Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 51–60 of 99

51

وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَٰهِيمَ

And inform them about the guests of Abraham,

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَما ذَكَرَ الوَعْدَ والوَعِيدَ ذَكَرَ ما يُحَقِّقُ ذَلِكَ لِما تَضَمَّنَهُ مِنَ البُشْرى والإهْلاكِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: إنَّهُ تَفْصِيلٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ السّابِقَةُ مِنهُما لا مِنَ الوَعِيدِ فَقَطْ كَما قِيلَ، والمُرادُ بِضَيْفِ إبْراهِيمَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ بَشَّرُوهُ بِالوَلَدِ وبِهَلْكِ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما سُمُّوا ضَيْفًا لِأنَّهم في صُورَةِ مَن كانَ يَنْزِلُ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأضْيافِ وكانَ لا يَنْزِلُ بِهِ أحَدٌ إلّا أضافَهُ، وكانَ لِقَصْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أرْبَعَةُ أبْوابٍ مِن كُلِّ جِهَةٍ بابٌ لِئَلّا يَفُوتَهُ أحَدٌ، ولِذا كانَ يُكَنّى أبا الضَّيْفانِ، واخْتُلِفَ في عَدَدِهِمْ كَما تَقَدَّمَ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ والأفْصَحُ أنْ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعَ ولا يُؤَنَّثَ لِلْمُثَنّى والمَجْمُوعِ والمُؤَنَّثِ فَلا حاجَةَ إلى تَكَلُّفِ إضْمارٍ أيْ أصْحابِ ضَيْفٍ كَما قالَهُ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ سُبْحانَهُ لِعُنْوانِ رِسالَتِهِمْ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُرْسَلِينَ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ إلى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرُهُ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «ونَبِّيهُمْ» بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً

52

إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَقَالُوا۟ سَلَٰمًۭا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ

When they entered upon him and said, "Peace." [Abraham] said, "Indeed, we are fearful of you."

﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿نَبِّئْ﴾ أيْ واذْكُرْ وقْتَ دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ أوْ ظَرْفٌ- لِ”ضَيْفِ“- بِناءً عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ ظَرْفًا لَهُ بِناءً عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ الآنَ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ حَيْثُ كانَ التَّقْدِيرُ أصْحابَ ضَيْفٍ حَسْبَما سَمِعْتُهُ عَنِ النَّحّاسِ وغَيْرِهِ، وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِخَبَرٍ مُضافًا إلى ( ضَيْفِ ) أيْ خَبَرِ ضَيْفِ إبْراهِيمَ حِينَ دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ ﴿فَقالُوا﴾ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿سَلامًا﴾ مُقْتَطِعٌ مِن جُمْلَةٍ مَحْكِيَّةٍ بِالقَوْلِ ولَيْسَ مَنصُوبًا بِهِ أيْ سَلَّمْتُ سَلامًا مِنَ السَّلامَةِ أوْ سَلَّمْنا سَلامًا مِنَ التَّحِيَّةِ، وقِيلَ: هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ فَقالُوا قَوْلًا سَلامًا ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ خائِفُونَ فَإنَّ الوَجِلَ اضْطِرابُ النَّفْسِ لِتَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا كانَ- عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ- بَعْدَ أنْ قَرَّبَ إلَيْهِمُ العِجْلَ الحَنِيذَ فَلَمْ يَأْكُلُوا مِنهُ، وكانَ العادَةُ أنَّ الضَّيْفَ إذا لَمْ يَأْكُلْ مِمّا يُقَدَّمُ لَهُ ظَنُّوا أنَّهُ لَمْ يَجِئْ بِخَيْرٍ، وقِيلَ: كانَ

صفحة 61

عِنْدَ ابْتِداءِ دُخُولِهِمْ حَيْثُ دَخَلُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِغَيْرِ إذْنٍ وفي وقْتٍ لا يُطْرَقُ في مِثْلِهِ، وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَأجابُوا حِينَئِذٍ بِما أجابُوا بِهِ ولَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيُقَرِّبَ إلَيْهِمُ الطَّعامَ، وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ ظاهِرٌ فِيما تَقَدَّمَ ولَعَلَّ هَذا التَّصْرِيحَ كانَ بَعْدَ الإيجاسِ.

وقِيلَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ هُنا مَجازًا بِأنْ يَكُونَ قَدْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَخايِلُ الخَوْفِ حَتّى صارَ كالقائِلِ المُصَرِّحِ بِهِ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ هُنا تَقْرِيبَ الطَّعامِ اكْتِفاءً بِذِكْرِهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَما لَمْ يَذْكُرْ رَدَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ السَّلامَ عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَنْفَعُكَ هُنا مُفَصَّلًا في هُودٍ فَتَذَكَّرْهُ.

