﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ شُرُوعٌ في تَرْتِيبِ مَبادِئِ النَّجاةِ أيِ اذْهَبْ بِهِمْ في اللَّيْلِ. وقَرَأ الحِجازِيّانِ بِالوَصْلِ عَلى أنَّهُ مِن سَرى لا مِن أسْرى كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ وهُما بِمَعْنًى عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو عُبَيْدَةَ وهو سَيْرُ اللَّيْلِ. وقالَ اللَّيْثَ: يُقالُ: أسْرى في السَّيْرِ أوَّلَ اللَّيْلِ وسَرى في السَّيْرِ آخِرَهُ، ورَوى صاحِبُ الإقْلِيدِ «فَسَرَ» مِن سارَ وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ وصاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ اليَمانِيِّ وهو عامٌّ، وقِيلَ: إنَّهُ مُخْتَصٌّ في السَّيْرِ بِالنَّهارِ ولَيْسَ مَقْلُوبًا مِن سَرى.
﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ بِطائِفَةٍ مِنهُ أوْ مِن آخِرِهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:
افْتَحِي البابَ وانْظُرِي في النُّجُومِ كَمْ عَلَيْنا مِن قِطَعِ لَيْلٍ بَهِيمٍ
وقِيلَ: هو بَعْدَ ما مَضى مِنهُ شَيْءٌ صالِحٌ، وفي الكَلامِ تَأْكِيدٌ أوْ تَجْرِيدٌ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ عَلى ما قِيلَ، وعَلى قِراءَةِ «سِرْ» لا شَيْءَ مِن ذَلِكَ، وسَيَأْتِي لِهَذا تَتِمَّةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وحَكى مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ أنَّ فِرْقَةً قَرَأتْ «بِقِطَعٍ» بِفَتْحِ الطّاءِ.
﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ وكُنْ عَلى أثَرِهِمْ تَذُودُهم وتُسْرِعُ بِهِمْ وتَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِمْ، ولَعَلَّ إيثارَ الِاتِّباعِ عَلى السُّوقِ مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالأمْرِ كَما قِيلَ لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ إذِ السُّوقُ رُبَّما يَكُونُ بِالتَّقَدُّمِ عَلى بَعْضٍ مَعَ التَّأخُّرِ عَنْ بَعْضٍ ويَلْزَمُهُ عادَةً الغَفْلَةُ عَنْ حالِ المُتَأخِّرِ، والِالتِفاتُ المَنهِيُّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ﴾ أيْ مِنكَ
صفحة 69
ومِنهم ﴿أحَدٌ﴾ فَيَرى ما وراءَهُ مَنِ الهَوْلِ ما لا يُطِيقُهُ أوْ فَيُصِيبُهُ العَذابُ فالِالتِفاتُ عَلى ظاهِرِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى لا يَنْصَرِفْ أحَدُكم ولا يَتَخَلَّفْ لِغَرَضٍ فَيُصِيبُهُ ما يُصِيبُ المُجْرِمِينَ فالِالتِفاتُ مَجازٌ لِأنَّ الِالتِفاتَ إلى الشَّيْءِ يَقْتَضِي مَحَبَّتَهُ وعَدَمَ مُفارَقَتِهِ فَيَتَخَلَّفُ عِنْدَهُ، وذَكَرَ جارُ اللَّهِ أنَّهُ لَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى الهَلاكَ عَلى قَوْمِهِ ونَجّاهُ وأهْلَهُ إجابَةً لِدَعْوَتِهِ عَلَيْهِمْ وخَرَجَ مُهاجِرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ الِاجْتِهادِ في شُكْرِ اللَّهِ تَعالى وإدامَةِ ذِكْرِهِ وتَفْرِيغِ بالِهِ لِذَلِكَ فَأُمِرَ بِأنْ يَقْدَمَهم لِئَلّا يَشْتَغِلَ بِمَ خَلَّفَهُ قَلْبُهُ ولِيَكُونَ مُطَّلِعًا عَلَيْهِمْ وعَلى أحْوالِهِمْ فَلا تُفَرِّطُ مِنهُمُ التِفاتَةٌ احْتِشامًا مِنهُ ولا غَيْرُها مِنَ الهَفَواتِ في تِلْكَ الحالِ المُهَوَّلَةِ المَحْذُورَةِ ولِئَلّا يَتَخَلَّفَ أحَدٌ مِنهم لِغَرَضٍ فَيُصِيبُهُ العَذابُ ولِيَكُونَ مَسِيرُهُ مَسِيرَ الهارِبِ الَّذِي يَقْدَمُ سِرْبَهُ ويَفُوتُ بِهِ، ونُهُوا عَنِ الِالتِفاتِ لِئَلّا يَرَوْا ما يَنْزِلُ بِقَوْمِهِمْ فَيَرِقُّوا لَهم ولِيُوَطِّنُوا نُفُوسَهم عَلى المُهاجَرَةِ ويُطَيِّبُوها عَنْ مَساكِنِهِمْ ويَمْضُوا قُدُمًا غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلى ما وراءَهم كالَّذِي يَتَحَسَّرُ عَلى مُفارَقَةِ وطَنِهِ فَلا يَزالُ يَلْوِي لَهُ أخادِعَهُ كَما قالَ:
تَلَفَّتُّ نَحْوَ الحَيِّ حَتّى وجَدْتُنِي ∗∗∗ وجِعْتُ مِنَ الإصْغاءِ لِيتًا وأخْدَعا
أوْ جُعِلَ النَّهْيُ عَنِ الِالتِفاتِ كِنايَةً عَنْ مُواصَلَةِ السَّيْرِ وتَرْكِ التَّوانِي والتَّوَقُّفِ لِأنَّ مَن يَتَلَفَّتُ لا بُدَّ لَهُ في ذَلِكَ مِن أدْنى وقْفَةٍ اه. قالَ المُدَقِّقُ: وخُلاصَةُ ذَلِكَ أنَّ فائِدَةَ الأمْرِ والنَّهْيِ أنْ يُهاجِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى وجْهٍ يُمْكِنُهُ وأهْلُهُ التَّشَمُّرُ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى …