Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 1–10 of 128

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ

The command of Allah is coming, so be not impatient for it. Exalted is He and high above what they associate with Him.

سُورَةُ النَّحْلِ

فَصْلٌ في نُزُولِها

رَوى مُجاهِدٌ، وعَطِيَّةُ، وابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها مَكِّيَّةٌ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٌ: أنَّها مَكِّيَّةٌ [كُلُّها] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: إنَّهُ نَزَلَ مِنها بَعْدَ قَتْلِ حَمْزَةَ: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النَّحْلِ:١٢٦]، وقالَ في رِوايَةٍ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [النَّحْلِ:٩٥،٩٧] . وقالَ الشَّعْبِيُّ: كُلُّها مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ. . . .﴾ إلى آخِرِ الآياتِ [النَّحْلِ:١٢٦- ١٢٨] . وقالَ قَتادَةُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا خَمْسَ آياتٍ: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ . . . . " الآيَتَيْنِ [النَّحْلِ:٩٥،٩٦]، ومِن قَوْلِهِ: " ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ﴾ . . . " إلى آخِرِها [النَّحْلِ:١٢٦] . وقالَ ابْنُ السّائِبِ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا خَمْسَ آياتٍ: " ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ . . . " الآيَةُ [النَّحْلِ:٤١]، وقَوْلُهُ: " ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ . . . . " الآيَةُ [النَّحْلِ:١١٠] وقَوْلُهُ: " ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ. . . .﴾ إلى آخِرِها [النَّحْلِ:١٢٦] . وقالَ مُقاتِلٌ: مَكِّيَّةٌ إلّا سَبْعَ آياتٍ، قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ . . . " الآيَةُ [النَّحْلِ:١١٠]، وقَوْلُهُ: " ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مَن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ . . . . " الآيَةُ [النَّحْلِ:١٠٦]، وقَوْلُهُ: " ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ﴾ . . . " الآيَةُ [النَّحْلِ:٤١]، وقَوْلُهُ: " ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً﴾ . . . . " الآيَةُ [النَّحْلِ:١١٢]، وقَوْلُهُ: " ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ﴾ إلى آخِرِها [النَّحْلِ:١٢٦] . قالَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ: أُنْزِلَ مِن أوَّلِ النَّحْلِ أرْبَعُونَ آيَةً بِمَكَّةَ وبَقِيَّتُها بِالمَدِينَةِ. ورَوى حَمّادٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَ يُقالُ لِلنَّحْلِ: سُورَةُ النِّعَمِ؛ يُرِيدُ لِكَثْرَةِ تَعْدادِ النِّعَمِ فِيها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالإمالَةِ.

سَبَبُ نُزُولِها: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القَمَرِ:١]، فَقالَ الكُفّارُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّ هَذا يَزْعُمُ أنَّ القِيامَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ، فَأمْسِكُوا عَنْ بَعْضِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى نَنْظُرَ، فَلَمّا رَأوْا أنَّهُ لا يَنْزِلُ شَيْءٌ؛ قالُوا: ما نَرى شَيْئًا ! فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنْبِياءِ:١] فَأشْفَقُوا، وانْتَظَرُوا قُرْبَ السّاعَةِ، فَلَمّا امْتَدَّتِ الأيّامُ قالُوا: يا مُحَمَّدُ ما نَرى شَيْئًا مِمّا تُخَوِّفُنا بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ فَوَثَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ورَفَعَ النّاسُ رُؤُوسَهم، فَنَزَلَ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فاطْمَأنُّوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أتى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أتى بِمَعْنى: يَأْتِي، كَما يُقالُ أتاكَ الخَيْرُ فَأبْشِرْ، أيْ: سَيَأْتِيكَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وشاهِدُهُ: ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الأعْرافِ:٤٤]، ﴿وَإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى﴾ [المائِدَةِ:١١٦] ونَحْوُ ذَلِكَ.

والثّانِي: أتى بِمَعْنى: قَرُبَ، قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ في قُرْبِهِ بِمَنزِلَةِ ما قَدْ أتى.

والثّالِثُ: أنْ " أتى " لِلْماضِي، والمَعْنى: أتى بَعْضُ عَذابِ اللَّهِ، وهو: الجَدْبُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، …

2

يُنَزِّلُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦٓ أَنْ أَنذِرُوٓا۟ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ

He sends down the angels, with the inspiration of His command, upon whom He wills of His servants, [telling them], "Warn that there is no deity except Me; so fear Me."