53

قَالُوا۟ لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٍۢ

[The angels] said, "Fear not. Indeed, we give you good tidings of a learned boy."

﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تَخَفْ وقَرَأ الحَسَنُ «لا تُوجَلْ» بِضَمِّ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإيجالِ، وقُرِئَ «لا تُواجِلْ» مِن واجَلَهُ بِمَعْنى أوْجَلَهُ و«لا تَأْجَلْ» بِإبْدالِ الواوِ ألِفًا كَما قالُوا: تابَةٌ في تَوْبَةٍ.

﴿إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ اسْتِئْنافٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنِ الوَجِلِ فَإنَّ المُبَشَّرَ لا يَكادُ يَحُومُ حَوْلَ ساحَتِهِ خَوْفٌ ولا حُزْنٌ كَيْفَ لا وهي بِشارَةٌ بِبَقائِهِ وبَقاءِ أهْلِهِ في عافِيَةٍ وسَلامَةٍ زَمانًا طَوِيلًا.

﴿بِغُلامٍ﴾ هو إسْحاقُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ، وقَدْ جَعَلَ سُبْحانَهُ البِشارَةَ هُنا لِإبْراهِيمَ وفي آيَةٍ أُخْرى لِامْرَأتِهِ ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ، ولَعَلَّها هُنا كَوْنُها أوْفَقَ بِإنْباءِ العَرَبِ عَمّا وقَعَ لِجَدِّهِمُ الأعْلى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَعَلَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ بِبِشارَةِ يَعْقُوبَ اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في سُورَةِ هُودٍ، والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أيْ بِغُلامٍ عَظِيمِ القَدْرِ ﴿عَلِيمٍ﴾ ذِي عِلْمٍ كَثِيرٍ، قِيلَ: أُرِيدَ بِذَلِكَ الإشارَةُ إلى أنَّهُ يَكُونُ نَبِيًّا فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا﴾

54

قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى عَلَىٰٓ أَن مَّسَّنِىَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ

He said, "Have you given me good tidings although old age has come upon me? Then of what [wonder] do you inform?"

﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي﴾ بِذَلِكَ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ وأثَّرَ فِيَّ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعَجُّبِ، ( وعَلى ) بِمَعْنى مَعَ مِثْلِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ في الضَّمِيرِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ فَيَكُونُ قَدْ تَعَجَّبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن بِشارَتِهِمْ إيّاهُ مَعَ هَذِهِ الحالِ المُنافِيَةِ لِذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ ( وعَلى ) عَلى ما سَمِعْتُ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ البِشارَةُ مَعَ الحالِ المَذْكُورَةِ. وزَعَمَ بَعْضُ المُنْتَمِينَ إلى أهْلِ العِلْمِ أنَّ الأوْلى جَعْلُ ( عَلى ) بِمَعْنى في مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ لِوَجْهَيْنِ الِاسْتِغْناءِ عَنِ التَّقْدِيرِ وكَوْنِ المُصاحَبَةِ لِصِدْقِها بِأوَّلِ المَسِّ لا تُنافِي البِشارَةَ، وهو لَعَمْرِي ضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ كَما لا يَخْفى عَلى إنْسانٍ ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ زادَ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ أيْ فَبِأيِّ أُعْجُوبَةٍ تُبَشِّرُونَ أوْ بِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ فَإنَّ البِشارَةَ بِما لا يَقَعُ عادَةً بِشارَةٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْمُلابَسَةِ والِاسْتِفْهامُ سُؤالٌ عَنِ الوَجْهِ والطَّرِيقَةِ أيْ تُبَشِّرُونَ مُلْتَبِسِينَ بِأيِّ طَرِيقَةٍ ولا طَرِيقَ لِذَلِكَ في العادَةِ.

وقَرَأ الأعْرَجُ «بَشَّرْتُمُونِ» بِغَيْرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ «الكُبْرُ» بِضَمِّ الكافِ وسُكُونِ الباءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِ النُّونِ مُشَدِّدَةً بِدُونِ ياءٍ عَلى إدْغامِ نُونِ الجَمْعِ في نُونِ الوِقايَةِ والِاكْتِفاءِ بِالكَسْرَةِ عَنِ الياءِ. وقَرَأ نافِعٌ بِكَسْرِ النُّونِ مُخَفِّفَةً، واعْتَرَضَ عَلى ذَلِكَ أبُو حاتِمٍ بِأنَّ مِثْلَهُ لا يَكُونُ إلّا في الشِّعْرِ وهو مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وخَرَجَ عَلى حَذْفِ نُونِ الرَّفْعِ كَما هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ اسْتِثْقالًا لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ ودَلالَةً بِإبْقاءِ نُونِ الوِقايَةِ عَلى الياءِ. وقِيلَ: حُذِفَتْ نُونُ الوِقايَةِ وكُسِرَتْ نُونُ الرَّفْعِ وحُذِفَتِ الياءُ اجْتِزاءً بِالكَسْرَةِ وحَذْفُها كَذَلِكَ كَثِيرٌ فَصِيحٌ وقَدْ قُرِئَ بِهِ في مَواضِعَ عَدِيدَةٍ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِقِلَّةِ المَئُونَةِ واحْتِمالِ عَدَمِ حَذْفِ نُونٍ في هَذِهِ القِراءَةِ بِأنْ يَكُونَ اكْتَفى بِكَسْرِ نُونِ الرَّفْعِ مِن أوَّلِ الأمْرِ خِلافَ المَنقُولِ في كُتُبِ النَّحْوِ والتَّصْرِيفِ وإنْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم.

صفحة 62

وقَرَأ الحَسَنُ كابْنِ كَثِيرٍ إلّا أنَّهُ أثْبَتَ الياءَ وباقِي السَّبْعَةِ يَقْرَؤُونَ بِفَتْحِ النُّونِ وهو نُونُ الرَّفْعِ.

55

قَالُوا۟ بَشَّرْنَٰكَ بِٱلْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْقَٰنِطِينَ

They said, "We have given you good tidings in truth, so do not be of the despairing."

﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالأمْرِ المُحَقَّقِ لا مَحالَةَ أوْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا لَبْسَ فِيهِ أوْ بِطَرِيقَةٍ هي حَقٌّ، وهو أمْرُ مَن لَهُ الأمْرُ القادِرُ عَلى خَلْقِ الوَلَدِ مِن غَيْرِ أبَوَيْنِ فَكَيْفَ بِإيجادِهِ مِن شَيْخٍ وعَجُوزٍ ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ أيِ الآيِسِينَ مِن خَرْقِ العادَةِ لَكَ فَإنَّ ظُهُورَ الخَوارِقِ عَلى يَدِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَثِيرٌ حَتّى لا يُعَدَّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ مُخالِفًا لِلْعادَةِ، وكَأنَّ مَقْصِدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتِعْظامُ نِعْمَتِهِ تَعالى عَلَيْهِ في ضِمْنِ التَّعَجُّبِ العادِيِّ المَبْنِيِّ عَلى سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى المَسْلُوكَةِ فِيما بَيْنَ عِبادِهِ جَلَّ وعَلا لا اسْتِبْعادَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ جَلَّ جَلالُهُ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلِ النَّبِيُّ مُطْلَقًا أجَلُّ قَدْرًا مِن ذَلِكَ، ويُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ عَلى ما فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ دُونَ أنْ يَقُولُوا: مِنَ المُمْتَرِينَ ونَحْوَهُ

56

قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ

He said, "And who despairs of the mercy of his Lord except for those astray?"

﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ أيْ لا يَقْنَطُ ﴿مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضّالُّونَ﴾ أيِ الكَفَرَةُ المُخْطِئُونَ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى فَلا يَعْرِفُونَ سِعَةَ رَحْمَتِهِ وكَمالَ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهَذا كَقَوْلِ ولَدِهِ يَعْقُوبَ: ﴿إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ ومُرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْيُ القُنُوطِ عَنْ نَفْسِهِ بِأبْلَغِ وجْهٍ أيْ لَيْسَ بِي قُنُوطٌ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى وإنَّما الَّذِي أقُولُ لِبَيانِ مُنافاةِ حالِي لِفَيَضانِ تِلْكَ النِّعْمَةِ الجَلِيلَةِ عَلَيَّ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ والرَّحْمَةِ ما لا يَخْفى مِنَ الجَزالَةِ.

وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ «القَنَّطِينَ» والنَّحْوِيّانِ والأعْمَشُ «يَقْنِطُ» بِكَسْرِ النُّونِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِفَتْحِها، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والأشْهَبُ بِضَمِّها، وهو شاذٌّ وماضِيهِ مِثْلُهُ في التَّثْلِيثِ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى تَفْسِيرِ «الضّالِّينَ» بِما سَمِعْتَ لِما سَمِعْتُ مِنَ الآيَةِ عَلى أنَّ القُنُوطَ وهُوَ- كَما قالَ الرّاغِبُ:- اليَأْسُ مِنَ الخَيْرِ كُفْرٌ، والمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ، والشّافِعِيَّةُ عَلى أنَّ ذاكَ وكَذا الأمْنَ مِنَ المَكْرِ مِنَ الكَبائِرِ لِلْحَدِيثِ المَوْقُوفِ عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ أوِ المَرْفُوعِ ««مِنَ الكَبائِرِ الإشْراكُ بِاللَّهِ تَعالى واليَأْسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ تَعالى والأمْنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ تَعالى»»

وقالَ الكَمالُ بْنُ أبِي شَرِيفٍ: العَطْفُ عَلى الإشْراكِ بِمَعْنى مُطْلَقِ الكُفْرِ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ فَإنْ أُرِيدَ بِاليَأْسِ إنْكارُ سِعَةِ الرَّحْمَةِ الذُّنُوبَ وبِالأمْنِ اعْتِقادُ أنَّهُ لا مَكْرَ فَكُلٌّ مِنهُما كُفْرٌ اتِّفاقًا لِأنَّهُ رَدٌّ لِلْقُرْآنِ العَظِيمِ، وإنْ أُرِيدَ اسْتِعْظامُ الذُّنُوبِ واسْتِبْعادُ العَفْوِ عَنْها اسْتِبْعادًا يَدْخُلُ في حَدِّ اليَأْسِ وغَلَبَةِ الرَّجاءِ المُدْخِلِ لَهُ في حَدِّ الأمْنِ فَهو كَبِيرَةٌ اتِّفاقًا اه. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ.

57

قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ

[Abraham] said, "Then what is your business [here], O messengers?"

﴿قالَ فَما خَطْبُكُمْ﴾ أيْ أمْرُكم وشَأْنُكُمُ الخَطِيرُ الَّذِي لِأجْلِهِ أُرْسِلْتُمْ سِوى البِشارَةِ ﴿أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ أنَّ كَمالَ المَقْصُودِ لَيْسَ البِشارَةُ مِن مَقالَةٍ لَهم في أثْناءِ المُحاوَرَةِ مَطْوِيَّةً هُنا، وتَوْسِيطُ ( قالَ ) بَيْنَ كَلامَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مُشِيرًا إلى أنَّ هُناكَ ما طُوِيَ ذِكْرُهُ، وخِطابُهُ لَهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ بَعْدَ ما كانَ خِطابُهُ السّابِقُ مُجَرَّدًا عَنْ ذَلِكَ مَعَ تَصْدِيرِهِ بِالفاءِ ظاهِرٌ في أنَّ مَقالَتَهُمُ المَطْوِيَّةَ كانَتْ مُتَضَمِّنَةً ما فُهِمَ مِنهُ ذَلِكَ فَلا حاجَةَ إلى الِالتِجاءِ أنَّ عِلْمَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ كُلَّ المَقْصُودِ لَيْسَ البِشارَةُ بِسَبَبِ أنَّهم كانُوا ذَوِي عَدَدٍ والبِشارَةُ لا تَحْتاجُ إلى عَدَدٍ ولِذَلِكَ اكْتَفى بِواحِدٍ في زَكَرِيّا ومَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ ولا إلى أنَّهم بَشَّرُوهُ في تَضاعِيفِ الحالِ لِإزالَةِ الوَجِلِ ولَوْ كانَتْ تَمامَ المَقْصُودِ لابْتَدَءُوا بِها عَلى أنَّ فِيما ذُكِرَ بَحْثًا فَقَدْ قِيلَ: إنَّ التَّعْذِيبَ كالبِشارَةِ لا يَحْتاجُ أيْضًا إلى العَدَدِ ألا يَرى أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَلَبَ مَدائِنَهم بِأحَدِ جَناحَيْهِ، وأيْضًا يُرَدُّ عَلى قَوْلِهِ: ولِذَلِكَ اكْتَفى إلَخْ

صفحة 63

أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكْتَفِ في بِشارَتِهِ بِواحِدٍ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ وأمّا مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ فَإنَّما جاءَها الواحِدُ لِنَفْخِ الرُّوحِ والهِبَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ وأمّا التَّبْشِيرُ فَلازِمٌ لِتِلْكَ الهِبَةِ وفي ضِمْنِها ولَيْسَتْ مَقْصُودَةً بِالذّاتِ، وأيْضًا يَخْدِشُ قَوْلُهُ: ولَوْ كانَتْ تَمامَ المَقْصُودِ لابْتَدَأُوا بِها ما في قِصَّةِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ قالَتْ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ .

فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ: ﴿لا تَوْجَلْ﴾ تَمْهِيدًا لِلْبِشارَةِ. وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأنَّهُ لا وُرُودَ لَهُ لِأنَّ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ لِنَزاهَةِ شَأْنِها أوَّلُ ما أبْصَرَتْهُ مُتَمَثِّلًا عاجَلَتْهُ بِالِاسْتِعاذَةِ فَلَمْ تَدَعْهُ يَبْتَدِئُ بِالبِشارَةِ بِخِلافِ ما نَحْنُ فِيهِ، وعَمّا تَقَدَّمَ بِأنَّ المَعْنى إنَّ العادَةَ الجارِيَةَ بَيْنَ النّاسِ ذَلِكَ فَيُرْسَلُ الواحِدُ لِلْبِشارَةِ والجَمْعُ لِغَيْرِها مِن حَرْبٍ وأخْذٍ ونَحْوَ ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى يُجْرِي الأُمُورَ لِلنّاسِ عَلى ما اعْتادُوهُ فَلا يَرُدُّ قِصَّةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ وإنْ قِيلَ: المُرادُ بِالمَلائِكَةِ في تِلْكَ الآيَةِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ ويَلْبَسُ الثِّيابَ أيِ الجِنْسَ الصّادِقَ بِالواحِدِ مِن ذَلِكَ قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وتُعِقِّبَ ما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِ العِلْمِ مِن كَلامٍ وقَعَ في أثْناءِ المُحاوَرَةِ وطُوِيَ ذِكْرُهُ بِأنَّهُ بَعِيدٌ وتَوْسِيطُ ( قالَ ) والفاءُ والخِطابُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لا يَقْرَبُهُ، أمّا الأوَّلُ فَلِجَوازِ أنْ يَكُونَ لِما أنَّ هُناكَ انْتِقالًا إلى بَحْثٍ آخَرَ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ، وأمّا الثّانِي فَلِجَوازِ أنْ تَكُونَ فَصِيحَةً عَلى مَعْنًى إذا تَحَقَّقَ هَذا فَأخْبِرُونِي ما أمْرُكُمُ الَّذِي جِئْتُمْ لَهُ سِوى …

58

قَالُوٓا۟ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍۢ مُّجْرِمِينَ

They said, "Indeed, we have been sent to a people of criminals,

﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ هم قَوْمُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجِيءَ بِهِمْ بِطَرِيقِ التَّنْكِيرِ ووُصِفُوا بِالإجْرامِ اسْتِهانَةً بِهِمْ وذَمًّا لَهم ﴿إلا آلَ لُوطٍ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن قَوْمٍ بِمُلاحَظَةِ الصِّفَةِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا لِأنَّهم لَيْسُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ، واحْتِمالُ التَّغْلِيبِ مَعَ هَذِهِ المُلاحَظَةِ لِيَتَّصِلَ الِاسْتِثْناءُ لَيْسَ مِمّا يَقْتَضِيهِ المَقامُ، ولَوْ سُلِّمَ فَغَيْرُ ضارٍّ فِيما ذُكِرَ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى الحَقِيقَةِ ولا يُنافِي صِحَّةَ الِاتِّصالِ عَلى تَقْدِيرٍ آخَرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ( مُجْرِمِينَ ) فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى القَوْمِ فَقَطْ فَيَكُونُ الآلُ عَلى الأوَّلِ مُخْرَجِينَ مِن حُكْمِ الإرْسالِ المُرادِ بِهِ إرْسالٌ خاصٌّ وهو ما كانَ لِلْإهْلاكِ لا مُطْلَقَ البَعْثِ لِاقْتِضاءِ المَعْنى لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ خَبَرُ الأبْناءِ عَلى ما سَمِعْتَ سابِقًا، وعَنِ الرَّضِيِّ أنَّ المُسْتَثْنى المُنْقَطِعَ مُنْتَصِبٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ بِما قَبْلَ إلّا مِنَ الكَلامِ كَما انْتُصِبَ المُتَّصِلُ بِهِ وإنْ كانَتْ إلّا بِمَعْنى لَكِنْ وأمّا المُتَأخِّرُونَ مِنَ البَصْرِيِّينَ فَلَمّا رَأوْها بِمَعْنى لَكِنْ قالُوا إنَّها النّاصِبَةُ بِنَفْسِها نَصْبَ لَكِنَّ لِلْأسْماءِ وخَبَرُها في الأغْلَبِ مَحْذُوفٌ نَحْوُ جاءَنِي القَوْمُ إلّا حِمارًا أيْ لَكِنَّ حِمارًا لَمْ يَجِئْ قالُوا وقَدْ يَجِيءُ خَبَرُها ظاهِرًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ﴾ وقالَ الكُوفِيُّونَ إلّا في ذَلِكَ بِمَعْنى سِوى والنَّصْبُ بَعْدَها في الِانْفِصالِ كالنَّصْبِ في الِاتِّصالِ، وتَأْوِيلُ البَصْرِيِّينَ أوْلى لِأنَّ المُسْتَثْنى المُنْقَطِعَ يَلْزَمُ مُخالَفَتُهُ لِما قَبْلَهُ نَفْيًا وإثْباتًا كَما في لَكِنَّ وفي سِوى لا يَلْزَمُ ذَلِكَ لِأنَّكَ تَقُولُ: لِي عَلَيْكَ دِينارانِ

صفحة 64

سِوى الدِّينارِ الفُلانِيِّ وذَلِكَ إذا كانَ صِفَةً، وأيْضًا مَعْنى لَكِنَّ الِاسْتِدْراكُ، والمُرادُ بِهِ فِيها دَفْعُ تَوَهُّمِ المُخاطَبِ دُخُولَ ما بَعْدَها في حُكْمِ ما قَبْلَها مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِداخِلٍ وهَذا هو مَعْنى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ بِعَيْنِهِ انْتَهى، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ في كَوْنِ إلّا الِاسْتِثْنائِيَّةِ تَعْمَلُ عَمَلَ لَكِنَّ خَفاءً مِن جِهَةِ العَرَبِيَّةِ وقالَ: إنَّهُ في المَعْنى خَبْرٌ ولَيْسَ خَبَرًا حَقِيقِيًّا كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ، ومِمّا نَقَلْناهُ يُعْلَمُ ما فِيهِ مِنَ النَّظَرِ. نَعَمْ صَرَّحَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّ الجُمْلَةَ عَلى تَقْدِيرِ الِانْقِطاعِ جارِيَةٌ مَجْرى خَبَرِ لَكِنَّ وهو ظاهِرٌ في أنَّها لَيْسَتْ خَبَرًا في الحَقِيقَةِ وذَكَرَ أنَّهُ إنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ أيْ لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ما أرْسَلَنا إلَيْهِمْ والمَذْكُورُ دَلِيلُهُ لِتَلازُمِهِما ولِذا لَمْ يَجْعَلْهُ نَفْسَ الخَبَرِ بَلْ جارٍ مَجْراهُ، وفِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مَبْنِيًّا عَلى ما نُقِلْ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِأنَّ الجُمْلَةَ المُصَدَّرَةَ بِأنْ يَمْتَنِعَ أنْ تَكُونَ خَبَرًا لِلَكِنَّ فَلْيُراجَعْ، وقِيلَ: قالَ ذَلِكَ لِأنَّ المَذْكُورَ إلّا لا لَكِنَّ وهو كَما تَرى، وعَلى تَقْدِيرِ الِاتِّصالِ يَكُونُ الآلُ مُخْرَجِينَ مِن حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ وهو الإجْرامُ داخِلِينَ في حُكْمِ الإرْسالِ بِمَعْنى مُطْلَقًا فَيَكُونُ المَلائِكَةُ …

59

إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ

Except the family of Lot; indeed, we will save them all

﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ هم قَوْمُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجِيءَ بِهِمْ بِطَرِيقِ التَّنْكِيرِ ووُصِفُوا بِالإجْرامِ اسْتِهانَةً بِهِمْ وذَمًّا لَهم ﴿إلا آلَ لُوطٍ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن قَوْمٍ بِمُلاحَظَةِ الصِّفَةِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا لِأنَّهم لَيْسُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ، واحْتِمالُ التَّغْلِيبِ مَعَ هَذِهِ المُلاحَظَةِ لِيَتَّصِلَ الِاسْتِثْناءُ لَيْسَ مِمّا يَقْتَضِيهِ المَقامُ، ولَوْ سُلِّمَ فَغَيْرُ ضارٍّ فِيما ذُكِرَ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى الحَقِيقَةِ ولا يُنافِي صِحَّةَ الِاتِّصالِ عَلى تَقْدِيرٍ آخَرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ( مُجْرِمِينَ ) فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى القَوْمِ فَقَطْ فَيَكُونُ الآلُ عَلى الأوَّلِ مُخْرَجِينَ مِن حُكْمِ الإرْسالِ المُرادِ بِهِ إرْسالٌ خاصٌّ وهو ما كانَ لِلْإهْلاكِ لا مُطْلَقَ البَعْثِ لِاقْتِضاءِ المَعْنى لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ خَبَرُ الأبْناءِ عَلى ما سَمِعْتَ سابِقًا، وعَنِ الرَّضِيِّ أنَّ المُسْتَثْنى المُنْقَطِعَ مُنْتَصِبٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ بِما قَبْلَ إلّا مِنَ الكَلامِ كَما انْتُصِبَ المُتَّصِلُ بِهِ وإنْ كانَتْ إلّا بِمَعْنى لَكِنْ وأمّا المُتَأخِّرُونَ مِنَ البَصْرِيِّينَ فَلَمّا رَأوْها بِمَعْنى لَكِنْ قالُوا إنَّها النّاصِبَةُ بِنَفْسِها نَصْبَ لَكِنَّ لِلْأسْماءِ وخَبَرُها في الأغْلَبِ مَحْذُوفٌ نَحْوُ جاءَنِي القَوْمُ إلّا حِمارًا أيْ لَكِنَّ حِمارًا لَمْ يَجِئْ قالُوا وقَدْ يَجِيءُ خَبَرُها ظاهِرًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ﴾ وقالَ الكُوفِيُّونَ إلّا في ذَلِكَ بِمَعْنى سِوى والنَّصْبُ بَعْدَها في الِانْفِصالِ كالنَّصْبِ في الِاتِّصالِ، وتَأْوِيلُ البَصْرِيِّينَ أوْلى لِأنَّ المُسْتَثْنى المُنْقَطِعَ يَلْزَمُ مُخالَفَتُهُ لِما قَبْلَهُ نَفْيًا وإثْباتًا كَما في لَكِنَّ وفي سِوى لا يَلْزَمُ ذَلِكَ لِأنَّكَ تَقُولُ: لِي عَلَيْكَ دِينارانِ

