Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 71–80 of 99

71

قَالَ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِىٓ إِن كُنتُمْ فَٰعِلِينَ

[Lot] said, "These are my daughters - if you would be doers [of lawful marriage]."

﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ يَعْنِي نِساءَ القَوْمِ أوْ بَناتِهِ حَقِيقَةً. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ (وبَناتِي) خَبَرُهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ فَتَزَوَّجُوهُنَّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( بَناتِي ) بَدَلًا أوْ بَيانًا والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ أطْهَرُ لَكم كَما في الآيَةِ الأُخْرى، وأنْ يَكُونَ ( هَؤُلاءِ ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ تَزَوَّجُوا بَناتِي، والمُتَبادَرُ الأوَّلُ.

﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ شَكَّ في قَبُولِهِمْ لِقَوْلِهِ فَكَأنَّهُ قالَ: إنْ فَعَلْتُمْ ما أقُولُ لَكم وما أظُنُّكم تَفْعَلُونَ، وقِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ قَضاءَ الشَّهْوَةِ فِيما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى دُونَ ما حَرَّمَ، والوَجْهُ الأوَّلُ كَما في الكَشْفِ أوْجَهُ.

وفِي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّهُ أنْسَبُ بِالشَّكِّ، ويُفْهِمُ صَنِيعُ بَعْضِهِمْ تَرْجِيحَ الثّانِي قِيلَ لِتَبادُرِهِ مِنَ الفِعْلِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ المَفْعُولُ مُقَدَّرٌ، وجُوِّزَ تَنْزِيلُ الوَصْفِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ فَهو خَيْرٌ لَكم أوْ فاقْضُوا ذَلِكَ

72

لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ

By your life, [O Muhammad], indeed they were, in their intoxication, wandering blindly.

﴿لَعَمْرُكَ﴾ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِعُمُرِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى ما عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وأبُو نُعَيْمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى وما ذَرَأ وما بَرَأ نَفْسًا أكْرَمَ عَلَيْهِ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ وما سَمِعْتُ اللَّهَ سُبْحانَهُ أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ غَيْرَهُ قالَ تَعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: هو قَسَمٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِعُمْرِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو مَعَ مُخالَفَتِهِ لِلْمَأْثُورِ مُحْتاجٌ لِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ لِلُوطٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ إلَخْ، وهو خِلافُ الأصْلِ وإنْ كانَ سِياقُ القِصَّةِ شاهِدًا لَهُ وقَرِينَةً عَلَيْهِ، فَلا يَرُدُّ ما قالَهُ صاحِبُ الفَرائِدِ مِن أنَّهُ تَقْدِيرٌ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ ولَوِ ارْتُكِبَ مِثْلُهُ لَأُمْكِنَ إخْراجُ كُلِّ نَصٍّ عَنْ مَعْناهُ بِتَقْدِيرِ شَيْءٍ فَيَرْتَفِعُ الوُثُوقُ بِمَعانِي النَّصِّ، وأيًّا ما كانَ- فَعَمْرُكَ- مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ وُجُوبًا أيْ قَسَمِي أوْ يَمِينِي أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، والعَمْرُ بِالفَتْحِ والضَّمِّ البَقاءُ والحَياةُ إلّا أنَّهُمُ التَزَمُوا الفَتْحَ في القَسَمِ لِكَثْرَةِ دَوْرِهِ فَناسَبَ التَّخْفِيفَ وإذا دَخَلَتْهُ اللّامُ التُزِمَ فِيهِ الفَتْحُ وحُذِفَ الخَبَرُ في القَسَمِ، وبِدُونِ اللّامِ يَجُوزُ فِيهِ النَّصْبُ والرَّفْعُ وهو صَرِيحٌ، وهو مَصْدَرٌ مُضافٌ لِلْفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، وسُمِعَ فِيهِ دُخُولُ الباءِ وذُكِرَ الخَبَرُ

