Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 91–99 of 99

91

ٱلَّذِينَ جَعَلُوا۟ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ

Who have made the Qur'an into portions.

ثُمَّ قالَ: ﴿الَّذِينَ﴾؛ أيْ: مَعَ أنَّهم تَقاسَمُوا عَلى قَتْلِكَ؛ واقْتَسَمُوا طُرُقَ مَكَّةَ لِلتَّنْفِيرِ عَنْكَ؛ ﴿جَعَلُوا القُرْآنَ﴾؛ بِأقْوالِهِمْ؛ ﴿عِضِينَ﴾؛ أيْ: قَسَّمُوا القَوْلَ فِيهِ والحالُ أنَّهُ جامِعُ المَعانِي؛ لا مُتَفَرِّقُ المَبانِي؛ مُنْتَظِمُ التَّأْلِيفِ أشَدَّ انْتِظامٍ؛ مُتَلائِمُ الِارْتِباطِ أحْكَمَ التِئامٍ؛ كَما قَدَّمْنا الإشارَةَ إلَيْهِ بِتَسْمِيَتِهِ كِتابًا؛ وقُرْآنًا؛ وخَتَمْنا بِأنَّ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الإبانَةِ لا خَفاءَ فِيهِ؛ فَقَوْلُهم كُلُّهُ عِنادٌ؛ فَقالُوا: سِحْرٌ؛ وقالُوا: شِعْرٌ؛ وقالُوا: كَهانَةٌ؛ وقالُوا: أساطِيرُ الأوَّلِينَ؛ وغَيْرَ ذَلِكَ؛ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ آياتِنا البَيِّناتِ؛ وأدِلَّتَنا الواضِحاتِ؛ فَأعْرَضُوا عَنْها؛ واشْتَغَلُوا بِما لا يَنْفَعُهم مِنَ التَّعَنُّتِ وغَيْرِهِ؛ دَأْبَ أُولَئِكَ؛ فَلْيَرْتَقِبُوا مِثْلَ ما حَلَّ بِهِمْ؛ ومِثْلُهم كُلُّ مَن تَكَلَّمَ في القُرْآنِ بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ مِمّا لا يَنْبَغِي مِنَ العَرَبِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ ورَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: ﴿جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾؛ قالَ: هم أهْلُ الكِتابِ: اليَهُودُ؛ والنَّصارى؛ جَزَّؤُوهُ أجْزاءَ؛ فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ؛ وكَفَرُوا بِبَعْضِهِ؛ وسَيَأْتِي مَعْنى هَذِهِ اللَّفْظَةِ؛

92

فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ

So by your Lord, We will surely question them all

﴿فَوَرَبِّكَ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ فِعْلِهِمْ هَذا أنّا نُقْسِمُ بِالمُوجِدِ لَكَ؛ المُدَبِّرِ لِأمْرِكَ؛ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإرْسالِكَ؛ ﴿لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ؛ وأُولَئِكَ؛

93

عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

About what they used to do.

﴿عَمّا كانُوا﴾؛ أيْ: كَوْنًا هو جِبِلَّةٌ لَهُمْ؛ ﴿يَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: مِن تَعْضِيَةِ القُرْآنِ وغَيْرِها؛ لِأنّا نَسْألُ كُلًّا عَمّا صَنَعَ؛

94

فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ

Then declare what you are commanded and turn away from the polytheists.