صفحة 64

سِوى الدِّينارِ الفُلانِيِّ وذَلِكَ إذا كانَ صِفَةً، وأيْضًا مَعْنى لَكِنَّ الِاسْتِدْراكُ، والمُرادُ بِهِ فِيها دَفْعُ تَوَهُّمِ المُخاطَبِ دُخُولَ ما بَعْدَها في حُكْمِ ما قَبْلَها مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِداخِلٍ وهَذا هو مَعْنى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ بِعَيْنِهِ انْتَهى، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ في كَوْنِ إلّا الِاسْتِثْنائِيَّةِ تَعْمَلُ عَمَلَ لَكِنَّ خَفاءً مِن جِهَةِ العَرَبِيَّةِ وقالَ: إنَّهُ في المَعْنى خَبْرٌ ولَيْسَ خَبَرًا حَقِيقِيًّا كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ، ومِمّا نَقَلْناهُ يُعْلَمُ ما فِيهِ مِنَ النَّظَرِ. نَعَمْ صَرَّحَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّ الجُمْلَةَ عَلى تَقْدِيرِ الِانْقِطاعِ جارِيَةٌ مَجْرى خَبَرِ لَكِنَّ وهو ظاهِرٌ في أنَّها لَيْسَتْ خَبَرًا في الحَقِيقَةِ وذَكَرَ أنَّهُ إنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ أيْ لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ما أرْسَلَنا إلَيْهِمْ والمَذْكُورُ دَلِيلُهُ لِتَلازُمِهِما ولِذا لَمْ يَجْعَلْهُ نَفْسَ الخَبَرِ بَلْ جارٍ مَجْراهُ، وفِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مَبْنِيًّا عَلى ما نُقِلْ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِأنَّ الجُمْلَةَ المُصَدَّرَةَ بِأنْ يَمْتَنِعَ أنْ تَكُونَ خَبَرًا لِلَكِنَّ فَلْيُراجَعْ، وقِيلَ: قالَ ذَلِكَ لِأنَّ المَذْكُورَ إلّا لا لَكِنَّ وهو كَما تَرى، وعَلى تَقْدِيرِ الِاتِّصالِ يَكُونُ الآلُ مُخْرَجِينَ مِن حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ وهو الإجْرامُ داخِلِينَ في حُكْمِ الإرْسالِ بِمَعْنى مُطْلَقًا فَيَكُونُ المَلائِكَةُ …

60

إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ قَدَّرْنَآ ۙ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ

Except his wife." Allah decreed that she is of those who remain behind.

﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ هم قَوْمُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجِيءَ بِهِمْ بِطَرِيقِ التَّنْكِيرِ ووُصِفُوا بِالإجْرامِ اسْتِهانَةً بِهِمْ وذَمًّا لَهم ﴿إلا آلَ لُوطٍ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن قَوْمٍ بِمُلاحَظَةِ الصِّفَةِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا لِأنَّهم لَيْسُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ، واحْتِمالُ التَّغْلِيبِ مَعَ هَذِهِ المُلاحَظَةِ لِيَتَّصِلَ الِاسْتِثْناءُ لَيْسَ مِمّا يَقْتَضِيهِ المَقامُ، ولَوْ سُلِّمَ فَغَيْرُ ضارٍّ فِيما ذُكِرَ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى الحَقِيقَةِ ولا يُنافِي صِحَّةَ الِاتِّصالِ عَلى تَقْدِيرٍ آخَرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ( مُجْرِمِينَ ) فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا لِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى القَوْمِ فَقَطْ فَيَكُونُ الآلُ عَلى الأوَّلِ مُخْرَجِينَ مِن حُكْمِ الإرْسالِ المُرادِ بِهِ إرْسالٌ خاصٌّ وهو ما كانَ لِلْإهْلاكِ لا مُطْلَقَ البَعْثِ لِاقْتِضاءِ المَعْنى لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ خَبَرُ الأبْناءِ عَلى ما سَمِعْتَ سابِقًا، وعَنِ الرَّضِيِّ أنَّ المُسْتَثْنى المُنْقَطِعَ مُنْتَصِبٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ بِما قَبْلَ إلّا مِنَ الكَلامِ كَما انْتُصِبَ المُتَّصِلُ بِهِ وإنْ كانَتْ إلّا بِمَعْنى لَكِنْ وأمّا المُتَأخِّرُونَ مِنَ البَصْرِيِّينَ فَلَمّا رَأوْها بِمَعْنى لَكِنْ قالُوا إنَّها النّاصِبَةُ بِنَفْسِها نَصْبَ لَكِنَّ لِلْأسْماءِ وخَبَرُها في الأغْلَبِ مَحْذُوفٌ نَحْوُ جاءَنِي القَوْمُ إلّا حِمارًا أيْ لَكِنَّ حِمارًا لَمْ يَجِئْ قالُوا وقَدْ يَجِيءُ خَبَرُها ظاهِرًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ﴾ وقالَ الكُوفِيُّونَ إلّا في ذَلِكَ بِمَعْنى سِوى والنَّصْبُ بَعْدَها في الِانْفِصالِ كالنَّصْبِ في الِاتِّصالِ، وتَأْوِيلُ البَصْرِيِّينَ أوْلى لِأنَّ المُسْتَثْنى المُنْقَطِعَ يَلْزَمُ مُخالَفَتُهُ لِما قَبْلَهُ نَفْيًا وإثْباتًا كَما في لَكِنَّ وفي سِوى لا يَلْزَمُ ذَلِكَ لِأنَّكَ تَقُولُ: لِي عَلَيْكَ دِينارانِ

صفحة 64

سِوى الدِّينارِ الفُلانِيِّ وذَلِكَ إذا كانَ صِفَةً، وأيْضًا مَعْنى لَكِنَّ الِاسْتِدْراكُ، والمُرادُ بِهِ فِيها دَفْعُ تَوَهُّمِ المُخاطَبِ دُخُولَ ما بَعْدَها في حُكْمِ ما قَبْلَها مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِداخِلٍ وهَذا هو مَعْنى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ بِعَيْنِهِ انْتَهى، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ في كَوْنِ إلّا الِاسْتِثْنائِيَّةِ تَعْمَلُ عَمَلَ لَكِنَّ خَفاءً مِن جِهَةِ العَرَبِيَّةِ وقالَ: إنَّهُ في المَعْنى خَبْرٌ ولَيْسَ خَبَرًا حَقِيقِيًّا كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ، ومِمّا نَقَلْناهُ يُعْلَمُ ما فِيهِ مِنَ النَّظَرِ. نَعَمْ صَرَّحَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّ الجُمْلَةَ عَلى تَقْدِيرِ الِانْقِطاعِ جارِيَةٌ مَجْرى خَبَرِ لَكِنَّ وهو ظاهِرٌ في أنَّها لَيْسَتْ خَبَرًا في الحَقِيقَةِ وذَكَرَ أنَّهُ إنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ أيْ لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ما أرْسَلَنا إلَيْهِمْ والمَذْكُورُ دَلِيلُهُ لِتَلازُمِهِما ولِذا لَمْ يَجْعَلْهُ نَفْسَ الخَبَرِ بَلْ جارٍ مَجْراهُ، وفِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مَبْنِيًّا عَلى ما نُقِلْ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِأنَّ الجُمْلَةَ المُصَدَّرَةَ بِأنْ يَمْتَنِعَ أنْ تَكُونَ خَبَرًا لِلَكِنَّ فَلْيُراجَعْ، وقِيلَ: قالَ ذَلِكَ لِأنَّ المَذْكُورَ إلّا لا لَكِنَّ وهو كَما تَرى، وعَلى تَقْدِيرِ الِاتِّصالِ يَكُونُ الآلُ مُخْرَجِينَ مِن حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ وهو الإجْرامُ داخِلِينَ في حُكْمِ الإرْسالِ بِمَعْنى مُطْلَقًا فَيَكُونُ المَلائِكَةُ …

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.