قَالَ هَٰذَا صِرَٰطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ
[Allah] said, "This is a path [of return] to Me [that is] straight.
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وَإنَّ عَلَيْكَ اللَعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مَنِ الغاوِينَ﴾ ﴿وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾
الضَمِيرُ في "مِنها" لِلْجَنَّةِ وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُها، في القِصَّةِ تَتَضَمَّنُها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى صِيغَةِ المَلائِكَةِ. و"الرَجِيمُ" المَشْؤُومُ، أيِ: المَرْجُومُ بِالقَوْلِ والشَتْمِ، و﴿يَوْمِ الدِينِ﴾ يَوْمُ الجَزاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ولَمْ يَبْقَ سِوى العُدْوا ∗∗∗ نِ دِنّاهم كَما دانُوا
وسَألَ إبْلِيسُ النَظِرَةَ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَأعْطاهُ اللهُ إيّاها إلى وقْتٍ مَعْلُومٍ، واخْتُلِفَ فِيهِ- فَقِيلَ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ، أيْ يَكُونُ آخِرَ مَن يَمُوتُ مِنَ الخَلْقِ، قالَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ. وقِيلَ إلى وقْتٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ولا مَرْسُومٍ بِقِيامَةٍ ولا غَيْرَها، بَلْ عِلْمُهُ عِنْدَ اللهِ وحْدَهُ. وقِيلَ: بَلْ أمْرُهُ كانَ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وأنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهَذا -وَإنْ كانَ رُوِيَ- فَهو ضَعِيفٌ. والمُنْظَرُ: المُؤَخَّرُ. وقَوْلُهُ: "رَبِّ" مَعَ كُفْرِهِ يُخَرَّجُ عَلى أنَّهُ يُقِرُّ بِالرُبُوبِيَّةِ والخَلْقِ، وهو الظاهِرُ مِن حالِهِ وما تَقْتَضِيهِ فِيهِ الآياتُ والأحادِيثُ، وهَذا لا يَدْفَعُ في صَدْرِ كُفْرِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿بِما أغْوَيْتَنِي﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وغَيْرُهُ: "أقْسَمَ بِالإغْواءِ"، كَأنَّهُ جَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: "رَبِّ بِقُدْرَتِكَ عَلَيَّ وقَضائِكَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالسَبَبِ، كَأنَّهُ قالَ: "رَبِّ واللهِ لَأُغْوِيَنَّهم بِسَبَبِ إغْوائِكَ لِي ومِن أجْلِهِ وكَفاءً لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَجَلُّدًا مِنهُ ومُبالَغَةً في الجِدِّ، أيْ: "بِحالِي هَذِهِ وبُعْدِي مِنَ الخَيْرِ واللهِ لَأفْعَلَنَّ ولَأُغْوِيَنَّ"، ومَعْنى ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ﴾ أيِ الشَهَواتُ والمَعاصِي. والضَمِيرُ في "لَهُمْ" لِذُرِّيَّةِ آدَمَ وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ، فالقِصَّةُ بِجُمْلَتِها حَيْثُ وقَعَتْ كامِلَةً تَتَضَمَّنُهُمْ، والإغْواءُ: الإضْلالُ".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "المُخْلَصِينَ" بِفَتْحِ اللامِ، أيِ الَّذِينَ أخْلَصْتَهم أنْتَ لِعِبادَتِكَ وتَقْواكَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ اللامِ، أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا الإيمانَ بِكَ وبِرُسُلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾، القائِلُ هو اللهُ تَبارَكَ وتَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِواسِطَةٍ، وقَرَأ الضِحاكُ، وحُمَيْدٌ، والنَخَعِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ سِيرِينَ، وقَتادَةُ، وقَيْسُ بْنُ عَبّادٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "عَلِيٌّ مُسْتَقِيمٌ" مِنَ العُلُوِّ والرِفْعَةِ، والإشارَةُ بِـ "هَذا" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- إلى الإخْلاصِ، لَمّا اسْتُثْنِيَ إبْلِيسُ مِن أخْلَصَ قالَ اللهُ لَهُ: هَذا الإخْلاصُ طَرِيقٌ رَفِيعٌ مُسْتَقِيمٌ لا تَنالُ أنْتَ بِإغْوائِكَ أهْلَهُ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عَلَيَّ" بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ، والإشارَةُ بِـ "هَذا" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- إلى انْقِسامِ الناسِ إلى غاوٍ ومُخْلِصٍ، لَمّا قَسَّمَ إبْلِيسُ …