Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 71–80 of 99

71

قَالَ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِىٓ إِن كُنتُمْ فَٰعِلِينَ

[Lot] said, "These are my daughters - if you would be doers [of lawful marriage]."

فَلَمّا وصَلُوا إلى هَذا الحَدِّ مِنَ الوَقاحَةِ؛ ذَكَرَ لَهُمُ الحَرِيمَ؛ لِيَحْمِلَهم ذَلِكَ عَلى الحَياءِ؛ لِأنَّهُ دَأْبُ مَن لَهُ أدْنى مُرُوءَةٍ؛ ولا سِيَّما ذِكْرَ الأبْكارِ؛ في سِياقٍ يَكادُ يُصَرِّحُ بِمُرادِهِ؛ بِأنْ ﴿قالَ هَؤُلاءِ﴾؛ مُشِيرًا إلى بَيْتِهِ الَّذِي فِيهِ بَناتُهُ ﷺ؛ ورَضِيَ عَنْهُنَّ -؛ ﴿بَناتِي إنْ كُنْتُمْ﴾؛ ولا بُدَّ؛ ﴿فاعِلِينَ﴾؛ أيْ: قَدْ عَزَمْتُمْ عَزْمًا ماضِيًا عَلى هَذا الفِعْلِ؛ إشارَةً بِأداةِ الشَّكِّ إلى أنَّ هَذا الفِعْلَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ؛ يَعْنِي وأنْتُمْ عالِمُونَ بِأنِّي لا أُسْلِمُ بَناتِي أبَدًا؛ فَعُلِمَ مِن ذَلِكَ أنَّ وُصُولَكم إلى أضْيافِي دُونَ هَلاكِي مُحالٌ.

72

لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ

By your life, [O Muhammad], indeed they were, in their intoxication, wandering blindly.

ولَمّا ذَكَرَ ما ذَكَرَ مِن أُمُورِهِمْ؛ وعَظِيمِ فُجُورِهِمْ؛ وهم قَدْ فُرِغَ مِن أمْرِهِمْ؛ وقُضِيَ بِاسْتِئْصالِهِمْ؛ كانَ كُلُّ مَن يَعْلَمُ ذَلِكَ قاضِيًا بِأنَّهم لا عُقُولَ لَهُمْ؛ فَأتْبَعَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾؛ أيْ: وحَياتِكَ؛ يا كَرِيمَ الشَّمائِلِ؛ وأكَّدَ لِأنَّ الحالَ قاضٍ في ذَلِكَ الحِينِ اسْتِبْعادَ رَدِّهِمْ؛ ولِتَحْقِيقِ أنَّ ذَلِكَ ضَلالٌ مِنهم صِرْفٌ؛ وتَعَنُّتٌ مَحْضٌ؛ فَقالَ: ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ﴾؛ أيْ: غَوايَتِهِمُ الجاهِلِيَّةِ؛ ﴿يَعْمَهُونَ﴾؛ أيْ: يَتَحَيَّرُونَ؛ ولا يُبْصِرُونَ طَرِيقَ الرُّشْدِ؛ فَلِذَلِكَ لا يَقْبَلُونَ قَوْلَ النَّصُوحِ؛ فَإنْ كانَ المُخاطَبُ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ كانَ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ لِقَوْمِهِ؛ وإنْ كانَ المُخاطَبُ نَبِيَّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - وهو الظّاهِرُ - كانَ الضَّمِيرُ لِقَوْمِهِ؛ وكانَ التَّقْدِيرُ أنَّهم في خَبْطٍ بَعِيدٍ عَنِ السُّنَنِ في طَلَبِهِمْ إتْيانَ المَلائِكَةِ كَما كانَ قَوْمُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَقْصِدُونَ الِالتِذاذَ بِالفاحِشَةِ بِمَن مُكِّنَ مِن هَلاكِهِمْ؛ فَشَتّانَ ما بَيْنَ القَصْدَيْنِ! وهَيْهاتَ لِما بَيْنَ الفِعْلَيْنِ! فَصارَ المَعْنى أنَّ ما قَذَفُوكَ بِهِ - أوَّلَ السُّورَةِ - بِهِمْ؛ لا بِكَ؛ لِأنَّ مَن يَطْلُبُ إتْيانَ المَلائِكَةِ - مَعَ جَوازِ أنْ يَكُونَ حالُهُ حالَ قَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ إتْيانِهِمْ - هو المَجْنُونُ؛ و”العَمْرُ“؛ بِالفَتْحِ: العُمْرُ؛ بِالضَّمِّ؛ وهو مُدَّةُ بَقاءِ الشَّيْءِ حَيًّا؛ لَكِنَّهُ لا يُقالُ في القَسَمِ إلّا بِالفَتْحِ؛ لِخِفَّتِهِ؛ مَعَ كَثْرَةِ دَوْرِ القَسَمِ؛ ولِذَلِكَ حَذَفُوا الَّذِي تَقْدِيرُهُ: قَسَمِي؛ والسَّكْرَةُ: غُمُورُ السَّهْوِ لِلنَّفْسِ.

73

فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ

So the shriek seized them at sunrise.

ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ؛ سَبَّبَ عَنِ القَضاءِ بِقَطْعِ دابِرِهِمْ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿فَأخَذَتْهُمُ﴾؛ أيْ: أخْذَ انْتِقامٍ وغَلَبَةٍ؛ ﴿الصَّيْحَةُ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي لِعِظَمِها وهَوْلِها هي الصَّيْحَةُ؛ وغَيْرُها عَدَمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها؛ والأخْذُ: فِعْلٌ يَصِيرُ بِهِ الشَّيْءُ في جِهَةِ الفاعِلِ؛ والصَّيْحَةُ: صَوْتٌ يَخْرُجُ مِنَ الفَمِ بِشِدَّةٍ؛ وقَوْلُهُ: ﴿مُشْرِقِينَ﴾؛ أيْ: داخِلِينَ في الإشْراقِ؛ وهو ضِياءُ الشَّمْسِ؛ عِنْدَ بُزُوغِها؛ وتَبَيَّنَ بِهِ أنَّ وقْتَهُ يُسَمّى صُبْحًا لُغَةً؛ فَإنَّ الصُّبْحَ؛ والصَّباحَ؛ والإصْباحَ؛ أوَّلُ النَّهارِ؛ ولَعَلَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ إلى وقْتِ الغَداءِ؛ أوِ الزَّوالِ؛ أوْ تَكُونُ الصَّيْحَةُ وقْتَ الإشْراقِ آخِرَ أمْرِهِمْ؛ وقَلْعُ المَدائِنِ مِن أماكِنِها وقْتَ الصُّبْحِ ابْتِداءَ أمْرِهِمْ؛

74

فَجَعَلْنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةًۭ مِّن سِجِّيلٍ

And We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of hard clay.

ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما تَسَبَّبَ عَنِ الصَّيْحَةِ؛ مُتَعَقِّبًا لَها؛ فَقالَ: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها﴾؛ أيْ: مَدائِنَهُمْ؛ ﴿سافِلَها وأمْطَرْنا﴾؛ ولَمّا كانَ الزَّجْرُ في هَذِهِ السُّورَةِ أعْظَمَ مِنَ الزَّجْرِ في سُورَةِ ”هُودٍ“ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِطَلَبِهِمْ أنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِ المَلائِكَةِ؛ أعادَ الضَّمِيرَ عَلى المُعَذَّبِينَ؛ لا عَلى مُدُنِهِمْ - كَما مَضى في سُورَةِ ”هُودٍ“ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ هَذا أصْرَحُ؛ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: أهْلِ المَدائِنِ الَّتِي قُلِبَتِ المَدائِنُ لِأجْلِهِمْ؛ ﴿حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾؛

75

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ

Indeed in that are signs for those who discern.

ثُمَّ حَقَّقَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ شَرْحٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرِ العَظِيمِ جِدًّا؛ ﴿لآياتٍ﴾؛ أيْ: عِدَّةً؛ مِن جِهَةِ غَمْرِها بِالماءِ بَعْدَ خَسْفِها؛ ومِن جِهَةِ كَوْنِهِ مُخالِفًا لِمِياهِ الأرْضِ بِالنُّتْنِ والخَباثَةِ؛ وعَدَمِ عَيْشِ الحَيَوانِ فِيهِ؛ وعَدَمِ النَّفْعِ بِهِ؛ ومِن جِهَةِ فَظاعَةِ مَنظَرِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِهِ؛ ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾؛ جَمْعُ ”مُتَوَسِّمٌ“؛ وهو النّاظِرُ في السِّمَةِ الدّالَّةِ؛ وهي الأثَرُ الدّالُّ في الوَجْهِ؛ والقَرائِنِ القاضِيَةِ بِالخَيْرِ؛ والشَّرِّ؛ وكانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم أبْصَرُ النّاسِ بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ فَهو إلْهابٌ لَهُمْ؛ وتَبْكِيتٌ؛

76

وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍۢ مُّقِيمٍ

And indeed, those cities are [situated] on an established road.

ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ خَفِيٍّ عَنْهُمْ؛ ولا بَعِيدٍ عَمَّنْ أرادَ الِاتِّعاظَ بِهِ؛ فَقالَ - جَعْلًا لَهم - لِعَدَمِ اعْتِبارِهِمْ بِها مَعَ رُؤْيَتِهِمْ إيّاها في كُلٍّ حِينٍ - في عِدادِ المُنْكِرِينَ -: ﴿وإنَّها﴾؛ أيْ: هَذِهِ المَدائِنَ؛ ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾؛ أيْ: ثابِتٍ؛ وهو مَعَ ذَلِكَ مُبِينٌ؛ فالِاعْتِبارُ بِها في غايَةِ السُّهُولَةِ لِقَوْمِكَ؛ وكانُوا يَمُرُّونَ عَلَيْها في بَعْضِ أسْفارِهِمْ إلى الشّامِ.

77

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ

Indeed in that is a sign for the believers.

ولَمّا أشارَ - سُبْحانَهُ - إلى الِاسْتِدْلالِ بِالتَّوَسُّمِ؛ الدّالِّ - بِما هي عَلَيْهِ مِنَ المُخالَفَةِ لِسائِرِ مِياهِ الأرْضِ العَذْبَةِ الوارِدَةِ إلَيْها عَلى كَثْرَتِها؛ ومَعَ أنَّ البِلادَ الَّتِي هي بِها مِن أبْهَجِ البِلادِ في عُذُوبَةِ المِياهِ؛ وطَراوَةِ الأرْضِ؛ وحُسْنِ الأشْجارِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ - عَلى أنَّ لَها نَبَأً هو في غايَةِ الغَرابَةِ؛ وأتْبَعَ ذَلِكَ سُهُولَةَ الوُصُولِ إلَيْها؛ حَثًّا عَلى إتْيانِها بِقَصْدِ نَظَرِها؛ والِاعْتِبارِ بِها؛ والسُّؤالِ عَنْ سَبَبِ كَوْنِها كَذَلِكَ؛ قالَ (تَعالى) - مُشِيرًا إلى زِيادَةِ الحَثِّ بِالتَّأْكِيدِ -: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرِ العَظِيمِ مِن حالِها؛ ﴿لآيَةً﴾؛ أيْ: عَلامَةً عَظِيمَةً في الدَّلالَةِ عَلَيْنا؛ ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الرّاسِخِينَ في الصِّدْقِ؛ والتَّصْدِيقِ؛ فَإذا أُخْبِرُوا أنَّ سَبَبَ كَوْنِها هَكَذا أنَّ اللَّهَ أمَرَ بَعْضَ جُنْدِهِ فَرَفَعَها؛ ثُمَّ قَلَبَها؛ ثُمَّ أتْبَعَها الحِجارَةَ؛ ثُمَّ خَسَفَ بِها؛ وغَمَرَها بِهَذا الماءِ - الَّذِي هو في القَذارَةِ؛ وعَدَمِ الثَّمَرَةِ مُناسِبٌ لِأفْعالِ أهْلِها - لِأجْلِ عِصْيانِهِمْ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ آمَنُوا؛ حَذَرًا مِن مِثْلِ هَذا العَذابِ؛ إيمانًا بِالغَيْبِ.

78

وَإِن كَانَ أَصْحَٰبُ ٱلْأَيْكَةِ لَظَٰلِمِينَ

And the companions of the thicket were [also] wrongdoers.

ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ؛ ضَمَّ إلَيْها ما هو عَلى طَرِيقِها مِمّا عَذَّبَ قَوْمَهُ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ العَذابِ؛ يُشابِهُ عَذابَ قَوْمِ لُوطٍ في كَوْنِهِ نارًا مِنَ السَّماءِ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِ الكُفّارِ أنْ يَكُونَ عَذابُهم لِأجْلِ التَّكْذِيبِ؛ أوْ عَدًّا لَهُمْ؛ لِأجْلِ تَمادِيهِمْ عَلى الغَوايَةِ مَعَ العِلْمِ بِهِ؛ عِدادَ المُنْكِرِينَ -: ﴿وإنْ﴾؛ أيْ: وإنَّهُ؛ ﴿كانَ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾؛ وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ و”الأيْكَةُ“: الشَّجَرَةُ؛ عَنِ الحَسَنِ؛ وجَمْعُهُ ”الأيْكُ“؛ كَـ ”شَجَرَةٌ“ و”شَجَرٌ“؛ وقِيلَ: ”الأيْكَةُ“: الشَّجَرُ المُلْتَفُّ؛ ﴿لَظالِمِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في الظُّلْمِ؛

79

فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍۢ مُّبِينٍۢ

So We took retribution from them, and indeed, both [cities] are on a clear highway.

﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنِ البَلَدَيْنِ؛ لِتَقارُبِهِما في العَذابِ؛ والمَكانِ؛ وكَوْنِهِما عَلى طَرِيقٍ واحِدَةٍ مِن طُرُقِ مَتاجِرِ قُرَيْشٍ؛ فَقالَ: ﴿وإنَّهُما﴾؛ أيْ: قُرى قَوْمِ لُوطٍ؛ ومَحالَّ أصْحابِ الأيْكَةِ؛ ﴿لَبِإمامٍ﴾؛ أيْ: طَرِيقٍ يُؤَمُّ ويُتَّبَعُ؛ ويُهْتَدى بِهِ؛ ﴿مُبِينٍ﴾؛ واضِحٍ لِمَن أرادَهُ؛ بِحَيْثُ إنَّهُ مِن شِدَّةِ وُضُوحِهِ مُوَضِّحٌ لِعَظَمَةِ اللَّهِ؛ وانْتِصارِهِ لِأنْبِيائِهِ مِمَّنْ يُكَذِّبُهُمْ؛ وهو - مَعَ وُضُوحِهِ - مُقِيمٌ في مَكانِهِ؛ لَمْ تَنْدَرِسْ أعْلامُهُ؛ ولَمْ تَنْطَمِسْ آثارُهُ؛ فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذَكَرَ في الأُولى ”مُقِيمٍ“؛ دَلالَةً عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ ثانِيًا؛ وفي الثّانِيَةِ ”مُبِينٍ“؛ دَلالَةً عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ أوَّلًا.

80

وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَٰبُ ٱلْحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ

And certainly did the companions of Thamud deny the messengers.

ولَمّا كانَ رُبَّما قِيلَ: إنَّهُ لَوْ كانَ لِأصْحابِ الأيْكَةِ بُيُوتٌ مُتْقَنَةٌ لِمَنَعَتْهم مِنَ العَذابِ؛ عَطَفَ عَلَيْهِمْ مَن هم عَلى طَرِيقٍ أُخْرى مِن مَتاجِرِهِمْ إلى الشّامِ؛ وكانُوا قَدْ طالَ اغْتِرارُهم بِالأمَلِ حَتّى اتَّخَذُوا الجِبالَ بُيُوتًا؛ وكانَتْ آيَتُهم في غايَةِ الوُضُوحِ؛ فَكَذَّبُوا بِها؛ تَحْقِيقًا لِأنَّ المُتَعَنِّتِينَ لَوْ رَأوْا كُلَّ آيَةٍ لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا؛ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كَذَّبَ﴾؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْمُكَذِّبِينَ؛ وما وقَعَ لَهم بِتَكْذِيبِهِمْ؛ قَدَّمَ الفاعِلَ؛ فَقالَ - مُشِيرًا إلى إتْقانِ بُيُوتِهِمْ -: ﴿أصْحابُ الحِجْرِ﴾؛ وهم ثَمُودُ؛ قَوْمُ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ودِيارُهم بَيْنَ المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ؛ والشّامِ؛ ﴿المُرْسَلِينَ﴾؛ أيْ: كُلَّهُمْ؛ بِتَكْذِيبِ رَسُولِهِمْ؛ كَما كَذَّبَ هَؤُلاءِ المُرْسَلِينَ؛ بِتَكْذِيبِكَ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ بِالصِّدْقِ؛ فَمَن كَذَّبَ واحِدًا مِنهم فَقَدْ كَذَّبَ الجَمِيعَ؛ وهم في إثْباتِ الرِّسالَةِ بِالمُعْجِزَةِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ؛

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.