سُورَةُ النَّحْلِ

فَصْلٌ في نُزُولِها

رَوى مُجاهِدٌ، وعَطِيَّةُ، وابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها مَكِّيَّةٌ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٌ: أنَّها مَكِّيَّةٌ [كُلُّها] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: إنَّهُ نَزَلَ مِنها بَعْدَ قَتْلِ حَمْزَةَ: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النَّحْلِ:١٢٦]، وقالَ في رِوايَةٍ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [النَّحْلِ:٩٥،٩٧] . وقالَ الشَّعْبِيُّ: كُلُّها مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ. . . .﴾ إلى آخِرِ الآياتِ [النَّحْلِ:١٢٦- ١٢٨] . وقالَ قَتادَةُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا خَمْسَ آياتٍ: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ . . . . " الآيَتَيْنِ [النَّحْلِ:٩٥،٩٦]، ومِن قَوْلِهِ: " ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ﴾ . . . " إلى آخِرِها [النَّحْلِ:١٢٦] . وقالَ ابْنُ السّائِبِ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا خَمْسَ آياتٍ: " ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ . . . " الآيَةُ [النَّحْلِ:٤١]، وقَوْلُهُ: " ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ . . . . " الآيَةُ [النَّحْلِ:١١٠] وقَوْلُهُ: " ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ. . . .﴾ إلى آخِرِها [النَّحْلِ:١٢٦] . وقالَ مُقاتِلٌ: مَكِّيَّةٌ إلّا سَبْعَ آياتٍ، قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ . . . " الآيَةُ [النَّحْلِ:١١٠]، وقَوْلُهُ: " ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مَن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ . . . . " الآيَةُ [النَّحْلِ:١٠٦]، وقَوْلُهُ: " ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ﴾ . . . " الآيَةُ [النَّحْلِ:٤١]، وقَوْلُهُ: " ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً﴾ . . . . " الآيَةُ [النَّحْلِ:١١٢]، وقَوْلُهُ: " ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ﴾ إلى آخِرِها [النَّحْلِ:١٢٦] . قالَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ: أُنْزِلَ مِن أوَّلِ النَّحْلِ أرْبَعُونَ آيَةً بِمَكَّةَ وبَقِيَّتُها بِالمَدِينَةِ. ورَوى حَمّادٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَ يُقالُ لِلنَّحْلِ: سُورَةُ النِّعَمِ؛ يُرِيدُ لِكَثْرَةِ تَعْدادِ النِّعَمِ فِيها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالإمالَةِ.

سَبَبُ نُزُولِها: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القَمَرِ:١]، فَقالَ الكُفّارُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّ هَذا يَزْعُمُ أنَّ القِيامَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ، فَأمْسِكُوا عَنْ بَعْضِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى نَنْظُرَ، فَلَمّا رَأوْا أنَّهُ لا يَنْزِلُ شَيْءٌ؛ قالُوا: ما نَرى شَيْئًا ! فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنْبِياءِ:١] فَأشْفَقُوا، وانْتَظَرُوا قُرْبَ السّاعَةِ، فَلَمّا امْتَدَّتِ الأيّامُ قالُوا: يا مُحَمَّدُ ما نَرى شَيْئًا مِمّا تُخَوِّفُنا بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ فَوَثَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ورَفَعَ النّاسُ رُؤُوسَهم، فَنَزَلَ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فاطْمَأنُّوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أتى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أتى بِمَعْنى: يَأْتِي، كَما يُقالُ أتاكَ الخَيْرُ فَأبْشِرْ، أيْ: سَيَأْتِيكَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وشاهِدُهُ: ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الأعْرافِ:٤٤]، ﴿وَإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى﴾ [المائِدَةِ:١١٦] ونَحْوُ ذَلِكَ.

والثّانِي: أتى بِمَعْنى: قَرُبَ، قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ في قُرْبِهِ بِمَنزِلَةِ ما قَدْ أتى.

والثّالِثُ: أنْ " أتى " لِلْماضِي، والمَعْنى: أتى بَعْضُ عَذابِ اللَّهِ، وهو: الجَدْبُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، …

3

خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ تَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ

He created the heavens and earth in truth. High is He above what they associate with Him.

سُورَةُ النَّحْلِ

فَصْلٌ في نُزُولِها

رَوى مُجاهِدٌ، وعَطِيَّةُ، وابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها مَكِّيَّةٌ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٌ: أنَّها مَكِّيَّةٌ [كُلُّها] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: إنَّهُ نَزَلَ مِنها بَعْدَ قَتْلِ حَمْزَةَ: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النَّحْلِ:١٢٦]، وقالَ في رِوايَةٍ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [النَّحْلِ:٩٥،٩٧] . وقالَ الشَّعْبِيُّ: كُلُّها مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ. . . .﴾ إلى آخِرِ الآياتِ [النَّحْلِ:١٢٦- ١٢٨] . وقالَ قَتادَةُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا خَمْسَ آياتٍ: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ . . . . " الآيَتَيْنِ [النَّحْلِ:٩٥،٩٦]، ومِن قَوْلِهِ: " ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ﴾ . . . " إلى آخِرِها [النَّحْلِ:١٢٦] . وقالَ ابْنُ السّائِبِ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا خَمْسَ آياتٍ: " ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ . . . " الآيَةُ [النَّحْلِ:٤١]، وقَوْلُهُ: " ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ . . . . " الآيَةُ [النَّحْلِ:١١٠] وقَوْلُهُ: " ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ. . . .﴾ إلى آخِرِها [النَّحْلِ:١٢٦] . وقالَ مُقاتِلٌ: مَكِّيَّةٌ إلّا سَبْعَ آياتٍ، قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ . . . " الآيَةُ [النَّحْلِ:١١٠]، وقَوْلُهُ: " ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مَن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ . . . . " الآيَةُ [النَّحْلِ:١٠٦]، وقَوْلُهُ: " ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ﴾ . . . " الآيَةُ [النَّحْلِ:٤١]، وقَوْلُهُ: " ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً﴾ . . . . " الآيَةُ [النَّحْلِ:١١٢]، وقَوْلُهُ: " ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ﴾ إلى آخِرِها [النَّحْلِ:١٢٦] . قالَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ: أُنْزِلَ مِن أوَّلِ النَّحْلِ أرْبَعُونَ آيَةً بِمَكَّةَ وبَقِيَّتُها بِالمَدِينَةِ. ورَوى حَمّادٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَ يُقالُ لِلنَّحْلِ: سُورَةُ النِّعَمِ؛ يُرِيدُ لِكَثْرَةِ تَعْدادِ النِّعَمِ فِيها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالإمالَةِ.

سَبَبُ نُزُولِها: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القَمَرِ:١]، فَقالَ الكُفّارُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّ هَذا يَزْعُمُ أنَّ القِيامَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ، فَأمْسِكُوا عَنْ بَعْضِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى نَنْظُرَ، فَلَمّا رَأوْا أنَّهُ لا يَنْزِلُ شَيْءٌ؛ قالُوا: ما نَرى شَيْئًا ! فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنْبِياءِ:١] فَأشْفَقُوا، وانْتَظَرُوا قُرْبَ السّاعَةِ، فَلَمّا امْتَدَّتِ الأيّامُ قالُوا: يا مُحَمَّدُ ما نَرى شَيْئًا مِمّا تُخَوِّفُنا بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ فَوَثَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ورَفَعَ النّاسُ رُؤُوسَهم، فَنَزَلَ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فاطْمَأنُّوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أتى﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أتى بِمَعْنى: يَأْتِي، كَما يُقالُ أتاكَ الخَيْرُ فَأبْشِرْ، أيْ: سَيَأْتِيكَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وشاهِدُهُ: ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الأعْرافِ:٤٤]، ﴿وَإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى﴾ [المائِدَةِ:١١٦] ونَحْوُ ذَلِكَ.

والثّانِي: أتى بِمَعْنى: قَرُبَ، قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ في قُرْبِهِ بِمَنزِلَةِ ما قَدْ أتى.

والثّالِثُ: أنْ " أتى " لِلْماضِي، والمَعْنى: أتى بَعْضُ عَذابِ اللَّهِ، وهو: الجَدْبُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، …

4

خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ مِن نُّطْفَةٍۢ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌۭ مُّبِينٌۭ

He created man from a sperm-drop; then at once, he is a clear adversary.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ عَظْمًا رَمِيمًا، فَجَعَلَ يَفُتُّهُ ويَقُولُ: يا مُحَمَّدُ كَيْفَ يَبْعَثُ اللَّهُ هَذا بَعْدَ ما رَمَّ ؟ فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ. والخَصِيمُ: المُخاصِمُ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ الخُصُومَةِ.

والمَعْنى: أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن نُطْفَةٍ، وهو مَعَ ذَلِكَ يُخاصِمُ ويُنْكِرُ البَعْثَ، أفَلا يَسْتَدِلُّ بِأوَّلِهِ عَلى آخِرِهِ، وأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إيجادِهِ أوَّلًا يَقْدِرُ عَلى إعادَتِهِ ثانِيَةً ؟! وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى إنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِ حِينَ نَقَلَهُ مِن حالِ ضَعْفِ النُّطْفَةِ إلى القُوَّةِ الَّتِي أمْكَنَهُ مَعَها الخِصامُ.

5

وَٱلْأَنْعَٰمَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌۭ وَمَنَٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ

And the grazing livestock He has created for you; in them is warmth and [numerous] benefits, and from them you eat.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ﴾ الأنْعامُ: الإبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ،

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ ما اسْتُدْفِئَ بِهِ مِن أوْبارِها تُتَّخَذُ ثِيابًا، وأخْبِيَةً، وغَيْرَ ذَلِكَ. رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: يَعْنِي بِالدِّفْءِ: اللِّباسَ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ نَسْلُها. رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: " فِيها دِفْءٌ " قالَ الدِّفْءُ: نَسْلُ كُلِّ دابَّةٍ، وذَكَرَ ابْنُ السّائِبِ قالَ: يُقالُ: الدِّفْءُ أوْلادُها، ومَن لا يَحْمِلُ مِنَ الصِّغارِ، وحَكى ابْنُ فارِسٍ اللُّغَوِيُّ عَنِ الأُمَوِيِّ، قالَ: الدِّفْءُ عِنْدَ العَرَبِ: نِتاجُ الإبِلِ وألْبانُها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَنافِعُ﴾ أيْ: سِوى الدِّفْءِ مِنَ الجُلُودِ، والألْبانِ، والنَّسْلِ، والرُّكُوبِ، والعَمَلِ عَلَيْها، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ﴿وَمِنها تَأْكُلُونَ﴾ يَعْنِي: مِن لُحُومِ الأنْعامِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكم فِيها جَمالٌ﴾ أيْ: زِينَةٌ، ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ أيْ: [حِينَ] تَرُدُّونَها إلى مَراحِها، وهو المَكانُ الَّذِي تَأْوِي إلَيْهِ، فَتَرْجِعُ عِظامَ الضُّرُوعِ والأسْنِمَةِ، فَيُقالُ: هَذا مالُ فُلانٍ، ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ تُرْسِلُونَها بِالغَداةِ إلى مَراعِيها.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قَدَّمَ الرَّواحَ وهو مُؤَخَّرٌ ؟

فالجَوابُ: أنَّها في حال الرَّواحِ تَكُونُ أجْمَلَ؛ لِأنَّها قَدْ رَعَتْ، وامْتَلَأتْ ضُرُوعُها، وامْتَدَّتْ أسْنِمَتُها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أثْقالَكُمْ﴾ الإشارَةُ بِهَذا إلى ما يُطِيقُ الحِمْلَ مِنها، والأثْقالُ: جَمْعُ ثِقْلٍ، وهو مَتاعُ المُسافِرِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى بَلَدٍ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ بَلَدٍ يَقْصِدُهُ المُسافِرُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ: مَكَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والأوَّلُ أصَحُّ، والمَعْنى: أنَّها تَحْمِلُكم إلى كُلِّ بَلَدٍ لَوْ تَكَلَّفْتُمْ أنْتُمْ بُلُوغَهُ لَمْ تَبْلُغُوهُ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ.

وَفِي مَعْنى " شِقِّ الأنْفُسِ " قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ المَشَقَّةُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: نَحْنُ بِشِقٍّ مِنَ العَيْشِ، أيْ: بِجَهْدٍ؛ وفي حَدِيثِ أمِّ زَرْعٍ: " «وَجَدَنِي في أهْلِ غَنِيمَةٍ بِشِقٍّ» " .

والثّانِي: أنَّ الشِّقَّ: النِّصْفُ، فَكانَ الجَهْدُ يُنْقِصُ مِن قُوَّةِ الرَّجُلِ ونَفْسِهِ كَأنَّهُ قَدْ ذَهَبَ نِصْفُهُ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: حِينَ مَنَّ عَلَيْكم بِالنِّعَمِ الَّتِي فِيها هَذِهِ المَرافِقُ.

6

وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ

And for you in them is [the enjoyment of] beauty when you bring them in [for the evening] and when you send them out [to pasture].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ﴾ الأنْعامُ: الإبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ،

