Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 31–40 of 99

31

إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ

Except Iblees, he refused to be with those who prostrated.

﴿إلا إبْلِيسَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ إمّا لِأنَّهُ كانَ جِنِّيًّا مُفْرَدًا مَغْمُورًا بِأُلُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَعُدَّ مِنهم تَغْلِيبًا وإمّا لِأنَّ مِنَ المَلائِكَةِ جِنْسًا يَتَوالَدُونَ يُقالُ لَهم جِنٌّ وهو مِنهم وإمّا لِأنَّهُ مَلَكٌ لا جِنِّيٌّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ مُؤَوَّلٌ كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ عَدَمِ السُّجُودِ المَفْهُومِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ بِناءً عَلى أنَّهُ مِنَ الإثْباتِ نَفْيٌ ومِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ وهو الَّذِي تَمِيلُ إلَيْهِ النَّفْسُ فَإنَّ مُطْلَقَ عَدَمِ السُّجُودِ قَدْ يَكُونُ مَعَ التَّرَدُّدِ وبِهِ عُلِمَ أنَّهُ مَعَ الإباءِ والِاسْتِكْبارِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا فَجُمْلَةُ (أبى) إلَخْ مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها، ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّ إلّا بِمَعْنى لَكِنْ وإبْلِيسَ اسْمُها، والجُمْلَةَ خَبَرُها كَذا قِيلَ: وفي الهَمْعِ أنَّ البَصْرِيِّينَ يُقَدِّرُونَ المُنْقَطِعَ بِلَكِنَّ المُشَدَّدَةِ ويَقُولُونَ: إنَّما يُقَدَّرُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ في حُكْمِ جُمْلَةٍ مُنْفَصِلَةٍ عَنِ الأُولى فَقَوْلُكَ: ما في الدّارِ أحَدٌ إلّا حِمارًا في تَقْدِيرِ لَكِنَّ فِيها حِمارًا عَلى أنَّهُ اسْتِدْراكٌ يُخالِفُ ما بَعْدَ لَكِنَّ فِيها ما قَبْلَها غَيْرَ أنَّهُمُ اتَّسَعُوا فَأجْرَوْا إلّا مَجْرى لَكِنَّ، لَكِنَّ لَمّا كانَتْ لا يَقَعُ بَعْدَها إلّا المُفْرَدُ بِخِلافِ لَكِنَّ فَإنَّهُ لا يَقَعُ بَعْدَها إلّا كَلامٌ تامٌّ لَقَّبُوهُ بِالِاسْتِثْناءِ تَشْبِيهًا بِها إذا كانَتِ اسْتِثْناءً حَقِيقَةً وتَفْرِيقًا بَيْنَها وبَيْنَ لَكِنَّ، والكُوفِيُّونَ يُقَدِّرُونَهُ بِسِوى، وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ يَسْعُونَ: إلّا مَعَ الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَها في المُنْقَطِعِ يَكُونُ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا، وقالَ في قَوْلِهِ: وما بِالرَّبْعِ مِن أحَدٍ إلّا الأوارِيَ- إلّا فِيهِ بِمَعْنى لَكِنَّ ”الأوارِيَ“ اسْمٌ لَها مَنصُوبٌ بِها والخَبَرُ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ الأُوارِيَّ بِالرَّبْعِ وحُذِفَ خَبَرُ إلّا كَما حُذِفَ خَبَرُ لَكِنَّ في قَوْلِهِ ولَكِنَّ زِنْجِيًّا عَظِيمَ المَشافِرِ. اه.

والظّاهِرُ مِنهُ أنَّ البَصْرِيِّينَ وإنْ قَدَّرُوهُ بِلَكِنَّ لا يُعْرِبُونَهُ هَذا الإعْرابَ فَهو تَقْدِيرُ مَعْنًى لا تَقْدِيرُ إعْرابٍ، ولَعَلَّ التَّوْجِيهَ السّابِقَ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ ابْنِ يَسْعُونَ إلّا أنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ بِوُرُودِ الخَبَرِ مُصَرَّحًا بِهِ، نَعَمْ صَرَّحَ بَعْضُهم بِذَلِكَ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةٌ لِهَذا المَبْحَثِ في هَذِهِ السُّورَةِ فافْهَمْ، ووَجْهُ الِانْقِطاعِ ظاهِرٌ لِأنَّ المَشْهُورَ أنَّهُ لَيْسَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والِانْقِطاعُ- عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ- يَتَحَقَّقُ بِعَدَمِ دُخُولِهِ في المُسْتَثْنى مِنهُ أوْ في حُكْمِهِ، وما قِيلَ: إنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَكُونُ مَأْمُورًا بِالسُّجُودِ فَلا يَلْزَمُ والِاعْتِذارُ عَنْهُ بِأنَّ الجِنَّ كانُوا مَأْمُورِينَ أيْضًا واسْتُغْنِيَ بِذِكْرِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنْهم وأنَّهُ مَعْنى الِانْقِطاعِ وتُوَجُّهُ اللَّوْمِ مِن ضِيقِ العَطَنِ.

32

قَالَ يَٰٓإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ

[Allah] said, O Iblees, what is [the matter] with you that you are not with those who prostrate?"

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالِ مَن قالَ: فَماذا قالَ الرَّبُّ تَعالى عِنْدَ إبائِهِ؟ فَقِيلَ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يا إبْلِيسُ ما لَكَ﴾ أيْ أيُّ سَبَبٍ لَكَ كَما يَقْتَضِيهِ الجَوابُ، وقَوْلُهُ تَعالى: (ما مَنَعَكَ ألّا تَكُونَ) أيْ في أنْ لا تَكُونَ ﴿مَعَ السّاجِدِينَ﴾ لِما خَلَقْتُ مَعَ أنَّهم هم ومَنزِلَتُهم في الشَّرَفِ مَنزِلَتُهُمْ، وكَأنَّ في صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ إيماءٌ إلى مَزِيدِ قُبْحِ حالِهِ، ولَعَلَّ التَّوْبِيخَ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ تَخَلُّفِهِ عَنْ أُولَئِكَ الكِرامِ بَلْ لِأُمُورٍ حُكِيَتْ مُتَفَرِّقَةً إشْعارًا بِأنَّ ( كُلًّا ) مِنها كافٍ في التَّوْبِيخِ وإظْهارِ بُطْلانِ ما ارْتَكَبَهُ وشَناعَتِهِ، وقَدْ تَرَكْتُ حِكايَةَ التَّوْبِيخِ رَأْسًا في غَيْرِ سُورَةٍ اكْتِفاءً بِحِكايَتِها في مَوْضِعٍ آخَرَ، والظّاهِرُ أنَّ

صفحة 47

قَوْلَ اللَّهِ تَعالى لَهُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِواسِطَةٍ وهو مَنصِبٌ عالٍ إذا كانَ عَلى سَبِيلِ الإعْظامِ والإجْلالِ دُونَ الإهانَةِ والإذْلالِ كَما لا يَخْفى.

33

قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُۥ مِن صَلْصَٰلٍۢ مِّنْ حَمَإٍۢ مَّسْنُونٍۢ

He said, "Never would I prostrate to a human whom You created out of clay from an altered black mud."

