Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 11–20 of 99

11

وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

And no messenger would come to them except that they ridiculed him.

﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ لِأنَّ ما لا تَدْخُلُ عَلى مُضارِعٍ إلّا وهو في مَوْضِعِ الحالِ ولا عَلى ماضٍ إلّا وهو قَرِيبٌ مِنَ الحالِ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الأكْثَرَ دُخُولُ ما عَلى المُضارِعِ مُرادًا بِهِ الحالُ وقَدْ تَدْخُلُ عَلَيْهِ مُرادًا بِهِ الِاسْتِقْبالُ، وأنْشَدَ قَوْلَ أبِي ذُؤَيْبٍ:

أوْدى بَنِيَّ وأوْدَعُونِي حَسْرَةً عِنْدَ الرُّقادِ وعَبْرَةً ما تَقْلَعُ

وقَوْلَ الأعْشى يَمْدَحُ النَّبِيَّ ﷺ:

لَهُ نافِلاتٌ ما يَغِبُّ نَوالُها ∗∗∗ ولَيْسَ عَطاءُ اليَوْمِ مانِعَهُ غَدًا

وقالَ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ ولَعَلَّهُ المُخْتارُ وإنْ كانَ ما هُنا عَلى الحِكايَةِ، والمُرادُ نَفْيُ إتْيانِ كُلِّ رَسُولٍ لِشِيعَتِهِ الخاصَّةِ بِهِ لا نَفْيَ إتْيانِ كُلِّ رَسُولٍ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الشِّيَعِ جَمِيعًا أوْ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ أيْ ما أتى شِيعَةً مِن تِلْكَ الشِّيَعِ رَسُولٌ خاصٌّ بِها ﴿إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كَما يَفْعَلُهُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ، والجُمْلَةُ- كَما قالَ أبُو البَقاءِ- في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في يَأْتِيهِمْ إنْ كانَ المُرادُ بِالإتْيانِ حُدُوثَهُ أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ أوِ الجَرِّ عَلى أنَّها صِفَةُ رَسُولٍ عَلى لَفْظِهِ أوْ مَوْضِعِهِ لِأنَّهُ فاعِلٌ، وتُعِقِّبَ جَعْلُها صِفَةً بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ بِأنَّهُ يُفْضِي إلى زِيادَةِ مِنَ الِاسْتِغْراقِيَّةِ في الإثْباتِ لِمَكانِ ( إلّا ) وتَقْدِيرُ العَمَلِ في النَّعْتِ بَعْدَها.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ نَصْبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ وإنْ كانَ المُخْتارُ الرَّفْعَ عَلى البَدَلِيَّةِ، وهَذا كَما تَرى تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنَّ هَذِهِ شَنْشَنَةَ جُهّالِ الأُمَمِ مَعَ المُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلُ.

12

كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُۥ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ

Thus do We insert denial into the hearts of the criminals.

وحَيْثُ كانَ الرَّسُولُ مَصْحُوبًا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى تَضَمَّنَ ذِكْرُ اسْتِهْزائِهِمْ بِالرَّسُولِ اسْتِهْزاءَهم بِالكِتابِ ولِذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ السَّلْكِ الَّذِي سَلَكْناهُ في قُلُوبِ أُولَئِكَ المُسْتَهْزِئِينَ بِرُسُلِهِمْ وبِما جاؤُوا بِهِ ﴿نَسْلُكُهُ﴾ أيْ نُدْخِلُهُ يُقالُ: سَلَكْتُ الخَيْطَ في الإبْرَةِ والسِّنانَ في المَطْعُونِ أيْ أدْخَلْتُ: وقُرِئَ (نَسْلُكُهُ) و«سَلَكَ» و«أسْلَكَ»

صفحة 18

كَما ذَكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ بِمَعْنًى واحِدٍ، والضَّمِيرُ عِنْدَ جَمْعٍ ومِنهُمُ الحَسَنُ عَلى ما ذَكَرَهُ الغَزْنَوِيُّ لِلذِّكْرِ ﴿فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ أهْلِ مَكَّةَ أوْ جِنْسِ المُجْرِمِينَ فَيَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ومَعْنى المِثْلِيَّةِ كَوْنُهُ مَقْرُونًا بِالِاسْتِهْزاءِ غَيْرَ مَقْبُولٍ لِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، وحاصِلُهُ أنَّهُ تَعالى يُلْقِي القُرْآنَ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ مُسْتَهْزَأً بِهِ غَيْرَ مَقْبُولٍ لِأنَّهم مِن أهْلِ الخِذْلانِ لَيْسَ لَهُمُ اسْتِحْقاقٌ لِقَبُولِ الحَقِّ كَما ألْقى سُبْحانَهُ كُتُبَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في قُلُوبِ شِيَعِهِمْ مُسْتَهْزَأً بِها غَيْرَ مَقْبُولَةٍ لِذَلِكَ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِكَوْنِ المُشَبَّهِ بِهِ مُقَدَّمًا في الوُجُودِ وهو السَّلْكُ الواقِعُ في شِيَعِ الأوَّلِينَ.

13

لَا يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلْأَوَّلِينَ

They will not believe in it, while there has already occurred the precedent of the former peoples.

﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الضَّمِيرُ لِلذِّكْرِ أيْضًا، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِ ﴿نَسْلُكُهُ﴾ أيْ غَيْرُ مُؤْمِنٍ بِهِ، وهي إمّا مُقَدَّرَةٌ وإمّا مُقارَنَةٌ عَلى مَعْنى أنَّ الإلْقاءَ وقَعَ بَعْدَهُ الكُفْرُ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ فَهُما في زَمانٍ واحِدٍ عُرْفًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِلْجُمْلَةِ السّابِقَةِ فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، قالَ في الكَشْفِ: وهو الأوْجَهُ لِأنَّ في طَرِيقَةِ الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ لا سِيَّما في هَذا المَقامِ ما يُجِلُّ مَوْقِعَ الكَلامِ. وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّهُ قَدْ جَعَلَ ضَمِيرَ ﴿نَسْلُكُهُ﴾ لِلِاسْتِهْزاءِ المَفْهُومِ مِن ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ فَتَتَعَيَّنُ البَيانِيَّةُ إلّا أنْ يُجْعَلَ ضَمِيرُ (بِهِ) لَهُ أيْضًا عَلى أنَّ الباءَ لِلْمُلابَسَةِ أيْ يَسْلُكُ الِاسْتِهْزاءُ في قُلُوبِهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِمُلابَسَةِ الِاسْتِهْزاءِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى جَوازِ إرْجاعِ الضَّمِيرَيْنِ إلى الِاسْتِهْزاءِ ابْنُ عَطِيَّةَ إلّا أنَّهُ جَعَلَ الباءَ لِلسَّبَبِيَّةِ، وكَذا الفاضِلُ الجَلْبِيُّ، ولا يَخْفى أنَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُغْنِي عَنْ رَدِّهِ. وذَهَبَ البَيْضاوِيُّ إلى كَوْنِ الضَّمِيرِ الأوَّلِ لِلِاسْتِهْزاءِ وضَمِيرِ (بِهِ) لِلذِّكْرِ، وتَفْرِيقُ الضَّمائِرِ المُتَعاقِبَةِ عَلى الأشْياءِ المُخْتَلِفَةِ إذا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ لَيْسَ بِبِدَعٍ في القُرْآنِ، وجُوِّزَ عَلى هَذا كَوْنُ الجُمْلَةِ حالًا مِنَ ( المُجْرِمِينَ ) ولا يَتَعَيَّنُ كَوْنُها حالًا مِنَ الضَّمِيرِ لِيَتَعَيَّنَ رُجُوعُهُ لِلذِّكْرِ، وذُكِرَ أنَّ عَوْدَهُ عَلى الِاسْتِهْزاءِ لا يُنافِي كَوْنَها مُفَسِّرَةً بَلْ يُقَوِّيهِ إذْ عَدَمُ الإيمانِ بِالذِّكْرِ أنْسَبُ بِتَمَكُّنِ الِاسْتِهْزاءِ في قُلُوبِهِمْ، وجَعْلُ الآيَةِ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ تَعالى يُوجِدُ الباطِلَ في قُلُوبِهِمْ فَفِيها رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: إنَّهُ قَبِيحٌ فَلا يَصْدُرُ مِنهُ سُبْحانَهُ، وكَأنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ظَنَّ أنَّ ما فَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن جَعْلِ الضَّمِيرَيْنِ لِلذِّكْرِ كانَ رِعايَةً لِمَذْهَبِهِ فَفَعَلَ ما فَعَلَ، ولا يَخْفى أنَّهُ لَمْ يُصِبِ المَحَزَّ وغَفَلَ عَنْ قَوْلِهِمُ: الدَّلِيلُ إذا طَرَقَهُ الِاحْتِمالُ بَطَلَ بِهِ الِاسْتِدْلالُ.

وفِي الكَشْفِ بَعْدَ كَلامٍ أنَّ رَجْعَ الضَّمِيرِ إلى الِاسْتِهْزاءِ أوِ الكُفْرِ مَعَ ما فِيهِ مِن تَنافُرِ النَّظْمِ لا يُنْكِرُهُ أهْلُ الِاعْتِزالِ إلّا كَإنْكارِ سَلْكِ الذِّكْرِ بِصِفَةِ التَّكْذِيبِ والتَّأْوِيلِ كالتَّأْوِيلِ، وكَأنَّهم غَفَلُوا عَمّا ذَكَرَهُ جارُ اللَّهِ في الشُّعَراءِ حَيْثُ أجابَ عَنْ سُؤالِ إسْنادِ سَلْكِ الذِّكْرِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ إلى نَفْسِهِ جَلَّ وعَلا بِأنَّ المُرادَ تَمَكُّنُهُ مُكَذَّبًا في قُلُوبِهِمْ أشَدَّ التَّمَكُّنِ كَشَيْءٍ جُبِلُوا عَلَيْهِ ولُخِّصَ المَعْنى هاهُنا بِأنَّهُ تَعالى يُلْقِيهِ في قُلُوبِهِمْ مُكَذَّبًا لا أنَّ التَّكْذِيبَ فِعْلُهُ سُبْحانَهُ.

نَعَمْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسٍ والحَسَنِ تَفْسِيرَ ضَمِيرِ ﴿نَسْلُكُهُ﴾ إلى الشِّرْكِ، وأخْرَجَ هو وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هم كَما قالَ اللَّهُ تَعالى هو أضَلَّهم ومَنَعَهُمُ الإيمانَ لَكِنَّ هَذا أمْرٌ وما نَحْنُ فِيهِ آخَرُ، واعْتَرَضَ بَعْضُهم رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى ( الذِّكْرَ ) بِأنَّ نُونَ العَظَمَةِ لا تُناسِبُ ذَلِكَ فَإنَّها إنَّما تَحْسُنُ إذا كانَ فِعْلُ المُعَظِّمِ نَفْسَهُ فِعْلًا يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ قَوِيٌّ ولَيْسَ كَذَلِكَ هُنا فَإنَّهُ تَدافَعَ وتَنازَعَ فِيهِ. وأجابَ …

14

وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّوا۟ فِيهِ يَعْرُجُونَ

And [even] if We opened to them a gate from the heaven and they continued therein to ascend,

﴿ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى هَؤُلاءِ المُقْتَرِحِينَ المُعانِدِينَ ﴿بابًا مِنَ السَّماءِ﴾ ظاهِرُهُ بابًا ما لا بابًا مِن أبْوابِها المَعْهُودَةِ كَما قِيلَ: ﴿فَظَلُّوا فِيهِ﴾ أيْ في ذَلِكَ البابِ ﴿يَعْرُجُونَ﴾ يَصْعَدُونَ حَسْبَما نُيَسِّرُهُ لَهم فَيَرَوْنَ ما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ والعَجائِبِ طُولَ نَهارِهِمْ مُسْتَوْضِحِينَ لِما يَرَوْنَهُ كَما يُفِيدُهُ- ظَلُّوا- لِأنَّهُ يُقالُ ظَلَّ يَعْمَلُ كَذا وإذا فَعَلَهُ في النَّهارِ حَيْثُ يَكُونُ لِلشَّخْصِ ظِلٌّ، وجُوِّزَ في البَحْرِ كَوْنُ ظَلَّ بِمَعْنى صارَ وهو مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الأصْلِ مِمّا لا داعِيَ إلَيْهِ، وأيًّا ما كانَ فَضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْمُقْتَرِحِينَ، وهو الظّاهِرُ المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الجَبائِيُّ وأبُو مُسْلِمٍ، وأخْرَجَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ لِلْمَلائِكَةِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا

صفحة 20

أيْ فَظَلَّ المَلائِكَةُ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا إتْيانَهم يَعْرُجُونَ في ذَلِكَ البابِ وهم يَرَوْنَهم عَلى أتَمِّ وجْهٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ «يَعْرِجُونَ» بِكَسْرِ الرّاءِ وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ في العُرُوجِ بِمَعْنى الصُّعُودِ

15

لَقَالُوٓا۟ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَٰرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌۭ مَّسْحُورُونَ

They would say, "Our eyes have only been dazzled. Rather, we are a people affected by magic."

﴿لَقالُوا﴾ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ وغُلُوِّهِمْ في المُكابَرَةِ وتَفادِيهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ: ﴿إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا﴾ أيْ سُدَّتْ ومُنِعَتْ مِنَ الإبْصارِ حَقِيقَةً وما نَراهُ تَخَيُّلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ،ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ فَهو مِنَ السَّكْرِ بِالفَتْحِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: بِالكَسْرِ السَّدُّ والحَبْسُ، وقالَ ابْنُ السَّيِّدِ: السَّكْرُ بِالفَتْحِ سَدُّ البابِ والنَّهْرِ وبِالكَسْرِ السَّدُّ نَفْسُهُ ويُجْمَعُ عَلى سُكُورٍ، قالَ الرَّفّاءُ:

غِناؤُنا فِيهِ ألْحانُ السُّكُورِ إذا قَلَّ الغِناءُ ورَنّاتُ النَّواعِيرِ

ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ «سُكِرَتْ أبْصارُنا» بِتَخْفِيفِ الكافِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ سَكِرَ المُخَفَّفَ المُتَعَدِّي اشْتُهِرَ في مَعْنى السَّدِّ، وعَنْ عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ المُرادَ حُيِّرَتْ فَهو مِنَ السُّكْرِ بِالضَّمِّ ضِدَّ الصَّحْوِ، وفَسَّرُوهُ بِأنَّهُ حالَةٌ تَعْرِضُ بَيْنَ المَرْءِ وعَقْلِهِ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ في الشَّرابِ وقَدْ يَعْتَرِي مِنَ الغَضَبِ والعِشْقِ، ولِذا قالَ الشّاعِرُ:

سَكْرانُ سُكْرَ هَوًى وسُكْرَ مُدامَةٍ ∗∗∗ أنّى يُفِيقُ فَتًى بِهِ سَكْرانُ

والتَّشْدِيدُ في ذَلِكَ لِلتَّعْدِيَةِ لِأنَّ سَكِرَ كَفَرِحَ لازِمٌ في الأشْهُرِ وقَدْ حُكِيَ تَعَدِّيهِ فَيَكُونُ لِلتَّكْثِيرِ والمُبالَغَةِ، وأرادُوا بِذَلِكَ أنَّهُ فَسَدَتْ أبْصارُنا واعْتَراها خَلَلٌ في إحْساسِها كَما يَعْتَرِي عَقْلَ السَّكْرانِ ذَلِكَ فَيَخْتَلُّ إدْراكُهُ فَفي الكَلامِ عَلى هَذا اسْتِعارَةٌ وكَذا عَلى الأوَّلِ عِنْدَ بَعْضٍ ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى قِراءَةُ الزُّهْرِيِّ «سَكِرَتْ» بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِ الكافِ مُخَفَّفَةً مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ لِأنَّ الثُّلاثِيَّ اللّازِمَ مَشْهُورٌ فِيهِ ولِأنَّ سَكَرَ بِمَعْنى سَدَّ المَعْرُوفُ فِيهِ فَتْحُ الكافِ.

واخْتارَ الزَّجّاجُ أنَّ المَعْنى سَكَنَتْ عَنْ إبْصارِ الحَقائِقِ مِن سَكِرَتِ الرِّيحُ تَسْكِرُ سَكْرًا إذا رَكَدَتْ ويُقالُ: لَيْلَةٌ ساكِرَةٌ لا رِيحَ فِيها والتَّضْعِيفُ لِلتَّعْدِيَةِ ولَهم أقْوالٌ أُخَرُ مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى. وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبٍ وحُمِلَتْ لِمُخالَفَتِها سَوادَ المُصْحَفِ عَلى التَّفْسِيرِ سُحِرَتْ أبْصارُنا ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ قَدْ سَحَرَنا مُحَمَّدٌ ﷺ كَما قالُوا ذَلِكَ عِنْدَ ظُهُورِ سائِرِ الآياتِ الباهِرَةِ، والظّاهِرُ عَلى ما قالَ القُطْبُ إنَّهم أرادُوا أوَّلًا سُكِّرَتْ أبْصارُنا لا عُقُولُنا فَنَحْنُ وإنْ تَخَيَّلْنا هَذِهِ الأشْياءَ بِأبْصارِنا لَكِنْ نَعْلَمُ بِعُقُولِنا أنَّ الحالَ بِخِلافٍ ثُمَّ أضْرَبُوا عَنِ الحَصْرِ في الإبْصارِ وقالُوا: بَلْ تَجاوَزَ ذَلِكَ إلى عُقُولِنا، وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الحَصْرَ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا تَسْكِيرًا فَأوْرَدَ عَلَيْهِ بِأنَّ ( إنَّما ) تُفِيدُ الحَصْرَ في المَذْكُورِ آخِرًا وحِينَئِذٍ يَكُونُ المَعْنى ما تَقَدَّمَ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ المَقْصُودِ عَلى المَقْصُورِ عَلَيْهِ لازِمٌ وخِلافُهُ مُمْتَنِعٌ، وقَدْ قالَ المُحَقِّقَ في شَرْحِ التَّخْلِيصِ إنَّهُ يَجُوزُ إذا كانَ نَفْسُ التَّقْدِيمِ يُفِيدُ الحَصْرَ كَما في قَوْلِنا: إنَّما زِيدًا ضَرَبْتُ فَإنَّهُ لِقَصْرِ الضَّرْبِ عَلى زَيْدٍ، وقالَ أبُو الطَّيِّبِ:

صِفاتُهُ لَمْ تَزِدْهُ مَعْرِفَةً ∗∗∗ لَكِنَّها لَذَّةٌ ذَكَرْناها

أيْ ما ذَكَرْناها إلّا لَذَّةً إلّا أنَّ هَذا لا يَنْفَعُ فِيما نَحْنُ فِيهِ. نَعَمْ نُقِلَ عَنْ عَرُوسِ الأفْراحِ أنَّ حُكْمَ أهْلِ …

16

وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى ٱلسَّمَآءِ بُرُوجًۭا وَزَيَّنَّٰهَا لِلنَّٰظِرِينَ

And We have placed within the heaven great stars and have beautified it for the observers.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ مُنْكِرِي النُّبُوَّةِ وكانَتْ مُفَرَّعَةً عَلى التَّوْحِيدِ ذَكَرَ دَلائِلَهُ السَّماوِيَّةَ والأرْضِيَّةَ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ إلَخْ وإلى هَذا ذَهَبَ الإمامُ وغَيْرُهُ في وجْهِ الرَّبْطِ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهم لَوْ رَأوُا الآيَةَ المَطْلُوبَةَ في السَّماءِ لَعانَدُوا وبَقَوْا عَلى ما هم فِيهِ مِنَ الضَّلالِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ كَأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ قالَ: وإنَّ في السَّماءِ لَعِبْرًا مَنصُوبَةً غَيْرَ هَذِهِ المَذْكُورَةِ وكُفْرُهم بِها وإعْراضُهم عَنْها إصْرارٌ مِنهم وعُتُوٌّ اهـ والظّاهِرُ أنَّ الجَعْلَ بِمَعْنى الخَلْقِ والإبْداعِ فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ وبُرُوجًا مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، والبُرُوجُ جَمْعُ بُرْجٍ وهو لُغَةُ القَصْرِ والحِصْنِ وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ هُنا عَطِيَّةُ، فَقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّهُ قالَ:

صفحة 22

جَعَلْنا قُصُورًا في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ، وأخْرَجَ عَنْ أبِي صالِحٍ أنَّ المُرادَ بِالبُرُوجِ الكَواكِبُ العِظامُ.

وفِي البَحْرِ عَنْهُ الكَواكِبُ السَّيّارَةُ ورَوى غَيْرُ واحِدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّها الكَواكِبُ مِن غَيْرِ قَيْدٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِالبُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشْرَ المَشْهُورَةِ وهي سِتَّةٌ شَمالِيَّةٌ ثَلاثَةٌ رَبِيعِيَّةٌ وثَلاثَةٌ صَيْفِيَّةٌ وأوَّلُها الحَمَلُ وسِتَّةٌ جَنُوبِيَّةٌ ثَلاثَةٌ خَرِيفِيَّةٌ وثَلاثَةٌ شِتائِيَّةٌ وأوَّلُها المِيزانُ وطُولُ كُلِّ بُرْجٍ عِنْدَهم ل دَرَجَةً وعَرْضُهُ قِفْ دَرَجَةً ص مِنها في جِهَةِ الشَّمالِ ومِثْلُها في جِهَةِ الجَنُوبِ وكَأنَّها إنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها كالحِصْنِ أوِ القَصْرِ لِلْكَوْكَبِ الحالِّ فِيها وهي في الحَقِيقَةِ أجْزاءُ الفَلَكِ الأعْظَمِ وهو المُحَدَّدُ المُسَمّى بِلِسانِهِمُ الفَلَكُ الأطْلَسُ وفَلَكُ الأفْلاكِ وبِلِسانِ الشَّرْعِ بِعَكْسِهِ ولِهَذا يُسَمِّي الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ الفَلَكَ الأطْلَسَ بِفَلَكِ البُرُوجِ والمَشْهُورُ تَسْمِيَةُ الفَلَكِ الثّامِنِ وهو فَلَكُ الثَّوابِتِ بِهِ لِاعْتِبارِهِمُ الِانْقِسامَ فِيهِ وكَأنَّ ذَلِكَ لِظُهُورٍ ما تَتَعَيَّنُ بِهِ الأجْزاءُ مِنَ الصُّوَرِ فِيهِ وإنْ كانَ كُلٌّ مِنها مُنْتَقِلًا عَمّا عَيَّنَهُ إلى آخَرَ مِنها لِثُبُوتِ الحَرَكَةِ الذّاتِيَّةِ لِلثَّوابِتِ عَلى خِلافِ التَّوالِي وإنْ لَمْ يُثْبِتْها لَها لِعَدَمِ الإحْساسِ بِها قُدَماءُ الفَلاسِفَةِ كَما لَمْ يُثْبِتِ الأكْثَرُونَ حَرَكَتَها عَلى نَفْسِها وأثْبَتَها الشَّيْخُ أبُو عَلِيٍّ ومَن تَبِعَهُ مِنَ المُحَقِّقِينَ، وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ هَذِهِ الصُّوَرَ المُسَمّاةَ بِالأسْماءِ المَعْلُومَةِ تُوُهِّمَتْ عَلى المِنطَقَةِ وما يَقْرُبُ مِنها مِنَ الجانِبَيْنِ مِن كَواكِبَ ثابِتَةٍ تُنَظِّمُها خُطُوطٌ مَوْهُومَةٌ وقَعَتْ وقْتَ القِسْمَةِ في تِلْكَ الأقْسامِ ونُقِلَ ذَلِكَ في الكِفايَةِ عَنْ عامَّةِ المُنَجِّمِينَ وأنَّهم إنَّما تَوَهَّمُوا لِكُلِّ قِسْمِ صُورَةً لِيَحْصُلَ التَّفْهِيمُ والتَّعْلِيمُ بِأنْ يُقالَ: الدَّبَرانُ مَثَلًا عَيْنُ الأسَدِ.

وتُعِقِّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وهَذا لَيْسَ بِسَدِيدٍ عِنْدِي لِأنَّ تِلْكَ الصُّوَرَ لَوْ كانَتْ وهْمِيَّةً لَمْ يَكُنْ لَها أثَرٌ في أمْثالِها مِنَ العالَمِ السُّفْلِيِّ مَعَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ قالَ بَطْلَيْمُوسُ في الثَّمَرَةِ الصُّوَرُ الَّتِي في …

17

وَحَفِظْنَٰهَا مِن كُلِّ شَيْطَٰنٍۢ رَّجِيمٍ

And We have protected it from every devil expelled [from the mercy of Allah]

﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ مَطْرُودٍ عَنِ الخَيْراتِ، ويُطْلَقُ الرَّجْمُ عَلى الرَّمْيِ بِالرِّجامِ وهي الحِجارَةُ، فالمُرادُ بِالرَّجِيمِ المَرْمِيُّ بِالنُّجُومِ، ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى الإهْلاكِ والقَتْلِ الشَّنِيعِ، والمُرادُ بِحِفْظِها مِنَ الشَّيْطانِ إمّا مَنعُهُ عَنِ التَّعَرُّضِ لَها عَلى الإطْلاقِ والوُقُوفُ عَلى ما فِيها في الجُمْلَةِ فالِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ تَعالى:

18

إِلَّا مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌۭ مُّبِينٌۭ

Except one who steals a hearing and is pursued by a clear burning flame.

﴿إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ مُتَّصِلٌ، وأمّا المَنعُ عَنْ دُخُولِها والِاخْتِلاطِ مَعَ أهْلِها عَلى نَحْوِ الِاخْتِلاطِ مَعَ أهْلِ الأرْضِ فَهو حِينَئِذٍ مُنْقَطِعٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ مَحَلُّ ( مَنِ ) النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ والحَوْفِيُّ كَوْنَهُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّهُ بَدَلُ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ﴾ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ واسْتَغْنى عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ بِإلا. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يُشْتَرَطُ في البَدَلِيَّةِ أنْ تَكُونَ في كَلامٍ غَيْرِ مُوجِبٍ وهَذا الكَلامُ مُثَبْتٌ.

ودُفِعَ بِأنَّهُ في تَأْوِيلِ المَنفِي أيْ لَمْ نُمَكِّنْ مِنها كُلَّ شَيْطانٍ أوْ نَحْوَهُ وأُورِدَ أنَّ تَأْوِيلَ المُثْبَتِ في غَيْرِ أبى ومُتَصَرِّفاتِهِ غَيْرُ مَقِيسٍ ولا حَسُنَ فَلا يُقالُ ماتَ القَوْمُ إلّا زِيدٌ بِمَعْنى لَمْ يَعِيشُوا، ولَعَلَّ القائِلَ بِالبَدَلِيَّةِ لا يَسْلَمُ ذَلِكَ، وقَدْ أوَّلُوا بِالمَنفِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ إلا قَلِيلا﴾ وقَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««العالَمُ هَلْكى إلّا العالِمُونَ»» الخَبَرَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا لَيْسَ فِيهِ أبى ولا شَيْءٌ مِن مُتَصَرِّفاتِهِ لَكِنَّ الإنْصافَ ضَعَّفَ هَذِهِ البَدَلِيَّةَ كَما لا يَخْفى.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أيْضًا أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ وذَكَرَ أنَّ الفاءَ مِن أجْلِ أنْ ( مَنِ ) مَوْصُولٌ أوْ شَرْطٌ والِاسْتِراقُ افْتِعالٌ مِنَ السَّرِقَةِ وهو أخْذُ الشَّيْءِ بِخُفْيَةٍ شَبَّهَ بِهِ خَطَفْتَهُمُ اليَسِيرَةَ مِنَ المَلَأِ الأعْلى وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ والمُرادُ بِالسَّمْعِ المَسْمُوعُ، والشِّهابُ - عَلى ما قالَ الرّاغِبُ - الشُّعْلَةُ السّاطِعَةُ مِنَ النّارِ المُوقَدَةِ ومِنَ العارِضِ في الجَوِّ ويُطْلَقُ عَلى الكَوْكَبِ لِبَرِيقِهِ كَشُعْلَةِ النّارِ.

