Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah

Ayahs 71–80 of 99

71

قَالَ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِىٓ إِن كُنتُمْ فَٰعِلِينَ

[Lot] said, "These are my daughters - if you would be doers [of lawful marriage]."

[فَصْلٌ: عِشْقُ اللُّوطِيَّةِ]

والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ، الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهُمُ العِشْقَ: هُمُ اللُّوطِيَّةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ - قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ - واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ - قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ - قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ - لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٦٧-٧٢].

فَهَذِهِ الأُمَّةُ عَشِقَتْ فَحَكاهُ سُبْحانَهُ عَنْ طائِفَتَيْنِ، عَشِقَ كُلٌّ مِنهُما ما حُرِّمَ عَلَيْهِ مِنَ الصُّوَرِ، ولَمْ يُبالِ بِما في عِشْقِهِ مِنَ الضَّرَرِ.

وَهَذا داءٌ أعْيا الأطِبّاءَ دَواؤُهُ، وعَزَّ عَلَيْهِمْ شِفاؤُهُ، وهو واللَّهِ الدّاءُ العُضالُ، والسُّمُّ القَتّالُ، الَّذِي ما عَلِقَ بِقَلْبٍ إلّا وعَزَّ عَلى الوَرى خَلاصُهُ مِن إسارِهِ، ولا اشْتَعَلَتْ نارُهُ في مُهْجَةٍ إلّا وصَعُبَ عَلى الخَلْقِ تَخْلِيصُها مِن نارِهِ.

وَهُوَ أقْسامٌ:

تارَةً يَكُونُ كُفْرًا: لِمَنِ اتَّخَذَ مَعْشُوقَهُ نِدًّا يُحِبُّهُ كَما يُحِبُّ اللَّهَ، فَكَيْفَ إذا كانَتْ مَحَبَّتُهُ أعْظَمَ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ في قَلْبِهِ؟ فَهَذا عِشْقٌ لا يُغْفَرُ لِصاحِبِهِ، فَإنَّهُ مِن أعْظَمِ الشِّرْكِ، واللَّهُ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ، وإنَّما يَغْفِرُ بِالتَّوْبَةِ الماحِيَةِ ما دُونُ ذَلِكَ.

وَعَلامَةُ العِشْقِ الشَّرِكِيِّ الكُفْرِيِّ: أنْ يُقَدِّمَ العاشِقُ رِضاءَ مَعْشُوقِهِ عَلى رَبِّهِ، وإذا تَعارَضَ عِنْدَهُ حَقُّ مَعْشُوقِهِ وحَظُّهُ، وحَقُّ رَبِّهِ وطاعَتُهُ، قَدَّمَ حَقَّ مَعْشُوقِهِ عَلى حَقِّ رَبِّهِ، وآثَرَ رِضاهُ عَلى رِضاهُ، وبَذَلَ لَهُ أنْفَسَ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وبَذَلَ لِرَبِّهِ - إنْ بَذَلَ - أرْدَأ ما عِنْدَهُ، واسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ في مَرْضاةِ مَعْشُوقِهِ وطاعَتِهِ والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ، وجَعَلَ لِرَبِّهِ - إنْ أطاعَهُ - الفَضْلَةَ الَّتِي تَفَضَّلَ مَعْشُوقُهُ مِن ساعاتِهِ.

فَتَأمَّلْ حالَ أكْثَرِ عُشّاقِ الصُّوَرِ تَجِدْها مُطابِقَةً لِذَلِكَ، ثُمَّ ضَعْ حالَهم في كِفَّةٍ، وتَوْحِيدَهم وإيمانَهم في كِفَّةٍ، ثُمَّ زِنْ وزْنًا يَرْضى اللَّهُ بِهِ ورَسُولُهُ ويُطابِقُ العَدْلَ، ورُبَّما صَرَّحَ العاشِقُ مِنهم بِأنَّ وصْلَ مَعْشُوقِهِ أحَبُّ إلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ رَبِّهِ، كَما قالَ العاشِقُ الخَبِيثُ:

؎يَتَرَشَّفْنَ مِن فَمِي رَشَفاتٍ ∗∗∗ هُنَّ أحْلى فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ

وَكَما صَرَّحَ الخَبِيثُ الآخَرُ أنَّ وصْلَ مَعْشُوقِهِ أشْهى إلَيْهِ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ، وقَدْ مَرَّ.

بِلا رَيْبٍ إنَّ هَذا العِشْقَ مِن أعْظَمِ الشِّرْكِ، وكَثِيرٌ مِنهم يُصَرِّحُ بِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ في قَلْبِهِ مَوْضِعٌ لِغَيْرِ مَعْشُوقِهِ ألْبَتَّةَ، بَلْ قَدْ مَلَكَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ كُلَّهُ فَصارَ عَبْدًا مَحْضًا مِن كُلِّ وجْهٍ لِمَعْشُوقِهِ، فَقَدْ رَضِيَ هَذا مِن عُبُودِيَّةِ الخالِقِ جَلَّ جَلالُهُ بِعُبُودِيَّةِ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ: فَإنَّ العُبُودِيَّةَ هي كَمالُ الحُبِّ والخُضُوعِ، وهَذا قَدِ اسْتَفْرَغَ قُوَّةَ حُبِّهِ وخُضُوعِهِ وذُلِّهِ لِمَعْشُوقِهِ فَقَدْ أعْطاهُ حَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ.

