إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ
Except Iblees, he refused to be with those who prostrated.
﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ ياإبْلِيسُ ما لَكَ ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾: لَمّا نَبَّهَ تَعالى عَلى مُنْتَهى الخَلْقِ وهو الحَشْرُ يَوْمَ القِيامَةِ إلى ما يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ، نَبَّهَّهم عَلى مَبْدَأِ أصْلِهِمْ آدَمَ، وما جَرى لِعَدُوِّهِ إبْلِيسَ مِنَ المُحاوَرَةِ مَعَ اللَّهِ تَعالى. وتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذِهِ القِصَّةِ في أوائِلِ البَقَرَةِ عَقِبَ ذِكْرِ الإماتَةِ والإحْياءِ والرُّجُوعِ إلَيْهِ تَعالى. وفي الأعْرافِ بَعْدَ ذِكْرِ يَوْمِ القِيامَةِ، وذِكْرِ المَوازِينِ فِيهِ. وفي الكَهْفِ بَعْدَ ذِكْرِ الحَشْرِ، وكَذا في سُورَةِ ص بَعْدَ ذِكْرِ ما أعَدَّ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ لِخَلْقِهِ. فَحَيْثُ ذَكَرَ مُنْتَهى هَذا الخَلْقِ ذَكَرَ مَبْدَأهم وقِصَّتَهُ مَعَ عَدُوِّهِ إبْلِيسَ لِيُحَذِّرَهم مِن كَيْدِهِ، ولِيَنْظُرُوا ما جَرى لَهُ مَعَهُ حَتّى أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ مَقَرَّ السَّعادَةِ والرّاحَةِ، إلى الأرْضِ مَقَرِّ التَّكْلِيفِ والتَّعَبِ، فَيَتَحَرَّزُوا مِن كَيْدِهِ، و﴿مِن حَمَأٍ﴾ قالَ الحَوْفِيُّ بَدَلٌ مِن صَلْصالٍ، بِإعادَةِ الجارِّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿مِن حَمَأٍ﴾ في مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِصَلْصالٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَسْنُونَ: الطِّينُ، ومَعْناهُ المَصْبُوبُ، لِأنَّهُ لا يَكُونُ مَصْبُوبًا إلّا وهو رَطْبٌ، فَكَنّى عَنِ المَصْبُوبِ بِوَصْفِهِ، لِأنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ ومَعْمَرٌ: المُنْتِنُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن سَنَنْتُ الحَجْرَ عَلى الحَجْرِ إذا حَكَكْتَهُ بِهِ، فالَّذِي يَسِيلُ بَيْنَهُما سَنِينٌ ولا يَكُونُ إلّا مُنْتِنًا. وقالَ غَيْرُهُ: مِن أسِنَ الماءُ إذا تَغَيَّرَ، ولا يَصِحُّ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ. وقِيلَ: مَصْبُوبٌ مِن سَنَنْتُ التُّرابَ والماءَ إذا صَبَبْتَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَكانَ المَعْنى: أُفْرِغُ صُورَةَ إنْسانٍ كَما تُفْرَغُ الصُّوَرُ مِنَ الجَواهِرِ المُذَوَّبَةِ في أمْثِلَتِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و﴿حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ بِمَعْنى: مُصَوَّرٍ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِصَلْصالٍ، كَأنَّهُ أفْرَغَ الحَمَأ، فَصَوَّرَ مِنها تِمْثالَ إنْسانٍ أجْوَفَ، فَيَبِسَ حَتّى إذا نَقَرَ صَلْصَلٌ ثُمَّ غَيَّرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى جَوْهَرٍ آخَرَ؛ انْتَهى. وقِيلَ: المَسْنُونَ: المُصَوَّرُ مِن سُنَّةِ الوَجْهِ، وهي صُورَتُهُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎تـُرِيكَ سُنَّـةَ وجْـهٍ غَيْـرَ مُقْرِفَـةٍ
وقِيلَ: المَسْنُونَ: المَنسُوبُ، أيْ: يُنْسَبُ إلَيْهِ ذُرِّيَّتُهُ.
والجانُّ: هو أبُو الجِنِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ …