Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah

Ayahs 41–50 of 99

41

قَالَ هَٰذَا صِرَٰطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ

[Allah] said, "This is a path [of return] to Me [that is] straight.

قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ صِراطٌ إلَيَّ مُسْتَقِيمٌ، وهَذا يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: أنْ يَكُونَ أرادَ بِهِ أنَّهُ مِن بابِ إقامَةِ الأدَواتِ بَعْضِها مَقامَ بَعْضٍ، فَقامَتْ أداةُ " عَلى " مَقامَ " إلى ".

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ التَّفْسِيرَ عَلى المَعْنى، وهو الأشْبَهُ بِطَرِيقِ السَّلَفِ، أيْ صِراطٌ مُوَّصِلٌ إلَيَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحَقُّ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ، وعَلَيْهِ طَرِيقُهُ، لا يُعَرَّجُ عَلى شَيْءٍ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ الحَسَنِ وأبْيَنُ مِنهُ، وهو مِن أصَحِّ ما قِيلَ في الآيَةِ، وقِيلَ: عَلَيَّ فِيهِ لِلْوُجُوبِ، أيْ عَلَيَّ بَيانُهُ وتَعْرِيفُهُ والدِّلالَةُ عَلَيْهِ، والقَوْلانِ نَظِيرُ القَوْلَيْنِ في آيَةِ النَّحْلِ، وهي ﴿وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] والصَّحِيحُ فِيها كالصَّحِيحِ في آيَةِ الحِجْرِ: أنَّ السَّبِيلَ القاصِدَ وهو المُسْتَقِيمُ المُعْتَدِلُ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ، ويُوَصِّلُ إلَيْهِ، قالَ طُفَيْلٌ الغَنَوِيُّ:

؎مَضَوْا سَلَفًا قَصْدُ السَّبِيلِ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ وصَرْفُ المَنايا بِالرِّجالِ تُشَقْلَبُ

أيْ مَمَرُّنا عَلَيْهِمْ، وإلَيْهِمْ وُصُولُنا، وقالَ الآخَرُ:

؎فَهُنَّ المَنايا أيُّ وادٍ سَلَكْتُهُ ∗∗∗ عَلَيْها طَرِيقِي أوْ عَلَيَّ طَرِيقُها

فَإنْ قِيلَ: لَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لَكانَ الألْيَقُ بِهِ أداةَ إلى الَّتِي هي لِلِانْتِهاءِ، لا أداةَ عَلى الَّتِي هي لِلْوُجُوبِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا أرادَ الوُصُولَ قالَ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهم ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] وقالَ ﴿إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ [يونس: ٧٠] وقالَ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] وقالَ لَمّا أرادَ الوُجُوبَ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦] وقالَ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] وقالَ ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] ونَظائِرُ ذَلِكَ.

قِيلَ: في أداةِ عَلى سِرٌّ لَطِيفٌ، وهو الإشْعارُ بِكَوْنِ السّالِكِ عَلى هَذا الصِّراطِ عَلى هُدًى، وهو حَقٌّ، كَما قالَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] وقالَ لِرَسُولِهِ ﷺ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هو الحَقُّ، وصِراطُهُ حقٌّ، ودِينُهُ حَقٌ، فَمَنِ اسْتَقامَ عَلى صِراطِهِ فَهو عَلى الحَقِّ والهُدى، فَكانَ في أداةِ " عَلى " عَلى هَذا المَعْنى ما لَيْسَ في أداةِ إلى فَتَأمَّلْهُ، فَإنَّهُ سِرٌّ بَدِيعٌ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] قَوْلٌ ثالِثٌ، وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ إنَّهُ عَلى التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] كَما قالَ: تَقُولُ طَرِيقُكَ عَلَيَّ، ومَمَرُّكَ عَلَيَّ، لِمَن تُرِيدُ إعْلامَهُ بِأنَّهُ غَيْرُ فائِتٍ لَكَ، ولا مُعْجِزٍ، والسِّياقُ يَأْبى هَذا، ولا يُناسِبُهُ لِمَن تَأمَّلَهُ، فَإنَّهُ قالَهُ مُجِيبًا لِإبْلِيسَ الَّذِي قالَ ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢] فَإنَّهُ لا سَبِيلَ لِي إلى إغْوائِهِمْ، ولا طَرِيقَ لِي عَلَيْهِمْ.

فَقَرَّرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ أتَمَّ التَّقْرِيرِ، وأخْبَرَ أنَّ الإخْلاصَ صِراطٌ عَلَيْهِ مُسْتَقِيمٌ، فَلا سُلْطانَ لَكَ عَلى عِبادِي الَّذِينَ هم عَلى هَذا الصِّراطِ، لِأنَّهُ صِراطٌ عَلَيَّ، ولا سَبِيلَ لِإبْلِيسَ إلى هَذا الصِّراطِ، ولا الحَوْمِ حَوْلَ ساحَتِهِ، فَإنَّهُ مَحْرُوسٌ مَحْفُوظٌ بِاللَّهِ، فَلا يَصِلُ عَدُوُّ اللَّهِ إلى أهْلِهِ.

فَلْيَتَأمَّلِ العارِفُ هَذا المَوْضِعَ حَقَّ التَّأمُّلِ، ولْيَنْظُرْ إلى هَذا …

42

إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ

Indeed, My servants - no authority will you have over them, except those who follow you of the deviators.

هذا استثناء منقطع لأن اتباعه الغاوين لم يدخلوا في عبادة المضافين إليه وإن دخلوا في مطلق العباد فإن الإضافة فيها معنى التخصيص والتشريف، كما لم تدخل الخانات والحمامات في بيوت الله قال تعالى: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرض هَوْنًا﴾ إلى آخر الآيات.

وقال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ فعباده المضافون إليه هم الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون قال تعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنتمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾

ومن هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ فعباده هاهنا الذين يغفر ذنوبهم جميعا هم المؤمنون التائبون.

والانقطاع في هذا قول ابن خروف وهو الصواب.

وقال الزمخشري: "هو متصل وجعل لفظ العباد عاما"

وقد عرفت غلطه وعلي تقدير الانقطاع فإن لم يقدر دخوله في الأول فظاهر، وإن قدرنا دخوله فقالوا تقديره إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ولا على غيرهم إلا من اتبعك من الغاوين.

ولا يخفى التكلف الظاهر عليه، بل الأحسن أن يقال لما ذكر العباد وأضافهم إليه والإضافة يحتمل أن تكون إلى ربوبيته العامة فتكون إضافة ملك، وأن تكون إلى الهيئة فتكون إضافة اختصاص ومحبة، والغاووين داخلون في العباد عند التعميم والإطلاق لقوله تعالى: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرض إلاّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ فالأول متناول له بوجه فصح إخراجه.

43

وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ

And indeed, Hell is the promised place for them all.

Explained together with ayah 42

44

لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَٰبٍۢ لِّكُلِّ بَابٍۢ مِّنْهُمْ جُزْءٌۭ مَّقْسُومٌ

It has seven gates; for every gate is of them a portion designated."

Explained together with ayah 42

45

إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّٰتٍۢ وَعُيُونٍ

Indeed, the righteous will be within gardens and springs.

Explained together with ayah 42

46

ٱدْخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ءَامِنِينَ

[Having been told], "Enter it in peace, safe [and secure]."

Explained together with ayah 42

47

وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَٰبِلِينَ

And We will remove whatever is in their breasts of resentment, [so they will be] brothers, on thrones facing each other.

أخبر عن تلاقي قلوبهم وتلاقي وجوههم.

وفي الصحيحين: "أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم عليه السلام ستون ذراعا في السماء"

والرواية "على خَلْق" بفتح الخاء وسكون اللام، والأخلاق كما تكون جمعا للخُلق بالضم فهي جمع للخَلق بالفتح، والمراد تساويهم في الطول والعرض والسن وإن تفاوتوا في الحسن والجمال، ولهذا فسره بقوله على صورة أبيهم آدم عليه السلام ستون ذراعا في السماء.

وأما أخلاقهم وقلوبهم ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة: " أوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الجَنَّةَ صُوَرُهم عَلى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، لا يَبْصُقُونَ فِيها ولا يَمْتَخِطُونَ ولا يَتَغَوَّطُونَ فِيها، آنِيَتُهم وأمْشاطُهم مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ومَجامِرُهم مِنَ الألُوَّةِ، ورَشْحُهُمُ المِسْكُ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم زَوْجَتانِ، يُرى مُخُّ ساقِها مِن وراءِ اللَّحْمِ مِنَ الحُسْنِ، لا اخْتِلافَ بَيْنَهم ولا تَباغُضَ، قُلُوبُهم عَلى قَلْبٍ واحِدٍ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وعَشِيًّا ".

وقد تقدم وفيه اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب رجل واحد يسبحون الله بكرة وعشية وكذلك وصف الله سبحانه وتعالى نساءهم بإنهن أتراب أي في سن واحد ليس فيهن العجائز والشواب وفي هذا الطول والعرض والسن من الحكمة ما لا يخفى فأنه أبلغ وأكمل في استيفاء اللذات، لأنه أكمل سن القوة عظم الآت اللذة، وباجتماع الأمرين يكون كمال اللذة وقوتها بحيث يصل في اليوم الواحد إلى مائة عذراء كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

ولا يخفى التناسب الذي بين هذا الطول والعرض فإنه لو زاد أحدهما على الآخر فات الاعتدال، وتناسب الخلقة يصير طولا مع دقة أو غلظا مع قصر وكلاهما غير مناسب. والله أعلم.

48

لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌۭ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ

No fatigue will touch them therein, nor from it will they [ever] be removed.

Explained together with ayah 47

49

۞ نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ

[O Muhammad], inform My servants that it is I who am the Forgiving, the Merciful.

Explained together with ayah 47

50

وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلْأَلِيمُ

And that it is My punishment which is the painful punishment.

Explained together with ayah 47

Commentary: Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.