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ ﴿لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ﴾ اللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ أيْ يُنافِي حالِي ولا يَسْتَقِيمُ مِنِّي أنْ أسْجُدَ ﴿لِبَشَرٍ﴾ جُسْمانِيٍّ كَثِيفٍ ﴿خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ إشارَةٌ إجْمالِيَّةٌ إلى ادِّعاءِ خَيْرِيَّتِهِ وشَرَفِ مادَّتِهِ، وقَدْ نُقِلَ عَنْهُ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ في آيَةٍ أُخْرى، وقَدْ عَنى اللَّعِينُ بِهَذا الوَصْفِ بَيانَ مَزِيدِ خِسَّةِ أصْلِ مَن لَمْ يَسْجُدْ لَهُ وحاشاهُ وقَدِ اكْتَفى في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِحِكايَةِ بَعْضِ ما زَعَمَهُ مُوجِبًا لِلْخِسَّةِ، وفي عُدُولِهِ عَنْ تَطْبِيقِ جَوابِهِ عَلى السُّؤالِ رَوْمٌ لِلتَّفَصِّي عَنِ المُناقَشَةِ وأنّى لَهُ ذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ أمْتَنِعْ عَنِ الِانْتِظامِ في سَلْكِ السّاجِدِينَ بَلْ عَمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِي مِنَ السُّجُودِ لِلْمَفْضُولِ، وقَدْ أخْطَأ اللَّعِينُ حَيْثُ ظَنَّ أنَّ الفَضْلَ كُلَّهُ بِاعْتِبارِ المادَّةِ وما دَرى أنَّهُ يَكُونُ بِاعْتِبارِ الفاعِلِ وبِاعْتِبارِ الصُّورَةِ وبِاعْتِبارِ الغايَةِ بَلْ إنَّ مَلاكَ الفَضْلِ والكَمالِ هو التَّخَلِّي عَنِ المَلَكاتِ الرَّدِيَّةِ والتَّحَلِّي بِالمَعارِفِ الرَّبّانِيَّةِ:

فَشِمالٌ والكَأْسُ فِيها يَمِينُ ويَمِينٌ لا كاسَ فِيها شِمالُ

ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ:

كُنِ ابْنَ مَن شِئْتَ واكْتَسِبْ أدَبًا ∗∗∗ يُغْنِيكَ مَضْمُونُهُ عَنِ النَّسَبِ

إنَّ الفَتى مَن يَقُولُ ها أنا ذا ∗∗∗ لَيْسَ الفَتى مَن يَقُولُ كانَ أبِي

عَلى أنَّ فِيما زَعَمَهُ مِن فَضْلِ النّارِ عَلى التُّرابِ مَنعًا ظاهِرًا وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ.

34

قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌۭ

[Allah] said, "Then get out of it, for indeed, you are expelled.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما تَقَدَّمَ أيْضًا ﴿فاخْرُجْ مِنها﴾ قِيلَ: الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ لِلسَّماءِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، وأُيِّدَ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ وقِيلَ لِزُمْرَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ويَلْزَمُ خُرُوجُهُ مِنَ السَّماءِ إذْ كَوْنُهُ بِانْزِوائِهِ عَنْهم في جانِبٍ لا يُعَدُّ خُرُوجًا في المُتَبادِرِ وكَفى بِهِ قَرِينَةً، وقِيلَ: لِلْجَنَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ ولِوُقُوعِ الوَسْوَسَةِ فِيها ورُدَّ بِأنَّ وُقُوعَها كانَ بَعْدَ الأمْرِ بِالخُرُوجِ ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ مَطْرُودٌ مِن كُلِّ خَيْرٍ وكَرامَةٍ فَإنَّ مَن يُطْرَدُ يُرْجَمُ بِالحِجارَةِ فالكَلامُ مِن بابِ الكِنايَةِ، وقِيلَ: أيُّ شَيْطانٍ يُرْجَمُ بِالشُّهُبِ وهو وعِيدٌ بِالرَّجْمِ بِها، وقَدْ تَضَمَّنَ هَذا الكَلامُ الجَوابَ عَنْ شُبْهَتِهِ حَيْثُ تَضَمَّنَ سُوءَ حالِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ المانِعَ لَكَ عَنِ السُّجُودِ شَقاوَتُكَ وسُوءُ خاتِمَتِكَ وبُعْدُكَ عَنِ الخَيْرِ لا شَرَفُ عُنْصُرِكَ الَّذِي تَزْعُمُهُ، وقِيلَ: تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ عُلِمَ مِنهُ أنَّ الشَّرَفَ بِتَشْرِيفِ اللَّهِ تَعالى وتَكْرِيمِهِ فَبَطَلَ ما زَعَمَهُ مِن رُجْحانِهِ إذْ أبْعَدَهُ اللَّهُ تَعالى وأهانَهُ وقَرَّبَ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكَرَّمَهُ، وقِيلَ: تَضَمَّنَهُ لِلْجَوابِ بِالسُّكُوتِ كَما قِيلَ: جَوابُ ما لا يَرْتَضِي السُّكُوتَ، وفي تَفْسِيرِ الرَّجِيمِ بِالمَرْجُومِ بِالشُّهُبِ إشارَةٌ لَطِيفَةٌ إلى أنَّ اللَّعِينَ لَمّا افْتَخَرَ بِالنّارِ عُذِّبَ بِها في الدُّنْيا فَهو كَعابِدِ النّارِ يَهْواها وتَحْرِقُهُ.

