢ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ

And He has subjected for you the night and day and the sun and moon, and the stars are subjected by His command. Indeed in that are signs for a people who reason.

﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ﴾ بِأنْ هَيَّأها لِمَنافِعِكم. ﴿مُسَخَّراتٌ﴾ بِأمْرِهِ حالٌ مِنَ الجَمِيعِ أيْ نَفَعَكم بِها حالَ كَوْنِها مُسَخَّراتٍ لِلَّهِ تَعالى خَلَقَها ودَبَّرَها كَيْفَ شاءَ، أوْ لِما خُلِقْنَ لَهُ بِإيجادِهِ وتَقْدِيرِهِ أوْ لِحُكْمِهِ، وفِيهِ إيذانٌ بِالجَوابِ عَمّا عَسى أنْ يُقالَ إنَّ المُؤَثِّرَ في تَكْوِينِ النَّباتِ حَرَكاتُ الكَواكِبِ وَأوْضاعُها، فَإنَّ ذَلِكَ إنْ سُلِّمَ فَلا رَيْبَ في أنَّها أيْضًا مُمْكِنَةُ الذّاتِ والصِّفاتِ واقِعَةٌ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ المُحْتَمَلَةِ، فَلا بُدَّ لَها مِن مُوجِدٍ مُخَصِّصٍ مُخْتارٍ واجِبِ الوُجُودِ دَفْعًا لِلدَّوْرِ والتَّسَلْسُلِ، أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ جُمِعَ لِاخْتِلافِ الأنْواعِ. وقَرَأ حَفْصٌ ﴿والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ﴾ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ فَيَكُونُ تَعْمِيمًا لِلْحُكْمِ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ ورَفَعَ ابْنُ عامِرٍ الشَّمْسَ والقَمَرَ أيْضًا. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ جَمَعَ الآيَةَ، وذَكَرَ العَقْلَ لِأنَّها تَدُلُّ أنْواعًا مِنَ الدَّلالَةِ ظاهِرَةً لِذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ غَيْرَ مُحْوِجَةٍ إلى اسْتِيفاءِ فِكْرٍ كَأحْوالِ النَّباتِ.

﴿وَما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿اللَّيْلَ﴾، أيْ وسَخَّرَ لَكم ما خَلَقَ لَكم فِيها مِن حَيَوانٍ ونَباتٍ.

﴿مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ﴾ أصْنافُهُ فَإنَّها تَتَخالَفُ بِاللَّوْنِ غالِبًا. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ إنَّ اخْتِلافَها في الطِّباعِ والهَيْئاتِ والمَناظِرِ لَيْسَ إلّا بِصُنْعِ صانِعٍ حَكِيمٍ.

13

وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَذَّكَّرُونَ

And [He has subjected] whatever He multiplied for you on the earth of varying colors. Indeed in that is a sign for a people who remember.

﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ﴾ بِأنْ هَيَّأها لِمَنافِعِكم. ﴿مُسَخَّراتٌ﴾ بِأمْرِهِ حالٌ مِنَ الجَمِيعِ أيْ نَفَعَكم بِها حالَ كَوْنِها مُسَخَّراتٍ لِلَّهِ تَعالى خَلَقَها ودَبَّرَها كَيْفَ شاءَ، أوْ لِما خُلِقْنَ لَهُ بِإيجادِهِ وتَقْدِيرِهِ أوْ لِحُكْمِهِ، وفِيهِ إيذانٌ بِالجَوابِ عَمّا عَسى أنْ يُقالَ إنَّ المُؤَثِّرَ في تَكْوِينِ النَّباتِ حَرَكاتُ الكَواكِبِ وَأوْضاعُها، فَإنَّ ذَلِكَ إنْ سُلِّمَ فَلا رَيْبَ في أنَّها أيْضًا مُمْكِنَةُ الذّاتِ والصِّفاتِ واقِعَةٌ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ المُحْتَمَلَةِ، فَلا بُدَّ لَها مِن مُوجِدٍ مُخَصِّصٍ مُخْتارٍ واجِبِ الوُجُودِ دَفْعًا لِلدَّوْرِ والتَّسَلْسُلِ، أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ جُمِعَ لِاخْتِلافِ الأنْواعِ. وقَرَأ حَفْصٌ ﴿والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ﴾ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ فَيَكُونُ تَعْمِيمًا لِلْحُكْمِ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ ورَفَعَ ابْنُ عامِرٍ الشَّمْسَ والقَمَرَ أيْضًا. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ جَمَعَ الآيَةَ، وذَكَرَ العَقْلَ لِأنَّها تَدُلُّ أنْواعًا مِنَ الدَّلالَةِ ظاهِرَةً لِذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ غَيْرَ مُحْوِجَةٍ إلى اسْتِيفاءِ فِكْرٍ كَأحْوالِ النَّباتِ.

﴿وَما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿اللَّيْلَ﴾، أيْ وسَخَّرَ لَكم ما خَلَقَ لَكم فِيها مِن حَيَوانٍ ونَباتٍ.

﴿مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ﴾ أصْنافُهُ فَإنَّها تَتَخالَفُ بِاللَّوْنِ غالِبًا. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ إنَّ اخْتِلافَها في الطِّباعِ والهَيْئاتِ والمَناظِرِ لَيْسَ إلّا بِصُنْعِ صانِعٍ حَكِيمٍ.

14

وَهُوَ ٱلَّذِى سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا۟ مِنْهُ لَحْمًۭا طَرِيًّۭا وَتَسْتَخْرِجُوا۟ مِنْهُ حِلْيَةًۭ تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

And it is He who subjected the sea for you to eat from it tender meat and to extract from it ornaments which you wear. And you see the ships plowing through it, and [He subjected it] that you may seek of His bounty; and perhaps you will be grateful.

﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ﴾ جَعَلَهُ بِحَيْثُ تَتَمَكَّنُونَ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ بِالرُّكُوبِ والِاصْطِيادِ والغَوْصِ. ﴿لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ هو السُّمْكُ، ووَصَفَهُ بِالطَّراوَةِ لِأنَّهُ أرْطَبُ اللُّحُومِ يُسْرِعُ إلَيْهِ الفَسادُ فَيُسارَعُ إلى أكْلِهِ، ولِإظْهارِ قُدْرَتِهِ في خَلْقِهِ عَذْبًا طَرِيًّا في ماءٍ زُعاقٍ، وتَمَسَّكَ بِهِ مالِكٌ والثَّوْرِيُّ عَلى أنَّ مَن حَلَفَ أنْ لا يَأْكُلَ لَحْمًا حَنَثَ بِأكْلِ السَّمَكِ. وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ مَبْنى الإيمانِ عَلى العُرْفِ وهو لا يُفْهَمُ مِنهُ عِنْدَ الإطْلاقِ ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى الكافِرَ دابَّةً ولا يَحْنَثُ الخالِقُ عَلى أنْ لا يَرْكَبَ دابَّةً بِرُكُوبِهِ. ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ كاللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ أيْ تَلْبَسُها نِساؤُكم، فَأُسْنِدَ إلَيْهِمْ لِأنَّهُنَّ مِن جُمْلَتِهِمْ ولِأنَّهُنَّ يَتَزَيَّنَّ بِها لِأجْلِهِمْ. ﴿وَتَرى الفُلْكَ﴾ السُّفُنَ. ﴿مَواخِرَ فِيهِ﴾ جِوارِيَ فِيهِ تَشُقُّهُ بِحَيْزُومِها، مِنَ المَخْرِ وهو شَقُّ الماءِ. وقِيلَ صَوْتُ جَرْيِ الفُلْكِ.

﴿وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ مِن سَعَةِ رِزْقِهِ بِرُكُوبِها لِلتِّجارَةِ. ﴿وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ تَعْرِفُونَ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى فَتَقُومُونَ بِحَقِّها، ولَعَلَّ تَخْصِيصَهُ بِتَعْقِيبِ الشُّكْرِ لِأنَّهُ أقْوى في بابِ الأنْعامِ مِن حَيْثُ إنَّهُ جَعَلَ المَهالِكَ سَبَبًا لِلِانْتِفاعِ وتَحْصِيلِ المَعاشِ.

