ٱلَّذِينَ جَعَلُوا۟ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ
Who have made the Qur'an into portions.
Explained together with ayah 88
سُورَةُ الحِجۡرِ
Reading Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah
Ayahs 91–99 of 99
ٱلَّذِينَ جَعَلُوا۟ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ
Who have made the Qur'an into portions.
Explained together with ayah 88
فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
So by your Lord, We will surely question them all
قال غير واحد من السلف: هو عن قول: "لا إله إلا الله"، وهذا حق.
فإن السؤال كله عنها وعن أحكامها وحقوقها وواجباتها ولوازمها، فلا يسأل أحد قط إلا عنها وعن واجباتها ولوازمها وحقوقها، قال أبو العالية: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟
فالسؤال عمّاذا كانوا يعبدون هو السؤال عنها نفسها، والسؤال عمّاذا أجابوا المرسلين سؤال عن الوسيلة والطريق المؤدية إليها: هل سلكوها وأجابوا الرسل لما دعوهم إليها، فعاد الأمر كله إليها.
وأمر هذا شأْنه حقيق بأن تنعقد عليه الخناصر، ويعض عليه بالنواجذ، ويقبض فيه على الجمر ولا يؤخذ بأطراف الأنامل، ولا يطلب على فضله، بل يجعل هو المطلب الأعظم وما سواه إنما يطلب على الفضلة.
والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه.
عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ
About what they used to do.
قال غير واحد من السلف: هو عن قول: "لا إله إلا الله"، وهذا حق.
فإن السؤال كله عنها وعن أحكامها وحقوقها وواجباتها ولوازمها، فلا يسأل أحد قط إلا عنها وعن واجباتها ولوازمها وحقوقها، قال أبو العالية: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟
فالسؤال عمّاذا كانوا يعبدون هو السؤال عنها نفسها، والسؤال عمّاذا أجابوا المرسلين سؤال عن الوسيلة والطريق المؤدية إليها: هل سلكوها وأجابوا الرسل لما دعوهم إليها، فعاد الأمر كله إليها.
وأمر هذا شأْنه حقيق بأن تنعقد عليه الخناصر، ويعض عليه بالنواجذ، ويقبض فيه على الجمر ولا يؤخذ بأطراف الأنامل، ولا يطلب على فضله، بل يجعل هو المطلب الأعظم وما سواه إنما يطلب على الفضلة.
والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه.
فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ
Then declare what you are commanded and turn away from the polytheists.
(لطيفة)
سمع بعض الأعراب قارئا يقرأ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ فسجد فقيل له ليست بآية سجود!
فقال سجدت لفصاحة هذا الكلام.
[فَصْلٌ: أكْمَلُ الخَلْقِ مَن كَمَّلَ مَراتِبَ الجِهادِ]
وَأكْمَلُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ مَن كَمَّلَ مَراتِبَ الجِهادِ كُلَّها، والخَلْقُ مُتَفاوِتُونَ في مَنازِلِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَفاوُتُهم في مَراتِبِ الجِهادِ، ولِهَذا كانَ أكْمَلُ الخَلْقِ وأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ خاتِمَ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ، فَإنَّهُ كَمَّلَ مَراتِبَ الجِهادِ، وجاهَدَ في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ، وشَرَعَ في الجِهادِ مِن حِينَ بُعِثَ إلى أنْ تَوَفّاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَإنَّهُ لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ قُمْ فَأنْذِرْ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ١-٤] شَمَّرَ عَنْ ساقِ الدَّعْوَةِ، وقامَ في ذاتِ اللَّهِ أتَمَّ قِيامٍ، ودَعا إلى اللَّهِ لَيْلًا ونَهارًا، وسِرًّا وجِهارًا، ولَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] فَصَدَعَ بِأمْرِ اللَّهِ لا تَأْخُذُهُ فِيهِ لَوْمَةُ لائِمٍ، فَدَعا إلى اللَّهِ الصَّغِيرَ والكَبِيرَ والحُرَّ والعَبْدَ والذَّكَرَ والأُنْثى والأحْمَرَ والأسْوَدَ والجِنَّ والإنْسَ.
وَلَمّا صَدَعَ بِأمْرِ اللَّهِ وصَرَّحَ لِقَوْمِهِ بِالدَّعْوَةِ، وناداهم بِسَبِّ آلِهَتِهِمْ، وعَيْبِ دِينِهِمْ، اشْتَدَّ أذاهم لَهُ، ولِمَنِ اسْتَجابَ لَهُ مِن أصْحابِهِ، ونالُوهُ ونالُوهم بِأنْواعِ الأذى، وهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في خَلْقِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣] وقالَ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] وقالَ: ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ - أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢-٥٣].
فَعَزّى سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ بِذَلِكَ، وأنَّ لَهُ أُسْوَةً بِمَن تَقَدَّمَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، وعَزّى أتْباعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].
إِنَّا كَفَيْنَٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ
Indeed, We are sufficient for you against the mockers
Explained together with ayah 94
ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
Who make [equal] with Allah another deity. But they are going to know.
Explained together with ayah 94
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ
And We already know that your breast is constrained by what they say.
Explained together with ayah 94
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ
So exalt [Allah] with praise of your Lord and be of those who prostrate [to Him].
Explained together with ayah 94
وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ
And worship your Lord until there comes to you the certainty (death).
الصادق لا نهاية لطلبه ولا فتور لقصده، بل قصده أتم وطلبه أكمل ونيته. قال تعالى: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيكَ اليَقِينْ﴾
واليقين هنا الموت باتفاق أهل الإسلام، فجاء ﷺ إذ جاءه وإرادته وقصده ونيته في الذروة العليا ونهاية كمالها وتمامها، فأين العلة في هذه الإرادة؟
ولكن العلة والنقص في الإرادة التي يكون مصدرها النفس والهوى، وغايتها نيل حظ المريد من محبوبه، وإن كان المحبوب يريد ذلك لكن غيره أحب إليه منه، وهو أن يكون مراده محض حق محبوبه وحصول مرضاته، فانيًا عن حظه هو من محبوبه، بل قد صار حظه منه نفس حقه ومراده، فهذه هي الإرادة والمحبة التي لا عِلَّة فيها ولا نقص.
نسأل الله تعالى أن يمن علينا ويحيينا ولو بنفس منها، كما منّ بتعليمها ومعرفتها إنه جواد كريم.
(فصل)
قال ابن القيم - بعد كلام طويل عن منزلة الفناء -:
وَيَقُولُ قائِلُهُمْ: مَن شَهِدَ الحَقِيقَةَ سَقَطَ عَنْهُ الأمْرُ، ويَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] ويُفَسِّرُونَ اليَقِينَ بِشُهُودِ الحُكْمِ الكَوْنِيِّ، وهي الحَقِيقَةُ عِنْدَهم.
وَلا رَيْبَ أنَّ العامَّةَ خَيْرٌ مِن هَؤُلاءِ وأصَحُّ إيمانًا، فَإنَّ هَذا زَنْدَقَةٌ ونِفاقٌ، وكَذِبٌ مِنهم عَلى أنْفُسِهِمْ ونَبِيِّهِمْ وإلَهِهِمْ.
أمّا كَذِبُهم عَلى أنْفُسِهِمْ فَإنَّهم لا بُدَّ أنْ يُفَرِّقُوا قَطْعًا، فَرَغِبُوا عَنِ الفَرْقِ النَّبَوِيِّ والقُرْآنِيِّ، ووَقَعُوا في الفَرْقِ النَّفْسِيِّ الطَّبْعِيِّ، مِثْلَ حالِ إبْلِيسَ، تَكَبَّرَ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ، ورَضِيَ لِنَفْسِهِ بِالقِيادَةِ لِفُسّاقِ ذُرِّيَّتِهِ، ومِثْلَ المُشْرِكِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ الحَيِّ القَيُّومِ،
وَرَضُوا لِأنْفُسِهِمْ بِعِبادَةِ الأحْجارِ والأشْجارِ والمَوْتى والأوْثانِ، ومِثْلَ أهْلِ البِدَعِ تَكَبَّرُوا عَنْ تَقْلِيدِ النُّصُوصِ، وتَلَقِّي الهُدى مِن مِشْكاتِها، ورَضُوا لِأنْفُسِهِمْ بِتَقْلِيدِ أقْوالٍ مُخالِفَةٍ لِلْفِطْرَةِ والعَقْلِ والشَّرْعِ، وظَنُّوها قَواطِعَ عَقْلِيَّةً، وقَدَّمُوها عَلى نُصُوصِ الأنْبِياءِ، وهي في الحَقِيقَةِ شُبُهاتٌ مُخالِفَةٌ لِلسَّمْعِ والعَقْلِ.
وَمِثْلَ الجَهْمِيَّةِ نَزَّهُوا الرَّبَّ عَنْ عَرْشِهِ، وجَعَلُوهُ في أجْوافِ البُيُوتِ والحَوانِيتِ والحَمّاماتِ، وقالُوا: هو في كُلِّ مَكانٍ بِذاتِهِ، ونَزَّهُوهُ عَنْ صِفاتِ كَمالِهِ ونُعُوتِ جَلالِهِ حَذَرًا - بِزَعْمِهِمْ - مِنَ التَّشْبِيهِ فَشَبَّهُوهُ بِالجامِداتِ النّاقِصَةِ الخَسِيسَةِ الَّتِي لا تَتَكَلَّمُ، ولا سَمْعَ لَها ولا بَصَرَ، ولا عِلْمَ ولا حَياةَ، بَلْ شَبَّهُوهُ بِالمَعْدُوماتِ المُمْتَنِعِ وُجُودُها.
وَمِثْلَ المُعَطَّلَةِ الَّذِينَ قالُوا: ما فَوْقَ العَرْشِ إلّا العَدَمُ، ولَيْسَ فَوْقَ العَرْشِ رَبٌّ يُعْبَدُ، ولا إلَهٌ يُصَلّى لَهُ ويُسْجَدُ، ولا تَرْتَفِعُ الأيْدِي إلَيْهِ، ولا رَفَعَ المَسِيحُ إلَيْهِ، ولا تَعَرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ، ولا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِ، ولا دُنِّيَ مِنهُ حَتّى كانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، ولا يَنْزِلُ مِن عِنْدِهِ شَيْءٌ، ولا يَصْعَدُ إلَيْهِ شَيْءٌ، ولا يَراهُ أهْلُ الجَنَّةِ مِن فَوْقِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، واسْتِواؤُهُ عَلى عَرْشِهِ لا حَقِيقَةَ لَهُ، بَلْ عَلى المَجازِ الَّذِي يَصِحُّ نَفْيُهُ، وعُلُوُّهُ فَوْقَ خَلْقِهِ بِالرُّتْبَةِ والشَّرَفِ لا بِالذّاتِ، وكَذَلِكَ فَوَقِيَّتُهُ فَوْقِيَّةُ قَهْرٍ، لا فَوْقِيَّةَ ذاتٍ، فَنَزَّهُوهُ عَنْ كَمالِ عُلُوِّهِ وفَوْقِيَّتِهِ، ووَصَفُوهُ بِما ساوَوْا بِهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ العَدَمِ والمُسْتَحِيلِ، فَقالُوا: لا هو داخِلَ العالَمِ، ولا خارِجَهُ، ولا مُتَّصِلٌ بِهِ، ولا …
Commentary: Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.