35

وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ

And indeed, upon you is the curse until the Day of Recompense."

﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ﴾ الإبْعادَ عَلى سَبِيلِ السُّخْطِ وذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى في الآخِرَةِ عُقُوبَةٌ وفي الدُّنْيا انْقِطاعٌ مِن قَبُولِ فَيْضِهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ سُبْحانَهُ، ومِنِ الإنْسانِ دُعاءٌ بِذَلِكَ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ لَعْنَةُ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ ﴿إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ إلى يَوْمِ الجَزاءِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِتَأْخِيرِ جَزائِهِ إلَيْهِ وإنَّ اللَّعْنَةَ مَعَ كَمالِ فَظاعَتِها لَيْسَتْ جَزاءً لِفِعْلِهِ وإنَّما يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ يَوْمَئِذٍ، وفِيهِ مِنَ التَّهْوِيلِ ما فِيهِ، وجُعِلَ ذَلِكَ غايَةُ أمَدِ اللَّعْنَةِ قِيلَ لَيْسَ لِأنَّها تَنْقَطِعُ هُنالِكَ بَلْ لِأنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يُعَذَّبُ بِما يَنْسى بِهِ اللَّعْنَةَ مِن أفانِينِ العَذابِ فَتَصِيرُ هي كالزّائِلِ، وقِيلَ: إنَّما غَيًّا بِذَلِكَ لِأنَّهُ أبْعَدُ

صفحة 48

غايَةٍ يَضْرِبُها النّاسُ في كَلامِهِمْ فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ عَلى قَوْلٍ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المُرادَ بِاللَّعْنَةِ لَعْنُ الخَلائِقِ لَهُ لَعْنَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وذَلِكَ مُنْقَطِعٌ إذا نُفِخَ في الصُّورِ وجاءَ يَوْمَ الدِّينِ دُونَ لَعْنِ اللَّهِ تَعالى لَهُ، وإبْعادُهُ إيّاهُ فَإنَّهُ مُتَّصِلٌ إلى الأبَدِ.

36

قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ

He said, "My Lord, then reprieve me until the Day they are resurrected."

﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي﴾ أمْهِلْنِي وأخِّرْنِي ولا تُمِتْنِي والفاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مَفْهُومٍ مِنَ الكَلامِ أيْ إذْ جَعَلْتَنِي رَجِيمًا فَأمْهِلْنِي ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وذُرِّيَّتَهُ لِلْجَزاءِ وأرادَ بِذَلِكَ أنْ يَجِدَ فُسْحَةً لِإغْوائِهِمْ ويَأْخُذَ مِنهم ثَأْرَهُ، قِيلَ: ولِيَنْجُوَ مِنَ المَوْتِ إذْ لا مَوْتَ بَعْدَ البَعْثِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ، وكَأنَّهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ طَلَبَ تَأْخِيرَ مَوْتِهِ لِذَلِكَ ولَمْ يَكْتَفِ بِما أشارَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ في التَّغَيِّي مِنَ التَّأْخِيرِ لِما أنَّهُ يُمْكِنُ كَوْنُ تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ كَسائِرِ مَن أُخِّرَتْ عُقُوباتُهم إلى الآخِرَةِ مِنَ الكَفَرَةِ.