15

وَأَلْقَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَٰرًۭا وَسُبُلًۭا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

And He has cast into the earth firmly set mountains, lest it shift with you, and [made] rivers and roads, that you may be guided,

﴿وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ جِبالًا رَواسِيَ. ﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ كَراهَةَ أنْ تَمِيلَ بِكم وتَضْطَرِبَ، وذَلِكَ لِأنَّ الأرْضَ قَبْلَ أنْ تُخْلَقَ فِيها الجِبالُ كانَتْ كُرَةً خَفِيفَةً بَسِيطَةَ الطَّبْعِ، وكانَ مِن حَقِّها أنْ تَتَحَرَّكَ بِالِاسْتِدارَةِ كالأفْلاكِ، أوْ أنْ تَتَحَرَّكَ بِأدْنى سَبَبٍ لِلتَّحْرِيكِ فَلَمّا خُلِقَتِ الجِبالُ عَلى وجْهِها تَفاوَتَتْ جَوانِبُها وتَوَجَّهَتِ الجِبالُ بِثِقَلِها نَحْوَ المَرْكَزِ فَصارَتْ كالأوْتادِ الَّتِي تَمْنَعُها عَنِ الحَرَكَةِ. وقِيلَ لَمّا خَلَقَ اللَّهُ الأرْضَ جَعَلَتْ تَمُورُ فَقالَتِ المَلائِكَةُ: ما هي بِمَقَرِّ أحَدٍ عَلى ظَهْرِها فَأصْبَحَتْ وقَدْ أُرْسِيَتْ بِالجِبالِ. ﴿وَأنْهارًا﴾ وجَعَلَ فِيها أنْهارًا لِأنَّ ألْقى فِيهِ مَعْناهُ. ﴿وَسُبُلا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ لِمَقاصِدِكم، أوْ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

16

وَعَلَٰمَٰتٍۢ ۚ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ

And landmarks. And by the stars they are [also] guided.

﴿وَعَلاماتٍ﴾ مَعالِمَ يَسْتَدِلُّ بِها السّابِلَةُ مِن جَبَلٍ وسَهْلٍ ورِيحٍ ونَحْوِ ذَلِكَ. ﴿وَبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ بِاللَّيْلِ في البَرارِي والبِحارِ، والمُرادُ بِالنَّجْمِ الجِنْسُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ﴿وَبِالنَّجْمِ﴾ بِضَمَّتَيْنِ وضَمَّةٍ وسُكُونٍ عَلى الجَمْعِ. وقِيلَ الثُّرَيّا والفَرْقَدانِ وبَناتُ نَعْشٍ والجَدْيُ، ولَعَلَّ الضَّمِيرَ لِقُرَيْشٍ لِأنَّهم كانُوا كَثِيرِي الأسْفارِ لِلتِّجارَةِ مَشْهُورِينَ بِالِاهْتِداءِ في مَسايِرِهِمْ بِالنُّجُومِ، وإخْراجُ الكَلامِ عَنْ سُنَنِ الخِطابِ وتَقْدِيمُ النَّجْمِ وإقْحامُ الضَّمِيرِ لِلتَّخْصِيصِ كَأنَّهُ قِيلَ: وبِالنَّجْمِ خُصُوصًا هَؤُلاءِ خُصُوصًا يَهْتَدُونَ، فالِاعْتِبارُ بِذَلِكَ والشُّكْرُ عَلَيْهِ ألْزَمُ لَهم وأوْجَبُ عَلَيْهِمْ.

17

أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

Then is He who creates like one who does not create? So will you not be reminded?

﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ إنْكارٌ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلائِلِ المُتَكاثِرَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وتَناهِي حِكْمَتِهِ، والتَّفَرُّدِ بِخَلْقِ ما عَدَّدَ مِن مُبْدِعاتِهِ لِأنْ يُساوِيَهُ ويَسْتَحِقَّ مُشارَكَتُهُ ما لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ بَلْ عَلى إيجادِ شَيْءٍ ما، وكانَ حَقُّ الكَلامِ أفَمَن لا يَخْلُقُ كَمَن يَخْلُقُ، لَكِنَّهُ عَكَسَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم بِالإشْراكِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلُوهُ مِن جِنْسِ المَخْلُوقاتِ العَجَزَةِ شَبِيهًا بِها، والمُرادُ بِمَن لا يَخْلُقُ كُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُغَلَّبًا فِيهِ أُولُو العِلْمِ مِنهم أوِ الأصْنامُ، وأجْرَوْها مَجْرى أُولِي العِلْمِ لِأنَّهم سَمَّوْها آلِهَةً ومِن حَقِّ الإلَهِ أنْ يَعْلَمَ، أوْ لِلْمُشاكَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يَخْلُقُ أوْ لِلْمُبالَغَةِ وكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ مَن يَخْلُقُ لَيْسَ كَمَن لا يَخْلُقُ مِن أُولِي العِلْمِ فَكَيْفَ بِما لا عِلْمَ عِنْدَهُ، ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ فَتَعْرِفُوا فَسادَ ذَلِكَ فَإنَّهُ لِجَلائِهِ كالحاصِلِ لِلْعَقْلِ الَّذِي يَحْضُرُ عِنْدَهُ بِأدْنى تَذَكُّرٍ والتِفاتٍ.

18

وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And if you should count the favors of Allah, you could not enumerate them. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ لا تَضْبُطُوا عَدَدَها فَضْلًا أنْ تُطِيقُوا القِيامَ بِشُكْرِها، أتْبَعَ ذَلِكَ تَعْدادَ النِّعَمِ وإلْزامَ الحُجَّةِ عَلى تَفَرُّدِهِ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنْ وراءَ ما عَدَّدَ نِعَمًا لا تَنْحَصِرُ، وأنَّ حَقَّ عِبادَتِهِ تَعالى غَيْرُ مَقْدُورٍ. ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ﴾ حَيْثُ يُتَجاوَزُ عَنِ التَّقْصِيرِ في أداءِ شُكْرِها. ﴿رَحِيمٌ﴾ لا يَقْطَعُها لِتَفْرِيطِكم فِيهِ ولا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ عَلى كُفْرانِها.

﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ مِن عَقائِدِكم وأعْمالِكم، وهو وعِيدٌ وتَزْيِيفٌ لِلشِّرْكِ بِاعْتِبارِ العِلْمِ بَعْدَ تَزْيِيفِهِ بِاعْتِبارِ القُدْرَةِ.

19

وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ

And Allah knows what you conceal and what you declare.

﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ لا تَضْبُطُوا عَدَدَها فَضْلًا أنْ تُطِيقُوا القِيامَ بِشُكْرِها، أتْبَعَ ذَلِكَ تَعْدادَ النِّعَمِ وإلْزامَ الحُجَّةِ عَلى تَفَرُّدِهِ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنْ وراءَ ما عَدَّدَ نِعَمًا لا تَنْحَصِرُ، وأنَّ حَقَّ عِبادَتِهِ تَعالى غَيْرُ مَقْدُورٍ. ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ﴾ حَيْثُ يُتَجاوَزُ عَنِ التَّقْصِيرِ في أداءِ شُكْرِها. ﴿رَحِيمٌ﴾ لا يَقْطَعُها لِتَفْرِيطِكم فِيهِ ولا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ عَلى كُفْرانِها.

﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ مِن عَقائِدِكم وأعْمالِكم، وهو وعِيدٌ وتَزْيِيفٌ لِلشِّرْكِ بِاعْتِبارِ العِلْمِ بَعْدَ تَزْيِيفِهِ بِاعْتِبارِ القُدْرَةِ.

20

وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ

And those they invoke other than Allah create nothing, and they [themselves] are created.

(والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) أيْ والآلِهَةُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم مِن دُونِهِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ « يَدْعُونَ» بِالياءِ. وقَرَأ حَفْصٌ ثَلاثَتَها بِالياءِ. ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ لَمّا نَفى المُشارَكَةَ بَيَّنَ مَن يَخْلُقُ ومَن لا يَخْلُقُ بَيَّنَ أنَّهم لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا لِيَنْتُجَ أنَّهم لا يُشارِكُونَهُ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ أثْبَتَ لَهم صِفاتٍ تَنافِي الأُلُوهِيَّةَ فَقالَ: ﴿وَهم يُخْلَقُونَ﴾ لِأنَّهم ذَواتٌ مُمْكِنَةٌ مُفْتَقِرَةُ الوُجُودِ إلى التَّخْلِيقِ، والإلَهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ واجِبَ الوُجُودِ.

﴿أمْواتٌ﴾ هم أمْواتٌ لا تَعْتَرِيهِمُ الحَياةُ، أوْ أمْواتٌ حالًا أوْ مَآلًا. ﴿غَيْرُ أحْياءٍ﴾ بِالذّاتِ لِيَتَناوَلَ كُلَّ مَعْبُودٍ، والإلَهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حَيًّا بِالذّاتِ لا يَعْتَرِيهِ المَماتُ. ﴿وَما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ولا يَعْلَمُونَ وقْتَ بَعْثِهِمْ، أوْ بَعْثِ عَبَدَتِهِمْ فَكَيْفَ يَكُونُ لَهم وقْتُ جَزاءٍ عَلى عِبادَتِهِمْ، والإلَهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عالِمًا بِالغُيُوبِ مُقَدِّرًا لِلثَّوابِ والعِقابِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ البَعْثَ مِن تَوابِعِ التَّكْلِيفِ.

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.