Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 41–50 of 99

41

قَالَ هَٰذَا صِرَٰطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ

[Allah] said, "This is a path [of return] to Me [that is] straight.

﴿قالَ﴾ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿هَذا صِراطٌ عَلَيَّ﴾ أيْ حَقٌّ لا بُدَّ أنْ أُراعِيَهُ ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ لا انْحِرافَ فِيهِ فَلا يَعْدِلُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ، والإشارَةُ إلى ما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِثْناءُ وهو تَخَلُّصُ المُخْلِصِينَ مِن إغْوائِهِ وكَلِمَةُ (عَلَيَّ) تُسْتَعْمَلُ لِلْوُجُوبِ والمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ بِهِ حَقِيقَةً لِقَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ الإصْلاحِ عَلَيْهِ تَعالى، وقالَ أهْلُ السُّنَّةِ: إنَّ ذَلِكَ وإنْ

صفحة 51

كانَ تَفَضُّلًا مِنهُ سُبْحانَهُ إلّا أنَّهُ شُبِّهَ بِالحَقِّ الواجِبِ لِتَأكُّدِ ثُبُوتِهِ وتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ بِمُقْتَضى وعْدِهِ جَلَّ وعَلا فَجِيءَ- بِعَلَيَّ- لِذَلِكَ أوْ إلى ما تَضَمَّنَهُ ( المُخْلِصِينَ ) بِالكَسْرِ مِنَ الإخْلاصِ عَلى مَعْنى أنَّهُ طَرِيقٌ يُؤَدِّي إلى الوُصُولِ إلَيَّ مِن غَيْرِ اعْوِجاجٍ وضَلالٍ وهو عَلى نَحْوِ طَرِيقُكَ عَلَيَّ إذا انْتَهى المُرُورُ عَلَيْهِ، وإيثارُ حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ عَلى حَرْفِ الِانْتِهاءِ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِقامَةِ والشَّهادَةِ بِاسْتِعْلاءِ مَن ثَبَتَ عَلَيْهِ فَهو أدَلُّ عَلى التَّمَكُّنِ مِنَ الوُصُولِ، وهو تَمْثِيلٌ فَلا اسْتِعْلاءَ لِشَيْءٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ولَيْسَتْ ( عَلَيَّ ) فِيهِ بِمَعْنى إلَيَّ. نَعَمْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ فَسَّرَها بِها، وأخْرَجَ عَنْ زِيادِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ أنَّهُما قَرَآ «هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ» وقالا: «عَلَيَّ» هي إلَيَّ وبِمَنزِلَتِها والأمْرُ في ذَلِكَ سَهْلٌ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِيَمُرَّ مُقَدَّرًا (وصِراطٌ) مُتَضَمِّنٌ لَهُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: الإشارَةُ إلى انْقِسامِهِمْ إلى قِسْمَيْنِ أيْ ذَلِكَ الِانْقِسامِ إلى غاوٍ وغَيْرِهِ أمْرٌ مَصِيرُهُ إلَيَّ ولَيْسَ ذَلِكَ لَكَ، والعَرَبُ تَقُولُ: طَرِيقُكَ في هَذا الأمْرِ عَلى فُلانٍ عَلى مَعْنى إلَيْهِ يَصِيرُ النَّظَرُ في أمْرِكَ، وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّ هَذا تَهْدِيدٌ لِلْعَيْنِ كَما تَقُولُ لِغَيْرِكَ افْعَلْ ما شِئْتَ فَطَرِيقُكَ عَلَيَّ أيْ لا تَفُوتُنِي، ومِثْلُهُ عَلى ما قالَ الطَّبَرْسِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ والمُشارُ عَلى هَذا إلَيْهِ ما أقْسَمَ مَعَ التَّأْكِيدِ عَلَيْهِ، وأظْهَرُ هَذِهِ الأوْجُهِ عَلى ما قِيلَ هو الأوَّلُ، واخْتارَ في البَحْرِ كَوْنَها إلى الإخْلاصِ، وقِيلَ: الأظْهَرُ أنَّ الإشارَةَ لِما وقَعَ في عِبارَةِ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ حَيْثُ قالَ: ﴿لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ إلَخْ، ولا أدْرِي ما وجْهُ كَوْنِهِ أظْهَرَ. وقَرَأ الضَّحّاكُ وإبْراهِيمُ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ سَيْرَيْنِ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وحُمَيْدٌ وأبُو شَرَفٍ مَوْلى كِنْدَةَ ويَعْقُوبُ، وخَلْقٌ كَثِيرٌ «عَلَيٌّ مُسْتَقِيمٌ» بِرَفْعِ «عَلَيٌّ» وتَنْوِينُهُ أيْ عالٍ لِارْتِفاعِ شَأْنِهِ

42

إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ

Indeed, My servants - no authority will you have over them, except those who follow you of the deviators.

﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ أيْ تَسَلُّطٌ وتَصَرُّفٌ بِالإغْواءِ والمُرادُ بِالعِبادِ المُشارُ إلَيْهِمْ بِالمُخْلَصِينَ فالإضافَةُ لِلْعَهْدِ، والِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مَنِ الغاوِينَ﴾ مُنْقَطِعٌ واخْتارَ ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِسُقُوطِ الِاسْتِثْناءِ في الإسْراءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعِبادِ العُمُومُ والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ والكَلامُ كالتَّقْرِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ولِذا لَمْ يُعْطَفْ عَلى ما قَبْلَهُ، وتَغْيِيرُ الوَضْعِ لِتَعْظِيمِ المُخْلَصِينَ بِجَعْلِهِمْ هُمُ الباقِينَ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ.

وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ لِمَن جَوَّزَ اسْتِثْناءَ الأكْثَرِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ أبُو عُبَيْدٍ والسِّيرافِيُّ وأكْثَرُ الكُوفِيَّةِ، واخْتارَهُ ابْنُ خَرُوفٍ والشُّلُوبِينَ وابْنُ مالِكٍ وأجازَ هَؤُلاءِ أيْضًا اسْتِثْناءَ النِّصْفِ، وذَهَبَ بَعْضُ البَصْرِيَّةِ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ كَوْنُ المُسْتَثْنى قَدْرَ نِصْفِ المُسْتَثْنى مِنهُ أوْ أكْثَرَ ويَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ أقَلَّ مِنَ النِّصْفِ واخْتارَهُ ابْنُ عُصْفُورٍ والآمِدِيُّ وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ مِنَ الأُصُولِيِّينَ، وذَهَبَ البَعْضُ الآخَرُ مِن عُلَماءِ البَلَدَيْنِ إلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَخْرَجُ النِّصْفَ فَما دُونَهُ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أكْثَرَ وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَنابِلَةُ، واتَّفَقَ النَّحْوِيُّونَ كَما قالَ أبُو حَيّانَ وكَذا الأُصُولِيُّونَ عِنْدَ الإمامِ. والآمِدِيُّ خِلافًا لِما اقْتَضاهُ نَقْلُ القَرافِيِّ عَنِ المَدْخَلِ لِابْنِ طَلْحَةَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُسْتَثْنى مُسْتَغْرِقًا لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ، ومِنَ الغَرِيبِ نَقَلَ ابْنُ مالِكٍ عَنِ الفَرّاءِ جَوازَ لَهُ عَلى ألْفٍ إلّا ألْفَيْنِ، وقِيلَ: إنْ كانَ المُسْتَثْنى مِنهُ عَدَدًا صَرِيحًا يَمْتَنِعُ فِيهِ اسْتِثْناءُ النِّصْفِ والأكْثَرِ وإنْ كانَ غَيْرَ صَرِيحٍ لا يَمْتَنِعانِ، وتَحْقِيقُ هَذِهِ المَسْألَةِ في الأُصُولِ، والمَذْكُورُ في بَعْضِ كُتُبِ العَرَبِيَّةِ عَنْ أبِي حَيّانَ أنَّهُ قالَ: المُسْتَقْرَأُ مِن كَلامِ العَرَبِ إنَّما هو اسْتِثْناءُ الأقَلِّ وجَمِيعُ ما اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى خِلافِهِ مُحْتَمَلُ التَّأْوِيلُ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ تَدْفَعُ مَعَ ما تَقَدَّمَ

صفحة 52

قَوْلَ مَن شَرَطَ الأقَلَّ لِما يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنَ الفَسادِ لِأنَّ اسْتِثْناءَ الغاوِينَ هُنا يَسْتَلْزِمُ عَلى ذَلِكَ أنْ يَكُونُوا أقَلَّ مِنَ المُخْلَصِينَ الَّذِينَ هُمُ الباقُونَ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ مِن جِنْسِ العِبادِ، واسْتِثْناءُ المُخْلَصِينَ هُناكَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونُوا أقَلَّ مِنَ الغاوِينَ الَّذِينَ هُمُ الباقُونَ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ مِن ذَلِكَ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنَ المُخْلَصِينَ والغاوِينَ أقَلَّ مِن نَفْسِهِ وهو كَما تَرى.

وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ هُنا جِنْسُ العِبادِ الشّامِلُ لِلْمُكَلَّفِينَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ ماتَ قَبْلَ أنْ يُكَلَّفَ ولا شَكَّ أنَّ الغاوِينَ أقَلُّ مِنَ الباقِي مِنهم بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ وهُمُ المُخْلَصُونَ ومَن ماتَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ والمُسْتَثْنى مِنهُ هُناكَ المُكَلَّفُونَ إذْ هُمُ الَّذِينَ يُعْقَلُ حَمْلُهم عَلى الغَوايَةِ والضَّلالِ إذْ غَيْرُ المُكَلَّفِ لا يُوصَفُ فِعْلُهُ بِذَلِكَ والمُخْلَصُونَ أقَلُّ مِنَ الباقِي مِنهم بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ أيْضًا ولا مَحْذُورَ في ذَلِكَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الكَثْرَةَ والقِلَّةَ الِادِّعائِيَّتَيْنِ تَكْفِيانِ لِصِحَّةِ الشَّرْطِ فَقَدْ ذَكَرَ السَّكّاكِيُّ …

43

وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ

And indeed, Hell is the promised place for them all.

﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ الضَّمِيرُ لِمَنِ اتَّبَعَ أوْ لِلْغاوِينَ ورُجِّحَ الثّانِي بِالقُرْبِ وظُهُورِ مُلاءَمَتِهِ لِلضَّمِيرِ، والأوَّلُ بِأنَّ اعْتِبارَهُ أُدْخِلَ في الزَّجْرِ عَنِ اتِّباعِهِ مَعَ أنَّ الثّانِي جِيءَ بِهِ لِبَيانِهِ (وأجْمَعِينَ) تَوْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنهُ ويُجْعَلَ عَلى هَذا المَوْعِدِ مَصْدَرًا مِيمِيًّا لِيَتَحَقَّقَ شَرْطُ مَجِيءِ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ وهو كَوْنُ المُضافِ مِمّا يَعْمَلُ عَمَلَ الفِعْلِ فَإنَّهُمُ اشْتَرَطُوا ذَلِكَ أوْ كَوْنُ المُضافِ جُزْءَ المُضافِ إلَيْهِ أوْ كَجُزْئِهِ عَلى ما ذَكَرَهُ ابْنُ مالِكٍ وغَيْرُهُ لِيَتَّحِدَ عامِلُ الحالِ وصاحِبُها حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا لَكِنْ يُقَدَّرُ حِينَئِذٍ مُضافٌ قَبْلَهُ لِأنَّ جَهَنَّمَ لَيْسَتْ عَيْنَ المَوْعِدِ بَلْ مَحَلَّهُ فَيُقَدَّرُ مَحَلُّ وعْدِهِمْ أوْ مَكانَهُ، ولَيْسَ بِتَأْوِيلِ اسْمِ المَفْعُولِ كَما وُهِمَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْعِدُ اسْمَ مَكانٍ، وحِينَئِذٍ لا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ إلّا أنَّ في جَوازِ الحالِيَّةِ بَحْثًا لِأنَّ اسْمَ المَكانِ لا يَعْمَلُ عَمَلَ فِعْلِهِ كَما حُقِّقَ في النَّحْوِ، وكَوْنُ العامِلِ مَعْنى الإضافَةِ وهو الِاخْتِصاصُ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ الجارُّ لِلْمُضافِ إلَيْهِ غَيْرَ مَقْبُولٍ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ المَعانِي الَّتِي لا تَنْصِبُ الحالَ، ولا يَخْفى ما في جَعْلِ جَهَنَّمَ مَوْعِدًا لَهم مِنَ التَّهَكُّمِ والِاسْتِعارَةِ فَكَأنَّهم كانُوا عَلى مِيعادٍ، وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّ ما أُعِدَّ لَهم فِيها مِمّا لا يُوصَفُ في الفَظاعَةِ

44

لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَٰبٍۢ لِّكُلِّ بَابٍۢ مِّنْهُمْ جُزْءٌۭ مَّقْسُومٌ

It has seven gates; for every gate is of them a portion designated."

﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ﴾ أيْ سَبْعُ طَبَقاتٍ يَنْزِلُونَها بِحَسَبِ مَراتِبِهِمْ في الغِوايَةِ والمُتابَعَةِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ وقَتادَةَ، وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ وغَيْرُهُما مِن طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ

صفحة 53

اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: «أبْوابُ جَهَنَّمَ سَبْعَةٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ فَيُمْلَأُ الأوَّلُ ثُمَّ الثّانِي ثُمَّ الثّالِثُ حَتّى تُمْلَأُ كُلُّها».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها جَهَنَّمُ والسَّعِيرُ ولَظى والحُطَمَةُ وسَقَرُ والجَحِيمُ والهاوِيَةُ وهي أسْفَلُها، وجاءَ في تَرْتِيبِها عَنِ الأعْمَشِ وابْنِ جُرَيْجٍ وغَيْرِهِما غَيْرُ ذَلِكَ، وذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ في كِتابِ الأعْلامِ أنَّهُ وقَعَ في كُتُبِ الرَّقائِقِ أسْماءُ هَذِهِ الأبْوابِ ولَمْ تَرِدْ في أثَرٍ صَحِيحٍ وظاهِرُ القُرْآنِ والحَدِيثِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِنها ما هو مِن أوْصافِ النّارِ نَحْوَ السَّعِيرِ والجَحِيمِ والحُطَمَةِ والهاوِيَةِ ومِنها ما هو عَلَمٌ لِلنّارِ كُلِّها نَحْوَ جَهَنَّمَ وسَقَرَ ولَظى فَلِذا أضْرَبْنا عَنْ ذِكْرِها اه، وأقْرَبُ الآثارِ الَّتِي وقَفْنا عَلَيْها إلى الصِّحَّةِ فِيما أظُنُّ ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لِكَثْرَةِ مُخْرِجِيهِ، وتَحْتاجُ جَمِيعُ الآثارِ إلى التِزامِ أنْ يُقالَ: إنَّ جَهَنَّمَ تُطْلَقُ عَلى طَبَقَةٍ مَخْصُوصَةٍ كَما تُطْلَقُ عَلى النّارِ كُلِّها، وقِيلَ: الأبْوابُ عَلى بابِها والمُرادُ أنَّ لَها سَبْعَةَ أبْوابٍ يَدْخُلُونَها لِكَثْرَتِهِمْ والإسْراعِ بِتَعْذِيبِهِمْ.

والجُمْلَةُ- كَما قالَ أبُو البَقاءِ - يَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن جَهَنَّمَ لِأنَّ إنَّ لا تَعْمَلُ في الحالِ ﴿لِكُلِّ بابٍ مِنهُمْ﴾ مِنَ الأتْباعِ والغُواةِ ﴿جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ فَرِيقٌ مُعَيَّنٌ مَفْرُوزٌ مِن غَيْرِهِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ، فَبابٌ لِلْمُوَحِّدِينَ العُصاةِ وبابٌ لِلْيَهُودِ وبابٌ لِلنَّصارى وبابٌ لِلصّابِئِينَ وبابٌ لِلْمَجُوسِ وبابٌ لِلْمُشْرِكِينَ وبابٌ لِلْمُنافِقِينَ، ورُوِيَ هَذا التَّرْتِيبُ في بَعْضِ الآثارِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ جَهَنَّمَ لِمَنِ ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ ولَظى لِعَبَدَةِ النّارِ والحُطَمَةَ لِعَبَدَةِ الأصْنامِ وسَقَرَ لِلْيَهُودِ والسَّعِيرَ لِلنَّصارى والجَحِيمَ لِلصّابِئِينَ والهاوِيَةَ لِلْمُوَحِّدِينَ العاصِينَ، ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ، وبِالجُمْلَةِ في تَعْيِينِ أهْلِها كَتَرْتِيبِها اخْتِلافٌ في الرِّواياتِ.

ولَعَلَّ حِكْمَةُ تَخْصِيصِ هَذا العَدَدِ انْحِصارُ مَجامِعِ المُهْلِكاتِ في المَحْسُوساتِ بِالحَواسِّ الخَمْسِ ومُقْتَضَياتِ القُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ الغَضَبِيَّةِ أوْ أنَّ أُصُولَ الفِرَقِ الدّاخِلِينَ فِيها سَبْعَةٌ، وقَرَأ ابْنُ القَعْقاعِ «جُزٍّ» بِتَشْدِيدِ الزّايِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ ووَجْهُهُ أنَّهُ حَذَفَ الهَمْزَةَ وألْقى حَرَكَتَها عَلى الزّايِ ثُمَّ وقَفَ بِالتَّشْدِيدِ ثُمَّ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ «جُزُءٍ» بِضَمِّ الزّايِ والهَمْزِ «ومِنهُمْ» حالٌ مِن «جُزْءٌ» وجاءَ مِنَ النَّكِرَةِ لِتَقَدُّمِهِ ووَصْفِها أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ في الجارِّ والمَجْرُورِ الواقِعِ خَبَرًا لَهُ، ورُجِّحَ أنَّ فِيهِ سَلامَةً مِمّا في وُقُوعِ الحالِ مِنَ المُبْتَدَأِ، والتَزَمَ بَعْضُهم لِذَلِكَ كَوْنَ المَرْفُوعِ فاعِلًا بِالظَّرْفِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿مَقْسُومٌ﴾ لِأنَّهُ صِفَةُ ﴿جُزْءٌ﴾ فَلا يَصِحُّ عَمَلُهُ فِيما قَبْلَ …

45

إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّٰتٍۢ وَعُيُونٍ

Indeed, the righteous will be within gardens and springs.

﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيْ مُسْتَقِرُّونَ في ذَلِكَ خالِدُونَ فِيهِ، والمُرادُ بِهِمْ- عَلى ما في الكَشّافِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما- الَّذِينَ اتَّقَوُا الكَفْرَ والفَواحِشَ ولَهم ذُنُوبٌ تُكَفِّرُها الصَّلَواتُ وغَيْرُها، وفِيهِ أنَّ المُتَّقِيَ عَلى الإطْلاقِ مَن يَتَّقِي ما يَجِبُ اتِّقاؤُهُ

صفحة 57

مِمّا نُهِيَ عَنْهُ، ونَقَلَ الإمامُ عَنْ جُمْهُورِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وذَكَرَ أنَّهُ المَنقُولُ عَنِ الخَيْرِ أنَّ المُرادَ بِهِمُ الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ ثُمَّ قالَ: وهَذا هو الحَقُّ الصَّحِيحُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ المُتَّقِيَ هو الآتِي بِالتَّقْوى مَرَّةً واحِدَةً كَما أنَّ الضّارِبَ هو الآتِي بِالضَّرْبِ مَرَّةً فَلَيْسَ مِن شَرْطِ صِدْقِ الوَصْفِ بِكَوْنِهِ مُتَّقِيًا كَوْنُهُ آتِيًا بِجَمِيعِ أنْواعِ التَّقْوى، والَّذِي يُقَرِّرُ ذَلِكَ أنَّ الآتِيَ بِفَرْدٍ واحِدٍ مِن أفْرادِ التَّقْوى يَكُونُ آتِيًا بِالتَّقْوى فَإنَّ الفَرْدَ مُشْتَمِلٌ عَلى الماهِيَّةِ بِالضَّرُورَةِ وكُلُّ آتٍ بِالتَّقْوى يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَّقِيًا فالآتِي بِفَرْدٍ يَجِبُ كَوْنُهُ مُتَّقِيًا، ولِهَذا قالُوا: ظاهِرُ الأمْرِ لا يُفِيدُ التَّكْرارَ فَظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي حُصُولَ الجَنّاتِ والعُيُونِ لِكُلِّ مَنِ اتَّقى عَنْ ذَنْبٍ واحِدٍ إلّا أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ التَّقْوى عَنِ الكُفْرِ شَرْطٌ في حُصُولِ هَذا الحُكْمِ، وأيْضًا هَذِهِ الآيَةُ ورَدَتْ عُقَيْبَ قَوْلِ إبْلِيسَ: ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ وعُقَيْبَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ فَلِذا اعْتُبِرَ الإيمانُ في هَذا الحُكْمِ فَوَجَبَ أنْ لا يُزادَ فِيهِ قَيْدٌ آخَرُ لِأنَّ تَخْصِيصَ العامِّ لِما كانَ خِلافَ الظّاهِرِ، فَكُلَّما كانَ التَّخْصِيصُ أقَلَّ كانَ أوْفَقَ بِمُقْتَضى الأصْلِ والظّاهِرُ فَثَبَتَ أنَّ الحُكْمَ المَذْكُورَ يَتَناوَلُ جَمِيعَ القائِلِينَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَوْ كانُوا مِن أهْلِ المَعْصِيَةِ، وهَذا تَقْرِيرٌ بَيِّنٌ وكَلامٌ ظاهِرٌ اه. وقَدْ يُقالُ: لا شُبْهَةَ في أنَّ السِّياقَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُتَّقِينَ هُمُ المُخْلِصُونَ السّابِقُ ذِكْرُهم وأنَّ المُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلى الكامِلِ والكامِلُ ما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ ولا بَأْسَ بِالحَمْلِ عَلَيْهِ وقِيلَ إنَّهُ الأنْسَبُ.

وإخْراجُ العُصاةِ مِنَ النّارِ ثابِتٌ بِنُصُوصٍ أُخَرَ، وكَذا إدْخالُ التّائِبِينَ الجَنَّةَ بَلْ غَيْرِهِمْ أيْضًا فَلا يَلْزَمُ القائِلُ بِذَلِكَ القَوْلِ بِما عَلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ مِن تَخْلِيدِ أصْحابِ الكَبائِرِ كَما لا يَخْفى، وألْ لِلِاسْتِغْراقِ وهو إمّا مَجْمُوعِيٌّ فَيَكُونُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُتَّقِينَ جَنَّةٌ وعَيْنٌ أوْ إفْرادِيٌّ فَيَكُونُ لِكُلٍّ جَنّاتٌ وعُيُونٌ، والمُرادُ بِالعُيُونِ يَحْتَمِلُ كَما قِيلَ أنْ يَكُونَ الأنْهارَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ الآيَةَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَنابِعَ مُغايِرَةً لِتِلْكَ الأنْهارِ وهو الظّاهِرُ، وهَلْ كُلٌّ مِنَ المُتَّقِينَ مُخْتَصٌّ بِعُيُونِهِ أوْ لَيْسَ مُخْتَصًّا بَلْ تَجْرِي مِن بَعْضٍ إلى بَعْضٍ احْتِمالانِ فَإنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ عَيْنٌ ويَنْتَفِعُ بِها مَن في مَعِيَّتِهِ، ويُمْكِنُ أنْ تَجْرِيَ العَيْنُ مِن بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ لِأنَّهم مُطَهَّرُونَ عَنِ الحِقْدِ والحَسَدِ، وضَمُّ …

46

ٱدْخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ءَامِنِينَ

[Having been told], "Enter it in peace, safe [and secure]."

﴿ادْخُلُوها﴾ أمْرٌ لَهم بِالدُّخُولِ مِن قِبَلِهِ تَعالى، وهو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ عَلى أنَّهُ حالٌ أيْ وقَدْ قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها، فَلا يُرَدُّ أنَّهُ بَعْدَ الحُكْمِ بِأنَّهم في الجَنَّةِ كَيْفَ يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها، وجُوِّزَ أنْ يُقَدَّرَ مَقُولًا لَهم ذَلِكَ والمُقارَنَةُ عُرْفِيَّةٌ لِاتِّصالِهِما، وقِيلَ: يُقَدَّرُ يُقالُ لَهم فَيَكُونُ مُسْتَأْنَفًا، ووَجْهُ ذِكْرِ هَذا الأمْرِ بَعْدَ الحُكْمِ السّابِقِ بِأنَّهم لَمّا مَلَكُوا جَنّاتٍ كَثِيرَةً كانُوا كُلَّما خَرَجُوا مِن جَنَّةٍ إلى أُخْرى قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها إلى آخِرِهِ، وهو إنَّما يَجْرِي عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ لِكُلٍّ جَنّاتٌ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ دَخَلَ. وقَرَأ الحَسَنُ «أُدْخِلُوها» عَلى أنَّهُ ماضٍ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ مِن بابِ الإفْعالِ والهَمْزَةُ فِيهِ لِلْقَطْعِ، وأصْلُ القِياسِ أنْ لا يُكْسَرَ التَّنْوِينُ قَبْلَها إلّا أنَّ الحَسَنَ كَسَرَهُ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ إجْراءً لِهَمْزَةِ القَطْعِ مَجْرى هَمْزَةِ الوَصْلِ في الإسْقاطِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ في رِوايَةِ رُوَيْسٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ ضَمَّ التَّنْوِينَ بِإلْقاءِ حَرَكَةِ هَمْزَةِ القَطْعِ عَلَيْهِ، وعَنْهُ «أدْخِلُوها» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلَيْهِ وكَسْرِ الخاءِ عَلى أنَّهُ أمْرٌ لِلْمَلائِكَةِ بِإدْخالِهِمْ إيّاها، وفُتِحَ في هَذِهِ القِراءَةِ التَّنْوِينُ بِإلْقاءِ فَتْحَةِ الهَمْزَةِ عَلَيْهِ وعَلى القِراءَةِ بِصِيغَةِ

