Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 61–70 of 99

61

فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ

And when the messengers came to the family of Lot,

﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ إهْلاكِ المُجْرِمِينَ وتَنْجِيَةِ آلِ لُوطٍ، ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَجِيئَهم لِتَحْقِيقِ ما أُرْسِلُوا بِهِ مِن ذَلِكَ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ ابْتِداءَ مَجِيئِهِمْ بَلْ مُطْلَقَ كَيْنُونَتِهِمْ عِنْدَ آلِ لُوطٍ فَإنَّ ما حُكِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ إنَّما قالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ اللَّتِيا والَّتِي حِينَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الحِيَلُ وعَيَتْ بِهِ العِلَلُ ولَمْ يُشاهِدْ مِنَ المُرْسَلِينَ عِنْدَ مُقاساةِ الشَّدائِدِ ومُعاناةِ المَكائِدِ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ بِهِمْ ما يُرِيدُونَ ما هو المَعْهُودُ والمُعْتادُ مِنَ الإعانَةِ والإمْدادِ فِيما يَأْتِي ويَذْرُ عِنْدَ تَجَشُّمِهِ في تَخْلِيصِهِمْ إنْكارًا لِخُذْلانِهِمْ وتَرْكِهِمْ نَصْرَهُ في مِثْلِ المُضايَقَةِ المُعْتَرِيَةِ لَهُ بِسَبَبِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَكُونُوا عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُباشِرِينَ مَعَهُ لِأسْبابِ المُدافَعَةِ والمُمانَعَةِ حَتّى ألْجَأتْهُ إلى أنْ قالَ ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ حَسْبَما فَصَّلَ في سُورَةِ هُودٍ لا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَهُ عِنْدَ ابْتِداءِ وُرُودِهِمْ لَهُ عَلى مَعْنى أنَّكم قَوْمٌ تُنْكِرُكم نَفْسِي وتَنْفِرُ مِنكم فَأخافُ أنْ تَطْرَقُونِي بِشَرٍّ كَما قِيلَ كَيْفَ لا وهم بِجَوابِهِمُ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ

62

قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌۭ مُّنكَرُونَ

He said, "Indeed, you are people unknown."

﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ إهْلاكِ المُجْرِمِينَ وتَنْجِيَةِ آلِ لُوطٍ، ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَجِيئَهم لِتَحْقِيقِ ما أُرْسِلُوا بِهِ مِن ذَلِكَ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ ابْتِداءَ مَجِيئِهِمْ بَلْ مُطْلَقَ كَيْنُونَتِهِمْ عِنْدَ آلِ لُوطٍ فَإنَّ ما حُكِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ إنَّما قالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ اللَّتِيا والَّتِي حِينَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الحِيَلُ وعَيَتْ بِهِ العِلَلُ ولَمْ يُشاهِدْ مِنَ المُرْسَلِينَ عِنْدَ مُقاساةِ الشَّدائِدِ ومُعاناةِ المَكائِدِ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ بِهِمْ ما يُرِيدُونَ ما هو المَعْهُودُ والمُعْتادُ مِنَ الإعانَةِ والإمْدادِ فِيما يَأْتِي ويَذْرُ عِنْدَ تَجَشُّمِهِ في تَخْلِيصِهِمْ إنْكارًا لِخُذْلانِهِمْ وتَرْكِهِمْ نَصْرَهُ في مِثْلِ المُضايَقَةِ المُعْتَرِيَةِ لَهُ بِسَبَبِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَكُونُوا عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُباشِرِينَ مَعَهُ لِأسْبابِ المُدافَعَةِ والمُمانَعَةِ حَتّى ألْجَأتْهُ إلى أنْ قالَ ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ حَسْبَما فَصَّلَ في سُورَةِ هُودٍ لا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَهُ عِنْدَ ابْتِداءِ وُرُودِهِمْ لَهُ عَلى مَعْنى أنَّكم قَوْمٌ تُنْكِرُكم نَفْسِي وتَنْفِرُ مِنكم فَأخافُ أنْ تَطْرَقُونِي بِشَرٍّ كَما قِيلَ كَيْفَ لا وهم بِجَوابِهِمُ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ

63

قَالُوا۟ بَلْ جِئْنَٰكَ بِمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَمْتَرُونَ

They said, "But we have come to you with that about which they were disputing,

﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ بِالعَذابِ الَّذِي كُنْتَ تَتَوَعَّدُهم بِهِ فَيَمْتَرُونَ ويَشُكُّونَ ويُكَذِّبُونَكَ فِيهِ، قَدْ قَشَرُوا العَصا وبَيَّنُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَلِيَّةَ الأمْرِ فَأنّى يَعْتَرِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ المَساءَةُ وضِيقُ الذَّرْعِ قالَهُ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ وهو كَلامٌ مَعْقُولٌ. وجُعِلَ ( بَلْ ) إضْرابًا عَمّا حَسِبَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تَرْكِ النُّصْرَةِ لَهُ والمَعْنى

صفحة 68

ما خَذَلْناكَ وما خَلَّيْنا بَيْنَكَ وبَيْنَهم بَلْ جِئْناكَ بِما يُدَمِّرُهم مِنَ العَذابِ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَكَ فِيهِ حِينَ تَتَوَعَّدُهم بِهِ.

وجَعَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ بَعْدَ أنْ فُسِّرَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: بِما سَمِعْتَ إضْرابًا عَنْ مُوجِبِ الخَوْفِ المَذْكُورِ عَلى مَعْنى ما جِئْناكَ بِما تَنَكَّرْنا لِأجْلِهِ بَلْ جِئْناكَ بِما فِيهِ فَرَحُكَ وسُرُورُكَ وتَشَفِّيكَ مِن عَدُوِّكَ وهو العَذابُ الَّذِي كُنْتَ تَتَوَعَّدُهم بِهِ ويُكَذِّبُونَكَ، ولَمْ يَقُولُوا- بِعَذابِهِمْ- مَعَ حُصُولِ الغَرَضِ لِيَتَضَمَّنَ الكَلامُ الِاسْتِئْناسَ مِن وجْهَيْنِ تَحَقُّقِ عَذابِهِمْ وتَحَقُّقِ صِدْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَفِيهِ تَذْكِيرٌ لِما كانَ يُكابِدُ مِنهم مِنَ التَّكْذِيبِ. قِيلَ: وقَدْ كَنّى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ خَوْفِهِ ونِفارِهِ بِأنَّهم مُنْكَرُونَ فَقابَلُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِكِنايَةٍ أحْسَنَ وأحْسَنَ. ولا يَمْتَنِعُ فِيما أرى حَمْلُ الكَلامِ عَلى الكِنايَةِ عَلى ما نَقَلْناهُ عَنِ العَلّامَةِ أيْضًا، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ عَلى ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ أهْلِ المَدِينَةِ مِنَ المُجادَلَةِ- كَما قالَ- لِلْمُسارَعَةِ إلى ذِكْرِ بِشارَةِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإهْلاكِ قَوْمِهِ المُجْرِمِينَ وتَنْجِيَةِ آلِهِ عُقَيْبَ ذِكْرِ بِشارَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِما، وحَيْثُ كانَ ذَلِكَ مُسْتَدْعِيًا لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ النَّجاةِ وتَرْتِيبِ مَبادِيها أُشِيرَ إلى ذَلِكَ إجْمالًا ثُمَّ ذُكِرَ فِعْلُ القَوْمِ وما فُعِلَ بِهِمْ، ولَمْ يُبالِ بِتَغْيِيرِ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِي ثِقَةً بِمُراعاتِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ، ونِسْبَةُ المُجِيبِ بِالعَذابِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّهُ نازِلٌ بِالقَوْمِ بِطَرِيقِ تَفْوِيضِ أمْرِهِ إلَيْهِ كَأنَّهم جاؤُوهُ بِهِ وفَوَّضُوا أمْرَهُ إلَيْهِ لِيُرْسِلَهُ عَلَيْهِمْ حَسْبَما كانَ يَتَوَعَّدُهم بِهِ فالباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْمُلابَسَةِ، وجُوِّزَ الوَجْهانِ في الباءِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالأمْرِ المُحَقَّقِ المُتَيَقَّنِ الَّذِي لا مَجالَ لِلِامْتِراءِ والشَّكِّ فِيهِ وهو عَذابُهُمْ، عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ تَنْصِيصًا عَلى نَفْيِ الِامْتِراءِ عَنْهُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ ( بِالحَقِّ ) الإخْبارُ بِمَجِيءِ العَذابِ المَذْكُورِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لَهُ أيْ أتَيْناكَ فِيما قُلْنا بِالخَبَرِ الحَقِّ أيِ المُطابِقِ لِلْواقِعِ وإنّا لَصادِقُونَ في ذَلِكَ الخَبَرِ أوْ في كُلِّ خَبَرٍ فَيَكُونُ كالدَّلِيلِ عَلى صِدْقِهِمْ فِيهِ، وعَلى الأوَّلِ تَأْكِيدًا إثْرَ تَأْكِيدٍ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ الباءِ لِلْمُلابَسَةِ وجَعَلَ الجارَّ والمَجْرُورَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ، ولا يَخْفى حالُهُ.