37

قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ

[Allah] said, "So indeed, you are of those reprieved

﴿قالَ﴾ الرَّبُّ سُبْحانَهُ ﴿فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ أيْ مِن جُمْلَتِهِمْ ومُنْتَظِمٍ في سَلْكِهِمْ قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ في وُرُودِ الجَوابِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً مَعَ التَّعَرُّضِ لِشُمُولِ ما سَألَهُ الآخَرِينَ عَلى وجْهٍ يُؤْذِنُ بِكَوْنِ السّائِلِ تَبَعًا لَهم في ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ إخْبارٌ بِالإنْظارِ المُقَدِّرِ لَهم لا لِإنْشاءِ إنْظارٍ خاصٍّ بِهِ وقَعَ إجابَةً لِدُعائِهِ أيْ أنَّكَ مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ أُخِّرَتْ آجالُهم أزَلًا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ حِكْمَةُ التَّكْوِينِ، فالفاءُ لِرَبْطِ الإخْبارِ بِالإنْظارِ بِالِاسْتِنْظارِ كَما في قَوْلِهِ:

فَإنْ تَرْحَمْ فَأنْتَ لِذاكَ أهْلٌ وإنْ تَطْرُدْ فَمَن يَرْحَمُ سِواكا

لا لِرَبْطِ نَفْسِ الإنْظارِ بِهِ وأنَّ اسْتِنْظارَهُ لِتَأْخِيرِ المَوْتِ إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ كَوْنُهُ مِن جُمْلَتِهِمْ لا لِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ كَما قِيلَ، ونَظْمُهُ في سَلْكِ مَن أُخِّرَتْ عُقُوبَتُهم إلى الآخِرَةِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى مِمَّنْ سَبَقَ مِنَ الجِنِّ ولَحِقَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ لا يُلائِمُ مَقامَ الِاسْتِنْظارِ مَعَ الحَياةِ ولِأنَّ ذَلِكَ التَّأْخِيرَ مَعْلُومٌ مِن إضافَةِ اليَوْمِ إلى الدِّينِ مَعَ إضافَتِهِ في السُّؤالِ إلى البَعْثِ انْتَهى، وقِيلَ: إنَّ الفاءَ مُتَعَلِّقَةٌ كالفاءِ الأُولى بِمَحْذُوفٍ والكَلامُ إجابَةٌ لَهُ في الجُمْلَةِ أيْ إذْ دَعَوْتَنِي فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ

38

إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ

Until the Day of the time well-known."

﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الأُولى كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ.

ووَصْفُهُ بِالمَعْلُومِ إمّا عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ أوْ عَلى مَعْنًى مَعْلُومٌ حالُهُ وأنَّهُ يُصْعَقُ فِيهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ أُعْطِيَ مَسْؤُولَهُ كَمَلًا ولَيْسَ إلّا البَقاءُ إلى وقْتِ النَّفْخَةِ الأوْلى وهو آخِرُ أيّامِ التَّكْلِيفِ والوَقْتُ المَشارِفُ لِلشَّيْءِ المُتَّصِلِ بِهِ مَحْدُودٌ مِنهُ فَأوَّلُ يَوْمِ الدِّينِ وأوَّلُ يَوْمِ البَعْثِ كَأنَّهُ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ، واسْتَظْهَرَ ذَلِكَ بِأنَّ المَلْعُونَ عالِمٌ فَلا يَسْألُ ما يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُجابُ إلَيْهِ وبِأنَّ ما في الأعْرافِ لِعَدَمِ ذِكْرِ الغايَةِ فِيهِ يَدُلُّ عَلى الإجابَةِ واعْتُرِضَ عَلى الأوَّلِ بِأنَّهُ غَيْرُ بَيِّنٍ ولا مُبِينٌ وكَوْنُهُ عَلى غالِبِ الظَّنِّ لا يُجْدِي في مِثْلِهِ، وعَلى الثّانِي بِأنَّ تَرْكَ الغايَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَتَرْكِ الفاءِ في الِاسْتِنْظارِ والإنْظارِ تَعْوِيلًا عَلى ما ذُكِرَ هاهُنا وفي سُورَةِ ص فَإنَّ إيرادَ كَلامٍ واحِدٍ عَلى أسالِيبَ مُتَعَدِّدَةٍ غَيْرُ عَزِيزٍ في الكِتابِ العَزِيزِ. ومِنَ النّاسِ القائِلِينَ بِالمُغايَرَةِ مَن قالَ: إنَّ المُرادَ بِاليَوْمِ المَعْلُومِ اليَوْمُ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ انْقِضاءَ أجَلِهِ وهو يَوْمُ خُرُوجِ الدّابَّةِ فَإنَّها هي الَّتِي تَقْتُلُهُ، وقَدْ قَدَّمْنا نَقْلَ هَذا القَوْلِ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ وهو مِنَ الغَرابَةِ بِمَكانٍ، وأغْرَبُ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّهُ هَلَكَ في بَعْضِ غَزَواتِهِ ﷺ، وقَدْ ذَكَرْنا قَبْلُ أنَّ هَذا مِمّا لا يَكادُ يُقْبَلُ بِظاهِرِهِ أصْلًا، والمَشْهُورُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ هو ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّهُ

صفحة 49

يَمُوتُ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى وبَيْنَها وبَيْنَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ الَّتِي يَقُومُ فِيها الخَلْقُ لِرَبِّ العالَمِينَ أرْبَعُونَ سَنَةً، ونُقِلَ عَنِ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أنَّهُ قالَ: قَدِّمْتُ المَدِينَةَ أُرِيدُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَإذا أنا بِحَلْقَةٍ عَظِيمَةٍ وكَعْبُ الأحْبارِ فِيها يُحَدِّثُ وهو يَقُولُ: لَمّا حَضَرَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الوَفاةُ قالَ: يا رَبِّ سَيَشْمَتُ بِي عَدُوِّي إبْلِيسُ إذا رَآنِي مَيِّتًا وهو مُنْتَظَرٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَأُجِيبَ أنْ يا آدَمُ إنَّكَ سَتَرِدُ إلى الجَنَّةِ ويُؤَخَّرُ اللَّعِينُ إلى النَّظْرَةِ لِيَذُوقَ ألَمَ المَوْتِ بِعَدَدِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، ثُمَّ قالَ لِمَلَكِ المَوْتِ: صِفْ لِي كَيْفَ تُذِيقُهُ المَوْتَ؟ فَلَمّا وصَفَهُ قالَ: يا رَبِّ حَسْبِي فَضَجَّ النّاسُ وقالُوا: يا أبا إسْحاقَ كَيْفَ ذَلِكَ؟ فَأبى وألَحُّوا فَقالَ: يَقُولُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِمَلَكِ المَوْتِ عُقَيْبَ النَّفْخَةِ الأُولى قَدْ جُعِلَتْ فِيكَ قُوَّةُ أهْلِ السَّماواتِ وأهْلِ الأرَضِينَ السَّبْعِ وإنِّي اليَوْمَ ألْبَسْتُكَ أثْوابَ السُّخْطِ والغَضَبِ كُلَّها فابْرُزْ بِغَضَبِي وسَطْوَتِي عَلى رَجِيمِي إبْلِيسَ فَأذِقْهُ المَوْتَ واحْمِلْ عَلَيْهِ فِيهِ مَرارَةَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ أضْعافًا مُضاعَفَةً ولْيَكُنْ مَعَكَ مِنَ الزَّبانِيَةِ سَبْعُونَ ألْفًا قَدِ امْتَلَئُوا غَيْظًا وغَضَبًا ولْيَكُنْ مَعَ كُلٍّ مِنهم سِلْسِلَةٌ مِن سَلاسِلِ جَهَنَّمَ وغَلٍّ مِن أغْلالِها وانْزِعْ رُوحَهُ المُنْتِنَ بِسَبْعِينَ ألْفِ كُلّابٍ مِن كَلالِيبِها ونادِ …