صفحة 73

قَلِيلًا، وذُكِرَ أنَّهُ إذا تَجَرَّدَ مِنَ اللّامِ لا يَتَعَيَّنُ لِلْقَسَمِ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الجَوْهَرِيِّ، وقالَ ابْنُ يَعِيشٍ: لا يُسْتَعْمَلُ إلّا فِيهِ أيْضًا وجاءَ شاذًّا «عَمَلِي» وعَدُّوهُ مِنَ القَلْبِ، وقالَ أبُو الهَيْثَمِ:

مَعْنى ﴿لَعَمْرُكَ﴾ لَدِينُكَ الَّذِي تَعْمُرُ ويُفَسَّرُ بِالعِبادَةِ، وأنْشَدَ:

أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيّا سُهَيْلًا عَمْرُكَ اللَّهَ كَيْفَ يَلْتَقِيانِ

أرادَ عِبادَتَكَ اللَّهَ تَعالى فَإنَّهُ يُقالُ- عَلى ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ - عَمَرْتُ رَبِّي أيْ عَبَدْتُهُ، وفُلانٌ عامِرٌ لِرَبِّهِ أيْ عابِدٌ، وتَرَكْتُ فُلانًا يَعْمُرُ رَبَّهُ أيْ يَعْبُدُهُ وهو غَرِيبٌ. وفي البَيْتِ تَوْجِيهاتٌ فَقالَ سِيبَوَيْهِ فِيهِ: الأصْلُ عَمَّرْتُكَ اللَّهِ تَعالى تَعْمِيرًا فَحُذِفَ الزَّوائِدُ مِنَ المَصْدَرِ وأُقِيمَ مَقامَ الفِعْلِ مُضافًا إلى مَفْعُولِهِ الأوَّلِ، ومَعْنى عَمَرْتُكَ أعْطَيْتُكَ عُمْرًا بِأنْ سَألْتُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَعْمُرَكَ فَلَمّا ضُمِّنَ عُمْرُ مَعْنى السُّؤالِ تَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي- أعْنِي الِاسْمَ الجَلِيلَ- فَهو عَلى هَذا مَنصُوبٌ، وأجازَ الأخْفَشُ رَفْعَهُ لِيَكُونَ فاعِلًا أيْ عَمَرَكَ اللَّهُ سُبْحانَهُ تَعْمِيرًا، وجَوَّزَ الرَّضِيُّ أنْ يَكُونَ- عَمْرَكَ- فِيهِ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ أسْألُ اللَّهَ تَعالى عَمْرَكَ وأسْألُ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ، أوْ يَكُونُ المَعْنى أسْألُكَ بِحَقِّ تَعْمِيرِكَ اللَّهَ تَعالى أيِ اعْتِقادُكَ بَقاءَهُ وأبَدِيَّتَهُ تَعالى فَيَكُونُ انْتِصابُهُ بِحَذْفِ حَرْفِ القَسَمِ نَحْوَ اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ، وهو مَصْدَرٌ مَحْذُوفُ الزَّوائِدِ مُضافٌ إلى الفاعِلِ والِاسْمُ الجَلِيلُ مَفْعُولٌ بِهِ لَهُ، ولا بَأْسَ بِإضافَةِ- عَمْرِ- إلَيْهِ تَعالى، وقَدْ جاءَ مُضافًا كَذَلِكَ قالَ الشّاعِرُ:

إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ∗∗∗ لَعَمْرُ اللَّهِ …

73

فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ

So the shriek seized them at sunrise.

صفحة 74

﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ يَعْنِي صَيْحَةً هائِلَةً، والتَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ وقالَ الإمامُ: لَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى هَذا التَّعْيِينِ فَإنْ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَوِيٍّ قِيلَ بِهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: الصَّيْحَةُ مِثْلُ الصّاعِقَةِ فَكُلُّ شَيْءِ أُهْلِكَ بِهِ قَوْمٌ فَهو صاعِقَةٌ وصَيْحَةٌ ﴿مُشْرِقِينَ﴾ داخِلِينَ في وقْتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ، قالَ المُدَقِّقُ: والجَمْعُ بَيْنَ- مُصْبِحِينَ ومُشْرِقِينَ- بِاعْتِبارِ الِابْتِداءِ والِانْتِهاءِ بِأنْ يَكُونَ ابْتِداءُ العَذابِ عِنْدَ الصُّبْحِ وانْتِهاؤُهُ عِنْدَ الشُّرُوقِ وأخْذُ الصَّيْحَةِ قَهْرُها إيّاهم وتَمَكُّنُها مِنهُمْ، ومِنهُ الأخِيذُ الأسِيرُ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: ﴿مَقْطُوعٌ﴾ بِمَعْنى يَقْطَعُ عَمّا قَرِيبٍ انْتَهى، وقِيلَ: ( مُشْرِقِينَ ) حالٌ مُقَدَّرَةٌ