64

وَأَتَيْنَٰكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ

And we have come to you with truth, and indeed, we are truthful.

﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ بِالعَذابِ الَّذِي كُنْتَ تَتَوَعَّدُهم بِهِ فَيَمْتَرُونَ ويَشُكُّونَ ويُكَذِّبُونَكَ فِيهِ، قَدْ قَشَرُوا العَصا وبَيَّنُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَلِيَّةَ الأمْرِ فَأنّى يَعْتَرِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ المَساءَةُ وضِيقُ الذَّرْعِ قالَهُ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ وهو كَلامٌ مَعْقُولٌ. وجُعِلَ ( بَلْ ) إضْرابًا عَمّا حَسِبَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تَرْكِ النُّصْرَةِ لَهُ والمَعْنى

صفحة 68

ما خَذَلْناكَ وما خَلَّيْنا بَيْنَكَ وبَيْنَهم بَلْ جِئْناكَ بِما يُدَمِّرُهم مِنَ العَذابِ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَكَ فِيهِ حِينَ تَتَوَعَّدُهم بِهِ.

وجَعَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ بَعْدَ أنْ فُسِّرَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: بِما سَمِعْتَ إضْرابًا عَنْ مُوجِبِ الخَوْفِ المَذْكُورِ عَلى مَعْنى ما جِئْناكَ بِما تَنَكَّرْنا لِأجْلِهِ بَلْ جِئْناكَ بِما فِيهِ فَرَحُكَ وسُرُورُكَ وتَشَفِّيكَ مِن عَدُوِّكَ وهو العَذابُ الَّذِي كُنْتَ تَتَوَعَّدُهم بِهِ ويُكَذِّبُونَكَ، ولَمْ يَقُولُوا- بِعَذابِهِمْ- مَعَ حُصُولِ الغَرَضِ لِيَتَضَمَّنَ الكَلامُ الِاسْتِئْناسَ مِن وجْهَيْنِ تَحَقُّقِ عَذابِهِمْ وتَحَقُّقِ صِدْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَفِيهِ تَذْكِيرٌ لِما كانَ يُكابِدُ مِنهم مِنَ التَّكْذِيبِ. قِيلَ: وقَدْ كَنّى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ خَوْفِهِ ونِفارِهِ بِأنَّهم مُنْكَرُونَ فَقابَلُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِكِنايَةٍ أحْسَنَ وأحْسَنَ. ولا يَمْتَنِعُ فِيما أرى حَمْلُ الكَلامِ عَلى الكِنايَةِ عَلى ما نَقَلْناهُ عَنِ العَلّامَةِ أيْضًا، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ عَلى ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ أهْلِ المَدِينَةِ مِنَ المُجادَلَةِ- كَما قالَ- لِلْمُسارَعَةِ إلى ذِكْرِ بِشارَةِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإهْلاكِ قَوْمِهِ المُجْرِمِينَ وتَنْجِيَةِ آلِهِ عُقَيْبَ ذِكْرِ بِشارَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِما، وحَيْثُ كانَ ذَلِكَ مُسْتَدْعِيًا لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ النَّجاةِ وتَرْتِيبِ مَبادِيها أُشِيرَ إلى ذَلِكَ إجْمالًا ثُمَّ ذُكِرَ فِعْلُ القَوْمِ وما فُعِلَ بِهِمْ، ولَمْ يُبالِ بِتَغْيِيرِ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِي ثِقَةً بِمُراعاتِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ، ونِسْبَةُ المُجِيبِ بِالعَذابِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّهُ نازِلٌ بِالقَوْمِ بِطَرِيقِ تَفْوِيضِ أمْرِهِ إلَيْهِ كَأنَّهم جاؤُوهُ بِهِ وفَوَّضُوا أمْرَهُ إلَيْهِ لِيُرْسِلَهُ عَلَيْهِمْ حَسْبَما كانَ يَتَوَعَّدُهم بِهِ فالباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْمُلابَسَةِ، وجُوِّزَ الوَجْهانِ في الباءِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالأمْرِ المُحَقَّقِ المُتَيَقَّنِ الَّذِي لا مَجالَ لِلِامْتِراءِ والشَّكِّ فِيهِ وهو عَذابُهُمْ، عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ تَنْصِيصًا عَلى نَفْيِ الِامْتِراءِ عَنْهُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ ( بِالحَقِّ ) الإخْبارُ بِمَجِيءِ العَذابِ المَذْكُورِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لَهُ أيْ أتَيْناكَ فِيما قُلْنا بِالخَبَرِ الحَقِّ أيِ المُطابِقِ لِلْواقِعِ وإنّا لَصادِقُونَ في ذَلِكَ الخَبَرِ أوْ في كُلِّ خَبَرٍ فَيَكُونُ كالدَّلِيلِ عَلى صِدْقِهِمْ فِيهِ، وعَلى الأوَّلِ تَأْكِيدًا إثْرَ تَأْكِيدٍ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ الباءِ لِلْمُلابَسَةِ وجَعَلَ الجارَّ والمَجْرُورَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ، ولا يَخْفى حالُهُ.

65

فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍۢ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَٱتَّبِعْ أَدْبَٰرَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌۭ وَٱمْضُوا۟ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ

So set out with your family during a portion of the night and follow behind them and let not anyone among you look back and continue on to where you are commanded."

﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ شُرُوعٌ في تَرْتِيبِ مَبادِئِ النَّجاةِ أيِ اذْهَبْ بِهِمْ في اللَّيْلِ. وقَرَأ الحِجازِيّانِ بِالوَصْلِ عَلى أنَّهُ مِن سَرى لا مِن أسْرى كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ وهُما بِمَعْنًى عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو عُبَيْدَةَ وهو سَيْرُ اللَّيْلِ. وقالَ اللَّيْثَ: يُقالُ: أسْرى في السَّيْرِ أوَّلَ اللَّيْلِ وسَرى في السَّيْرِ آخِرَهُ، ورَوى صاحِبُ الإقْلِيدِ «فَسَرَ» مِن سارَ وحَكاها ابْنُ عَطِيَّةَ وصاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ اليَمانِيِّ وهو عامٌّ، وقِيلَ: إنَّهُ مُخْتَصٌّ في السَّيْرِ بِالنَّهارِ ولَيْسَ مَقْلُوبًا مِن سَرى.

﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ بِطائِفَةٍ مِنهُ أوْ مِن آخِرِهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:

افْتَحِي البابَ وانْظُرِي في النُّجُومِ كَمْ عَلَيْنا مِن قِطَعِ لَيْلٍ بَهِيمٍ

وقِيلَ: هو بَعْدَ ما مَضى مِنهُ شَيْءٌ صالِحٌ، وفي الكَلامِ تَأْكِيدٌ أوْ تَجْرِيدٌ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ عَلى ما قِيلَ، وعَلى قِراءَةِ «سِرْ» لا شَيْءَ مِن ذَلِكَ، وسَيَأْتِي لِهَذا تَتِمَّةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وحَكى مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ أنَّ فِرْقَةً قَرَأتْ «بِقِطَعٍ» بِفَتْحِ الطّاءِ.

﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ وكُنْ عَلى أثَرِهِمْ تَذُودُهم وتُسْرِعُ بِهِمْ وتَطَّلِعُ عَلى أحْوالِهِمْ، ولَعَلَّ إيثارَ الِاتِّباعِ عَلى السُّوقِ مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالأمْرِ كَما قِيلَ لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ إذِ السُّوقُ رُبَّما يَكُونُ بِالتَّقَدُّمِ عَلى بَعْضٍ مَعَ التَّأخُّرِ عَنْ بَعْضٍ ويَلْزَمُهُ عادَةً الغَفْلَةُ عَنْ حالِ المُتَأخِّرِ، والِالتِفاتُ المَنهِيُّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ﴾ أيْ مِنكَ

صفحة 69

ومِنهم ﴿أحَدٌ﴾ فَيَرى ما وراءَهُ مَنِ الهَوْلِ ما لا يُطِيقُهُ أوْ فَيُصِيبُهُ العَذابُ فالِالتِفاتُ عَلى ظاهِرِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى لا يَنْصَرِفْ أحَدُكم ولا يَتَخَلَّفْ لِغَرَضٍ فَيُصِيبُهُ ما يُصِيبُ المُجْرِمِينَ فالِالتِفاتُ مَجازٌ لِأنَّ الِالتِفاتَ إلى الشَّيْءِ يَقْتَضِي مَحَبَّتَهُ وعَدَمَ مُفارَقَتِهِ فَيَتَخَلَّفُ عِنْدَهُ، وذَكَرَ جارُ اللَّهِ أنَّهُ لَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى الهَلاكَ عَلى قَوْمِهِ ونَجّاهُ وأهْلَهُ إجابَةً لِدَعْوَتِهِ عَلَيْهِمْ وخَرَجَ مُهاجِرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ الِاجْتِهادِ في شُكْرِ اللَّهِ تَعالى وإدامَةِ ذِكْرِهِ وتَفْرِيغِ بالِهِ لِذَلِكَ فَأُمِرَ بِأنْ يَقْدَمَهم لِئَلّا يَشْتَغِلَ بِمَ خَلَّفَهُ قَلْبُهُ ولِيَكُونَ مُطَّلِعًا عَلَيْهِمْ وعَلى أحْوالِهِمْ فَلا تُفَرِّطُ مِنهُمُ التِفاتَةٌ احْتِشامًا مِنهُ ولا غَيْرُها مِنَ الهَفَواتِ في تِلْكَ الحالِ المُهَوَّلَةِ المَحْذُورَةِ ولِئَلّا يَتَخَلَّفَ أحَدٌ مِنهم لِغَرَضٍ فَيُصِيبُهُ العَذابُ ولِيَكُونَ مَسِيرُهُ مَسِيرَ الهارِبِ الَّذِي يَقْدَمُ سِرْبَهُ ويَفُوتُ بِهِ، ونُهُوا عَنِ الِالتِفاتِ لِئَلّا يَرَوْا ما يَنْزِلُ بِقَوْمِهِمْ فَيَرِقُّوا لَهم ولِيُوَطِّنُوا نُفُوسَهم عَلى المُهاجَرَةِ ويُطَيِّبُوها عَنْ مَساكِنِهِمْ ويَمْضُوا قُدُمًا غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلى ما وراءَهم كالَّذِي يَتَحَسَّرُ عَلى مُفارَقَةِ وطَنِهِ فَلا يَزالُ يَلْوِي لَهُ أخادِعَهُ كَما قالَ:

تَلَفَّتُّ نَحْوَ الحَيِّ حَتّى وجَدْتُنِي ∗∗∗ وجِعْتُ مِنَ الإصْغاءِ لِيتًا وأخْدَعا

أوْ جُعِلَ النَّهْيُ عَنِ الِالتِفاتِ كِنايَةً عَنْ مُواصَلَةِ السَّيْرِ وتَرْكِ التَّوانِي والتَّوَقُّفِ لِأنَّ مَن يَتَلَفَّتُ لا بُدَّ لَهُ في ذَلِكَ مِن أدْنى وقْفَةٍ اه. قالَ المُدَقِّقُ: وخُلاصَةُ ذَلِكَ أنَّ فائِدَةَ الأمْرِ والنَّهْيِ أنْ يُهاجِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى وجْهٍ يُمْكِنُهُ وأهْلُهُ التَّشَمُّرُ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى …

66

وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَٰلِكَ ٱلْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰٓؤُلَآءِ مَقْطُوعٌۭ مُّصْبِحِينَ

And We conveyed to him [the decree] of that matter: that those [sinners] would be eliminated by early morning.