﴿فاصْدَعْ﴾؛ ؛ أيْ: اجْهَرْ بِعُلُوٍّ وشِدَّةٍ؛ فارِقًا بَيْنَ الحَقِّ؛ والباطِلِ؛ بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ ﴿بِما تُؤْمَرُ﴾؛ بِهِ مِنَ القُرْآنِ؛ وكِتابٍ مُبِينٍ؛ ﴿وأعْرِضْ﴾؛ أيْ: إعْراضَ مَن لا يُبالِي؛ ﴿عَنِ المُشْرِكِينَ﴾؛ بِالصَّفْحِ الجَمِيلِ عَنِ الأذى؛ والِاجْتِهادِ في الدُّعاءِ؛ ويُؤَيِّدُ أنَّ قَوْلَهُ: ”كَما“؛ راجِعٌ إلى قِصَّةِ صالِحٍ؛ ومُتَعَلِّقٌ بِها - وإنْ لَمْ أرَ مَن سَبَقَنِي إلَيْهِ - ذِكْرُ الوَصْفِ الَّذِي بِهِ تَناسَبَتِ الآيَتانِ؛ وهو الِاقْتِسامُ؛ ثُمَّ وصْفِ المُقْتَسِمِينَ بِالَّذِينِ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّهُمُ الَّذِينَ تَقاسَمُوا في بَياتِ صالِحٍ؛ أيْ: آتَيْنا أُولَئِكَ الآياتِ المُقْتَضِيَةَ لِلْإيمانِ فَما كانَ مِنهم إلّا التَّكْذِيبُ والتَّقاسُمُ؛ كَما أنْزَلْنا عَلى هَؤُلاءِ الآياتِ؛ فَما كانَ مِنهم إلّا ذَلِكَ؛ وإنَّما عَبَّرَ في أُولَئِكَ بِـ ”آتَيْناهُمْ“؛ لِأنَّ آياتِهِمُ النّاقَةُ؛ ووَلَدُها؛ والبِئْرُ؛ وهي مُعْطاةٌ؛ مَحْسُوسَةٌ؛ لا مُنْزَلَةٌ مَعْقُولَةٌ؛ وقالَ في هَؤُلاءِ: ”أنْزَلْنا“؛ إشارَةً إلى القُرْآنِ الَّذِي هو أعْظَمُ الآياتِ؛ أوْ إلى الجَمِيعِ؛ وغَلَّبَ عَلَيْها القُرْآنَ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُها؛ وإلى أنَّهم مُبْطِلُونَ في جَحْدِهِمْ؛ وأنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهم أنْ يَتَداخَلَهم نَوْعُ شَكٍّ في أنَّهُ مُنْزَلٌ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ مِن تِلْكَ الآياتِ؛ مَعَ كَوْنِها مَحْسُوساتٍ؛ وأمّا اعْتِراضُ ما بَيْنَهُما مِنَ الآياتِ فَمِن أعْظَمِ أفانِينِ البَلاغَةِ؛ فَإنَّهُ لَمّا أتَمَّ قِصَّةَ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ عَلِمَ أنَّ المُتَعَنِّتِينَ رُبَّما قالُوا: لِأيِّ شَيْءٍ يَخْلُقُهم ثُمَّ يُهْلِكُهُمْ؛ مَعَ عِلْمِهِ بِعَدَمِ إجابَتِهِمْ؟ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ ما خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما؛ مِن هَؤُلاءِ المُعانِدِينَ؛ ومِن أفْعالِهِمْ؛ وعَذابِهِمْ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ إلّا بِالحَقِّ؛ وأنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ؛ فَيَعْلَمُ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالعِيانِ مَن يَشُكُّ فِيهِ الآنَ؛ وذَلِكَ حِينَ يُكْشَفُ الغِطاءُ عَنِ البَصائِرِ؛ والأبْصارِ؛ فاصْفَحْ عَنْهُمْ؛ فَإنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الأخْذِ لَكَ بِحَقِّكَ؛ إنْ لَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا فَفي يَوْمِ الجَمْعِ؛ ثُمَّ أكَّدَ التَّصَرُّفَ بِالحِكْمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ؛﴾ [الحجر: ٨٦] ثُمَّ سَلّاهُ عَمّا يُضَيِّقُونَ بِهِ صَدْرَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالسّاعَةِ؛ وأنَّ الوَعْدَ بِها إنَّما هو سِحْرٌ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ؛ ومِنَ افْتِخارِهِمْ بِأمْوالِهِمْ؛ ونِسْبَتِهِ إلى الحاجَةِ إلى المَشْيِ بِالأسْواقِ؛ بِما آتاهُ مِن كُنُوزِ القُرْآنِ؛ وأمَرَهُ بِأنْ يَزِيدَ في التَّواضُعِ؛ واللِّينِ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِتَطِيبَ نُفُوسُهُمْ؛ فَلا يَأْسَوْا عَلى ما فاتَهم مِنَ الدُّنْيا؛ وأنْ يُنْذِرَ الجَمِيعَ؛ ويُحَذِّرَهم مِن سَطْواتِ اللَّهِ؛ أمْثالِ ما أنْزَلَ بِالأقْدَمِينَ؛ ثُمَّ عادَ إلَيْهِمْ؛ فَشَبَّهَهم بِهَؤُلاءِ في التَّكْذِيبِ؛ لِيُعْلَمَ أنَّهم أجْدَرُ مِنهم بِالعَذابِ؛ لِأنَّهم مُشَبَّهٌ بِهِمْ؛ والمُشَبَّهُ بِهِ أعْلى مِنَ المُشَبَّهِ؛ وذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ أشَدَّ كُفْرًا؛ لِأنَّ نَبِيَّهم أعْظَمُ؛ وآياتُهُ أجَلُّ وأكْثَرُ؛ وأجْلى وأبْهَرُ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبَ اشْتِدادِ حَذَرِهِمْ؛ ولَكَ أنْ تَقُولَ - ولَعَلَّهُ أحْسَنُ -: إنَّهُ (تَعالى) لَمّا ذَكَرَ أنَّ ثَمُودَ سَكَنُوا الأرْضَ سُكْنى الآمِنِينَ.

فَأزْعَجَتْهم عَنْها صَيْحَةٌ سَلَبَتْ أرْواحَهُمْ؛ وقَلَبَتْ أشْباحَهُمْ؛ كَما سَيَكُونُ لِأهْلِ الأرْضِ قاطِبَةً بِنَفْخَةِ الصُّورِ؛ عِنْدَ نُفُوذِ المَقْدُورِ؛ وكانَ قَدْ قَدِمَ ذِكْرُ كَثِيرٍ مِمّا …

95

إِنَّا كَفَيْنَٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ

Indeed, We are sufficient for you against the mockers

ولَمّا كانَ هَذا الصَّدْعُ في غايَةِ الشِّدَّةِ عَلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - لِكَثْرَةِ ما يَلْقى عَلَيْهِ الأذى؛ خَفَّفَ عَنْهُ - سُبْحانَهُ - بِقَوْلِهِ - مُعَلِّلًا لَهُ -: ﴿إنّا كَفَيْناكَ﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿المُسْتَهْزِئِينَ﴾؛ أيْ: شَرَّ الَّذِينَ هم عَرِيقُونَ في الِاسْتِهْزاءِ بِكَ؛ وبِما جِئْتَ بِهِ؛ فَأقْرَرْنا عَيْنَكَ بِإهْلاكِهِمْ؛ وزالَ عَنْكَ ثِقْلُ ما آذَوْكَ بِهِ؛ وبَقِيَ لَكَ أجْرُهُ؛ وسَنَكْفِيكَ غَيْرَهم كَما كَفَيْناكَهُمْ؛

96

ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ

Who make [equal] with Allah another deity. But they are going to know.

ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: مَعَ ما رَأوْا مِن آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى جَلالِهِ؛ وعَظِيمِ إحاطَتِهِ؛ وكَمالِهِ؛ ﴿إلَهًا﴾؛ ولَمّا كانَتِ المَعِيَّةُ تُفْهِمُ الغَيْرِيَّةَ؛ ولا سِيَّما مَعَ التَّعْبِيرِ بِالجَعْلِ؛ وكانَ رُبَّما تَعَنَّتَ مِنهم مُتَعَنِّتٌ بِاحْتِمالِ التَّهْدِيدِ عَلى تَألُّهِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى سَبِيلِ التَّجْرِيدِ؛ أوْ عَلى دُعائِهِ بِاسْمٍ غَيْرِ الجَلالَةِ؛ لِما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]؛ الآيَةَ؛ آخِرَ ”سُبْحانَ“؛ زادَ في الصَّراحَةِ بِنَفْيِ كَمالِ كُلِّ احْتِمالٍ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿آخَرَ﴾؛ قالَ البَغَوِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: «سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ ذاتَ لَيْلَةٍ فَجَعَلَ يَقُولُ في سُجُودِهِ: ”يا اللَّهُ؛ يا رَحْمَنُ“؛ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: إنَّ مُحَمَّدًا يَنْهانا عَنْ آلِهَتِنا وهو يَدْعُو إلَهَيْنِ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ؛ يَعْنِي آيَةَ ”سُبْحانَ“؛» وتَسَبَّبَ عَنْ أخْذِنا لِلْمُسْتَهْزِئِينَ - وكانُوا أعْتاهم - أنْ يُهَدَّدَ الباقُونَ بِقَوْلِنا: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: يُحِيطُ عِلْمَهم بِشِدَّةِ بَطْشِنا وقُدْرَتِنا عَلى ما نُرِيدُ؛ لِيَكُونَ وازِعًا لِغَيْرِهِمْ؛ أوْ يَعْلَمُ المُسْتَهْزِئُونَ وغَيْرُهم عاقِبَةَ أُمُورِهِمْ في الدّارَيْنِ.

97

وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ

And We already know that your breast is constrained by what they say.

ولَمّا كانَ صَدْعُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - بِذَلِكَ عَلى حَدٍّ مِنَ المَشَقَّةِ عَظِيمٍ؛ وإنْ أُرِيحَ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ؛ لِكَثْرَةِ مَن بَقِيَ مِمَّنْ هو عَلى مِثْلِ رَأْيِهِمْ؛ قالَ - يُسَلِّيهِ ويُسَخِّي بِنَفْسِهِ فِيهِ -: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ﴾؛ أيْ: تَحَقَّقَ وُقُوعُ عِلْمِنا؛ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿أنَّكَ﴾؛ أيْ: عَلى ما لَكَ مِنَ الحِلْمِ وسَعَةِ البِطانِ؛ ﴿يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾؛ أيْ: يُوجَدُ ضِيقُهُ؛ ويَتَجَدَّدُ؛ ﴿بِما يَقُولُونَ﴾؛ عِنْدَ صَدْعِكَ لَهم بِما تُؤْمَرُ؛ في حَقِّكَ؛ مِن قَوْلِهِمْ: ”يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ“؛ إلى آخِرِهِ؛ وفي حَقِّ الَّذِي أرْسَلَكَ؛ مِنَ الشِّرْكِ؛ والصّاحِبَةِ؛ والوَلَدِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛

98

فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ

So exalt [Allah] with praise of your Lord and be of those who prostrate [to Him].

