Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 81–90 of 99

81

وَءَاتَيْنَٰهُمْ ءَايَٰتِنَا فَكَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ

And We gave them Our signs, but from them they were turning away.

ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وآتَيْناهُمْ﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ عَلى يَدِ رَسُولِهِمْ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿آياتِنا﴾؛ أيْ: كُلَّها؛ بِإيتاءِ النّاقَةِ؛ وسَقْيِها؛ ودَرِّها؛ وشِرْبِها؛ لِأنَّ المُمْكِناتِ كُلَّها بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ؛ فَمَن كَذَّبَ بِواحِدَةٍ مِنها فَقَدْ كَذَّبَ بِالجَمِيعِ؛ ﴿فَكانُوا﴾؛ أيْ: كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ؛ ﴿عَنْها﴾؛ أيْ: الآياتِ كُلِّها خاصَّةً؛ لا عَنْ زِينَةِ الدُّنْيا الَّتِي تَجُرُّ إلى الباطِلِ؛ ﴿مُعْرِضِينَ﴾؛ أيْ: راسِخِينَ في الإعْراضِ؛ لَمْ يُؤْمِنُوا بِها؛ التِفاتًا إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ﴾ [الحجر: ١٤]؛ الآيَتَيْنِ؛ وتَمْثِيلًا لَهُ؛ رَدًّا لِلْمَقْطَعِ عَلى المَطْلَعِ؛

82

وَكَانُوا۟ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ

And they used to carve from the mountains, houses, feeling secure.

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم كانُوا مِثْلَ هَؤُلاءِ في الأمْنِ مِنَ العَذابِ؛ والغَفْلَةِ عَمّا يُرادُ بِهِمْ؛ مَعَ أنَّهم كانُوا أشَدَّ مِنهُمْ؛ فَقالَ: ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ﴾؛ و”النَّحْتُ“: قَلْعُ جُزْءٍ بَعْدَ جُزْءٍ؛ مِنَ الجِسْمِ؛ عَلى سَبِيلِ المَسْحِ؛ ﴿مِنَ الجِبالِ﴾؛ الَّتِي تَقَدَّمَ أنّا جَعَلْناها رَواسِيَ؛ ﴿بُيُوتًا آمِنِينَ﴾؛ عَلَيْها مِنَ الِانْهِدامِ؛ وبِها مِن لَحاقِ ما يُكْرَهُ؛ لا كَبُيُوتِكُمُ الَّتِي لا بَقاءَ لَها عَلى أدْنى دَرَجَةٍ؛

83

فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ

But the shriek seized them at early morning.

﴿فَأخَذَتْهُمُ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ أنْ أخَذَتْهم أخْذَ العَذابِ والِانْتِقامِ ﴿الصَّيْحَةُ﴾؛ حالَ كَوْنِهِمْ؛ ﴿مُصْبِحِينَ﴾؛ أيْ: داخِلِينَ في الصُّبْحِ؛

84

فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

So nothing availed them [from] what they used to earn.

﴿فَما﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنِ الصَّيْحَةِ أنَّهُ ما ﴿أغْنى﴾؛ أيْ: أجْزَأ؛ ﴿عَنْهم ما كانُوا﴾؛ أيْ: بِجِبِلّاتِهِمْ؛ ﴿يَكْسِبُونَ﴾؛ مِنَ البُيُوتِ؛ والأعْمالِ؛ والعُدَدِ؛ والآلاتِ الخَبِيثَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُعْجِزُنا شَيْءٌ؛ لِأنَّهُ لا كُلْفَةَ عَلَيْنا فِيما نَفْعَلُ؛ إنَّما نَقُولُ لَهُ كُنْ؛ فَيَكُونُ؛ وفَعَلْنا بِهِمْ ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا عَلى باطِلٍ؛ فَكانَ تَعْذِيبُنا لَهم حَقًّا.

85

وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَءَاتِيَةٌۭ ۖ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ

And We have not created the heavens and earth and that between them except in truth. And indeed, the Hour is coming; so forgive with gracious forgiveness.

