Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 111–120 of 128

111

۞ يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍۢ تُجَٰدِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

On the Day when every soul will come disputing for itself, and every soul will be fully compensated for what it did, and they will not be wronged.

﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ أيْ عُذِّبُوا كَعَمّارٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِالوِلايَةِ والنَّصْرِ، و ﴿ثُمَّ﴾ لِتَباعُدِ حالِ هَؤُلاءِ عَنْ حالِ أُولَئِكَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (فَتَنُوا) بِالفَتْحِ أيْ مِن بَعْدِ ما عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ كالحَضْرَمِيِّ أكْرَهُ مَوْلاهُ جَبْرًا، حَتّى ارْتَدَّ ثُمَّ أسْلَما وهاجَرا. ﴿ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا﴾ عَلى الجِهادِ وما أصابَهم مِنَ المَشاقِّ. ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ مِن بَعْدِ الهِجْرَةِ والجِهادِ والصَّبْرِ. ﴿لَغَفُورٌ﴾ لِما فَعَلُوا قَبْلُ. ﴿رَحِيمٌ﴾ مُنْعِمٌ عَلَيْهِمْ مُجازاةً عَلى ما صَنَعُوا بَعْدُ.

﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ مَنصُوبٌ بِـ ﴿رَحِيمٌ﴾ أوْ بِاذْكُرْ. ﴿تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ تُجادِلُ عَنْ ذاتِها وتَسْعى في خَلاصِها لا يَهُمُّها شَأْنُ غَيْرِها فَتَقُولُ نَفْسِي نَفْسِي. ﴿وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ جَزاءَ ما عَمِلَتْ. ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ لا يُنْقَصُونَ أُجُورَهم.

An-Nahl 16:111Listen in Qur'an →
112

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا قَرْيَةًۭ كَانَتْ ءَامِنَةًۭ مُّطْمَئِنَّةًۭ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًۭا مِّن كُلِّ مَكَانٍۢ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ

And Allah presents an example: a city which was safe and secure, its provision coming to it in abundance from every location, but it denied the favors of Allah. So Allah made it taste the envelopment of hunger and fear for what they had been doing.

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً﴾ أيْ جَعَلَها مَثَلًا لِكُلِّ قَوْمٍ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ فَكَفَرُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ نِقْمَتَهُ، أوْ لِمَكَّةَ. ﴿كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ لا يُزْعِجُ أهْلَها خَوْفٌ. ﴿يَأْتِيها رِزْقُها﴾ أقْواتُها. ﴿رَغَدًا﴾ واسِعًا.

﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ مِن نَواحِيها. ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ بِنِعَمِهِ جَمْعُ نِعْمَةٍ عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ كَدِرْعٍ وأدْرُعٍ، أوْ جَمْعُ نُعْمٍ كَبُؤْسٍ وأبْؤُسٍ. ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ اسْتَعارَ الذَّوْقَ لِإدْراكِ أثَرِ الضَّرَرِ، واللِّباسُ لِما غَشِيَهم واشْتَمَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الجُوعِ والخَوْفِ، وأوْقَعَ الإذاقَةَ عَلَيْهِ بِالنَّظَرِ إلى المُسْتَعارِ لَهُ كَقَوْلِ كَثِيرٍ:

؎ غَمْرُ الرِّداءِ إذا تَبَسَّمَ ضاحِكًا. . . غَلَّقَتْ لِضَحْكَتِهِ رِقابُ المالِ

فَإنَّهُ اسْتَعارَ الرِّداءَ لِلْمَعْرُوفِ لِأنَّهُ يَصُونُ عِرْضَ صاحِبِهِ صَوْنَ الرِّداءِ لِما يُلْقى عَلَيْهِ، وأضافَ إلَيْهِ الغَمْرَ الَّذِي هو وصْفُ المَعْرُوفِ والنَّوالِ لا وصْفُ الرِّداءِ نَظَرًا إلى المُسْتَعارِ لَهُ، وقَدْ يُنْظَرُ إلى المُسْتَعارِ كَقَوْلِهِ:

؎ يُنازِعْنِي رِدائِي عَبْدُ عَمْرٍو. . . ∗∗∗ رُوَيْدَكَ يا أخا عَمْرِو بْنِ بَكْرِ

؎ لِيَ الشَّطْرُ الَّذِي مَلَكَتْ يَمِينِي. . . ∗∗∗ ودُونَكَ فاعْتَجِرْ مِنهُ بِشَطْرِ

اسْتَعارَ الرِّداءَ لِسَيْفِهِ ثُمَّ قالَ فاعْتَجِرْ نَظَرًا إلى المُسْتَعارِ. ﴿بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ بِصَنِيعِهِمْ.