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ ما اسْتُدْفِئَ بِهِ مِن أوْبارِها تُتَّخَذُ ثِيابًا، وأخْبِيَةً، وغَيْرَ ذَلِكَ. رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: يَعْنِي بِالدِّفْءِ: اللِّباسَ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ نَسْلُها. رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: " فِيها دِفْءٌ " قالَ الدِّفْءُ: نَسْلُ كُلِّ دابَّةٍ، وذَكَرَ ابْنُ السّائِبِ قالَ: يُقالُ: الدِّفْءُ أوْلادُها، ومَن لا يَحْمِلُ مِنَ الصِّغارِ، وحَكى ابْنُ فارِسٍ اللُّغَوِيُّ عَنِ الأُمَوِيِّ، قالَ: الدِّفْءُ عِنْدَ العَرَبِ: نِتاجُ الإبِلِ وألْبانُها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَنافِعُ﴾ أيْ: سِوى الدِّفْءِ مِنَ الجُلُودِ، والألْبانِ، والنَّسْلِ، والرُّكُوبِ، والعَمَلِ عَلَيْها، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ﴿وَمِنها تَأْكُلُونَ﴾ يَعْنِي: مِن لُحُومِ الأنْعامِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكم فِيها جَمالٌ﴾ أيْ: زِينَةٌ، ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ أيْ: [حِينَ] تَرُدُّونَها إلى مَراحِها، وهو المَكانُ الَّذِي تَأْوِي إلَيْهِ، فَتَرْجِعُ عِظامَ الضُّرُوعِ والأسْنِمَةِ، فَيُقالُ: هَذا مالُ فُلانٍ، ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ تُرْسِلُونَها بِالغَداةِ إلى مَراعِيها.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قَدَّمَ الرَّواحَ وهو مُؤَخَّرٌ ؟

فالجَوابُ: أنَّها في حال الرَّواحِ تَكُونُ أجْمَلَ؛ لِأنَّها قَدْ رَعَتْ، وامْتَلَأتْ ضُرُوعُها، وامْتَدَّتْ أسْنِمَتُها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أثْقالَكُمْ﴾ الإشارَةُ بِهَذا إلى ما يُطِيقُ الحِمْلَ مِنها، والأثْقالُ: جَمْعُ ثِقْلٍ، وهو مَتاعُ المُسافِرِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى بَلَدٍ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ بَلَدٍ يَقْصِدُهُ المُسافِرُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ: مَكَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والأوَّلُ أصَحُّ، والمَعْنى: أنَّها تَحْمِلُكم إلى كُلِّ بَلَدٍ لَوْ تَكَلَّفْتُمْ أنْتُمْ بُلُوغَهُ لَمْ تَبْلُغُوهُ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ.

وَفِي مَعْنى " شِقِّ الأنْفُسِ " قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ المَشَقَّةُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: نَحْنُ بِشِقٍّ مِنَ العَيْشِ، أيْ: بِجَهْدٍ؛ وفي حَدِيثِ أمِّ زَرْعٍ: " «وَجَدَنِي في أهْلِ غَنِيمَةٍ بِشِقٍّ» " .

والثّانِي: أنَّ الشِّقَّ: النِّصْفُ، فَكانَ الجَهْدُ يُنْقِصُ مِن قُوَّةِ الرَّجُلِ ونَفْسِهِ كَأنَّهُ قَدْ ذَهَبَ نِصْفُهُ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: حِينَ مَنَّ عَلَيْكم بِالنِّعَمِ الَّتِي فِيها هَذِهِ المَرافِقُ.

7

وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍۢ لَّمْ تَكُونُوا۟ بَٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ

And they carry your loads to a land you could not have reached except with difficulty to yourselves. Indeed, your Lord is Kind and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ﴾ الأنْعامُ: الإبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ،

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ ما اسْتُدْفِئَ بِهِ مِن أوْبارِها تُتَّخَذُ ثِيابًا، وأخْبِيَةً، وغَيْرَ ذَلِكَ. رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: يَعْنِي بِالدِّفْءِ: اللِّباسَ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ نَسْلُها. رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: " فِيها دِفْءٌ " قالَ الدِّفْءُ: نَسْلُ كُلِّ دابَّةٍ، وذَكَرَ ابْنُ السّائِبِ قالَ: يُقالُ: الدِّفْءُ أوْلادُها، ومَن لا يَحْمِلُ مِنَ الصِّغارِ، وحَكى ابْنُ فارِسٍ اللُّغَوِيُّ عَنِ الأُمَوِيِّ، قالَ: الدِّفْءُ عِنْدَ العَرَبِ: نِتاجُ الإبِلِ وألْبانُها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَنافِعُ﴾ أيْ: سِوى الدِّفْءِ مِنَ الجُلُودِ، والألْبانِ، والنَّسْلِ، والرُّكُوبِ، والعَمَلِ عَلَيْها، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ﴿وَمِنها تَأْكُلُونَ﴾ يَعْنِي: مِن لُحُومِ الأنْعامِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكم فِيها جَمالٌ﴾ أيْ: زِينَةٌ، ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ أيْ: [حِينَ] تَرُدُّونَها إلى مَراحِها، وهو المَكانُ الَّذِي تَأْوِي إلَيْهِ، فَتَرْجِعُ عِظامَ الضُّرُوعِ والأسْنِمَةِ، فَيُقالُ: هَذا مالُ فُلانٍ، ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ تُرْسِلُونَها بِالغَداةِ إلى مَراعِيها.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قَدَّمَ الرَّواحَ وهو مُؤَخَّرٌ ؟

فالجَوابُ: أنَّها في حال الرَّواحِ تَكُونُ أجْمَلَ؛ لِأنَّها قَدْ رَعَتْ، وامْتَلَأتْ ضُرُوعُها، وامْتَدَّتْ أسْنِمَتُها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أثْقالَكُمْ﴾ الإشارَةُ بِهَذا إلى ما يُطِيقُ الحِمْلَ مِنها، والأثْقالُ: جَمْعُ ثِقْلٍ، وهو مَتاعُ المُسافِرِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى بَلَدٍ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ بَلَدٍ يَقْصِدُهُ المُسافِرُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ: مَكَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والأوَّلُ أصَحُّ، والمَعْنى: أنَّها تَحْمِلُكم إلى كُلِّ بَلَدٍ لَوْ تَكَلَّفْتُمْ أنْتُمْ بُلُوغَهُ لَمْ تَبْلُغُوهُ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ.

وَفِي مَعْنى " شِقِّ الأنْفُسِ " قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ المَشَقَّةُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: نَحْنُ بِشِقٍّ مِنَ العَيْشِ، أيْ: بِجَهْدٍ؛ وفي حَدِيثِ أمِّ زَرْعٍ: " «وَجَدَنِي في أهْلِ غَنِيمَةٍ بِشِقٍّ» " .

والثّانِي: أنَّ الشِّقَّ: النِّصْفُ، فَكانَ الجَهْدُ يُنْقِصُ مِن قُوَّةِ الرَّجُلِ ونَفْسِهِ كَأنَّهُ قَدْ ذَهَبَ نِصْفُهُ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: حِينَ مَنَّ عَلَيْكم بِالنِّعَمِ الَّتِي فِيها هَذِهِ المَرافِقُ.

8

وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةًۭ ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And [He created] the horses, mules and donkeys for you to ride and [as] adornment. And He creates that which you do not know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والخَيْلَ﴾ أيْ: وخَلَقَ الخَيْلَ ﴿والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وخَلَقَها زِينَةً.

فَصْلٌ

وَيَجُوزُ أكْلُ لَحْمِ الخَيْلِ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ في الآيَةِ، لِأنَّهُ لَيْسَ هو المَقْصُودَ، وإنَّما مُعْظَمُ المَقْصُودِ بِها: الرُّكُوبُ والزِّينَةُ، وبِهَذا قالالشّافِعِيُّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ: لا تُؤَكَلُ لُحُومُ الخَيْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أنَّ المُرادَ بِهِ عَجائِبُ المَخْلُوقاتِ في السَّمَواتِ والأرْضِ الَّتِي لَمْ يُطَّلَعُ عَلَيْها، مِثْلُ ما يُرْوى: أنَّ لِلَّهِ مَلَكًا مِن صِفَتِهُ كَذا، وتَحْتَ العَرْشِ نَهْرٌ مِن صِفَتِهُ كَذا. وقالَ قَوْمٌ: هو ما أعَدَّ اللَّهُ لِأهْلِ الجَنَّةِ فِيها، ولِأهْلِ النّارِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: في النّاسِ مَن كَرِهَ تَفْسِيرَ هَذا الحَرْفِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: هَذا الحَرْفُ مِن أسْرارِ القُرْآنِ.

9

وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌۭ ۚ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ

And upon Allah is the direction of the [right] way, and among the various paths are those deviating. And if He willed, He could have guided you all.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ القَصْدُ: اسْتِقامَةُ الطَّرِيقِ، يُقالُ: طَرِيقٌ قَصْدٌ وقاصِدٌ: إذا قَصَدَ بِكَ ما تُرِيدُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وعَلى اللَّهِ تَبْيِينُ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، والدُّعاءُ إلَيْهِ بِالحُجَجِ والبُرْهانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنها جائِرٌ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّبِيلُ لَفْظُهُ لَفْظُ الواحِدِ، وهو في مَوْضِعِ الجَمِيعِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِنَ السُّبُلِ سَبِيلٌ جائِرٌ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا ذَكَرَ السَّبِيلَ، دَلَّ عَلى السُّبُلِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وَمِنها جائِرٌ﴾ كَما دَلَّ الحَدَثانِ عَلى الحَوادِثِ في قَوْلِ العَبْدِيِّ:

؎ ولا يَبْقى عَلى الحَدَثانِ حَيٌّ فَهَلْ يَبْقى عَلَيْهِنَّ السِّلامُ

أرادَ: فَهَلْ يَبْقى عَلى الحَوادِثِ، والسِّلامُ: الصُّخُورُ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما قالَ: ﴿وَمِنها﴾ لِأنَّ السَّبِيلَ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، فالمَعْنى: مِنَ السَّبِيلِ جائِرٌ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: ومِنَ الطُّرُقِ جائِرٌ لا يَهْتَدُونَ فِيهِ، والجائِرُ: العادِلُ عَنِ القَصْدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومِنها جائِرُ الأهْواءِ المُخْتَلِفَةِ. وقالَ ابْنُ المُبارَكِ: الأهْواءُ والبِدَعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ يَعْنِي: المَطَرَ ﴿لَكم مِنهُ شَرابٌ﴾ وهو ما تَشْرَبُونَهُ، ﴿وَمِنهُ شَجَرٌ﴾ ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في مَعْناهُ قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: ومِنهُ سَقْيُ شَجَرٍ، وشُرْبُ شَجَرٍ، فَخَلَفَ المُضافُ إلَيْهِ المُضافَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ [البَقَرَةِ:٩٣] .

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: ومِن جِهَةِ الماءِ شَجَرٌ، ومِن سَقْيِهِ شَجَرٌ، ومِن ناحِيَتِهِ شَجَرٌ، فَحُذِفَ الأوَّلُ، وخَلَفَهُ الثّانِي، قالَ زُهَيْرٌ:

؎ [لِمَنِ الدِّيارُ بِقُنَّةِ الحِجْرِ] . . . . ∗∗∗ أقْوَيْنَ مِن حُجَجٍ ومِن شَهْرِ

أيْ: مِن مَمَرِّ حُجَجٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمُرادُ بِهَذِهِ الشَّجَرِ: المَرْعى. وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما نَبَتَ عَلى الأرْضِ فَهو شَجَرٌ، قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ الخَيْلَ:

؎ يَعْلِفُها اللَّحْمَ إذا عَزَّ الشَّجَرُ ∗∗∗ والخَيْلُ في إطْعامِها اللَّحْمَ ضَرَرُ

يَعْنِي: أنَّهم يَسْقُونَ الخَيْلَ اللَّبَنَ إذا أجْدَبَتِ الأرْضُ. و ﴿تُسِيمُونَ﴾ بِمَعْنى: تَرْعَوْنَ، يُقالُ: سامَتِ الإبِلُ فَهي سائِمَةٌ: إذا رَعَتْ، وإنَّما أخَذَ ذَلِكَ مِنَ السُّومَةِ، وهي: العَلامَةُ، وتَأْوِيلُها: أنَّها تُؤَثِّرُ في الأرْضِ بِرَعْيِها عَلاماتٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ﴾ ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " نُنْبِتُ " بِالنُّونِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الحُبُوبَ، وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ﴾ قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى: وجَعَلَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ، فَجازَ إضْمارُ فِعْلٍ غَيْرِ الأوَّلِ، لِأنَّ هَذا المُضْمَرَ في المَعْنى مِثْلُ المَظْهَرِ، وقَدْ تَفْعَلُ العَرَبُ أشَدَّ مِن هَذا، قالَ الرّاجِزُ:

؎ تَسَمَعُ في أجْوافِهِنَّ صَرَدًا ∗∗∗ وفي اليَدَيْنِ جُسْأةً وبَدَدا

المَعْنى: وتَرى في اليَدَيْنِ. والجُسْأةُ: اليَبَسُ. والبَدَدُ: السَّعَةُ. وقالَ غَيْرُهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُسَخَّراتٌ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، لِأنَّ تَسْخِيرَها قَدْ عُرِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: " وسَخَّرَ " . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ، رَفْعًا كُلَّهُ، ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِالنَّصْبِ كالجُمْهُورِ، إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ﴾ فَإنَّهُ رَفَعَها.