وَلا نِسْبَةَ بَيْنَ مَفْسَدَةِ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ ومَفْسَدَةِ الفاحِشَةِ، فَإنَّ تِلْكَ ذَنْبٌ كَبِيرٌ لِفاعِلِهِ حُكْمُ أمْثالِهِ، ومَفْسَدَةُ هَذا العِشْقِ مَفْسَدَةُ الشِّرْكِ، وكانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ مِنَ العارِفِينَ يَقُولُ: لَأنْ أُبْتَلى بِالفاحِشَةِ مَعَ تِلْكَ الصُّورَةِ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أُبْتَلى فِيها بِعِشْقٍ يَتَعَبَّدُ لَها قَلْبِي ويَشْغَلُهُ عَنِ اللَّهِ.

أكثر المفسرين من السلف والخلف بل لا يعرف عن السلف …

72

لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ

By your life, [O Muhammad], indeed they were, in their intoxication, wandering blindly.

Explained together with ayah 71

73

فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ

So the shriek seized them at sunrise.

Explained together with ayah 71

74

فَجَعَلْنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةًۭ مِّن سِجِّيلٍ

And We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of hard clay.

Explained together with ayah 71

75

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ

Indeed in that are signs for those who discern.

قد مدح الله سبحانه وتعالى الفراسة وأهلها في مواضع من كتابه. هذا منها.

والمتوسمون: هم المتفرسون الذين يأخذون بالسيماء، وهي العلامة.

يقال: توسمت فيك كذا، أي تفرسته، كأنها أخذت من السيماء، وهي فعلاء من السمة، وهي العلامة.

وقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَأرَيْناكَهم فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾

وفي الترمذي مرفوعا «اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله» «١» ثم قرأ إنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ.

وَكانَ أبُو الدَّرْداءِ يَقُولُ: إيّاكم وفِراسَةَ العُلَماءِ، احْذَرُوا أنْ يَشْهَدُوا عَلَيْكم شَهادَةً تَكُبُّكم عَلى وُجُوهِكم في النّارِ، فَواللَّهِ إنّهُ لَلْحَقُّ يَقْذِفُهُ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ.

قُلْت: وأصْلُ هَذا في التِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا: «اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ؛ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]»

[فصل: الفرق بين الفراسة، والظن]

والفرق بين الفراسة، والظن أن الظن يخطئ ويصيب وهو يكون مع ظلمة القلب ونوره وطهارته ونجاسته ولهذا أمر تعالى باجتناب كثير منه وأخبر أن بعضه إثم.

وأما الفراسة: فأثنى على أهلها مدحهم في قوله تعالى: ﴿إنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾

قال ابن عباس رضي اللّه عنهما وغيره أي للمتفرسين وقال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَأرَيْناكَهم فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهم ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾

فالفراسة الصادقة لقلب قد تطهر وتصفى وتنزه من الأدناس وقرب من اللّه فهو ينظر بنور اللّه الذي جعله في قلبه.

وفي الترمذي وغيره من حديث أبي سعيد قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه).

وهذه الفراسة نشأت له من قربه من اللّه فإن القلب إذا قرب من اللّه انقطعت عنه معارضات السوء المانعة من معرفة الحق وإدراكه وكان تلقيه من مشكاة قريبة من اللّه بحسب قربه منه وأضاء له النور بقدر قربه فرأى في ذلك النور ما لم يره البعيد والمحجوب، كما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فيما يروي عنه ربه عز وجل أنه: قال ما تقرب إلي عبدي بمثل ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي، فأخبر سبحانه أن تقرب عبده منه يفيده محبته له فإذا أحبه قرب من سمعه وبصره ويده ورجله فسمع به وأبصر به وبطش به ومشى به فصار قلبه كالمرآة الصافية تبدو فيها صور الحقائق على ما هي عليه فلا تكاد تخطئ له فراسة فإن العبد إذا أبصر باللّه أبصر الأمر على ما هو عليه، فإذا سمع باللّه سمع على ما هو عليه، وليس هذا من علم الغيب بل علّام الغيوب قذف الحق في قلب قريب مستبشر بنوره غير مشغول بنقوش الأباطيل والخيالات والوساوس التي تمنعه من حصول صور الحقائق فيه وإذا غلب على القلب النور فاض على الأركان وبادر من القلب إلى العين فكشف بعين بصره يحسب ذلك النور وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يرى أصحابه به في الصلاة وهم خلفه كما يراهم وهم أمامه، ورأى بيت المقدس عيانا وهو بمكة، ورأى قصور الشام، وأبواب صنعاء، ومدائن كسرى وهو بالمدينة يحفر الخندق، ورأى أمراءه بمؤتة وقد أصيبوا وهو بالمدينة، ورأى النجاشي بالحبشة لما مات وهو بالمدينة فخرج إلى المصلي فصلى عليه، ورأى عمر سارية بنهاوند من أرض فارس هو وعساكر المسلمين وهم يقاتلون عدوهم فناداه يا سارية الجبل، ودخل عليه نفر من مذحج فيهم الأشتر النخعي فصعد فيه البصر وصوبه وقال أيهم هذا؟ …

76

وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍۢ مُّقِيمٍ

And indeed, those cities are [situated] on an established road.

Explained together with ayah 75

77

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ

Indeed in that is a sign for the believers.

Explained together with ayah 75

78

وَإِن كَانَ أَصْحَٰبُ ٱلْأَيْكَةِ لَظَٰلِمِينَ

And the companions of the thicket were [also] wrongdoers.

Explained together with ayah 75

79

فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍۢ مُّبِينٍۢ

So We took retribution from them, and indeed, both [cities] are on a clear highway.

Explained together with ayah 75

80

وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَٰبُ ٱلْحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ

And certainly did the companions of Thamud deny the messengers.

Explained together with ayah 75

Commentary: Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.