An-Nahl 16:112Listen in Qur'an →
113

وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَٰلِمُونَ

And there had certainly come to them a Messenger from among themselves, but they denied him; so punishment overtook them while they were wrongdoers.

﴿وَلَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهُمْ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ، والضَّمِيرُ لِأهْلِ مَكَّةَ عادَ إلى ذِكْرِهِمْ بَعْدَ ما ذَكَرَ مَثَلَهم.

﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ أيْ حالَ التِباسِهِمْ بِالظُّلْمِ والعَذابِ ما أصابَهم مِنَ الجَدْبِ الشَّدِيدِ، أوْ وقْعَةُ بِدْرٍ.

An-Nahl 16:113Listen in Qur'an →
114

فَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلًۭا طَيِّبًۭا وَٱشْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ

Then eat of what Allah has provided for you [which is] lawful and good. And be grateful for the favor of Allah, if it is [indeed] Him that you worship.

﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا﴾ أمَرَهم بِأكْلِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهم وشُكْرِ ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ما زَجَرَهم عَنِ الكُفْرِ وهَدَّدَهم عَلَيْهِ بِما ذَكَرَ مِنَ التَّمْثِيلِ والعَذابِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ، صَدًّا لَهم عَنْ صَنِيعِ الجاهِلِيَّةِ ومَذاهِبِها الفاسِدَةِ. ﴿واشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ تُطِيعُونَ، أوْ إنْ صَحَّ زَعْمُكم أنَّكم تَقْصِدُونَ بِعِبادَةِ الآلِهَةِ عِبادَتَهُ.

﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لَمّا أمَرَهم بِتَناوُلِ ما أحَلَّ لَهم عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مُحَرَّماتِهِ لِيُعْلَمَ أنَّ ما عَداها حِلٌّ لَهم، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ بِأهْوائِهِمْ فَقالَ:

An-Nahl 16:114Listen in Qur'an →
115

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

He has only forbidden to you dead animals, blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allah. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit] - then indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا﴾ أمَرَهم بِأكْلِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهم وشُكْرِ ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ما زَجَرَهم عَنِ الكُفْرِ وهَدَّدَهم عَلَيْهِ بِما ذَكَرَ مِنَ التَّمْثِيلِ والعَذابِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ، صَدًّا لَهم عَنْ صَنِيعِ الجاهِلِيَّةِ ومَذاهِبِها الفاسِدَةِ. ﴿واشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ تُطِيعُونَ، أوْ إنْ صَحَّ زَعْمُكم أنَّكم تَقْصِدُونَ بِعِبادَةِ الآلِهَةِ عِبادَتَهُ.

﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لَمّا أمَرَهم بِتَناوُلِ ما أحَلَّ لَهم عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مُحَرَّماتِهِ لِيُعْلَمَ أنَّ ما عَداها حِلٌّ لَهم، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ بِأهْوائِهِمْ فَقالَ:

An-Nahl 16:115Listen in Qur'an →
116

وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٌۭ وَهَٰذَا حَرَامٌۭ لِّتَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ

And do not say about what your tongues assert of untruth, "This is lawful and this is unlawful," to invent falsehood about Allah. Indeed, those who invent falsehood about Allah will not succeed.

﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ كَما قالُوا ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا﴾ الآيَةَ، ومُقْتَضى سِياقِ الكَلامِ وتَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِإنَّما حَصْرُ المُحَرَّماتِ في الأجْناسِ الأرْبَعَةِ إلّا ما ضُمَّ إلَيْهِ دَلِيلٌ: كالسِّباعِ والحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، وانْتِصابُ ﴿الكَذِبَ﴾ بِـ ﴿لا تَقُولُوا﴾ و ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِتَصِفُ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ: ولا تَقُولُوا الكَذِبَ لِما تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم فَتَقُولُوا هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، أوْ مَفْعُولُ ﴿لا تَقُولُوا﴾، و ﴿الكَذِبَ﴾ مُنْتَصِبٌ بِـ ﴿تَصِفُ﴾ وما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ ولا تَقُولُوا هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِوَصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ أيْ: لا تُحَرِّمُوا ولا تُحَلِّلُوا بِمُجَرَّدِ قَوْلٍ تَنْطِقُ بِهِ ألْسِنَتُكم مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، ووَصَفَ ألْسِنَتَهُمُ الكَذِبَ مُبالَغَةً في وصْفِ كَلامِهِمْ بِالكَذِبِ كَأنَّ حَقِيقَةَ الكَذِبِ كانَتْ مَجْهُولَةً وألْسِنَتُهم تَصِفُها وتَعْرِفُها بِكَلامِهِمْ هَذا، ولِذَلِكَ عُدَّ مِن فَصِيحِ الكَلامِ كَقَوْلِهِمْ: وجْهُها يَصِفُ الجَمالَ وعَيْنُها تَصِفُ السِّحْرَ. وقُرِئَ « الكَذِبِ» بِالجَرِّ بَدَلًا مِن « ما»، والكَذِبُ جَمْعُ كَذُوبٍ أوْ كَذّابٍ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِلْألْسِنَةِ وبِالنَّصْبِ عَلى الذَّمِّ أوْ بِمَعْنى الكَلِمِ الكَواذِبِ. ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ تَعْلِيلٌ لا يَتَضَمَّنُ الغَرَضَ. ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ لَمّا كانَ المُفْتَرِي يَفْتَرِي لِتَحْصِيلِ مَطْلُوبٍ نَفى عَنْهُمُ الفَلّاحَ وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ:

﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ أيْ ما يَفْتَرُونَ لِأجْلِهِ أوْ ما هم فِيهِ مَنفَعَةٌ قَلِيلَةٌ تَنْقَطِعُ عَنْ قَرِيبٍ. ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في الآخِرَةِ.

An-Nahl 16:116Listen in Qur'an →
117

مَتَٰعٌۭ قَلِيلٌۭ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

[It is but] a brief enjoyment, and they will have a painful punishment.

﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ كَما قالُوا ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا﴾ الآيَةَ، ومُقْتَضى سِياقِ الكَلامِ وتَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِإنَّما حَصْرُ المُحَرَّماتِ في الأجْناسِ الأرْبَعَةِ إلّا ما ضُمَّ إلَيْهِ دَلِيلٌ: كالسِّباعِ والحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، وانْتِصابُ ﴿الكَذِبَ﴾ بِـ ﴿لا تَقُولُوا﴾ و ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِتَصِفُ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ: ولا تَقُولُوا الكَذِبَ لِما تَصِفُهُ ألْسِنَتُكم فَتَقُولُوا هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، أوْ مَفْعُولُ ﴿لا تَقُولُوا﴾، و ﴿الكَذِبَ﴾ مُنْتَصِبٌ بِـ ﴿تَصِفُ﴾ وما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ ولا تَقُولُوا هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِوَصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ أيْ: لا تُحَرِّمُوا ولا تُحَلِّلُوا بِمُجَرَّدِ قَوْلٍ تَنْطِقُ بِهِ ألْسِنَتُكم مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، ووَصَفَ ألْسِنَتَهُمُ الكَذِبَ مُبالَغَةً في وصْفِ كَلامِهِمْ بِالكَذِبِ كَأنَّ حَقِيقَةَ الكَذِبِ كانَتْ مَجْهُولَةً وألْسِنَتُهم تَصِفُها وتَعْرِفُها بِكَلامِهِمْ هَذا، ولِذَلِكَ عُدَّ مِن فَصِيحِ الكَلامِ كَقَوْلِهِمْ: وجْهُها يَصِفُ الجَمالَ وعَيْنُها تَصِفُ السِّحْرَ. وقُرِئَ « الكَذِبِ» بِالجَرِّ بَدَلًا مِن « ما»، والكَذِبُ جَمْعُ كَذُوبٍ أوْ كَذّابٍ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِلْألْسِنَةِ وبِالنَّصْبِ عَلى الذَّمِّ أوْ بِمَعْنى الكَلِمِ الكَواذِبِ. ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ تَعْلِيلٌ لا يَتَضَمَّنُ الغَرَضَ. ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ لَمّا كانَ المُفْتَرِي يَفْتَرِي لِتَحْصِيلِ مَطْلُوبٍ نَفى عَنْهُمُ الفَلّاحَ وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ:

﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ أيْ ما يَفْتَرُونَ لِأجْلِهِ أوْ ما هم فِيهِ مَنفَعَةٌ قَلِيلَةٌ تَنْقَطِعُ عَنْ قَرِيبٍ. ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في الآخِرَةِ.

An-Nahl 16:117Listen in Qur'an →
118

وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ۖ وَمَا ظَلَمْنَٰهُمْ وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

And to those who are Jews We have prohibited that which We related to you before. And We did not wrong them [thereby], but they were wronging themselves.

﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ أيْ في سُورَةِ « الأنْعامِ» في قَوْلِهِ: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ . ﴿مِن قَبْلُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿قَصَصْنا﴾ أوْ بِـ ﴿حَرَّمْنا﴾ . ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ بِالتَّحْرِيمِ. ﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ حَيْثُ فَعَلُوا ما عُوقِبُوا بِهِ عَلَيْهِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى الفَرْقِ بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ في التَّحْرِيمِ وأنَّهُ كَما يَكُونُ لِلْمَضَرَّةِ يَكُونُ لِلْعُقُوبَةِ.

An-Nahl 16:118Listen in Qur'an →
119

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٍۢ ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

Then, indeed your Lord, to those who have done wrong out of ignorance and then repent after that and correct themselves - indeed, your Lord, thereafter, is Forgiving and Merciful.

﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ بِسَبَبِها أوْ مُلْتَبِسِينَ بِها لِيَعُمَّ الجَهْلَ بِاللَّهِ وبِعِقابِهِ وعَدَمَ التَّدَبُّرِ في العَواقِبِ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ، والسُّوءُ يَعُمُّ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ وغَيْرِهِ. ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ مِن بَعْدِ التَّوْبَةِ. ﴿لَغَفُورٌ﴾ لِذَلِكَ السُّوءِ. ﴿رَحِيمٌ﴾ يُثِيبُ عَلى الإنابَةِ.

An-Nahl 16:119Listen in Qur'an →
120

إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةًۭ قَانِتًۭا لِّلَّهِ حَنِيفًۭا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Indeed, Abraham was a [comprehensive] leader, devoutly obedient to Allah, inclining toward truth, and he was not of those who associate others with Allah.

﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ لِكَمالِهِ واسْتِجْماعِهِ فَضائِلَ لا تَكادُ تُوجَدُ إلّا مُفَرَّقَةً في أشْخاصٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ:

؎ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ. . . أنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحِدٍ

وَهُوَ رَئِيسُ المُوَحِّدِينَ وقُدْوَةُ المُحَقِّقِينَ الَّذِي جادَلَ فِرَقَ المُشْرِكِينَ، وأبْطَلَ مَذاهِبَهُمُ الزّائِغَةَ بِالحُجَجِ الدّامِغَةِ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ ذِكْرَهُ بِتَزْيِيفِ مَذاهِبِ المُشْرِكِينَ مِنَ الشِّرْكِ والطَّعْنِ في النُّبُوَّةِ وتَحْرِيمِ ما أحَلَّهُ، أوْ لِأنَّهُ كانَ وحْدَهُ مُؤْمِنًا وكانَ سائِرُ النّاسِ كُفّارًا. وقِيلَ هي فِعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالرِّحْلَةِ والنُّخْبَةِ مِن أمَّهُ إذا قَصَدَهُ، أوِ اقْتَدى بِهِ فَإنَّ النّاسَ كانُوا يَؤُمُّونَهُ لِلِاسْتِفادَةِ ويَقْتَدُونَ بِسِيرَتِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ . ﴿قانِتًا لِلَّهِ﴾ مُطِيعًا لَهُ قائِمًا بِأوامِرِهِ. ﴿حَنِيفًا﴾ مائِلًا عَنِ الباطِلِ. ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ كَما زَعَمُوا فَإنَّ قُرَيْشًا كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ.

﴿شاكِرًا لأنْعُمِهِ﴾ ذُكِرَ بِلَفْظِ القِلَّةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ كانَ لا يُخِلُّ بِشُكْرِ النِّعَمِ القَلِيلَةِ فَكَيْفَ بِالكَثِيرَةِ.

﴿اجْتَباهُ﴾ لِلنُّبُوَّةِ. ﴿وَهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ. ﴿وَآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ بِأنْ حَبَّبَهُ إلى النّاسِ حَتّى أنَّ أرْبابَ المِلَلِ يَتَوَلَّوْنَهُ ويُثْنُونَ عَلَيْهِ، ورَزَقَهُ أوْلادًا طَيِّبَةً وُعُمُرًا طَوِيلًا في السِّعَةِ والطّاعَةِ. ﴿وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ لِمَن أهْلِ الجَنَّةِ كَما سَألَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ .

An-Nahl 16:120Listen in Qur'an →

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.