Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji

Ayahs 21–30 of 99

21

وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٍۢ مَّعْلُومٍۢ

And there is not a thing but that with Us are its depositories, and We do not send it down except according to a known measure.

(وإن من شيء إلا عندنا خزائنه) إن هي النافية ومن مزيدة للتأكيد، وهذا التركيب عام لوقوع النكرة في حيز النفي مع زيادة من ومع لفظ شيء المتناول لكل الموجودات الصادق على كل فرد منها، فأفاد ذلك أن جميع الأشياء عند الله خزائنها لا يخرج منها شيء، والخزائن جمع خزانة وهي المكان الذي يحفظ فيه نفائس الأمور، وذكر الخزائن تمثيل لاقتداره على كل مقدور.

والمعنى أن كل الممكنات مقدورة ومملوكة لله تعالى يخرجها من العدم إلى الوجود بمقدار كيف شاء، وقال جمهور المفسرين إن المراد بما في الآية هو المطر لأنه سبب الأرزاق والمعايش، وعن ابن مسعود وابن عباس: ما نقص المطر منذ أنزله الله ولكن تمطر أرض أكثر مما تمطر أخرى، ثم قرأ وما ننزله الآية.

قال ابن الخطيب: وتخصيص قوله هذا بالمطر تحكم محض لأن قوله وإن من شيء يتناول جميع الأشياء إلا ما خصه الدليل، وقيل الخزائن المفاتيح أي ما من شيء إلا عندنا في السماء مفاتيحه والأولى ما ذكرناه من العموم لكل موجود بل قد يصدق الشيء على المعدوم على الخلاف المعروف في ذلك، وقيل في العرش تمثال جميع ما خلق الله في البر والبحر وهو تأويل هذه الآية.

وأخرج البزار وأبو الشيخ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خزائن الله الكلام فإذا أراد شيئاً قال له كن فكان " ضعيف الجامع الصغير 2824.

(وما ننزله) من السماء إلى الأرض أو نوجده للعباد (إلا بقدر) أي بمقدار (معلوم) والمعنى أن الله سبحانه لا يوجد للعباد شيئاً من تلك الأشياء المذكورة إلا متلبساً ذلك الإيجاد بمقدار معين حسبما تقتضيه مشيئته على مقدار حاجة العباد إليه كما قال تعالى (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء) وقد فسر الإنزال بالإعطاء وبالانشاء وبالإيجاد والمعنى متقارب.

22

وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَسْقَيْنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمْ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ

And We have sent the fertilizing winds and sent down water from the sky and given you drink from it. And you are not its retainers.

(وأرسلنا الرياح) جمع ريح وهو جسم لطيف منبث في الجو سريع المرور (لواقح) أي حوامل لأنها تحمل السحاب أي تقله وتصرفه ثم تمر به فتنزله، قال تعالى (إذا أقلت سحاباً ثقالاً) أي حملت وناقة لاقح إذا حملت الجنين في بطنها قاله الأزهري، وبه قال الفراء وابن قتيبة، وقيل لواقح بمعنى ملقحة، قال ابن الأنباري: تقول العرب أبقل النبت فهو باقل أي مبقل والمعنى أنها تلقح الشجر أي تقويها، وقيل معنى لواقح ذوات لقح، قال الزجاج: معناه ذوات لقحة لأنها تعصر السحاب وتدره كما تدر اللقحة، يقال رامح أي ذو رمح ولابن أي ذو لبن وتامر أي ذو تمر.

قال أبو عبيدة: لواقح بمعنى ملاقح ذهب إلى أنها جمع ملقحة، وفي هذه الآية تشبيه الرياح التي تحمل الماء بالحامل ولقاح الشجر بلقاح الحمل، قال ابن مسعود: يرسل الله الريح فتحمل الماء فتلقح به السحاب فتدر كما تدر اللقحة، ثم تمطر، وعن ابن عباس نحوه، وعن عبيد بن عمير قال: يبعث الله المبشرة فتقم الأرض قماً، ثم يبعث الله المثيرة فتثير السحاب فتجعله كسفاً ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف بينه فتجعله ركاماً ثم يبعث الله اللواقح فتلقحه فتمطر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي الدنيا وأبو الشيخ والديلمي بسند ضعيف عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ريح الجنوب من الجنة وهي الريح اللواقح التي ذكر الله في كتابه " ضعيف الجامع الصغير والأحاديث الضعيفة 3652. قال أبو بكر بن عياش لا تقطر قطرة من السماء إلا بعد أن تعمل الرياح الأربع فيها فالصبا تهيج السحاب والشمال تجمعه والجنوب تدره والدبور تفرقه.