﴿وقَضَيْنا﴾ أيْ أوْحَيْنا ﴿إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ مَقْضِيًّا مُثْبَتًا فَقَضى مُضَمَّنَ مَعْنى أوْحى ولِذا عَدّى تَعْدِيَتَهُ، وجُعِلَ المُضَمَّنُ حالًا كَما أشَرْنا إلَيْهِ أحَدَ الوَجْهَيْنِ المَشْهُورَيْنِ في التَّضْمِينِ وذَلِكَ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنهُ كَما قالَ الأخْفَشُ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ بَدَلًا مِنَ الأمْرِ إذا جُعِلَ بَيانًا لِذَلِكَ لا بَدَلًا، وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ ذاكَ عَلى إسْقاطِ الباءِ أيْ بِأنَّ دابِرَ إلَخْ، ولَعَلَّ المُشارَ إلَيْهِ بِذَلِكَ الأمْرِ عَلَيْهِ الأمْرُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ والباءُ لِلْمُلابَسَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ أوْحَيْنا ذَلِكَ الأمْرَ المُتَعَلِّقَ بِنَجاتِهِ ونَجاةِ آلِهِ مُلابِسًا لِبَيانِ حالِ قَوْمِهِ المُجْرِمِينَ مِن قَطْعِ دابِرِهِمْ، وهو حَسَنٌ إلّا أنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والأعْمَشُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى «إنَّ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وخَرَجَ عَلى الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: ما ذَلِكَ الأمْرُ؟ فَقِيلَ في جَوابِهِ: إنَّ دابِرَ إلَخْ أوْ عَلى البَدَلِيَّةِ بِناءً عَلى أنَّ في

صفحة 71

الوَحْيِ مَعْنى القَوْلِ، قِيلَ: ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ «وقُلْنا إنَّ دابِرَ» إلَخْ وهي قِراءَةُ تَفْسِيرٍ لا قُرْآنٍ لِمُخالَفَتِها لِسَوادِ المُصْحَفِ، والدّابِرُ الآخِرُ ولَيْسَ المُرادُ قَطْعَ آخِرِهِمْ بَلِ اسْتِئْصالَهم حَتّى لا يَبْقى مِنهم أحَدٌ ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في الصَّباحِ فَإنَّ الإفْعالَ يَكُونُ لِلدُّخُولِ في الشَّيْءِ نَحْوَ أتْهَمَ وأنْجَدَ. وهو مِن أصْبَحَ التّامَّةِ حالٌ مِن ( هَؤُلاءِ ) وجازَ بِناءً عَلى أنَّ المُضافَ بَعْضُهُ، وقَدْ قِيلَ: بِجَوازِ مَجِيءِ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ فِيما كانَ المُضافُ كَذَلِكَ، ولَيْسَ العامِلُ مَعْنى الإضافَةِ خِلافًا لِبَعْضِهِمْ. وكَوْنُهُ اسْمَ الإشارَةِ تَوَهُّمٌ لِأنَّ الحالَ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ إنَّ صاحِبَها يَعْمَلُ فِيها، واخْتارَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ﴿مَقْطُوعٌ﴾ الرّاجِعِ إلى ( دابِرَ ) وجازَ ذَلِكَ مَعَ الِاخْتِلافِ إفْرادًا وجَمْعًا رِعايَةً لِلْمَعْنى لِأنَّ ذَلِكَ في مَعْنى دابِرِي هَؤُلاءِ فَيَتَّفِقُ الحالُ وصاحِبُها جَمْعِيَّةً.

وقَدَّرَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدٍ إذا كانُوا مُصْبِحِينَ كَما تَقُولُ: أنْتَ راكِبًا أحْسَنُ مِنكَ ماشِيًا. وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ إنْ كانَ تَقْدِيرَ مَعْنًى فَصِيحٍ وإنْ كانَ بَيانَ إعْرابٍ فَلا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ كَما لا يَخْفى

67

وَجَآءَ أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ

And the people of the city came rejoicing.

﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما صَدَرَ مِنَ القَوْمِ عِنْدَ وُقُوفِهِمْ عَلى مَكانِ الأضْيافِ مِنَ الفِعْلِ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِمّا أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وهَذا مُقَدَّمٌ وُقُوعًا عَلى العِلْمِ بِهَلاكِهِمْ كَما سَمِعْتَ والواوُ لا تَدُلُّ عَلى التَّرْتِيبِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هَذا بَعْدَ العِلْمِ بِذَلِكَ وما صَدَرَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المُحاوَرَةِ مَعَهم كانَ عَلى جِهَةِ التَّكَتُّمِ عَنْهم والإمْلاءِ لَهم والتَّرَبُّصِ بِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ المَساءَةِ وضِيقِ الذَّرْعِ مِن بابِ التَّكَتُّمِ والإمْلاءِ أيْضًا مِمّا يَأْبى عَنْهُ الطَّبْعُ السَّلِيمُ، والمُرادُ بِالمَدِينَةِ سَذُومُ وبِأهْلِها أُولَئِكَ القَوْمُ المُجْرِمُونَ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ عَنْهم بِذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى كَثْرَتِهِمْ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى مَزِيدِ فَظاعَةِ فِعْلِهِمْ، فَإنَّ اللّائِقَ بِأهْلِ المَدِينَةِ أنْ يُكْرِمُوا الغُرَباءَ الوارِدِينَ عَلى مَدِينَتِهِمْ ويُحْسِنُوا المُعامَلَةَ مَعَهم فَهم عَدَلُوا عَنْ هَذا اللّائِقِ مَعَ مَن حَسِبُوهم غُرَباءَ وارِدِينَ إلى قَصْدِ الفاحِشَةِ إلى ما سَبَقَهم بِها أحَدٌ مِنَ العالَمِينَ وجاؤُوا مَنزِلَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ مُسْتَبْشِرِينَ مَسْرُورِينَ إذْ قِيلَ لَهُمْ: إنَّ عِنْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ضُيُوفًا مُرَدًا في غايَةِ الحُسْنِ والجَمالِ فَطَمِعُوا قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ

68

قَالَ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ ضَيْفِى فَلَا تَفْضَحُونِ

[Lot] said, "Indeed, these are my guests, so do not shame me.

﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي﴾ الضَّيْفُ كَما قَدَّمْنا في الأصْلِ مَصْدَرُ ضافَهُ فَيُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ ولِذا صَحَّ جَعْلُهُ خَبَرًا- لِهَؤُلاءِ-، وإطْلاقُهُ عَلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِحَسَبِ اعْتِقادِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِمْ في زِيِّ الضَّيْفِ، وقِيلَ: بِحَسَبِ اعْتِقادِهِمْ لِذَلِكَ، والتَّأْكِيدُ لَيْسَ لِإنْكارِهِمْ ذَلِكَ بَلْ لِتَحْقِيقِ اتِّصالِهِمْ بِهِ وإظْهارِ اعْتِنائِهِ بِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وتَشْمِيرِهِ لِمُراعاةِ حُقُوقِهِمْ وحِمايَتِهِمْ عَنِ السُّوءِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فَلا تَفْضَحُونِ﴾ أيْ عِنْدَهم بِأنْ تَتَعَرَّضُوا لَهم بِسُوءٍ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ لَيْسَ لِي عِنْدَكم قَدْرٌ أوْ لا تَفْضَحُونِي بِفَضِيحَةِ ضَيْفِي فَإنَّ مَن أُسِيءَ إلى ضَيْفِهِ فَقَدْ أُسِيءَ إلَيْهِ، يُقالُ: فَضَحْتُهُ فَضْحًا وفَضِيحَةً إذا أظْهَرَ مِن أمْرِهِ ما يَلْزَمُهُ بِهِ العارُ، ويُقالُ: فَضَحَ الصُّبْحُ إذا تَبَيَّنَ لِلنّاسِ

69

وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ

And fear Allah and do not disgrace me."

﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مُباشَرَتِكم لِما يَسُوءُنِي ﴿ولا تُخْزُونِ﴾ أيْ لا تُذِلُّونِي ولا تُهِينُونِي بِالتَّعَرُّضِ بِالسُّوءِ لِمَن أجَرْتُهم فَهو مِنَ الخِزْيِ بِمَعْنى الذُّلِّ والهَوانِ، وحَيْثُ كانَ التَّعَرُّضُ لَهم بَعْدَ أنْ نَهاهم عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَفْضَحُونِ﴾ أكْثَرَ تَأْثِيرًا في جانِبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وأجْلَبَ

صفحة 72

لِلْعارِ إلَيْهِ إذِ التَّعَرُّضُ لِلْجارِ قَبْلَ العِلْمِ رُبَّما يَتَسامَحُ فِيهِ وأمّا بَعْدَ العِلْمِ والمُناصَبَةِ بِحِمايَتِهِ والذَّبِّ عَنْهُ فَذاكَ أعْظَمُ العارِ، عَبَّرَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمّا يَعْتَرِيهِ مِن جِهَتِهِمْ بَعْدَ النَّهْيِ المَذْكُورِ بِسَبَبِ لُجاجِهِمْ ومُجاهَرَتِهِمْ بِمُخالَفَتِهِ بِالخِزْيِ وأمْرِهِمْ بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى في ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الخَزايَةِ وهي الحَياءُ أيْ لا تَجْعَلُونِي أسْتَحْيِي مِنَ النّاسِ بِتَعَرُّضِكم لَهم بِالسُّوءِ، واسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمُ الأوَّلَ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالنَّهْيِ عَنْ نَفْسِ تِلْكَ الفاحِشَةِ قِيلَ: لِأنَّهُ كانَ يَعْرِفُ أنَّهُ لا يُفِيدُهم ذَلِكَ، وقِيلَ: رِعايَةً لِمَزِيدِ الأدَبِ مَعَ ضَيْفِهِ حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ بِما يَثْقُلُ عَلى سَمْعِهِمْ وتَنْفِرُ عَنْهُ طِباعُهم ويَرى الحُرُّ المَوْتَ ألَذَّ طَعْمًا مِنهُ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: المُرادُ بِاتَّقُوا اللَّهَ أمْرُهم بِتَقْواهُ سُبْحانَهُ عَنِ ارْتِكابِ الفاحِشَةِ. وتُعِقَّبَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُ ذَلِكَ تَوْسِيطَهُ بَيْنَ النَّهْيَيْنِ المُتَعَلِّقَيْنِ بِنَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

70

قَالُوٓا۟ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ

They said, "Have we not forbidden you from [protecting] people?"

وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ أيْ عَنْ إجارَةِ أحَدٍ مِنهم وحَيْلُولَتِكَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ أوْ عَنْ ضِيافَةِ أحَدٍ مِنهُمْ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والواوُ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ ألَمْ نَتَقَدَّمْ إلَيْكَ ولَمْ نَنْهَكَ عَنْ ذَلِكَ فَإنَّهم كانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ الغُرَباءِ بِالسُّوءِ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْهاهم عَنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ وُسْعِهِ ويَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن يُعْرِضُونَ لَهُ وكانُوا قَدْ نَهَوْهُ عَنْ تَعاطِي مِثْلِ ذَلِكَ فَكَأنَّهم قالُوا: ما ذَكَرْتَ مِنَ الفَضِيحَةِ والخِزْيِ إنَّما جاءَكَ مِن قِبَلِكَ لا مِن قِبَلِنا إذْ لَوْلا تَعَرُّضُكَ لِما تَتَصَدّى لَهُ لَما اعْتَراكَ، ولَمّا رَآهم لا يُقْلِعُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.