Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji

Ayahs 31–40 of 99

31

إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ

Except Iblees, he refused to be with those who prostrated.

(إلا إبليس) قيل هذا الاستثناء متصل لكونه كان من جنسن الملائكة ولكنه (أبى أن يكون مع الساجدين) استكباراً واستعظاماً لنفسه وحسداً لآدم فحقت عليه كلمة الله وقيل أنه لم يكن من الملائكة ولكنه كان معهم وبينهم فغلب اسم الملائكة عليه وأمر بما أمروا به فكان الاستثناء بهذا الاعتبار متصلاً.

زاد أبو السعود إما لأنه كان جنياً مفرداً مغموراً بألوف من الملائكة فعد منهم تغليباً، وإما لأن من الملائكة جنساً يتوالدون وهو منهم، وقيل أن الاستثناء منقطع منفصل بناء على عدم كونه منهم وعدم تغليبهم عليه، أي ولكن إبليس أبى من السجدة، وقد تقدم الكلام في هذا في سورة البقرة.

وهذه الحملة على الأول استئناف مبين لكيفية عدم السجود المفهوم من الاستثناء لأن مطلق عدم السجود قد يكون مع التردد، فبيَّن سبحانه أنه كان على وجه الإباء والاستكبار.

قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42)

32

قَالَ يَٰٓإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ

[Allah] said, O Iblees, what is [the matter] with you that you are not with those who prostrate?"

(قال يا إبليس) مستأنفة أيضاً، وهذا الخطاب له ليس للتشريف والتكريم بل على سبيل الإهانة والإذلال والتقريع والتوبيخ، وظاهره يقتضي أن الله تعالى تكلم مع إبليس بغير واسطة، لأنه قال في الجواب (لم أكن لأسجد لبشر خلقته) فقوله (خلقته) خطاب الحضور لا خطاب الغيبة، فقول بعض المتكلمين أنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى أبليس على لسان بعض رسله ضعيف.

قيل معنى (مالك) أيُّ غرض لك وأي سبب حملك على (أن لا تكون مع الساجدين) لآدم مع الملائكة، وهم في الشرف وعلو المنزلة والقرب من الله بالمنزلة التي قد علمتها، وعلى هذا فليست لا زائدة وإليه مال البيضاوي، وقيل زائدة بدليل ما في سورة (ص) ما منعك أن تسجد.

33

قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُۥ مِن صَلْصَٰلٍۢ مِّنْ حَمَإٍۢ مَّسْنُونٍۢ

He said, "Never would I prostrate to a human whom You created out of clay from an altered black mud."

(قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته) مستأنفة كالتي قبلها، أي لا ينبغي لي ولا يصح مني ولا يليق بحالي؛ فاللام لتأكيد النفي جعل العلة لترك سجوده كون آدم بشراً مخلوقاً (من صلصال من حمأ مسنون) زعماً منه أنه مخلوق من عنصر نار، وهي أشرف من عنصر آدم عليه السلام وهو الطين المتغير المنتن لأنها نيرة والطين كثيف مظلم.

وفيه إشارة إجمالية إلى كونه خيراً منه وقد صرح بذلك في موضع آخر فقال (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) وقال في موضع آخر (أأسجد لمن خلقت طيناً) ولم يدر الخبيث أن الفضل فيما فضله الله تعالى، قال الكرخي: وحاصل كلامه أن كونه بشراً يشعر بكونه جسماً كثيفاً وهو كان روحانياً لطيفاً فكأنه يقول البشر الجسماني الكثيف أدوَن حالاً من الروحاني اللطيف فكيف يسجد الأعلى للأدنى.

وأيضاً فآدم مخلوق من صلصال تولد من حمأ مسنون، وهذا الأصل في غاية الدناءة وأصل إبليس هي النار وهي أشرف العناصر، فكان أصل إبليس أشرف من أصل آدم والأشرف يقبح أن يؤمر بالسجود للأدون، فهذا مجموع شبه إبليس فأجاب الله سبحانه عليه بقوله:

34

قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌۭ

[Allah] said, "Then get out of it, for indeed, you are expelled.

(قال فاخرج منها) أي فحيث عصيت وتكبرت فاخرج منها (فإنك رجيم) والضمير في منها قيل عائد إلى الجنة، وقيل إلى السماء، وقيل إلى زمرة الملائكة، والرجيم المرجوم بالشهب، وقيل معناه ملعون أي مطرود، لأن من يطرد يرجم بالحجارة.

وفي القاموس الرجم اللعن والشتم والطرد والهجران؛ وفي المصباح الرجم بفتحتين الحجارة والرجم القبر سمي بذلك لما يجتمع عليه من الأحجار ورجمته رجماً من باب قتل ضربته بالرجم.

35

وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ

And indeed, upon you is the curse until the Day of Recompense."