وأصْلُهُ مِنَ الشِّهْبَةِ وهي بَياضٌ مُخْتَلِطٌ بِسَوادٍ ولَيْسَتِ البَياضَ الصّافِيَ كَما يَغْلَطُ فِيهِ العامَّةُ فَيَقُولُونَ فَرَسٌ أشْهَبُ لِلْقِرْطاسِيِّ، والمُرادُ- بِمُبِينٍ- ظاهِرٌ أمْرُهُ لِلْمُبْصِرِينَ ومَعْنى اتْبَعَهُ تَبِعَهُ عِنْدَ الأخْفَشِ نَحْوَ رَدِفْتُهُ وأرْدَفَتْهُ فَلَيْسَتِ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ، وقِيلَ: أتْبَعَهُ أخَصُّ مِن تَبِعَهُ لِما قالَ الجَوْهَرِيُّ: تَبِعْتُ القَوْمَ تَبَعًا وتَباعَةً بِالفَتْحِ إذا مَشَيْتَ خَلْفَهم أوْ مَرُّوا بِكَ فَمَضَيْتَ مَعَهم وأتْبَعْتَ القَوْمَ عَلى أفْعَلْتَ إذا كانُوا قَدْ سَبَقُوكَ فَلَحِقْتَهم واسْتَحْسَنَّ الفَرْقَ بَيْنَهُما الشِّهابُ، ولَمّا كانَ الِاتِّباعُ مُحْتَمَلًا لِلْإهْلاكِ وغَيْرِهِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ فَحَكى القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الشِّهابَ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ولا يَقْتُلُ، وعَنِ الحَسَنِ وطائِفَةٍ أنَّهُ يَقْتُلُ، وادَّعى أنَّ الأوَّلَ أصَحُّ، ونَقَلَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: إنِ الشَّياطِينَ يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا إلى السَّماءِ الدُّنْيا يَسْتَرِقُونَ

صفحة 24

السَّمْعَ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَيَرْمُونَ بِالكَواكِبِ فَلا تُخْطِئُ أبَدًا فَمِنهم مَن تَقْتُلُهُ ومِنهم مَن تَحْرِقُ وجْهَهُ أوْ جَنْبَهُ أوْ يَدَهُ أوْ حَيْثُ يَشاءُ اللَّهُ تَعالى ومِنهم مَن تَخْبِلُهُ فَيَصِيرُ غُولًا فَيَضِلُّ النّاسُ في البَرارِي، ومِمّا لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما يُرْوى مِن أنَّ مِنهم مَن يَقَعُ في البَحْرِ فَيَكُونُ تِمْساحًا ومِنَ النّاسِ مَن طَعَنَ كَما قالَ الإمامُ في أمْرِ هَذا …

19

وَٱلْأَرْضَ مَدَدْنَٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَىْءٍۢ مَّوْزُونٍۢ

And the earth - We have spread it and cast therein firmly set mountains and caused to grow therein [something] of every well-balanced thing.

﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ بَسَطْناها، قالَ الحَسَنُ: أخَذَ اللَّهُ تَعالى طِينَةً فَقالَ لَها: انْبَسِطِي فانْبَسَطَتْ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ أُمَّ القُرى مَكَّةُ ومِنها دُحِيَتِ الأرْضُ وبُسِطَتْ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: بَسَطْناها عَلى وجْهِ الماءِ، وقِيلَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ جَعَلْناها مُمْتَدَّةً في الجِهاتِ الثَّلاثِ الطُّولِ والعَرْضِ والعُمْقِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بَسْطُها وتَوْسِعَتُها لِيَحْصُلَ بِها الِانْتِفاعُ لِمَن حَلَّها ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ نَفْيُ كَرَوِيَّتِها لِما أنَّ الكَرَّةَ العَظِيمَةَ لِعَظَمِها تُرى كالسَّطْحِ المُسْتَوِي، ونَسْبُ ( الأرْضَ ) عَلى الحَذْفِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ وهو في مِثْلِ ذَلِكَ أرْجَحُ مِنَ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ لِلْعَطْفِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا﴾ إلَخْ ولْيُوافِقَ ما بَعْدَهُ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ جُمَعُ راسِيَةٍ جَمْعُ رَأْسٍ عَلى ما قِيلَ، وقَدْ بَيَّنَ حِكْمَةُ إلْقاءِ ذَلِكَ فِيها في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

صفحة 29

﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ .

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَسَطَ الأرْضَ عَلى الماءِ مالَتْ كالسَّفِينَةِ فَأرْساها بِالجِبالِ الثِّقالِ لِئَلّا تَمِيلَ بِأهْلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى فَعَلَ ذَلِكَ لِتَكُونَ الجِبالُ دالَّةً عَلى طُرُقِ الأرْضِ ونَواحِيها فَلا تَمِيدُ النّاسُ عَنِ الجادَّةِ المُسْتَقِيمَةِ ولا يَقَعُونَ في الضَّلالِ، ثُمَّ قالَ: وهَذا الوَجْهُ ظاهِرُ الِاحْتِمالِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يُسَوَّغُ الذَّهابُ إلَيْهِ مَعَ وُجُودِ أخْبارٍ تَأْباهُ كالجِبالِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها﴾ أيْ في الأرْضِ، وهي إمّا شامِلَةٌ لِلْجِبالِ لِأنَّها تُعَدُّ مِنها أوْ خاصَّةٌ بِغَيْرِها لِأنَّ أكْثَرَ النَّباتِ وأحْسَنَهُ في ذَلِكَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْجِبالِ والأرْضِ بِتَأْوِيلِ المَذْكُوراتِ مَثَلًا أوْ لِلْأرْضِ بِمَعْنى ما يُقابِلُ السَّماءَ بِطَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ، وعَوْدُهُ عَلى الرَّواسِي لِقُرْبِها وحَمْلُ الإنْباتِ عَلى إخْراجِ المَعادِنِ بَعِيدٌ ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ مُقَدَّرٍ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ فَهو مَجازٌ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ أوْ كِنايَةٌ أوْ مِن كُلِّ شَيْءٍ مُسْتَحْسَنٍ مُتَناسِبٍ مِن قَوْلِهِمْ: كَلامٌ مَوْزُونٌ، وأنْشَدَ المُرْتَضى في دُرَرِهِ لِهَذا المَعْنى قَوْلَ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:

وحَدِيثٍ ألَذُّهُ وهو مِمّا تَشْتَهِيهِ النُّفُوسُ يُوزَنُ وزْنا

وقَدْ شاعَ اسْتِعْمالُ ذَلِكَ في كَلامِ العَجَمِ والمُوَلِّدِينَ فَيَقُولُونَ: قِوامٌ مَوْزُونٌ أيْ مُتَناسِبٌ مُعْتَدِلٌ، أوْ ما لَهُ قَدْرٌ واعْتِبارٌ عِنْدَ النّاسِ في أبْوابِ النِّعْمَةِ والمَنفَعَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ ما يُوزَنُ حَقِيقَةً كالذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِهِما، (ومِن) كَمّا في البَحْرِ لِلتَّبْعِيضِ، وقالَ الأخْفَشُ: هي زائِدَةٌ أيْ كُلَّ شَيْءٍ

20

وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَٰيِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ

And We have made for you therein means of living and [for] those for whom you are not providers.

﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ ما تَعِيشُونَ بِهِ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ وغَيْرِها مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ البَقاءُ وهي بِياءٍ صَرِيحَةٍ. وقَرَأ الأعْرَجُ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ بِالهَمْزِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والوَجْهُ تَرْكُهُ لِأنَّ الياءَ في ذَلِكَ عَيْنُ الكَلِمَةِ، والقِياسُ في مِثْلِهِ أنْ لا يُبْدَلَ هَمْزَةً وإنَّما يُبْدَلُ إذا كانَ زائِدًا كَياءِ شَمائِلَ وخَبائِثَ. لَكِنْ لَمّا كانَ الياءُ هُنا مُشابِهًا لِلْياءِ هُناكَ في وُقُوعِهِ بَعْدَ مُدَّةٍ زائِدَةٍ في الجَمْعِ عُومِلَ مُعامَلَتَهُ عَلى خِلافِ القِياسِ ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى مَعايِشَ أيْ وجَعَلْنا لَكم مَن لَسْتُمْ بِرازِقِيهِ مِنَ العِيالِ والمَمالِيكِ والخَدَمِ والدَّوابِّ وما أشْبَهَها عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ كَما قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ، وذَكَرَهَمْ بِهَذا العُنْوانِ لِرَدِّ حُسْبانِ بَعْضِ الجَهَلَةِ أنَّهم يَرْتَزِقُونَ مِنهم أوْ لِتَحْقِيقِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَرْزُقُهم وإيّاهم مَعَ ما في ذَلِكَ مِن عَظِيمِ الِامْتِنانِ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى مَحَلِّ ( لَكم ) وجَوَّزَ الكُوفِيُّونَ ويُونُسُ والأخْفَشُ. وصَحَّحَهُ أبُو حَيّانَ العَطْفَ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ وإنْ لَمْ يَعُدِ الجارُّ، والمَعْنى عَلى التَّقْدِيرَيْنِ سَواءٌ أيْ وجَعَلَنا لَكم مُعايِشَ ولِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ، وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ ( مَن ) في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ وأعَشْنا مَن لَسْتُمْ إلَخْ أيْ أُمَمًا غَيْرَكم لِأنَّ المَعْنى أعَشْناكُمْ، وقِيلَ: إنَّهُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ أيْ ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ جَعْلَنا لَهُ فِيها مَعايِشَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: لا بَأْسَ بِهِ فَقَدْ أجازُوا ضَرَبْتُ زَيْدًا وعَمْرٌو بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ أيْ وعَمْرٌو ضَرَبْتُهُ فَحُذِفَ الخَبَرُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ بِـ (مَن لَسْتُمْ) إلَخِ الدَّوابُّ والأنْعامُ، وعَنْ مَنصُورٍ الوَحْشُ، وعَنْ بَعْضِهِمْ ذاكَ والطَّيْرُ- فَمَن- عَلى هَذِهِ الأقْوالِ لِما لا يَعْقِلُ

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.