10

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌۭ وَمِنْهُ شَجَرٌۭ فِيهِ تُسِيمُونَ

It is He who sends down rain from the sky; from it is drink and from it is foliage in which you pasture [animals].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ القَصْدُ: اسْتِقامَةُ الطَّرِيقِ، يُقالُ: طَرِيقٌ قَصْدٌ وقاصِدٌ: إذا قَصَدَ بِكَ ما تُرِيدُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وعَلى اللَّهِ تَبْيِينُ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، والدُّعاءُ إلَيْهِ بِالحُجَجِ والبُرْهانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنها جائِرٌ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: السَّبِيلُ لَفْظُهُ لَفْظُ الواحِدِ، وهو في مَوْضِعِ الجَمِيعِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِنَ السُّبُلِ سَبِيلٌ جائِرٌ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا ذَكَرَ السَّبِيلَ، دَلَّ عَلى السُّبُلِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وَمِنها جائِرٌ﴾ كَما دَلَّ الحَدَثانِ عَلى الحَوادِثِ في قَوْلِ العَبْدِيِّ:

؎ ولا يَبْقى عَلى الحَدَثانِ حَيٌّ فَهَلْ يَبْقى عَلَيْهِنَّ السِّلامُ

أرادَ: فَهَلْ يَبْقى عَلى الحَوادِثِ، والسِّلامُ: الصُّخُورُ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما قالَ: ﴿وَمِنها﴾ لِأنَّ السَّبِيلَ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، فالمَعْنى: مِنَ السَّبِيلِ جائِرٌ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: ومِنَ الطُّرُقِ جائِرٌ لا يَهْتَدُونَ فِيهِ، والجائِرُ: العادِلُ عَنِ القَصْدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومِنها جائِرُ الأهْواءِ المُخْتَلِفَةِ. وقالَ ابْنُ المُبارَكِ: الأهْواءُ والبِدَعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ يَعْنِي: المَطَرَ ﴿لَكم مِنهُ شَرابٌ﴾ وهو ما تَشْرَبُونَهُ، ﴿وَمِنهُ شَجَرٌ﴾ ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في مَعْناهُ قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: ومِنهُ سَقْيُ شَجَرٍ، وشُرْبُ شَجَرٍ، فَخَلَفَ المُضافُ إلَيْهِ المُضافَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ [البَقَرَةِ:٩٣] .

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: ومِن جِهَةِ الماءِ شَجَرٌ، ومِن سَقْيِهِ شَجَرٌ، ومِن ناحِيَتِهِ شَجَرٌ، فَحُذِفَ الأوَّلُ، وخَلَفَهُ الثّانِي، قالَ زُهَيْرٌ:

؎ [لِمَنِ الدِّيارُ بِقُنَّةِ الحِجْرِ] . . . . ∗∗∗ أقْوَيْنَ مِن حُجَجٍ ومِن شَهْرِ

أيْ: مِن مَمَرِّ حُجَجٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمُرادُ بِهَذِهِ الشَّجَرِ: المَرْعى. وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما نَبَتَ عَلى الأرْضِ فَهو شَجَرٌ، قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ الخَيْلَ:

؎ يَعْلِفُها اللَّحْمَ إذا عَزَّ الشَّجَرُ ∗∗∗ والخَيْلُ في إطْعامِها اللَّحْمَ ضَرَرُ

يَعْنِي: أنَّهم يَسْقُونَ الخَيْلَ اللَّبَنَ إذا أجْدَبَتِ الأرْضُ. و ﴿تُسِيمُونَ﴾ بِمَعْنى: تَرْعَوْنَ، يُقالُ: سامَتِ الإبِلُ فَهي سائِمَةٌ: إذا رَعَتْ، وإنَّما أخَذَ ذَلِكَ مِنَ السُّومَةِ، وهي: العَلامَةُ، وتَأْوِيلُها: أنَّها تُؤَثِّرُ في الأرْضِ بِرَعْيِها عَلاماتٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ﴾ ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " نُنْبِتُ " بِالنُّونِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الحُبُوبَ، وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ﴾ قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى: وجَعَلَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ، فَجازَ إضْمارُ فِعْلٍ غَيْرِ الأوَّلِ، لِأنَّ هَذا المُضْمَرَ في المَعْنى مِثْلُ المَظْهَرِ، وقَدْ تَفْعَلُ العَرَبُ أشَدَّ مِن هَذا، قالَ الرّاجِزُ:

؎ تَسَمَعُ في أجْوافِهِنَّ صَرَدًا ∗∗∗ وفي اليَدَيْنِ جُسْأةً وبَدَدا

المَعْنى: وتَرى في اليَدَيْنِ. والجُسْأةُ: اليَبَسُ. والبَدَدُ: السَّعَةُ. وقالَ غَيْرُهُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُسَخَّراتٌ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، لِأنَّ تَسْخِيرَها قَدْ عُرِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: " وسَخَّرَ " . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ، رَفْعًا كُلَّهُ، ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِالنَّصْبِ كالجُمْهُورِ، إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ﴾ فَإنَّهُ رَفَعَها.

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.