(فأنزلنا من السماء) أي من السحاب وكل ما علاك فأظلك فهو سماء، وقيل من جهة السماء (ماء) المراد هنا ماء المطر (فأسقيناكموه) أي جعلنا ذلك المطر لسقياكم ولشرب مواشيكم وأرضكم؛ قال أبو علي: يقال سقيته الماء إذا أعطيته قدر ما يروي وأسقيته نهراً أي جعلته شرباً له، وعلى هذا فأسقيناكموه أبلغ من سقيناكموه، وقيل سقى وأسقى بمعنى واحد.

(وما أنتم له بخازنين) بل نحن الخازنون له، فنفى عنهم سبحانه ما أثبته لنفسه في قوله (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه) وقيل إن المعنى ما أنتم له بخازنين بعد أن أنزلناه عليكم، أي لا تقدرون على حفظه في الآبار والغدران والعيون، بل نحن الحافظون له فيها ليكون ذخيرة لكم عند الحاجة إليه.

23

وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْىِۦ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَٰرِثُونَ

And indeed, it is We who give life and cause death, and We are the Inheritor.

(وإنا لنحن نحيي ونميت) أي نوجد الحياة في المخلوقات ونسلبها عنها متى شئنا، وأن واللام تفيدان الحصر، يعني لا يقدر على ذلك سوانا وبيدنا إحياء الخلق وإماتتهم؛ والغرض من ذلك الاستدلال بهذه الأمور على كمال قدرته عز وجل وإنه القادر على البعث والنشور والجزاء لعباده على حسب ما يستحقونه وتقتضيه مشيئته، ولهذا قال (ونحن الوارثون) أي للأرض ومن عليها لأنه سبحانه هو الباقي بعد فناء خلقه، الحي الذي لا يموت، الدائم الذي لا ينقطع وجوده ومصير الخلق إليه، ولله ميراث السماوات والأرض.

24

وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَـْٔخِرِينَ

And We have already known the preceding [generations] among you, and We have already known the later [ones to come].

(ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين) المراد علمنا من تقدم ولادة وموتاً ومن تأخر فيهما؛ وقيل من تقدم طاعة ومن تأخر فيها، وقيل من تقدم في صف القتال ومن تأخر، وقيل المستقدمون هم الأمم المتقدمون على أمة محمد صلى الله عليه وسلم من لدن آدم والمستأخرون هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة.

وقيل المستقدمون من قتل في الجهاد والمستأخرون من لم يقتل. وقيل من خلق ومن لم يخلق بعد، وقيل من أسلم أولاً ومن يسلم آخراً، واللفظ أوسع من ذلك، واللام في الموضعين هي الموطئة للقسم. وأخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم حسناء من أحسن النساء، فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطيه؛ فأنزل الله هذه الآية، وقد رواه عبد الرزاق وابن المنذر من قول أبي الجوزاء عن ابن عباس. قال الترمذي وهذا أشبه أن يكون أصح.

وقال ابن كثير: في هذا الحديث نكارة شديدة وعن ابن عباس قال: المستقدمين الصفوف المتقدمة والمستأخرين الصفوف المؤخرة، وقد وردت أحاديث كثيرة في أن خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها وعن مقاتل وعطاء إن الآية في صفوف القتال. وقال الحسن المستقدمين في طاعة الله والمستأخرين في معصية الله.

وعن ابن عباس يعني بالمستقدمين من مات والمستأخرين من هو حي لم يمت، وقال أيضاً المستقدمين آدم ومن مضى من ذريته، والمستأخرين في أصلاب الرجال، وعن قتادة نحوه.

وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (25) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31)

25

وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ

And indeed, your Lord will gather them; indeed, He is Wise and Knowing.

(وإن ربك هو يحشرهم) أي هو المتولي لذلك القادر عليه دون غيره كما يفيده ضمير الفصل من الحصر، وفيه أنه سبحانه يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته لأنه الأمر المقصود من الحشر.

(إنه حكيم) يجري الأمور على ما تقتضيه حكمته البالغة (عليم) أحاط علمه بجميع الأشياء لا يخفى عليه شيء منها، ومن كان كذلك فله القدرة البالغة على كل شيء مما وسعه علمه وجرى فيه حكمه سبحانه لا إله إلا هو.

26

وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِن صَلْصَٰلٍۢ مِّنْ حَمَإٍۢ مَّسْنُونٍۢ

And We did certainly create man out of clay from an altered black mud.

(ولقد خلقنا الإنسان) أي آدم عليه السلام لأنه أصل هذا النوع (من) لابتداء الغاية أو للتبعيض (صلصال) أي طين يابس إذا نضب عنه الماء تشقق فإذا حرك تقعقع، وإذا نقرته سمعت له صلصلة. أي صوتاً.

قال أبو عبيدة: هو الطين المخلوط بالرمل الذي يتصلصل إذا حرك، فإذا طبخ بالنار فهو الفخار، وهذا قول أكثر المفسرين وقال الكسائي هو الطين المنتن مأخوذ من قول العرب صل اللحم، وأصل إذا أنتن مطبوخاً كان أو نيئاً.

