Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 91–99 of 99

91

ٱلَّذِينَ جَعَلُوا۟ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ

Who have made the Qur'an into portions.

﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ أيْ قَسَمُوهُ إلى حَقٍّ وباطِلٍ حَيْثُ قالُوا عِنادًا وعَداوَةً: بَعْضُهُ مُوافِقٌ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ وبَعْضُهُ باطِلٌ مُخالِفٌ لَهُما، وتَفْسِيرُ ﴿المُقْتَسِمِينَ﴾ المَذْكُورِينَ بِأهْلِ الكِتابِ مِمّا رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وغَيْرِهِ، وفي الدُّرِّ المَنثُورِ أخْرَجَ البُخارِيُّ وسَعْدُ بْنُ مَنصُورٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هم أهْلُ الكِتابِ جَزَّؤُوهُ أجْزاءً فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ وكَفَرُوا بِبَعْضِهِ، وجاءَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا أيْضًا، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ الحَبْرِ قالَ: ««سَألَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اليَهُودُ والنَّصارى قالَ: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ ما عِضِينَ؟ قالَ ﷺ: آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ»». أوِ اقْتَسَمُوهُ لِأنْفُسِهِمُ اسْتِهْزاءً بِهِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ بَعْضَهم كانَ يَقُولُ: سُورَةُ البَقَرَةِ لِي وبَعْضَهم سُورَةُ آلِ عِمْرانَ لِي وهَكَذا، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمُقْتَسِمِينَ أهْلُ الكِتابِ ويُرادَ مِنَ القُرْآنِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ أيِ المَقْرُوءُ مِن كُتُبِهِمْ أيِ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا ما قَرَؤُوا مِن كُتُبِهِمْ وحَرَّفُوهُ وأقَرُّوا بِبَعْضٍ وكَذَّبُوا بِبَعْضٍ، وحُمِلَ تَوَسُّطُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ إلَخْ بَيْنَ المُتَعَلِّقِ والمُتَعَلَّقِ عَلى إمْدادِ ما هو المُرادُ بِالكَلامِ مِنَ التَّسْلِيَةِ. وتُعِقِّبَ القَوْلُ بِهَذا التَّعَلُّقِ بِأنَّهُ جُلُّ هَذا المَقامِ عَنِ التَّشْبِيهِ فَلَقَدْ أُوتِيَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما لَمْ يُؤْتَ أحَدٌ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وفي حَمْلِ القُرْآنِ عَلى مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ ما فِيهِ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ لِأنَّهُ في قُوَّةِ الأمْرِ بِالإنْذارِ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْذِرْ قُرَيْشًا مِثْلَ ما أنْزَلْنا مِنَ العَذابِ عَلى المُقْتَسِمِينَ يَعْنِي اليَهُودَ هو ما جَرى عَلى قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ بِأنْ جُعِلَ المُتَوَقَّعِ كالواقِعِ وقَدْ وقَعَ كَذَلِكَ. وتُعِقِّبَ بِأنَّ المُشَبَّهَ بِهِ العَذابَ المُنْذِرَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا حالَ النُّزُولِ وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ فَيَلْغُو التَّشْبِيهُ، وتَنْزِيلُ المُتَوَقَّعِ مَنزِلَةَ الواقِعِ لَهُ مَوْقِعٌ جَلِيلٌ مِنَ الإعْجازِ لَكِنْ إذا صادَفَ مَقامًا يَقْتَضِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ونَظائِرِهِ، عَلى أنَّ تَخْصِيصَ الِاقْتِسامِ بِاليَهُودِ بِمُجَرَّدِ اخْتِصاصِ العَذابِ المَذْكُورِ بِهِمْ مَعَ شِرْكَتِهِمْ لِلنَّصارى في الِاقْتِسامِ المُتَفَرِّعِ عَلى المُوافَقَةِ والمُخالَفَةِ، وفي الِاقْتِسامِ بِمَعْنى التَّحْرِيفِ الشّامِلِ لِلْكِتابَيْنِ بَلْ تَخْصِيصُ العَذابِ المَذْكُورِ بِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ مِن نَتائِجِ الِاقْتِسامِ تَخْصِيصٌ مِن غَيْرِ مُخَصِّصٍ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمُقْتَسِمِينَ جَماعَةٌ مِن قُرَيْشٍ وهي اثْنا عَشَرَ، وقالَ ابْنُ السّائِبِ: سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا حَنْظَلَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأبُو جَهْلٍ والعاصُ بْنُ هِشامٍ وأبُو قَيْسِ بْنُ الوَلِيدِ وقَيْسُ بْنُ الفاكِهِ وزُهَيْرُ بْنُ أُمَيَّةَ وهِلالُ بْنُ عَبْدِ الأسْوَدِ والسّائِبُ بْنُ صَيْفِيٍّ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وأبُو البَخْتَرِيِّ بْنُ …