39

قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ

[Iblees] said, "My Lord, because You have put me in error, I will surely make [disobedience] attractive to them on earth, and I will mislead them all

﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي﴾ أيْ بِسَبَبِ إغْوائِكَ إيّايَ ﴿لأُزَيِّنَنَّ﴾ أيْ أقْسَمَ لَأُزَيِّنَنَّ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ لِذُرِّيَّتِهِ وهو مَفْهُومٌ مِنَ السِّياقِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنِ اللَّعِينِ أيْضًا: ﴿لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ ومَفْعُولُ ﴿لأُزَيِّنَنَّ﴾ مَحْذُوفٌ أيِ المَعاصِي ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ هَذا الجِرْمُ المَدْحُوُّ وكَأنَّ اللَّعِينَ أشارَ بِذَلِكَ إلى أنِّي أقْدِرُ عَلى الِاحْتِيالِ لِآدَمَ والتَّزْيِينِ لَهُ الأكْلَ مِنَ الشَّجَرَةِ في السَّماءِ فَأنا عَلى التَّزْيِينِ لِذُرِّيَّتِهِ في الأرْضِ أقْدِرُ، ويَجُوزُ أنَّهُ أرادَ بِالأرْضِ الدُّنْيا لِأنَّها مَحَلُّ مَتاعِها ودارِها، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ هَذا المَعْنى عُرْفِيٌّ لِلْأرْضِ وأنَّها إنَّما ذُكِرَتْ بِهَذا اللَّفْظِ تَحْقِيرًا لَها، ولَعَلَّ التَّقْيِيدَ عَلى ما قِيلَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ لِلتَّزْيِينِ مَحَلًّا يَقْوى قَبُولُهُ أيْ لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمُ المَعاصِيَ في الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ الغُرُورِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ يُرادُ بِها هَذا المَعْنى ويَنْزِلُ الفِعْلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ثُمَّ يُعَدّى بِفِي، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّها مُسْتَقَرُّ التَّزْيِينِ وأنَّهُ تَمَكُّنُ المَظْرُوفِ في ظَرْفِهِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:

صفحة 50

فَإنْ تَعْتَذِرْ بِالمَحَلِّ مِن ذِي ضُرُوعِها إلى الضَّيْفِ يَجْرَحُ في عَراقِيبِها نَصْلِي