ولَمّا كانَ المُتَعَنِّتُ رُبَّما قالَ: ما لَهُ يَخْلُقُهم ثُمَّ يُهْلِكُهُمْ؛ وهو عالِمٌ حِينَ خَلَقَهم أنَّهم يُكَذِّبُونَ؟ وكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُلْتَفِتَةً - مَعَ ما فِيها مِن ذِكْرِ الأرْضِ - إلى تِلْكَ الَّتِي أتْبَعَها ذِكْرَ الخافِقَيْنِ؛ اسْتِدْلالًا عَلى السّاعَةِ؛ قالَ - عَلى ذَلِكَ النَّمَطِ -: ﴿وما خَلَقْنا﴾؛ أيْ: عَلى عَظَمَتِنا؛ ﴿السَّماواتِ﴾؛ أيْ: عَلى ما لَها مِنَ العُلُوِّ والسَّعَةِ؛ ﴿والأرْضَ﴾؛ عَلى ما بِها مِنَ المَنافِعِ؛ والغَرائِبِ؛ ﴿وما بَيْنَهُما﴾؛ مِن هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ؛ وعَذابِهِمْ؛ ومِنَ المِياهِ؛ والرِّياحِ؛ والسَّحابِ - المُسَبَّبِ عَنْهُ النَّباتُ -؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ﴿إلا بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ؛ فَيَتَفَكَّرُ فِيهِ مَن وفَّقَهُ اللَّهُ؛ فَيَعْلَمُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ بِهَذِهِ النَّشْأةِ الأُولى؛ أوْ بِسَبَبِ الحَقِّ مِن إثْباتِ ثَوابِتِ الأُمُورِ؛ ونَفْيِ مُزَلْزَلِها؛ لِتَظْهَرَ عَظَمَتُنا بِإنْصافِ المَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ؛ وإثابَةِ الطّائِعِ؛ وعِقابِ العاصِي في يَوْمِ الفَصْلِ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١]؛ فَمَن أمْهَلْناهُ في الدُّنْيا أخَذَنا مِنهُ الحَقَّ بَعْدَ قِيامِ السّاعَةِ؛ فَلا بُدَّ مِن فِعْلِ ذَلِكَ؛ ﴿وإنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾؛ لِأجْلِ إقامَةِ الحَقِّ؛ لا شَكَّ في إتْيانِها لِحُكْمِ عِلْمِها - سُبْحانَهُ - فَيَظْهَرُ فِيها كُلُّ ذَلِكَ؛ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ”فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ؛ وما فَعَلْنا ذَلِكَ إلّا بِالأمْرِ مِن قَوْلِنا“كُنْ”وهو الحَقُّ“؛ ”وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ“؛ أيْ: بِالأمْرِ؛ ”ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ“؛ يَعْنِي أنَّهُ لا مَشَقَّةَ عَلَيْنا في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ وسَنُعْدِمُ ذَلِكَ بِالحَقِّ؛ إذا أرَدْنا قِيامَ السّاعَةِ؛ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ؛ لِأنّا قَدْ وعَدْنا بِذَلِكَ؛ ولَيْسَ بَيْنَكم وبَيْنَ كَوْنِها إلّا أنْ نُرِيدَ؛ فَتَكُونَ؛ كَما كانَ غَيْرُها مِمّا أرَدْناهُ؛ ﴿فاصْفَحِ الصَّفْحَ﴾؛ أيْ: فَأعْرِضْ - بِسَبَبِ تَحَقُّقِ الأخْذِ بِثَأْرِكَ - الإعْراضَ ﴿الجَمِيلَ﴾؛ بِالحِلْمِ؛ والإغْضاءِ؛ وسَعَةِ الصَّدْرِ؛ في مِثْلِ قَوْلِهِمْ: ﴿يا أيُّها الَّذِي نُـزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]؛ فَإنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الأخْذِ لَكَ مِنهم بِالحَقِّ؛ ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ نُصْرَةٌ إلّا في ذَلِكَ اليَوْمِ لَكانَتْ كافِيَةً؛

86

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلَّٰقُ ٱلْعَلِيمُ

Indeed, your Lord - He is the Knowing Creator.