وهذا الطور آخر أطوار آدم الطينية. وأول ابتدائه أنه كان تراباً متفرق الأجزاء ثم بل فصار طيناً ثم أنتن وأسود فصار حمأً مسنوناً أي متغيراً ثم يبس فصار صلصالاً، وعلى هذه الأطوار والأحوال تتخرج الآيات الواردة في أطواره الطينية كآية خلقه من تراب وآية بشراً من طين، وهذه الآية التي نحن فيها. (من) ابتدائية (حمأ مسنون) الحمأ الطين الأسود المتغير أو الطين الأسود من غير تقييد بالمتغير.

قال ابن السكيت: تقول منه حمأت البئر حمأً بالتسكين إذا نزعت حمأها؛ وحميت البئر حمأً بالتحريك كثرت حمأتها، وأحميتها أحماء ألقيت فيها الحمأة. قال أبو عبيدة: الحمأة سكون الميم مثل الحمأة يعني بالتحريك، والجمع حمأ مثل تمرة وتمر والحمأ مصدر مثل الهلع والجزع ثم سمي به. والمسنون قال الفراء: هو المتغير وأصله من سننت الحجر على الحجر إذا حككته وما يخرج بين الحجرين يقال له السنانة والسنين، ويقال أسن الماء إذا تغير؛ ومنه قوله (لم يتسنه) وقوله (من ماء غير آسن) وكلا الاشتقاقين يدل على التغيير لأن ما يخرج بين الحجرين لا يكون إلا منتناً.

وقال أبو عبيدة: المسنون المصبوب وهو من قول العرب سننت الماء على الوجه أذا صببته والسن الصب.

وقال سيبويه: المسنون المصور مأخوذ من سنة الوجه وهي صورته، وقال الأخفش: المسنون المنصوب القائم. من قولهم وجه مسنون إذا كان فيه طول، والحاصل على هذه الأقوال أن التراب لما بُل صار طيناً فلما أنتن صار حمأً مسنوناً فلما يبس صار صلصالاً، فأصل الصلصال هو الحمأ المسنون، ولهذا وصف بهما، وعن ابن عباس قال: خلق الإنسان من ثلاث: من طين لازب وصلصال وحمأ مسنون، فالطين اللازب اللازم الجيد والصلصال المدقق الذي يصنع منه الفخار، والحمأ المسنون الطين الذي فيه الحمأة.

وقال أيضا الصلصال الماء يقع على الأرض الطيبة ثم يحسر عنها فتشقق ثم تصير مثل الخزف الرقاق، وعنه قال: الصلصال هو التراب اليابس الذي يبل بعد يبسه، وقال أيضاً طين خلط برمل. وقال أيضاً الذي إذا ضربته صلصل، وعنه قال الطين تعصر بيدك فتخرج الماء من بين أصابعك، وقال حمأ مسنون من طين رطب وقال من طين منتن.

27

وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَٰهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ

And the jinn We created before from scorching fire.

(والجان) منصوب على الاشتغال وهو أبو الجن عند جمهور المفسرين، وقال الحسن وعطاء وقتادة ومقاتل هو أبليس أبو الشياطين وسمي جاناً لتواريه عن الأعين، يقال جن الشيء إذا ستره، فالجان يستر نفسه عن أعين بني آدم، وهما نوعان يجمعهما وصف الاستتار عنا.

وفي الجن مسلمون وكافرون، وهم يأكلون ويشربون ويحيون ويموتون كبني آدم، وأما الشياطين فليس منهم مسلمون ولا يموتون إلا إذا مات أبليس أبوهم. ذكره الخازن.

قال ابن عباس: الجان مسيخ الجن كالقردة والخنازير مسيخ الإنس، وقيل كان إبليس من حي الملائكة يسمون الجان، خلقوا من نار السموم، وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار وخلقت الملائكة من النور.

(خلقناه من قبل) أي من قبل خلق آدم (من نار السموم) وهي الريح الحارة النافذة في المسام لشدة لطفها وقوة حرارتها يكون بالنهار، وقد يكون بالليل، كذا قال أبو عبيدة.

وقال أبو صالح: السموم نار لا دخان لها والصواعق تكون منها، وهي نار تكون بين السماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله أمراً أخرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت به، فالهدة التي تسمعون خرق ذلك الحجاب. قاله الخطيب.

وقيل السموم نار جهنم، وقيل هي جزء من سبعين جزءاً من السموم التي خلق منها الجان، قاله ابن مسعود، وفي السمين: السموم ما يقتل من إفراط الحر من شمس أو ريح أو نار لأنها تدخل في المسام، وقيل السموم ما كان ليلاً والحرور ما كان نهاراً، وقيل هو من باب إضافة الموصوف لصفته.