(وإن عليك اللعنة) أي الطرد والإبعاد من رحمة الله سبحانه مستمراً عليك لازماً لك (إلى يوم الدين) وهو يوم القيامة والجزاء، وقيل هو ملعون في السماوات والأرض وجعل يوم الدين غاية للعنة لا يستلزم انقطاعها في ذلك الوقت لأن المراد دوامها من غير انقطاع وذكر يوم الدين للمبالغة كما في قوله تعالى (ما دامت السماوات والأرض) أو أن المراد أنه في يوم الدين وما بعده يُعَذَّب بما هو أشد من اللعن من أنواع العذاب بما ينسى اللعن معه فكأنه لا يجد له ما كان يجده قبل أن يمسه العذاب.

36

قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ

He said, "My Lord, then reprieve me until the Day they are resurrected."

(قال رب فانظرني) أي أخرني وأمهلني ولا تمتني (إلى يوم يبعثون) أي آدم وذريته طلب أن يبقى حياً إلى هذا اليوم؛ لأنه لما سمع ذلك علم أن الله قد أخر عذابه إلى الدار الآخرة وكأنه طلب أن لا يموت أبداً لأنه إذا أخر موته إلى ذلك اليوم وأمهل إلى يوم البعث الذي هو وقت النفخة الثانية لا يموت بعد ذلك الانقطاع الموت من حين النفخة الأولى فهو يوم لا موت فيه.

وفي البيضاوي أراد بهذا السؤال أن يجد فسحة في الإغواء ونجاة عند الموت إذ لا موت بعد وقت البعث، فأجابه إلى الأول دون الثاني، وقيل أنه لم يطلب أن لا يموت بل طلب أن يؤخر عذابه إلى يوم القيامة ولا يعذب في الدنيا.

37

قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ

[Allah] said, "So indeed, you are of those reprieved

(قال فإنك من المنظرين) لما سأل الإنظار أجابه الله سبحانه إلى ما طلبه، وأخبره بأنه من جملة المنظرين ممن أخر آجالهم من مخلوقاته أو من جملة من أخر عقوبتهم بما اقترفوا ولم يكن إجابة الله إياه في الإمهال إكراماً له بل زيادة في بلائه وشقائه وعذابه.

ثم بيَّن سبحانه الغاية التي امهله إليها فقال

38

إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ

Until the Day of the time well-known."

(إلى يوم الوقت المعلوم) الذي عينت وهو يوم القيامة فإن يوم الدين، ويوم يبعثون، ويوم الوقت المعلوم، كلها عبارات عن القيامة وسمي معلوماً لأن ذلك لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى فهو معلوم عنده، وقيل أن جميع الخلائق تموت فيه، فهو معلوم بهذا الاعتبار وقيل المراد بالوقت المعلوم هو الوقت القريب من البعث فعند ذلك يموت.

وقال ابن عباس: هو النفخة الأولى يموت فيها إبليس وبين النفختين أربعون سنة، وهي مدة موته.

39

قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ

[Iblees] said, "My Lord, because You have put me in error, I will surely make [disobedience] attractive to them on earth, and I will mislead them all

(قال رب بما أغويتني) الباء للقسم وما مصدرية أي أقسم بإغوائك إياي واختار البيضاوي في الأعراف كونها للسببية، ونقل كونها للقسم بصيغة التمريض لأنه وقع في مكان آخر قال فبعزتك والقصة واحدة إلا أن أحدهما أقسام بصفة ذاته، والثاني إقسام بفعله والفقهاء قالوا الإقسام بصفات الذات صحيح، واختلفوا في القسم بصفات الأفعال ومنهم من فرق بينهما، ولأن جعل الإغواء مقسما به غير متعارف، قاله الكرخي.

قلت: وإقسامه هنا بإغواء الله له لا ينافي اقسامه في موضع آخر بعزة الله التي هي سلطانه وقهره لأن الإغواء هو من جملة ما يصدق عليه العزة، وقال أهل العراق الحلف بصفة الذات كالقدرة والعظمة والعزة يمين، والحلف بصفة الفعل كالرحمة والسخط ليس بيمين، قيل والأصح أن الأيمان مبنية على العرف فما تعارف الناس الحلف به يكون يميناً وما لا فلا.

وجواب القسم (لأزينن لهم) أي لذرية آدم وإن لم يجر لهم ذكر للعلم بهم (في الأرض) أي ما داموا في الدنيا والتزيين منه إما بتحسين المعاصي لهم وإيقاعهم فيها أو بشغلهم بزينة الدنيا وحبها عن فعل ما أمرهم الله به فلا يلتفتون إلى غيرها.

(ولأغوينهم أجمعين) أي لأضلنهم عن طريق الهدى وأوقعهم في طريق الغواية وأحملهم عليها بالقاء الوسوسة في قلوبهم، وذلك أن إبليس لما علم أنه يموت على الكفر غير مغفور له حرص على إضلال الخلق بالكفر وإغوائهم، وفي الآية حجة على المعتزلة في خلق الأفعال وحملهم على التسبب عدول عن الظاهر.

40

إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ

Except, among them, Your chosen servants."

(إلا عبادك منهم المخلصين) أي الذين استخلصتهم من العباد أو الذين أخلصوا لك العبادة والطاعة فلم يقصدوا بها غيرك، وإنما استثناهم لأنه علم أن كيده ووسوسته لا تعمل فيهم ولا يقبلون منه وحقيقة الإخلاص فعل الشيء خالصاً لله عن شائبة الغير.

Commentary: Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.