74

فَجَعَلْنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةًۭ مِّن سِجِّيلٍ

And We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of hard clay.

﴿فَجَعَلْنا عالِيَها﴾ أيِ المَدِينَةَ كَما هو الظّاهِرُ. وجُوِّزَ رُجُوعُهُ إلى القُرى وإنْ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُها والمُرادُ بِعالِيها وجْهُ الأرْضِ وما عَلَيْهِ وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِجَعْلِ (وسافِلَها) الثّانِي لَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ ﴿حِجارَةً﴾ كائِنَةً ﴿مِن سِجِّيلٍ﴾ مِن طِينٍ مُتَحَجِّرٍ وهو في المَشْهُورِ مُعَرَّبُ سَنْكَ كَلْ، وذَهَبَ أبُو عُبَيْدٍ وطائِفَةٌ إلى أنَّهُ عَرَبِيٌّ وأنَّهُ يُقالُ فِيهِ «سِجِّينٍ» بِالنُّونِ واحْتَجُّوا بِقَوْلِ تَمِيمِ بْنِ مُقْبِلٍ:

ضَرْبًا تَواصى بِهِ الأبْطالُ سِجِّينًا وهو كَما تَرى. وسُئِلَ الأصْمَعِيُّ عَنْ مَعْناهُ في البَيْتِ فَقالَ: لا أُفَسِّرُهُ إذْ كُنْتُ أسْمَعُ وأنا حَدَثٌ- سِخِّينًا- بِالخاءِ المُعْجَمَةِ أيْ سُخْنًا و”سِجِّينٍ“ بِالجِيمِ أيْضًا، وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ السِّجِلِّ وهو الكِتابُ أيْ مِن طِينٍ كُتِبَ عَلَيْهِ أسْماؤُهم أوْ كَتَبَ اللَّهُ تَعْذِيبَهم بِهِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ أيْضًا.

75

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ

Indeed in that are signs for those who discern.

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ فِيما ذُكِرَ مِنَ القِصَّةِ ﴿لآياتٍ﴾ لَعَلاماتٍ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى حَقِيقَةِ الحَقِّ ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِلنّاظِرِينَ، وقالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: لِلْمُتَفَرِّسِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: لِلْمُعْتَبِرِينَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وهي مَعانٍ مُتَقارِبَةٌ. وفي البَحْرِ التَّوَسُّمُ تَفَعَّلٌ مِنَ الوَسْمِ وهو العَلّامَةُ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلى مَطْلُوبٍ، وقالَ ثَعْلَبٌ:

التَّوَسُّمُ النَّظَرُ مِنَ القَرْنِ إلى القَدَمِ واسْتِقْصاءُ وُجُوهِ التَّعْرِيفِ، قالَ الشّاعِرُ:

أوَكُلَّما ورَدَتْ عُكاظَ قَبِيلَةٌ بَعَثُوا إلَيَّ عَرِيفَهم يَتَوَسَّمُ

وذُكِرَ أنَّ أصْلَهُ التَّثَبُّتُ والتَّفَكُّرُ مَأْخُوذٌ مِنَ الوَسْمِ وهو التَّأْثِيرُ بِحَدِيدَةٍ مُحْماةٍ في جِلْدِ البَعِيرِ أوْ غَيْرِهِ، ويُقالُ:

تَوَسَّمْتُ فِيهِ خَيْرًا أيْ ظَهَرَتْ عَلاماتُهُ لِي مِنهُ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ في رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ:

إنِّي تَوَسَّمْتُ فِيكَ الخَيْرَ أعْرِفُهُ ∗∗∗ واللَّهُ يَعْلَمُ أنِّي ثابِتُ البَصَرِ

والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ ( لَآياتٍ ) أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ- عَلى ما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ - أصْلٌ في الفِراسَةِ، فَقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا ««اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ تَعالى»».

ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ وكانَ بَعْضُ المالِكِيَّةِ يَحْكُمُ بِالفِراسَةِ في الأحْكامِ جَرْيًا عَلى طَرِيقِ إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ

76

وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍۢ مُّقِيمٍ

And indeed, those cities are [situated] on an established road.

﴿وإنَّها﴾ أيِ المَدِينَةُ المُهْلَكَةُ وقِيلَ القُرى ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ أيْ طَرِيقٍ ثابِتٍ يَسْلُكُهُ النّاسُ ويَرَوْنَ آثارَها وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْآياتِ، وقِيلَ: لِلْحِجارَةِ، وقِيلَ: لِلصَّيْحَةِ أيْ وإنَّ الصَّيْحَةَ لَبِمَرْصَدٍ لِمَن يَعْمَلُ عَمَلَهم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ ( ومُقِيمٍ) قِيلَ مَعْلُومٌ، وقِيلَ: مُعْتَدٍ دائِمُ السُّلُوكِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ فِيما ذُكِرَ مِنَ المَدِينَةِ أوِ القُرى أوْ في كَوْنِها بِمَرْأى مِنَ النّاسِ يُشاهِدُونَها عِنْدَ مُرُورِهِمْ عَلَيْها ﴿لآيَةً﴾ عَظِيمَةً ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ فَإنَّهُمُ

صفحة 75

الَّذِينَ يَعْرِفُونَ أنَّ سُوءَ صَنِيعِهِمْ هو الَّذِي تَرَكَ دِيارَهم بَلاقِعَ، وأمّا غَيْرُهم فَيَحْمِلُونَ ذَلِكَ عَلى الِاتِّفاقِ أوِ الأوْضاعِ الفَلَكِيَّةِ، وإفْرادُ الآيَةِ بَعْدَ جَمْعِها فِيما سَبَقَ قِيلَ لِما أنَّ المَشاهَدَ هاهُنا بَقِيَّةُ الآثارِ لا كُلَّ القِصَّةِ كَما فِيما سَلَفَ، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُؤْمِنِينَ يَكْفِيهِمْ آيَةٌ واحِدَةٌ

77

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ

Indeed in that is a sign for the believers.

﴿وإنَّها﴾ أيِ المَدِينَةُ المُهْلَكَةُ وقِيلَ القُرى ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ أيْ طَرِيقٍ ثابِتٍ يَسْلُكُهُ النّاسُ ويَرَوْنَ آثارَها وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْآياتِ، وقِيلَ: لِلْحِجارَةِ، وقِيلَ: لِلصَّيْحَةِ أيْ وإنَّ الصَّيْحَةَ لَبِمَرْصَدٍ لِمَن يَعْمَلُ عَمَلَهم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ ( ومُقِيمٍ) قِيلَ مَعْلُومٌ، وقِيلَ: مُعْتَدٍ دائِمُ السُّلُوكِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ فِيما ذُكِرَ مِنَ المَدِينَةِ أوِ القُرى أوْ في كَوْنِها بِمَرْأى مِنَ النّاسِ يُشاهِدُونَها عِنْدَ مُرُورِهِمْ عَلَيْها ﴿لآيَةً﴾ عَظِيمَةً ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ فَإنَّهُمُ

صفحة 75

الَّذِينَ يَعْرِفُونَ أنَّ سُوءَ صَنِيعِهِمْ هو الَّذِي تَرَكَ دِيارَهم بَلاقِعَ، وأمّا غَيْرُهم فَيَحْمِلُونَ ذَلِكَ عَلى الِاتِّفاقِ أوِ الأوْضاعِ الفَلَكِيَّةِ، وإفْرادُ الآيَةِ بَعْدَ جَمْعِها فِيما سَبَقَ قِيلَ لِما أنَّ المَشاهَدَ هاهُنا بَقِيَّةُ الآثارِ لا كُلَّ القِصَّةِ كَما فِيما سَلَفَ، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُؤْمِنِينَ يَكْفِيهِمْ آيَةٌ واحِدَةٌ

78

وَإِن كَانَ أَصْحَٰبُ ٱلْأَيْكَةِ لَظَٰلِمِينَ

And the companions of the thicket were [also] wrongdoers.

﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ هَمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والأيْكَةُ في الأصْلِ الشَّجَرَةُ المُلْتَفَّةُ واحِدَةُ الأيْكِ، قالَ الشّاعِرُ:

تَجْلُو بِقادِمَتِي حَمامَةُ أيْكَةٍ بَرْدًا أسِفُّ لَثاتَهُ بِالإثْمِدِ

والمُرادُ بِها غَيْضَةٌ أيْ بُقْعَةٌ كَثِيفَةُ الأشْجارِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ كانُوا يَسْكُنُونَ الغَيْضَةَ وعامَّةُ شَجَرِها الدُّومُ- وقِيلَ السِّدْرُ- فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ شُعَيْبًا فَكَذَّبُوهُ فَأهْلَكُوا بِما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: بَلْدَةٌ كانُوا يَسْكُنُونَها، وإطْلاقُها عَلى ما ذُكِرَ إمّا بِطْرِيقِ النَّقْلِ أوْ تَسْمِيَةِ المَحَلِّ بِاسْمِ الحالِ فِيهِ ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِ حَتّى صارَ عَلَمًا، وأُيِّدَ القَوْلُ بِالعَلَمِيَّةِ أنَّهُ قُرِئَ في «لَيْكَةَ» مَمْنُوعَ الصَّرْفِ، ( وإنْ ) عِنْدَ البَصْرِيِّينَ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ واللّامُ هي الفارِقَةُ، وعِنْدَ الفَرّاءِ هي النّافِيَةُ ولا اسْمَ لَها واللّامُ بِمَعْنى إلّا، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ أيْ وأنَّ الشَّأْنَ كانَ أُولَئِكَ القَوْمُ مُتَجاوِزِينَ عَنِ الحَدِّ

79

فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍۢ مُّبِينٍۢ

So We took retribution from them, and indeed, both [cities] are on a clear highway.

﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ جازَيْناهم عَلى جِنايَتِهِمُ السّابِقَةِ بِالعَذابِ والضَّمِيرُ لِأصْحابِ الأيْكَةِ.

وزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّهُ لَهم ولِقَوْمِ لُوطٍ ولَيْسَ بِذاكَ. رَوى غَيْرُ واحِدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ سَلَّطَ عَلَيْهِمُ الحَرَّ سَبْعَةَ أيّامٍ لا يُظِلُّهم مِنهُ ظِلٌّ ولا يَمْنَعُهم مِنهُ شَيْءٌ ثُمَّ بَعَثَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ سَحابَةً فَجَعَلُوا يَلْتَمِسُونَ الرُّوحَ مِنها فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ مِنها نارًا فَأكَلَتْهم فَهو عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ﴿وإنَّهُما﴾ أيْ مَحَلِّي قَوْمِ لُوطٍ وقَوْمِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْأيْكَةِ ومَدْيَنَ، والثّانِي وإنْ لَمْ يُذْكَرْ هُنا لَكِنَّ ذِكْرَ الأوَّلِ يَدُلُّ عَلَيْهِ لِإرْسالِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى أهْلِها.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنَّ مَدْيَنَ وأصْحابَ الأيْكَةِ أُمَّتانِ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ»».

ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ بَلْ قِيلَ: إنَّ القَوْلَ الأوَّلَ كَذَلِكَ أيْضًا لِأنَّ الإخْبارَ عَنْ مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّها ﴿لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ أيْ لَبِطْرِيقٍ واضِحٍ يَتَكَرَّرُ مَعَ الإخْبارِ عَنْها آنِفًا، بِأنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ عَلى ما عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وجَمْعُ غَيْرِها مَعَها في الأخْبارِ لا يَدْفَعُ التَّكْرارَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها وكَأنَّهُ لِهَذا قالَ بَعْضُهُمْ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى لُوطٍ وشُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ أيْ وإنَّهُما لَبِطْرِيقٍ مِنَ الحَقِّ واضِحٍ.

وقالَ الجَبائِيُّ: الضَّمِيرُ لِخَبَرِ هَلاكِ قَوْمِ لُوطٍ وخَبَرِ هَلاكِ قَوْمِ شُعَيْبٍ، والإمامُ اسْمٌ لِما يُؤْتَمُّ بِهِ وقَدْ سُمِّيَ بِهِ الطَّرِيقُ واللَّوْحُ المَحْفُوظُ ومُطْلَقُ اللَّوْحِ المُعَدُّ لِلْقِراءَةِ وزَيْجُ البِناءِ ويُرادُ بِهِ عَلى هَذا اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.

وقالَ مُؤَرِّجٌ الإمامُ: الكِتابُ في لُغَةِ حِمْيَرَ، والإخْبارُ عَنْهُما بِأنَّهُما في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إشارَةٌ إلى سَبْقِ حُكْمِهِ تَعالى بِهَلاكِ القَوْمَيْنِ لِما عَلِمَهُ سُبْحانَهُ مِن سُوءِ أفْعالِهِمْ

80

وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَٰبُ ٱلْحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ

And certainly did the companions of Thamud deny the messengers.

﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ﴾ يَعْنِي ثَمُودُ ﴿المُرْسَلِينَ﴾ حِينَ كَذَّبُوا رَسُولَهم صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ مَن كَذَّبَ واحِدًا مِن رُسُلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَكَأنَّما كَذَّبَ الجَمِيعَ لِاتِّفاقِ كَلِمَتِهِمْ عَلى التَّوْحِيدِ والأُصُولِ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأُمَمِ والأعْصارِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُرْسَلِينَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى التَّغْلِيبِ وجَعْلِ الأتْباعِ مُرْسَلِينَ كَما قِيلَ: الخُبَيْبُونَ لِخُبَيْبِ بْنِ الزُّبَيْرِ وأصْحابِهِ، وقالَ الشّاعِرُ:

قَدَّنِي مِن نَصْرِ الخَبِيبَيْنِ قَدِّي والقَوْلُ بِأنَّهُ نَزَلَ كُلٌّ مِنَ النّاقَةِ وسَقْبِها

صفحة 76

مَنزِلَةُ رَسُولٍ لِأنَّهُ كالدّاعِي لَهم إلى اتِّباعِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَجَمْعٌ بِهَذا الِاعْتِبارِ لا اعْتِبارَ لَهُ أصْلًا فِيما أرى.

والحِجْرُ وادٍ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ كانُوا يَسْكُنُونَهُ، قالَ الرّاغِبُ: يُسَمّى ما أُحِيطَ بِهِ الحِجارَةُ حِجْرًا وبِهِ سُمِّي حِجْرُ الكَعْبَةِ ودِيارُ ثَمُودَ، وقَدْ نَهى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أصْحابَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ عَنِ الدُّخُولِ عَلى هَؤُلاءِ القَوْمِ إلّا أنْ يَكُونُوا باكِينَ حَذَرًا مِن أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَهم.

وجاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ النّاسَ عامَ غَزْوَةِ تَبُوكَ اسْتَقَوْا مِن مِياهِ الآبارِ الَّتِي كانَتْ تَشْرَبُ مِنها ثَمُودُ وعَجَنُوا مِنها ونَصَبُوا القُدُورَ بِاللَّحْمِ فَأمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِإهْراقِ القُدُورِ وأنْ يَعْلِفُوا الإبِلَ العَجِينَ وأمَرَهم أنْ يَسْتَقُوا مِنَ البِئْرِ الَّتِي كانَتْ تَرِدُ النّاقَةُ

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.