والمَعْنى لَأُحَسِّنَنَّ الدُّنْيا وأُزَيِّنَنَّها لَهم حَتّى يَشْتَغِلُوا بِها عَنِ الآخِرَةِ، وجُوِّزَ جَعْلُ الباءِ لِلْقَسَمِ و«ما» مَصْدَرِيَّةٌ أيْضًا أيْ أُقْسِمُ بِإغْوائِكَ إيّايَ لَأُزَيِّنَنَّ، وإقْسامُهُ بِعِزَّةِ اللَّهِ تَعالى المُفَسَّرَةِ بِسُلْطانِهِ وقَهْرِهِ لا يُنافِي إقْسامَهُ بِهَذا فَإنَّهُ فَرْعٌ مِن فُرُوعِها وأثَرٌ مِن آثارِها فَلَعَلَّهُ أقْسَمَ بِهِما جَمِيعًا فَحَكى تارَةً قَسَمَهُ بِهَذا وأُخْرى بِذاكَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ السَّبَبِيَّةَ أوْلى لِأنَّهُ وقَعَ في مَكانٍ آخَرَ ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ والقِصَّةُ واحِدَةٌ والحَمْلُ عَلى مُحاوَرَتَيْنِ لا مُوجِبَ لَهُ ولِأنَّ القَسَمَ بِالإغْواءِ غَيْرُ مُتَعارَفٍ انْتَهى، وفِيهِ نَظَرٌ ظاهِرٌ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ يَحْتَمِلُ القَسَمِيَّةَ أيْضًا، وقَدْ صَرَّحَ الطَّيِّبِيُّ بِأنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيَّةِ أنَّ القَسَمَ بِالعِزَّةِ والجَلالِ يَمِينٌ شَرْعًا فالآيَةُ عَلى الزّاعِمِ لا لَهُ. نَعَمْ إنَّ دَعْواهُ عَدَمَ تَعارُفِ القَسَمِ بِالإغْواءِ مُسَلَّمَةٌ وهو عِنْدِي يَكْفِي لِأوْلَوِيَّةِ السَّبَبِيَّةِ ولِعَدَمِ التَّعارُفِ مَعَ عَدَمِ الإشْعارِ بِالتَّعْظِيمِ لا يُعَدُّ القَسَمُ بِها يَمِينًا شَرْعًا فَإنَّ القائِلِينَ بِانْعِقادِ القَسَمِ بِصِفَةٍ لَهُ تَعالى يَشْتَرِطُونَ أنْ تُشْعِرَ بِتَعْظِيمٍ ويُتَعارَفَ مِثْلُها، وفي نِسْبَةِ الإغْواءِ إلَيْهِ تَعالى بِلا إنْكارٍ مِنهُ سُبْحانَهُ قَوْلٌ بِأنَّ الشَّرَّ كالخَيْرِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأوَّلَ المُعْتَزِلَةُ ذَلِكَ وقالُوا: المُرادُ النِّسْبَةُ إلى الغَيِّ كَفَسَّقْتُهُ نَسَبْتُهُ إلى الفِسْقِ لا فَعَلْتُهُ أوْ أنَّ المُرادَ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا حَسَنًا أفْضى بِهِ لِخُبْثِهِ إلى الغَيِّ حَيْثُ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالسُّجُودِ فَأبى واسْتَكْبَرَ أوْ أضَلَّهُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ وتَرَكَ هِدايَتَهُ واللُّطْفَ بِهِ واعْتَذَرُوا عَنْ إنْظارِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مَعَ أنَّهُ مُفْضٍ إلى الإغْواءِ القَبِيحِ بِأنَّهُ تَعالى قَدْ عَلِمَ مِنهُ ومِمَّنِ اتَّبَعَهُ أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ ويَصِيرُونَ إلى النّارِ أُنْظِرَ أمْ لَمْ …

40

إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ

Except, among them, Your chosen servants."

﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ بِفَتْحِ اللّامِ وهو قِراءَةُ الكُوفِيِّينَ ونافِعٍ والحَسَنِ والأعْرَجِ أيِ الَّذِينَ أخْلَصْتَهم لِطاعَتِكَ وطَهَّرْتَهم مِن كُلِّ ما يُنافِي ذَلِكَ، وكانَ الظّاهِرُ وإنَّ مِنهم مَن لا أُغْوِيهِ مَثَلًا، وعَدَلَ عَنْهُ إلى ما ذَكَرَ لِكَوْنِ الإخْلاصِ والتَّمَحُّضِ لِلَّهِ تَعالى يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ فَيَكُونُ مِن ذِكْرِ السَّبَبِ وإرادَةِ مُسَبِّبِهِ ولازِمِهِ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ وفِيهِ إثْباتُ الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ فَهو مِنَ التَّصْرِيحِ بِهِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ بِكَسْرِ اللّامِ أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا العَمَلَ لَكَ ولَمْ يُشْرِكُوا مَعَكَ فِيهِ أحَدًا.

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.