ثُمَّ عَلَّلَ هَذا الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ؛ الآمِرَ لَكَ بِهَذا؛ ﴿هُوَ﴾ ؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿الخَلاقُ﴾؛ المُتَكَرِّرُ مِنهُ هَذا الفِعْلُ في كُلِّ وقْتٍ؛ بِمُجَرَّدِ الأمْرِ؛ فَلا عَجَبَ في إيجادِ ما يُنْسَبُ إلَيْهِ مِن إبْداعِ السّاعَةِ؛ أوْ غَيْرِها؛ وهو لِذَلِكَ عالِمٌ بِأحْوالِكم أجْمَعِينَ؛ وما يَكُونُ مِنها صَلاحًا لَكَ؛ عَلى غايَةِ الحِكْمَةِ؛ لِأنَّ المُصَوِّرَ أعْلَمُ بِالصُّورَةِ مِن ناظِرِها؛ والمُتَبَصِّرِ فِيها؛ وصانِعُ الشَّيْءِ أدْرى بِهِ مِن مُشْتَرِيهِ؛ وبانِي البَيْتِ أخْبَرُ بِهِ مِن ساكِنِهِ؛ وهو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ ما تَراهُ مِنهُمْ؛ فَهو فِعْلُهُ؛ فَسَلِّمْ لَهُ.

ولَمّا كانَ إحْكامُ المَصْنُوعاتِ لا يَتِمُّ إلّا بِالعِلْمِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿العَلِيمُ﴾؛ أيْ: البالِغُ العِلْمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ؛ فَلا تَرى أفْعالَهم وأقْوالَهم إلّا مِنهُ - سُبْحانَهُ - لِأنَّهُ خالِقُها؛ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لا يَضِيعُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ؛ فاعْتَمِدَ عَلَيْهِ في أخْذِ حَقِّكَ؛ فَإنَّهُ نِعْمَ المَوْلى؛ ونِعْمَ النَّصِيرُ؛ ولا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ؛ ويَدُلُّ عَلى ما قُلْتُهُ آيَةُ ”يـس“: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]؛ أوْ يُقالُ: فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ شَيْئًا مِمّا أرَدْنا مِنَ الحَقِّ؛ لِأنّا ما خَلَقْنا عَذابَهم إلّا بِالحَقِّ؛ كَما خَلَقْناهم بِالحَقِّ؛ فَلَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْنا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥]؛ أيْ: بِسَبَبِ إقامَةِ الحَقِّ؛ وإظْهارِ أمْرِنا في العَدْلِ؛ ولَوْلا أنْ سَلَّطْنا بَعْضَ النّاسِ عَلى بَعْضٍ لَمْ يَظْهَرْ لَهم مِنّا هَذِهِ الصِّفَةُ غايَةَ الظُّهُورِ؛ فَنَحْنُ نُعَجِّلُ - مِنَ الحَقِّ؛ الَّذِي خَلَقْنا ذَلِكَ بِسَبَبِهِ؛ عَلى قِيامِ السّاعَةِ - ما شِئْنا مِنَ الابْتِلاءِ؛ والِانْتِقامِ؛ كَما فَعَلْنا بِمَن قَصَصْنا أمْرَهُمْ؛ ونُؤَخِّرُ مِن ذَلِكَ ما بَقِيَ إلى قِيامِ السّاعَةِ؛ ﴿وإنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ [الحجر: ٨٥]؛ لا شَكَّ فِيها؛ فَلا نَدَعُ هُناكَ شَيْئًا مِنَ الحُقُوقِ إلّا أقَمْناهُ؛ ﴿فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥]؛ فَلا بُدَّ مِنَ الأخْذِ لَكَ بِحَقِّكَ؛ إمّا في الدُّنْيا؛ وإمّا في الآخِرَةِ؛ ﴿إنَّ﴾؛ أيْ: لِأنَّ ﴿رَبَّكَ هو الخَلاقُ﴾؛ أيْ: الفاعِلُ لِلْخَلْقِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ؛ لا تَنْفَدُ قُدْرَتُهُ؛ ولا تُهَنُّ كَلِمَتُهُ؛ ﴿العَلِيمُ﴾؛ التّامُّ العِلْمِ؛ فَهو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ؛ عالِمٌ بِوَجْهِ الحِكْمَةِ فِيهِ؛ في وقْتِهِ؛ وكَيْفِيَّتِهِ؛ فَهو يُعِيدُ الخَلائِقَ في السّاعَةِ كَما بَدَأهُمْ؛ ويَسْتَوْفِي إذْ ذاكَ جَمِيعَ الحُقُوقِ؛ ويُؤْتِيكَ في ذَلِكَ اليَوْمِ ما يُقِرُّ بِهِ عَيْنَكَ.

87

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَٰكَ سَبْعًۭا مِّنَ ٱلْمَثَانِى وَٱلْقُرْءَانَ ٱلْعَظِيمَ

And We have certainly given you, [O Muhammad], seven of the often repeated [verses] and the great Qur'an.

ولَمّا ذَكَرَ صِفَةَ العِلْمِ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ؛ أتْبَعَها ما آتاهُ في هَذِهِ الدّارِ مِن مادَّةِ العِلْمِ؛ بِصِيغَةِ العَظَمَةِ؛ فَقالَ - عَطْفًا عَلى ما قَدَّرْتُهُ؛ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ -: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ﴾؛ مِمّا يَدُلُّ عَلى عِلْمِنا؛ ﴿سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾؛ وهي الفاتِحَةُ؛ الجامِعَةُ - عَلى وجازَتِها - جَمِيعَ مَعانِي القُرْآنِ؛ فَتُثَنّى في النُّزُولِ؛ فَإنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ؛ وتُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ مِنَ الصَّلاةِ؛ وهي ثَناءٌ عَلى اللَّهِ؛ والصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ؛ وهي مَقْسُومَةٌ بَيْنَ اللَّهِ وعَبْدِهِ؛ وتُثَنّى فِيهِ مَقاصِدُها؛ ويُورَدُ كُلُّ مَعْنًى مِن مَعانِيها فِيهِ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ في إيضاحِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ؛ في قَوالِبِ الألْفاظِ؛ وجَواهِرِ التَّراكِيبِ الهادِيَةِ إلَيْهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّثْنِيَةِ؛ ﴿والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾؛ أيْ: الحاوِيَ لِجَمِيعِ عُلُومِ الأوَّلِينَ؛ والآخِرِينَ؛ مِمّا في جَمِيعِ الكُتُبِ السّالِفَةِ؛ وغَيْرِهِ.

88

لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ

Do not extend your eyes toward that by which We have given enjoyment to [certain] categories of the disbelievers, and do not grieve over them. And lower your wing to the believers