صفحة 58

الماضِي لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، والفاعِلُ عَلَيْها هو اللَّهُ تَعالى أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إيّاها ﴿بِسَلامٍ﴾ أيْ مُلْتَبِسِينَ بِهِ أيْ سالِمِينَ أوْ مُسَلِّمًا عَلَيْكم وعَلى الأوَّلِ يُرادُ سَلامَتُهم مِنَ الآفَةِ والزَّوالُ في الحالِ، ويُرادُ بِالأمْنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿آمِنِينَ﴾ الأمْنُ مِن طُرُوِّ ذَلِكَ في الِاسْتِقْبالِ فَلا حاجَةَ إلى تَخْصِيصِ السَّلامَةِ بِما يَكُونُ جُسْمانِيًّا والأمْنُ بِغَيْرِهِ

47

وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَٰبِلِينَ

And We will remove whatever is in their breasts of resentment, [so they will be] brothers, on thrones facing each other.

﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ أيْ حِقْدٍ، وأصْلُهُ عَلى ما قِيلَ مِنَ الغِلالَةِ وهو ما يُلْبَسُ بَيْنَ الثَّوْبَيْنِ الشِّعارِ والدِّثارِ وتُسْتَعارُ لِلدِّرْعِ كَما يُسْتَعارُ الدِّرْعُ لَها، وقِيلَ: قِيلَ لِلْحِقْدِ غِلٌّ أخْذًا لَهُ مِنِ انْغَلَّ في كَذا وتَغَلَّلَ إذا دَخَلَ فِيهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْماءِ الجارِي بَيْنَ الشَّجَرِ غَلَلٌ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ الغِلُّ فِيما يُضْمَرُ في القَلْبِ مِمّا يُذَمُّ كالحَسَدِ والحِقْدِ وغَيْرِهِما، وهَذا النَّزْعُ قِيلَ في الدُّنْيا، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ كَثِيرِ النَّوا قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ إنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: واللَّهِ إنَّها لَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ وفِيمَن تَنْزِلُ إلّا فِيهِمْ؟ قُلْتُ: وأيُّ غِلٍّ هُوَ؟ قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ إنَّ بَنِيَ تَيْمٍ وبَنِي عَدِيٍّ وبَنِي هاشِمٍ كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ فَلَمّا أسْلَمَ هَؤُلاءِ القَوْمُ تَحابُّوا فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ فَجَعَلَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يُسَخِّنُ يَدَهُ فَيَكْوِي بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ويُشْعِرُ بِذَلِكَ عَلى ما قِيلَ ما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وغَيْرُهم مِن طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ لِابْنِ طَلْحَةَ: إنِّي لَأرْجُو أنْ أكُونَ أنا وأبُوكَ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ونَزَعْنا﴾ الآيَةَ فَقالَ رَجُلٌ مِن هَمَذانَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أعْدَلُ مِن ذَلِكَ فَصاحَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَلَيْهِ صَيْحَةً تَداعى لَها القَصْرُ، وقالَ: فَمَن إذَنْ إنْ لَمْ نَكُنْ نَحْنُ أُولَئِكَ؟ وقِيلَ: إنْ ذَلِكَ في الآخِرَةِ بَعْدَ دُخُولِ الجَنَّةِ،

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ القاسِمِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: يَدْخُلُ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ عَلى ما في صُدُورِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ الشَّحْناءِ والضَّغائِنِ حَتّى إذا تَدانَوْا وتَقابَلُوا عَلى السُّرُرِ نَزَعَ اللَّهُ تَعالى ما في صُدُورِهِمْ في الدُّنْيا مِن غِلٍّ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ بْنِ رُشَيْدٍ قالَ: يَنْتَهِي أهْلُ الجَنَّةِ إلى بابِ الجَنَّةِ وهم يَتَلاحَظُونَ تَلاحُظَ القِيرانِ فَإذا دَخَلُوها نَزَعَ اللَّهُ تَعالى ما في صُدُورِهِمْ مِنَ الغِلِّ، وقِيلَ: فِيها قَبْلَ الدُّخُولِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««يَحِيسُ أهْلُ الجَنَّةِ بَعْدَ ما يُجَوَّزُونَ الصِّراطَ حَتّى يُؤْخَذَ لِبَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ ظُلاماتُهم في الدُّنْيا ويَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولَيْسَ في قُلُوبِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ غِلٌّ»».

وهَذا ونَحْوُهُ يُؤَيِّدُ ما قالَهُ الإمامُ في المُتَّقِينَ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ طَهَّرَ اللَّهُ تَعالى قُلُوبَهم مِن أنْ يَتَحاسَدُوا عَلى الدَّرَجاتِ في الجَنَّةِ ونَزَعَ سُبْحانَهُ مِنها كُلَّ غِلٍّ وألْقى فِيها التَّوادَّ والتَّحابَّ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في وُجُودِ الغِلِّ في صُدُورِهِمْ قَبْلَ النَّزْعِ فَتَأمَّلْ.

( إخْوانًا ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ ( في جَنّاتٍ ) وهي حالٌ مُتَرادِفَةٌ إنْ جَعَلَ ( ادْخُلُوها ) حالًا مِن ذَلِكَ أيْضًا أوْ حالٌ مِن فاعِلِ ( ادْخُلُوها ) وهي مُقَدَّرَةٌ إنْ كانَ …

48

لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌۭ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ

No fatigue will touch them therein, nor from it will they [ever] be removed.

﴿لا يَمَسُّهم فِيها﴾ أيْ في تِلْكَ الجَنّاتِ ﴿نَصَبٌ﴾ تَعَبٌ ما إمّا بِأنْ لا يَكُونَ لَهم فِيها ما يُوجِبُهُ مِنَ السَّعْيِ في تَحْصِيلِ ما لا بُدَّ لَهم مِنهُ لِحُصُولِ كُلِّ ما يَشْتَهُونَهُ مِن غَيْرِ مُزاوَلَةِ عَمَلٍ أصْلًا، وإمّا بِأنْ لا يَعْتَرِيَهم ذَلِكَ وإنْ باشَرُوا الحَرَكاتِ العَنِيفَةَ لِكَمالِ قُوَّتِهِمْ. وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ قُوَّةَ الواحِدِ مِنهم قُوَّةُ أرْبَعِينَ رَجُلًا مِن رِجالِ الدُّنْيا والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ أوْ بَيانِيٌّ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( في جَنّاتٍ ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( إخْوانًا ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ( مُتَقابِلِينَ ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (عَلى سُرُرٍ وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ) أيْ هم خالِدُونَ فِيها. فالمُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ وذَلِكَ لِأنَّ إتْمامَ النِّعْمَةِ بِالخُلُودِ، وهَذا مُتَكَرِّرٌ مَعَ ( آمِنِينَ ) إنْ أُرِيدَ مِنهُ الأمْنُ مِن زَوالِهِمْ عَنِ الجَنَّةِ وانْتِقالِهِمْ مِنها، وارْتُكِبَ ذَلِكَ لِلِاعْتِناءِ والتَّأْكِيدِ وإنْ أُرِيدَ بِهِ الأمْنُ مِن زَوالِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ والسُّرُورِ والصِّحَّةِ لا يَتَكَرَّرُ، وبَحَثَ بَعْضُهم في لُزُومِ التَّكْرارِ بِأنَّ الأمْنَ مِنَ الشَّيْءِ لا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ وُقُوعِهِ كَأمْنِ الكَفَرَةِ مِن مَكْرِ اللَّهِ تَعالى مَثَلًا وأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ زَوالَ أنْفُسِهِمْ بِالمَوْتِ لا الزَّوالَ عَنِ الجَنَّةِ، وتُعِقِّبَ بِأنَّ الثّانِيَ في غايَةِ البُعْدِ فَإنَّهُ لا يُقالُ لِلْمَيِّتِ: إنَّهُ فِيها وإنْ دُفِنَ بِها كالأوَّلِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى إذا بَشَّرَهم بِالأمْنِ مِنهُ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ عَدَمُ وُقُوعِهِ

49

۞ نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ

[O Muhammad], inform My servants that it is I who am the Forgiving, the Merciful.

﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ قِيلَ: مُطْلَقًا، وقِيلَ: الَّذِينَ عَبَّرَ عَنْهم بِالمُتَّقِينَ أيْ أخْبِرْهم ﴿أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ وهَذا إجْمالٌ لِما سَبَقَ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ وتَأْكِيدٌ لَهُ، ( وأنا ) إمّا مُبْتَدَأٌ أوْ تَأْكِيدٌ أوْ فَصْلٌ، وهو إمّا مُبْتَدَأٌ أوْ فَصْلٌ، وأنْ وما بَعْدَها- قالَ أبُو حَيّانَ:- سادَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ﴿نَبِّئْ﴾ إنْ قُلْنا: إنَّها تَعَدَّتْ إلى ثَلاثَةٍ ومَسَدٍّ واحِدٍ إنْ قُلْنا تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، وفي ذِكْرِ المَغْفِرَةِ إشْعارٌ عَلى ما قِيلَ بِأنْ لَيْسَ المُرادُ بِالمُتَّقِينَ مَن يَتَّقِي جَمِيعَ الذُّنُوبِ إذْ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِها مَوْقِعٌ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَها حِينَئِذٍ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّ غَيْرَ أُولَئِكَ المُتَّقِينَ لا يَكُونُ في الجَنَّةِ بِأنَّهُ يَدْخُلُها وإنْ لَمْ يَتُبْ لِأنَّهُ تَعالى الغَفُورُ الرَّحِيمُ، ولَهُ وجْهٌ، وفي تَوْصِيفِ ذاتِهِ تَعالى بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ دُونَ التَّعْذِيبِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: وإنِّي أنا المُعَذِّبُ المُؤْلِمُ

صفحة 60

تَرْجِيحٌ لِجانِبِ الوَعْدِ عَلى الوَعِيدِ وإنْ كانَ الألِيمُ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ في الحَقِيقَةِ صِفَةَ العَذابِ، وكَذا لا يَضُرُّ في ذَلِكَ الإضافَةُ لِأنَّها لا تَقْتَضِي حُصُولَ المُضافِ إلَيْهِ بِالفِعْلِ كَمّا إذا قِيلَ ضَرْبِي شَدِيدٌ فَإنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُرادَ مِنهُ ذاكَ شَدِيدٌ إذا وقَعَ ويَكْفِي في الإضافَةِ أدْنى مُلابَسَةٍ، ويُقَوِّي أمْرَ التَّرْجِيحِ الإتْيانُ بِالوَصْفَيْنِ بِصِيغَتِي المُبالَغَةِ، وكَذا ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «اطَّلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ البابِ الَّذِي مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ فَقالَ: ألا أراكم تَضْحَكُونَ ثُمَّ أدْبَرَ حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحِجْرِ رَجَعَ إلَيْنا القَهْقَرى فَقالَ: إنِّي لَمّا خَرَجْتُ جاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لِمَ تُقَنِّطْ عِبادِي؟ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الآيَةَ».

وتَقْدِيمُ الوَعْدِ أيْضًا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى سَبْقِ الرَّحْمَةِ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ الخَبَرُ المَشْهُورُ.

ومَعَ هَذا كُلِّهِ في الآيَةِ ما تَخْشَعُ مِنهُ القُلُوبُ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وجَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: بَلَغَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لَوْ يَعْلَمُ العَبْدُ قَدْرَ عَفْوِ اللَّهِ تَعالى لَما تَوَرَّعَ مِن حَرامٍ ولَوْ يَعْلَمُ قَدْرَ عَذابِهِ لَبَخَعَ نَفْسَهُ»»

وأخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةَ رَحْمَةٍ فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَحْمَةً وأرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً فَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ كُلَّ الَّذِي عِنْدَهُ مِن رَحْمَةٍ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الرَّحْمَةِ ولَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ العَذابِ لَمْ يَأْمَن مِنَ النّارِ»».

50

وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلْأَلِيمُ

And that it is My punishment which is the painful punishment.

﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ قِيلَ: مُطْلَقًا، وقِيلَ: الَّذِينَ عَبَّرَ عَنْهم بِالمُتَّقِينَ أيْ أخْبِرْهم ﴿أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ وهَذا إجْمالٌ لِما سَبَقَ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ وتَأْكِيدٌ لَهُ، ( وأنا ) إمّا مُبْتَدَأٌ أوْ تَأْكِيدٌ أوْ فَصْلٌ، وهو إمّا مُبْتَدَأٌ أوْ فَصْلٌ، وأنْ وما بَعْدَها- قالَ أبُو حَيّانَ:- سادَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ﴿نَبِّئْ﴾ إنْ قُلْنا: إنَّها تَعَدَّتْ إلى ثَلاثَةٍ ومَسَدٍّ واحِدٍ إنْ قُلْنا تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ، وفي ذِكْرِ المَغْفِرَةِ إشْعارٌ عَلى ما قِيلَ بِأنْ لَيْسَ المُرادُ بِالمُتَّقِينَ مَن يَتَّقِي جَمِيعَ الذُّنُوبِ إذْ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِها مَوْقِعٌ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَها حِينَئِذٍ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّ غَيْرَ أُولَئِكَ المُتَّقِينَ لا يَكُونُ في الجَنَّةِ بِأنَّهُ يَدْخُلُها وإنْ لَمْ يَتُبْ لِأنَّهُ تَعالى الغَفُورُ الرَّحِيمُ، ولَهُ وجْهٌ، وفي تَوْصِيفِ ذاتِهِ تَعالى بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ دُونَ التَّعْذِيبِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: وإنِّي أنا المُعَذِّبُ المُؤْلِمُ

صفحة 60

تَرْجِيحٌ لِجانِبِ الوَعْدِ عَلى الوَعِيدِ وإنْ كانَ الألِيمُ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ في الحَقِيقَةِ صِفَةَ العَذابِ، وكَذا لا يَضُرُّ في ذَلِكَ الإضافَةُ لِأنَّها لا تَقْتَضِي حُصُولَ المُضافِ إلَيْهِ بِالفِعْلِ كَمّا إذا قِيلَ ضَرْبِي شَدِيدٌ فَإنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُرادَ مِنهُ ذاكَ شَدِيدٌ إذا وقَعَ ويَكْفِي في الإضافَةِ أدْنى مُلابَسَةٍ، ويُقَوِّي أمْرَ التَّرْجِيحِ الإتْيانُ بِالوَصْفَيْنِ بِصِيغَتِي المُبالَغَةِ، وكَذا ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «اطَّلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ البابِ الَّذِي مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ فَقالَ: ألا أراكم تَضْحَكُونَ ثُمَّ أدْبَرَ حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحِجْرِ رَجَعَ إلَيْنا القَهْقَرى فَقالَ: إنِّي لَمّا خَرَجْتُ جاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لِمَ تُقَنِّطْ عِبادِي؟ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الآيَةَ».

وتَقْدِيمُ الوَعْدِ أيْضًا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى سَبْقِ الرَّحْمَةِ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ الخَبَرُ المَشْهُورُ.

ومَعَ هَذا كُلِّهِ في الآيَةِ ما تَخْشَعُ مِنهُ القُلُوبُ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وجَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: بَلَغَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لَوْ يَعْلَمُ العَبْدُ قَدْرَ عَفْوِ اللَّهِ تَعالى لَما تَوَرَّعَ مِن حَرامٍ ولَوْ يَعْلَمُ قَدْرَ عَذابِهِ لَبَخَعَ نَفْسَهُ»»

وأخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةَ رَحْمَةٍ فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَحْمَةً وأرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً فَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ كُلَّ الَّذِي عِنْدَهُ مِن رَحْمَةٍ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الرَّحْمَةِ ولَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ العَذابِ لَمْ يَأْمَن مِنَ النّارِ»».

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.