﴿فَسَبِّحْ﴾؛ بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ مُلْتَبِسًا ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾؛ أيْ: نَزِّهْهُ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ؛ الَّتِي مِنها الغَفْلَةُ عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ؛ مُثْبِتًا لَهُ صِفاتِ الكَمالِ؛ الَّتِي مِنها إعْزازُ الوَلِيِّ؛ وإذْلالُ العَدُوِّ؛ ﴿وكُنْ﴾؛ أيْ: كَوْنًا جِبِلِّيًّا؛ لا انْفِكاكَ لَهُ؛ ﴿مِنَ السّاجِدِينَ﴾ لَهُ؛ أيْ: المُصَلِّينَ؛ أيْ: العَرِيقِينَ في الخُضُوعِ الدّائِمِ لَهُ بِالصَّلاةِ؛ الَّتِي هي أعْظَمُ الخُضُوعِ لَهُ؛ وغَيْرِها مِن عِبادَتِهِ؛ لِيَكْفِيَكَ ما أهَمَّكَ؛ فَإنَّهُ لا كافِيَ غَيْرُهُ؛ فَلا مَلْجَأ إلى سِواهُ؛ وعَبَّرَ عَنْها بِالسُّجُودِ إشارَةً إلى شَرَفِهِ؛ وما يَنْبَغِي مِنَ الدُّعاءِ فِيهِ؛ لا سِيَّما عِنْدَ الشَّدائِدِ؛ فَقَدْ قالَ (تَعالى): ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]؛ ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ؛» ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ بِغَيْرِ سَنَدٍ؛ وهو في مُسْنَدِ أحْمَدَ؛ وسُنَنِ أبِي داوُدَ عَنْ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلّى؛» وفي سُنَنِ النِّسائِيِّ الكُبْرى؛ ومُسْنَدِ أحْمَدَ «عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: لَقَدْ رَأيْتُنا لَيْلَةَ بَدْرٍ وما فِينا إنْسانٌ إلّا نائِمٌ؛ إلّا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - فَإنَّهُ كانَ يُصَلِّي إلى شَجَرَةٍ؛ ويَدْعُو؛ حَتّى أصْبَحَ؛» وفي لَفْظٍ لِأحْمَدَ: «لَقَدْ رَأيْتُنا وما فِينا إلّا نائِمٌ إلّا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - تَحْتَ شَجَرَةٍ يُصَلِّي؛ ويَبْكِي؛ حَتّى أصْبَحَ؛» ولِأحْمَدَ؛ ومُسْلِمٍ؛ وأبِي يَعْلى؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: ”أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ“».

99

وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ

And worship your Lord until there comes to you the certainty (death).

ولَمّا أمَرَهُ بِعِبادَةٍ خاصَّةٍ؛ أتْبَعَهُ بِالعامَّةِ؛ فَقالَ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ﴾؛ أيْ: دُمْ عَلى عِبادَةِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِهَذا القُرْآنِ؛ الَّذِي هو البَلاغُ؛ بِالصَّلاةِ؛ وغَيْرِها؛ ﴿حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾؛ بِما يَشْرَحُ صَدْرَكَ مِنَ المَوْتِ؛ أوْ ما يُوعَدُونَ بِهِ؛ مِنَ السّاعَةِ؛ أوْ غَيْرِها مِمّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مَعَهُ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ؛ قالَ الرّازِيُّ في ”اللَّوامِعُ“: وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ شَرَفَ العَبْدِ في العُبُودِيَّةِ؛ وأنَّ العِبادَةَ لا تَسْقُطُ عَنِ العَبْدِ بِحالٍ؛ ما دامَ حَيًّا؛ انْتَهى؛ وقالَ البَغَوِيُّ: وهَذا مَعْنى ما في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ - عَلَيْها السَّلامُ - ﴿وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١]؛ فَقَدِ انْطَبَقَ آخِرُ السُّورَةِ - في الأمْرِ بِاتِّخاذِ القُرْآنِ بَلاغًا لِكُلِّ خَيْرٍ؛ والإعْراضِ عَنِ الكُفّارِ - عَلى أوَّلِها؛ أتَمَّ انْطِباقٍ؛ واعْتَنَقَ كُلٌّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ؛ الآخَرِ والأوَّلِ؛ أيَّ اعْتِناقٍ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ؛ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.