ولَمّا كانَ ما أُوتِيَهُ؛ وما سَيُؤْتاهُ؛ أعْظَمَ ما أُوتِيَهُ مَخْلُوقٌ؛ اتَّصَلَ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾؛ أيْ: مَدًّا عَظِيمًا؛ بِالتَّمَنِّي والِاشْتِهاءِ المُصَمِّمِ؛ ولِذَلِكَ ثَنّى العَيْنَ احْتِزازًا عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ؛ ﴿إلى ما مَتَّعْنا﴾؛ أيْ: عَلى عَظَمَتِنا؛ ﴿بِهِ أزْواجًا﴾؛ أيْ: أصْنافًا؛ ﴿مِنهُمْ﴾؛ أيْ: أهْلِ الدُّنْيا؛ أوْ يُقالُ: إنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ إنَّما هو التَّبْلِيغُ بِدارِ الفَناءِ إلى دارِ البَقاءِ؛ المُؤَكَّدِ إتْيانُها في الآيَةِ السّابِقَةِ؛ وكانَ القُرْآنُ - كَما تَقَدَّمَ - كَفِيلًا بِذَلِكَ؛ وسَلّاهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - عَمّا يُؤْذُونَهُ مِن أقْوالِهِمْ؛ وتَبَيَّنَ مِن ذَلِكَ عُلُوُّ دَرَجَتِهِ؛ تَوَقَّعَ السّامِعُ ذِكْرَ ما أسْبَغَ عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ؛ فَقالَ (تَعالى) - أوْ يُقالُ: إنَّهُ لَمّا أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِالصَّبْرِ عَلى أذاهُمْ؛ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما مَعْناهُ أنَّهم خَلْقُهُ؛ وأنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِالخَلْقِ؛ وهو بَلِيغُ العِلْمِ بِأفْعالِهِمْ؛ مُرِيدٌ لَها؛ فَلَيْسَ الفِعْلُ في الحَقِيقَةِ إلّا لَهُ؛ وعَلى المُحِبِّ أنْ يَرْضى بِفِعْلِ حَبِيبِهِ؛ مِن حَيْثُ إنَّهُ فِعْلُهُ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَهُوَ الَّذِي خَلَقَهُمْ؛ وعَلِمَ قَبْلَ خَلْقِهِمْ ما يَفْعَلُونَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ تَسْلِيَةً لَهُ – صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - قَوْلَهُ -: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ﴾ [الحجر: ٨٧]؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ كَما آتَيْنا صالِحًا ما تَقَدَّمَ؛ ﴿سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ [الحجر: ٨٧]؛ يَكُونُ كُلُّ سَبْعٍ مِنها كَفِيلًا بِإغْلاقِ بابٍ مِن أبْوابِ النِّيرانِ السَّبْعَةِ؛ وهي أُمُّ القُرْآنِ؛ الجامِعَةُ لِجَمِيعِ مَعانِي القُرْآنِ؛ الَّتِي أُمِرْنا بِإعادَتِها في كُلِّ رَكْعَةٍ؛ زِيادَةً في حِفْظِها؛ وتَبَرُّكًا بِلَفْظِها؛ وتَذَكُّرًا لِمَعانِيها؛ تَخْصِيصًا لَها عَنْ بَقِيَّةِ الذِّكْرِ؛ الَّذِي تَكَفَّلْنا بِحِفْظِهِ؛ ”و“؛ آتَيْناكَ ”القُرْآنَ العَظِيمَ“؛ الجامِعَ لِجَمِيعِ مَعانِي الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ؛ المُتَكَفِّلَةِ بِخَيْرَيِ الدّارَيْنِ؛ مَعَ زِياداتٍ لا تُحْصى؛ المُشارَ إلى عَظَمَتِهِ أوَّلَ السُّورَةِ بِالتَّنْوِينِ؛ ووَصْفِهِ بِأنَّهُ مُبِينٌ لِلْبَراهِينِ السّاطِعَةِ عَلى نَبُوَّتِكَ؛ والأدِلَّةِ القاطِعَةِ عَلى رِسالَتِكَ؛ الدّالَّةِ عَلى اللَّهِ؛ المُوَصِّلَةِ إلَيْهِ؛ والآيَةُ مَعَ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى العِلْمِ المُخْتَتَمِ بِهِ ما قَبْلَها؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا أعْمَلُ؟ فَقِيلَ - في مَعْنى ”ذَرْهم يَأْكُلُوا“ -: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾؛ اكْتِفاءً بِهَذا البَلاغِ العَظِيمِ؛ الَّذِي مَن تَحَلّى بِهِ وأُشْرِبَهُ قَلْبُهُ أراهُ مَعايِبَ هَذِهِ الدّارِ؛ فَبَغَّضَهُ فِيها؛ وأشْرَفَ بِهِ عَلى ما أمامَهُ؛ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾؛ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُؤْمِنُوا؛ فَيُخَلِّصُوا أنْفُسَهم مِنَ النّارِ؛ ويَقْوى بِهِمْ جانِبُ الإسْلامِ؛ وكَأنَّ هَذا هو الصَّفْحُ المَأْمُورُ بِهِ؛ وهو الإعْراضُ عَنْهم أصْلًا ورَأْسًا؛ إلّا في أمْرِ البَلاغِ.

ولَمّا أمَرَهُ في عِشْرَتِهِمْ بِما أمَرَ؛ أتْبَعَهُ أمْرَهُ بِعِشْرَةِ أصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - بِالرِّفْقِ؛ واللِّينِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿واخْفِضْ﴾؛ أيْ: طَأْطِئْ؛ ﴿جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ؛ واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَهُمْ؛ واكْتَفِ بِهِمْ؛ فَإنَّ اللَّهَ جاعِلٌ فِيهِمُ البَرَكَةَ؛ وناصِرُكَ؛ ومُعِزُّ دِينِكَ بِهِمْ؛ وغَيْرُ مُحْوِجِكَ إلى غَيْرِهِمْ؛ فَمَن أرادَ شِقْوَتَهُ فَلا …

89

وَقُلْ إِنِّىٓ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ

And say, "Indeed, I am the clear warner" -

ولَمّا كانَ الغالِبُ عَلى الخُلُقِ التَّقْصِيرَ؛ قالَ لَهُ: ﴿وقُلْ﴾؛ أيْ: لِلْفَرِيقَيْنِ - مُؤَكِّدًا لِما لِلْكُفّارِ مِنَ التَّكْذِيبِ؛ ولِما لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِن طِيبِ النَّفْسِ -: ﴿إنِّي أنا﴾؛ أيْ: لا غَيْرِي مِنَ المُنْذِرِينَ بِالأعْداءِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ ﴿النَّذِيرُ المُبِينُ﴾؛ لِمَن تَعَمَّدَ التَّقْصِيرَ؛ إنْذارِي مُنْقِذٌ لَهُ مِن ورْطَتِهُ؛ لِأنَّهُ مُحْتَفٌّ بِالأدِلَّةِ القاطِعَةِ.

90

كَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ

Just as We had revealed [scriptures] to the separators

ولَمّا ذَكَرَ ما التَحَمَ بِقِصَّةِ أصْحابِ الحِجْرِ المُقْتَسِمِينَ عَلى قَتْلِ رَسُولِهِمْ؛ وخَتَمَهُ بِالإنْذارِ الَّذِي هم أهْلُهُ؛ عادَ إلى تَتْمِيمِ أمْرِهِمْ؛ فَشَبَّهَهم بِمَن كَذَّبَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ؛ فَقالَ: ﴿كَما﴾؛ أيْ: كَذَّبَ أُولَئِكَ؛ وآتَيْناهم آياتِنا فَأعْرَضُوا عَنْها؛ فَفَعَلْنا بِهِمْ مِنَ العَذابِ ما هم أهْلُهُ؛ مِثْلَما ﴿أنْـزَلْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا مِنَ الآياتِ؛ ﴿عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾؛ أيْ: مِثْلِهِمْ؛ مِن قُرَيْشٍ؛ حَيْثُ اقْتَسَمُوا شِعابَ مَكَّةَ؛ يُنَفِّرُونَ النّاسَ عَنْكَ؛ ويُفَرِّقُونَ القَوْلَ في القُرْآنِ؛ فَلا تَأْسَ عَلَيْهِمْ لِتَكْذِيبِهِمْ؛ وعِنادِهِمْ؛ مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الآياتِ البَيِّناتِ؛ فَإنَّ سُنَّتَنا جَرَتْ بِذَلِكَ فِيمَن أرَدْنا شِقْوَتَهُ؛ كَقَوْمِ صالِحٍ؛

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.