92

فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ

So by your Lord, We will surely question them all

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ لَنَسْألَنَّ يَوْمَ القِيامَةِ أصْنافَ الكَفَرَةِ مُطْلَقًا المُقْتَسِمِينَ وغَيْرَهم سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ وتَرْكٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ مِنَ الِاقْتِسامِ والتَّعْضِيَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا أوْ لَنُجازِيَنَّهم عَلى ذَلِكَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ لِأنَّ المُرادَ هُنا حَسْبَما أشَرْنا إلَيْهِ إثْباتُ سُؤالِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ أوِ المُجازاةِ بِناءً عَلى أنَّ السُّؤالَ مَجازٌ عَنْها وهُناكَ نَفِيُ سُؤالِ الِاسْتِفْهامِ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ أعْمالِهِمْ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وضَعَّفَ هَذا الإمامُ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِتَخْصِيصِ نَفْيِ سُؤالِ الِاسْتِفْهامِ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ مُحالٌ عَلَيْهِ تَعالى في كُلِّ وقْتٍ.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ بِناءً عَلى زَعْمِهِمْ

صفحة 85

كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ فَإنَّهُ يَظْهَرُ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلا يَحْتاجُ إلى الِاسْتِفْهامِ. وقِيلَ: المُرادُ لا سُؤالَ يَوْمَئِذٍ مِنهُ تَعالى ولا مِن غَيْرِهِ بِخِلافِ الدُّنْيا فَإنَّهُ رُبَّما سَألَ غَيْرَهُ فِيها. ورُدَّ بِأنَّ قَوْلَهُ: لِأنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ أعْمالِهِمْ يَأْباهُ.

واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ في الجَمْعِ أنَّ النَّفْيَ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِ المَواقِفِ والإثْباتَ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضٍ آخَرَ، وسَيَأْتِي تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ، واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم عَوْدَ الضَّمِيرِ في ﴿لَنَسْألَنَّهُمْ﴾ إلى ﴿المُقْتَسِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ لِلْقُرْبِ، وجُوِّزَ أنْ يَعُودَ عَلى الجَمِيعِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ لِتَقَدُّمٍ ما يُشْعِرُ بِذَلِكَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ وما لِلْعُمُومِ كَما هو الظّاهِرُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ وعَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يَسْألُ العِبادَ كُلَّهم يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ خَلَّتَيْنِ عَمّا كانُوا يَعْبُدُونَ وعَمّا أجابُوا بِهِ المُرْسَلِينَ.

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««يُسْألُونَ عَنْ قَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»» وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ، والتِّرْمِذِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أنَسٍ مَوْقُوفًا، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ومُجاهِدٍ، والمَعْنى عَلى ما في البَحْرِ يُسْألُونَ عَنِ الوَفاءِ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ والتَّصْدِيقِ لِمَقالِها بِالأعْمالِ، والفاءُ قِيلَ لِتَرْتِيبِ الوَعِيدِ عَلى أعْمالِهِمُ الَّتِي ذُكِرَ بَعْضُها، وقِيلَ: لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ والأمْرِ فِيما سَبَقَ، وزُعِمَ أنَّها الفاءُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ المَوْصُولِ كَما في قَوْلِكَ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ (الَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ وقَدْ عَلِمْتَ حالَ ذَلِكَ، وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا يَخْفى مِن إظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ

93

عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

About what they used to do.

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ لَنَسْألَنَّ يَوْمَ القِيامَةِ أصْنافَ الكَفَرَةِ مُطْلَقًا المُقْتَسِمِينَ وغَيْرَهم سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ وتَرْكٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ مِنَ الِاقْتِسامِ والتَّعْضِيَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا أوْ لَنُجازِيَنَّهم عَلى ذَلِكَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ لِأنَّ المُرادَ هُنا حَسْبَما أشَرْنا إلَيْهِ إثْباتُ سُؤالِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ أوِ المُجازاةِ بِناءً عَلى أنَّ السُّؤالَ مَجازٌ عَنْها وهُناكَ نَفِيُ سُؤالِ الِاسْتِفْهامِ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ أعْمالِهِمْ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وضَعَّفَ هَذا الإمامُ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِتَخْصِيصِ نَفْيِ سُؤالِ الِاسْتِفْهامِ بِيَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ مُحالٌ عَلَيْهِ تَعالى في كُلِّ وقْتٍ.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ بِناءً عَلى زَعْمِهِمْ

صفحة 85

كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ فَإنَّهُ يَظْهَرُ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلا يَحْتاجُ إلى الِاسْتِفْهامِ. وقِيلَ: المُرادُ لا سُؤالَ يَوْمَئِذٍ مِنهُ تَعالى ولا مِن غَيْرِهِ بِخِلافِ الدُّنْيا فَإنَّهُ رُبَّما سَألَ غَيْرَهُ فِيها. ورُدَّ بِأنَّ قَوْلَهُ: لِأنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ أعْمالِهِمْ يَأْباهُ.

واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ في الجَمْعِ أنَّ النَّفْيَ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِ المَواقِفِ والإثْباتَ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضٍ آخَرَ، وسَيَأْتِي تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ، واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم عَوْدَ الضَّمِيرِ في ﴿لَنَسْألَنَّهُمْ﴾ إلى ﴿المُقْتَسِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ لِلْقُرْبِ، وجُوِّزَ أنْ يَعُودَ عَلى الجَمِيعِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ لِتَقَدُّمٍ ما يُشْعِرُ بِذَلِكَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ وما لِلْعُمُومِ كَما هو الظّاهِرُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ وعَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يَسْألُ العِبادَ كُلَّهم يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ خَلَّتَيْنِ عَمّا كانُوا يَعْبُدُونَ وعَمّا أجابُوا بِهِ المُرْسَلِينَ.

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««يُسْألُونَ عَنْ قَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»» وأخْرَجَهُ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ، والتِّرْمِذِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أنَسٍ مَوْقُوفًا، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ومُجاهِدٍ، والمَعْنى عَلى ما في البَحْرِ يُسْألُونَ عَنِ الوَفاءِ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ والتَّصْدِيقِ لِمَقالِها بِالأعْمالِ، والفاءُ قِيلَ لِتَرْتِيبِ الوَعِيدِ عَلى أعْمالِهِمُ الَّتِي ذُكِرَ بَعْضُها، وقِيلَ: لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ والأمْرِ فِيما سَبَقَ، وزُعِمَ أنَّها الفاءُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ المَوْصُولِ كَما في قَوْلِكَ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ (الَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ وقَدْ عَلِمْتَ حالَ ذَلِكَ، وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا يَخْفى مِن إظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ

94

فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ

Then declare what you are commanded and turn away from the polytheists.

﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: أيْ أظْهِرْهُ واجْهَرْ بِهِ يُقالُ: صَدَعَ بِالحُجَّةِ إذا تَكَلَّمَ بِها جِهارًا، ومِن ذَلِكَ قِيلَ لِلْفَجْرِ صَدِيعٌ لِظُهُورِهِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أمْرًا مِن صَدْعِ الزُّجاجَةِ وهو تَفْرِيقُ أجْزائِها أيِ افْرُقْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وأصْلُهُ عَلى ما قِيلَ الإبانَةُ والتَّمْيِيزُ، والباءُ عَلى الأوَّلِ صِلَةٌ وعَلى الثّانِي سَبَبِيَّةٌ، و«ما» جُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ بِالَّذِي تُؤْمَرُ بِهِ فَحُذِفَ الجارُّ فَتَعَدّى الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ فَصارَ تُؤْمَرُهُ ثُمَّ حُذِفَ، ولَعَلَّ القائِلَ بِذَلِكَ لَمْ يَعْتَبِرْ حَذْفَهُ مَجْرُورًا لِفَقْدِ شَرْطِ حَذْفِهِ بِناءً عَلى أنَّهُ يُشْتَرَطُ في حَذْفِ العائِدِ المَجْرُورِ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا بِمِثْلِ ما جُرَّ بِهِ المَوْصُولُ لَفْظًا ومَعْنًى ومُتَعَلِّقًا، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ بِالصَّدْعِ بِهِ فَحُذِفَتِ الباءُ الثّانِيَةُ ثُمَّ الثّالِثَةُ ثُمَّ لامُ التَّعْرِيفِ ثُمَّ المُضافُ ثُمَّ الهاءُ، وهو تَكَلُّفٌ لا داعِيَ لَهُ ويَكادُ يُورِثُ الصُّداعَ، والمُرادُ بِما يُؤْمَرُ بِهِ الشَّرائِعُ مُطْلَقًا، وقَوْلُ مُجاهِدٍ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: إنَّ المَعْنى اجْهَرْ بِالقُرْآنِ في الصَّلاةِ يَقْتَضِي بِظاهِرِهِ التَّخْصِيصَ ولا داعِيَ لَهُ أيْضًا كَما لا يَخْفى، وأظْهَرُ مِنهُ في ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المُرادَ ﴿بِما تُؤْمَرُ﴾ القُرْآنُ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُبَلِّغَهم إيّاهُ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ فاصْدَعْ بِمَأْمُورِيَّتِكَ وهو الَّذِي عَناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: أيْ بِأمْرِكَ مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ أنْ يُرادَ بِالمَصْدَرِ أنْ والفِعْلُ المَبْنِيُّ لِلْمَفْعُولِ والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ. ورُدَّ بِأنَّ الِاخْتِلافَ في المَصْدَرِ الصَّرِيحِ هَلْ يَجُوزُ انْحِلالُهُ إلى حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ وفِعْلٍ مَجْهُولٍ أمْ لا أمّا أنَّ الفِعْلَ المَجْهُولَ هَلْ يُوصَلُ بِهِ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ فَلَيْسَ مَحَلَّ النِّزاعِ، فَإنْ كانَ اعْتِراضُهُ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِهِ بِالأمْرِ وأنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ بِالمَأْمُورِيَّةِ فَشَيْءٌ

صفحة 86

آخَرُ سَهْلٌ، ثُمَّ لا يَخْفى ما في الآيَةِ مِنَ الجَزالَةِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَنْ رُؤْيَةِ ما في القُرْآنِ مِنها، ويُحْكى أنَّ بَعْضَ العَرَبِ سَمِعَ قارِئًا يَقْرَأُها فَسَجَدَ فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: سَجَدْتُ لِبَلاغَةِ هَذا الكَلامِ، ولَمْ يَزَلْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُسْتَخْفِيًا كَما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَبْلَ نُزُولِ ذَلِكَ فَلَمّا نَزَلَتْ خَرَجَ هو وأصْحابُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ إلى ما يَقُولُونَ ولا تُبالِ بِهِمْ فَلَيْسَتِ الآيَةُ مَنسُوخَةً، وقِيلَ: هي مِن آياتِ المُهادَنَةِ الَّتِي نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما

95

إِنَّا كَفَيْنَٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ

Indeed, We are sufficient for you against the mockers

﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ بِكَ أوْ بِكَ وبِالقُرْآنِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِقَمْعِهِمْ وتَدْمِيرِهِمْ.

أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، والبَيْهَقِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ كِلاهُما في الدَّلائِلِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قالَ: «المُسْتَهْزَءُونَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ والحارِثُ بْنُ عُطَيْلٍ السَّهْمِيُّ والعاصُ بْنُ وائِلٍ فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَشَكاهم إلَيْهِ فَأراهُ الوَلِيدَ فَأوْمَأ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أكْحُلِهِ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ما صَنَعْتَ شَيْئًا قالَ: كَفَيْتُكَهُ، ثُمَّ أراهُ الأسْوَدَ بْنَ المُطَّلِبِ فَأوْمَأ إلى عَيْنَيْهِ فَقالَ: ما صَنَعْتَ شَيْئًا قالَ: كَفَيْتُكَهُ. ثُمَّ أراهُ الأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ فَأوْمَأ إلى رَأْسِهِ فَقالَ: ما صَنَعْتَ شَيْئًا قالَ: كَفَيْتُكَهُ ثُمَّ أراهُ الحارِثَ فَأوْمَأ إلى بَطْنِهِ فَقالَ: ما صَنَعْتَ شَيْئًا قالَ: كَفَيْتُكَهُ، ثُمَّ أراهُ العاصَ بْنَ وائِلٍ فَأوْمَأ إلى أخْمُصِهِ فَقالَ: ما صَنَعْتَ شَيْئًا قالَ: كَفَيْتُكَهُ. فَأمّا الوَلِيدُ فَمَرَّ بِرَجُلٍ مِن خُزاعَةَ وهو يَرِيشُ نَبْلًا فَأصابَ أُكْحَلَهُ فَقَطَعَها، وأمّا الأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ فَنَزَلَ تَحْتَ سَمُرَةٍ فَجَعَلَ يَقُولُ: يا بَنِيَّ ألا تَدْفَعُونَ عَنِّي قَدْ هَلَكْتُ أُطْعَنُ بِالشَّوْكِ في عَيْنِي فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: ما نَرى شَيْئًا فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى عَمِيَتْ عَيْناهُ، وأمّا الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فَخَرَجَ في رَأْسِهِ قُرُوحٌ فَماتَ مِنها وأمّا الحارِثُ فَأخَذَهُ الماءُ الأصْفَرُ في بَطْنِهِ حَتّى خَرَجَ رَجِيعُهُ مِن فِيهِ فَماتَ مِنهُ، وأمّا العاصُ فَرَكِبَ إلى الطّائِفِ فَرَبَضَ عَلى شَبْرَقَةٍ فَدَخَلَ في أخْمُصِ قَدَمِهِ شَوْكَةٌ فَقَتَلَتْهُ،» وقالَ الكِرْمانِيُّ في شَرْحِ البُخارِيِّ: إنَّ المُسْتَهْزِئِينَ هُمُ السَّبْعَةُ الَّذِينَ ألْقَوْا الأذى ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُصَلِّي كَما جاءَ في حَدِيثِ البُخارِيِّ وهُمْ: عَمْرُو بْنُ هِشامٍ وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، وعِمارَةُ بْنُ الوَلِيدِ، وفي الأعْلامِ لِلسُّهَيْلِيِّ أنَّهم قَذَفُوا بِقَلِيبِ بَدْرٍ وعَدَّهم بِخِلافِ ما ذُكِرَ. وفي الدُّرِّ المَنثُورِ وغَيْرِهِ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ في عِدَّتِهِمْ وأسْمائِهِمْ وكَيْفِيَّةِ هَلاكِهِمْ وعَدَّ الشَّعْبِيُّ مِنهم هَبّارَ بْنَ الأسْوَدِ. وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّ هَبّارًا أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ ورَحَلَ إلى المَدِينَةِ فَعَدُّهُ وهْمٌ، وهَذا مُتَعَيِّنٌ إذا كانَتْ كِفايَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهم بِالإهْلاكِ كَما هو الظّاهِرُ، وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ نَحْوَ ما ذَكَرْنا مِنَ اخْتِلافِ الرِّواياتِ ثُمَّ قالَ: ولا حاجَةَ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، والقَدْرُ المَعْلُومُ أنَّهم كانُوا طائِفَةً لَهم قُوَّةٌ وشَوْكَةٌ لِأنَّ أمْثالَهم هُمُ الَّذِينَ يَقْدِرُونَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ السَّفاهَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في عُلُوِّ قَدْرِهِ وعِظَمِ مَنصِبِهِ، ودَلَّ القُرْآنَ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أفْناهم وأبادَهم وأزالَ كَيْدَهم.

96

ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ

Who make [equal] with Allah another deity. But they are going to know.

﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ أيِ اتَّخَذُوا إلَهًا يَعْبُدُونَهُ مَعَهُ تَعالى، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِ الحالِ الماضِيَةِ، وفي وصْفِهِمْ بِذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَهْوِينٌ لِلْخَطْبِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإشارَةِ إلى أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَلِ اجْتَرَءُوا عَلى

صفحة 87

العَظِيمَةِ الَّتِي هي الإشْراكُ بِهِ سُبْحانَهُ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ وفِيهِ مِنَ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى.

وفِي البَحْرِ أنَّهُ وعِيدٌ لَهم بِالمُجازاةِ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ وشِرْكِهِمْ في الآخِرَةِ كَما جُوزُوا في الدُّنْيا

97

وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ

And We already know that your breast is constrained by what they say.

﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ مِن كَلِماتِ الشِّرْكِ والِاسْتِهْزاءِ، وتَحْلِيَةُ الجُمْلَةِ بِالتَّأْكِيدِ لِإفادَةِ تَحَقُّقِ ما تَتَضَمَّنُهُ مِنَ التَّسْلِيَةِ. وصِيغَةُ المُضارِعِ لِإفادَةِ اسْتِمْرارِ العِلْمِ حَسَبَ اسْتِمْرارِ مُتَعَلِّقِهِ بِاسْتِمْرارِ ما يُوجِبُهُ مِن أقْوالِ الكَفَرَةِ

98

فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ

So exalt [Allah] with praise of your Lord and be of those who prostrate [to Him].

﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ فافْزَعْ إلى رَبِّكَ فِيما نابَكَ مِن ضِيقِ الصَّدْرِ بِالتَّسْبِيحِ مُلْتَبِسًا بِحَمْدِهِ أيْ قُلْ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ أوْ فَنَزِّهْهُ عَمّا يَقُولُونَ حامِدًا لَهُ سُبْحانَهُ عَلى أنْ هَداكَ لِلْحَقِّ، فالتَّسْبِيحُ والحَمْدُ بِمَعْناهُما اللُّغَوِيِّ كَما أنَّهُما عَلى الأوَّلِ بِمَعْناهُما العُرْفِيِّ أعْنِي قَوْلَ تَيْنِكَ الجُمْلَتَيْنِ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما لا يَخْفى مِنَ اللُّطْفِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والإشْعارُ بِعِلَّةِ الحُكْمِ أعْنِي الأمْرَ المَذْكُورَ ﴿وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ أيِ المُصَلِّينَ فَفِيهِ التَّعْبِيرُ عَنِ الكُلِّ بِالجُزْءِ. وهَذا الجُزْءُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ أفْضَلُ الأجْزاءِ لِما صَحَّ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ»».

ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ سَجْدَةٍ خِلافًا لِبَعْضِهِمْ. وفي أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما ذُكِرَ إرْشادٌ لَهُ إلى ما يَكْشِفُ بِهِ الغَمَّ الَّذِي يَجِدُهُ كَأنَّهُ قِيلَ: افْعَلْ ذَلِكَ يَكْشِفْ عَنْكَ رَبُّكَ الغَمَّ والضَّيْمَ الَّذِي تَجِدُهُ في صَدْرِكَ ولِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ الصَّلاةِ جِيءَ بِالأمْرِ بِها كَما تَرى مُغايِرًا لِلْأمْرِ السّابِقِ عَلى هَذا الوَجْهِ المَخْصُوصِ. وفي ذَلِكَ مِنَ التَّرْغِيبِ فِيها ما لا يَخْفى. وقَدْ كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا أحْزَنَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ وصَحَّ ««حُبِّبَ لِي مِن دُنْياكُمُ النِّساءُ والطِّيبُ وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ»».

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ في الآيَةِ إشارَةً إلى التَّرْغِيبِ بِالجَماعَةِ فِيها. وإنَّ في عَدَمِ تَقْيِيدِ السُّجُودِ بِنَحْوٍ لَهُ أوْ لِرَبِّكَ إشارَةً إلى أنَّهُ مِمّا لا يَكادُ يَخْطُرُ بِالبالِ إيقاعُهُ لِغَيْرِهِ تَعالى فَتَدَبَّرْ.

99

وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ

And worship your Lord until there comes to you the certainty (death).

﴿واعْبُدْ رَبَّكَ﴾ دُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ، قِيلَ: وفي الإظْهارِ بِالعُنْوانِ السّالِفِ آنِفًا تَأْكِيدٌ لِما سَبَقَ مِن إظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ ﷺ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ ﴿حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ أيِ المَوْتُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ والحَسَنِ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مُتَيَقِّنُ اللُّحُوقِ بِكُلِّ حَيٍّ، وإسْنادُ الإتْيانِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى الحَيِّ طالِبٌ لِلْوُصُولِ إلَيْهِ، والمَعْنى دُمْ عَلى العِبارَةِ ما دُمْتَ حَيًّا مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِها لَحْظَةً، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: اليَقِينُ النَّصْرُ عَلى الكافِرِينَ الَّذِي وعَدَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ بِهِ ما زَعَمَهُ بَعْضُ المُلْحِدِينَ مِمّا يُسَمُّونَهُ بِالكَشْفِ والشُّهُودِ، وقالُوا: إنَّ العَبْدَ مَتى حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ بِالعِبادَةِ وهي لَيْسَتْ إلّا لِلْمَحْجُوبِينَ، ولَقَدْ مَرَقُوا بِذَلِكَ مِنَ الدِّينِ وخَرَجُوا مِن رِبْقَةِ الإسْلامِ وجَماعَةِ المُسْلِمِينَ.

وذَكَرَ بَعْضُ الثِّقاتِ أنَّ هَذا الأمْرَ كانَ بَعْدَ الإسْراءِ والعُرُوجِ إلى السَّماءِ، أفَتَرى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ لَيْلَتَئِذٍ صُبْحُ الكَشْفِ والشُّهُودُ ولَمْ يَمَنَّ عَلَيْهِ بِاليَقِينِ عَظِيمُ الكَرَمِ والجُودِ؟ اللَّهُ أكْبَرُ لا يَتَجاسَرُ عَلى ذَلِكَ مَن في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ أوْ رِزْقِ حَبَّةٍ خَرْدَلٍ مِن عَقْلٍ يَنْتَظِمُ بِهِ في سَلْكِ الإنْسانِ، وأيْضًا لَمْ يَزَلْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما دامَ حَيًّا آتِيًا بِمَراسِمِ العِبادَةِ قائِمًا بِأعْباءِ التَّكْلِيفِ لَمْ يَنْحَرِفْ عَنِ الجادَّةِ قَدْرَ

صفحة 88

حادَّةٍ أفَيُقالُ: إنَّهُ لَمْ يَأْتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى تُوُفِّيَ ذَلِكَ اليَقِينُ ولِذَلِكَ بَقِيَ في مَشاقِّ التَّكْلِيفِ إلى أنْ قَدَمَ عَلى رَبِّ العالَمِينَ؟ لا أرى أحَدًا يَخْطُرُ لَهُ ذَلِكَ بِجَنانٍ ولَوْ طالَ سُلُوكُهُ في مَهامِّهِ الضَّلالَةُ وبانَ. نَعَمْ ذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ الكِرامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ﴾ إلَخْ كَلامًا مُتَضَمِّنًا شَيْئًا مِمّا يَذْكُرُهُ الصُّوفِيَّةُ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ بِمَراحِلَ عَنْ مَرامِ أُولَئِكَ اللِّئامِ، فَفي الكَشْفِ أنَّهُ تَعالى بَعْدَ ما هَدَمَ قَواعِدَ جَهالاتِ الكَفَرَةِ وأبْرَقَ وأرْعَدَ بِما أظْهَرَ مِن صَنِيعِهِ بِالقائِلِينَ نَحْوَ مَقالاتِ أُولَئِكَ الفَجَرَةِ فَذَلِكَ الكَلامُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ﴾ مُؤَكِّدًا هَذا التَّأْكِيدَ البالِغَ الصّادِرَ عَنْ مَقامِ تَسَخُّطٍ بالِغٍ وكِبْرِياءٍ لِيُنَفِّسَ عَنْ حَبِيبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أشَدَّ التَّنْفِيسِ، ثُمَّ أرْشَدَ إلى ما هو أعْلى مِن ذَلِكَ مِمّا تَأهَّلَهُ لِمُسامَرَةِ الجَلِيسِ لِلْجَلِيسِ وقالَ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوَجُّهِ إلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ والتَّجَرُّدِ التّامِّ عَنِ الأغْيارِ والتَّحَلِّي بِصِفاتٍ مِن تَوَجُّهٍ إلَيْهِ بِحُسْنِ القَبُولِ والِافْتِقارِ إذْ ذَلِكَ مُقْتَضى التَّسْبِيحِ والحَمْدِ لِمَن عَقِلَهُما، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ دَلالَةً عَلى الِاقْتِرابِ المُضْمَرِ فِيهِ لِأنَّ السُّجُودَ غايَةُ الذِّلَّةِ والِافْتِقارِ وهو مَظْهَرُ الفَناءِ حَتّى نَفْسِهِ وشِرْكِ البَقاءِ بِمَن أمْرُهُ بِخَمْسِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ﴾ إلَخْ ظاهِرُهُ ظاهِرٌ وباطِنُهُ يُومِئُ إلى أنَّ …

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.