وذكر خلق الجان والإنسان في هذا الموضع للدلالة على كمال القدرة الإلهية وبيان أن القادر على النشأة الأولى قادر على النشأة الأخرى. قال ابن عباس: من نار السموم من أخس النار الحارة التي تقتل، وعن ابن مسعود قال: السموم التي خلق منها الجان جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، وأخرجه ابن مردويه عنه مرفوعاً.

28

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى خَٰلِقٌۢ بَشَرًۭا مِّن صَلْصَٰلٍۢ مِّنْ حَمَإٍۢ مَّسْنُونٍۢ

And [mention, O Muhammad], when your Lord said to the angels, "I will create a human being out of clay from an altered black mud.

(و) اذكر (إذ قال ربك للملائكة) بين سبحانه بعد ذكره لخلق الإنسان ما وقع له عند خلقه، وقد تقدم تفسير ذلك في البقرة (إني خالق بشراً) مأخوذ من البشرة وهي ظاهر الجلد (من صلصال) قد تقدم تفسيره قريباً مستوفى وكذا تفسير (من حمأ مسنون

29

فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَٰجِدِينَ

And when I have proportioned him and breathed into him of My [created] soul, then fall down to him in prostration."

فإذا سويته) أي سويت خلقه وعدلت صورته الإنسانية وخلقته البشرية وأكملت أجزاءه وأتممت خلقه، أو سويت أجزاء بدنه بتعديل لبائعه.

(ونفخت فيه من روحي) النفخ إجراء الريح في تجاويف جسم آخر صالح لإمساكها والامتلاء بها، فمن قال إن الروح جسم لطيف كالهواء فمعناه ظاهر، ومن قال إنه جوهر مجرد غير متحيز ولا حال في متحيز فمعنى النفخ عنده تهيؤ البدن لتعلق النفس الناطقة به، ومن زائدة أو تبعيضية. قال النيسابوري: ولا خلاف في أن الإضافة في روحي للتشريف والتكريم، مثل ناقة الله وبيت الله.

قال القرطبي: والروح جسم لطيف أجرى الله العادة بأن يخلق الحياة في البدن مع ذلك الجسم وحقيقته إضافة خلق إلى خالق، فالروح خلق من خلقه أضافه إلى نفسه تشريفاً وتكريماً، قال ومثله روح منه، وقد تقدم في النساء.

قال أبو السعود: وليس ثمة نفخ ولا منفوخ فيه وإنما هو تمثيل لإفاضة ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها فإذا أكملت استعداده وأفضت عليه ما يحبى به من الروح التي هي من أمري.

(فقعوا له ساجدين) الفاء تدل على أن سجودهم واجب عليهم عقب التسوية والنفخ من غير تراخ وهو أمر بالوقوع، من وقع يقع أي أسقطوا وخروا، وفيه دليل على أن المأمور به هو السجود الحقيقي أي وضع الجبهة على الأرض لا مجرد الانحناء كما قال السيوطي، وهذا السجود هو سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة، ولله أن يكرم من يشاء من مخلوقاته كيف يشاء بما يشاء. وقيل كان السجود لله تعالى وكان آدم قبله لهم تشريفاً له، وهذا وإن كان معنى صحيحاً لكن يخالفه ظاهر النظم القرآني. والأولى ما دل عليه ظاهر اللفظ فالأول أولى والخطاب للملائكة الذين قال الله لهم إني خالق بشراً.

30

فَسَجَدَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ

So the angels prostrated - all of them entirely,

(فسجد الملائكة كلهم أجمعون) عند أمر الله سبحانه لهم بذلك من غير تراخ، قال المبرد: قوله كلهم أزال احتمال أن بعض الملائكة لم يسجد، فظهر أنهم بأسرهم سجدوا، ثم عند هذا بقي احتمال وهو أنهم هل سجدوا دفعة واحدة أو سجد كل واحد في وقت؟ فلما قال (أجمعون) ظهر أن الكل سجدوا دفعة واحدة، وهو إيضاح لما سبق، وقيل قوله أجمعون توكيد بعد توكيد، ورجح هذا الزجاج.

قال النيسابوري: وذلك لأن أجمع معرفة فلا يقع حالاً، ولو صح أن يكون حالاً لكان منتصباً، قال الكرخي: فيه تأكيدان لزيادة تمكين المعنى وتقريره في الذهن ولا يكون تحصيلاً للحاصل؛ لأن نسبة أجمعون إلى كلهم كنسبة كلهم إلى أصل الجملة، أو أجمعون يفيد معنى الاجتماع. وقيل هما تأكيدان للمبالغة وزيادة الاعتناء.

ثم استثنى إبليس من الملائكة فقال

Commentary: Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.