Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 21–30 of 99

21

وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٍۢ مَّعْلُومٍۢ

And there is not a thing but that with Us are its depositories, and We do not send it down except according to a known measure.

﴿وإنْ مِن شَيْءٍ﴾ (إنْ) نافِيَةٌ

صفحة 30

(ومِن) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ (وشَيْءٍ) في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ أيْ ما شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ المُمْكِنَةِ فَيَدْخُلُ فِيها ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا والِاقْتِصارُ عَلَيْهِ قُصُورٌ. وزَعَمَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ أنَّ الشَّيْءَ هُنا المَطَرُ خاصَّةً.

﴿إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ الظَّرْفُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ (وخَزائِنُهُ) مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى أنَّهُ فاعِلُهُ لِاعْتِمادِهِ أوْ مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ، والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ ولا تُفْتَحُ وهي اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ نَفائِسُ الأمْوالِ لا غَيْرَ غُلِبَتْ- عَلى ما قِيلَ- في العُرْفِ عَلى ما لِلْمُلُوكِ والسَّلاطِينِ مِن خَزائِنِ أرْزاقِ النّاسِ، شُبِّهَتْ مَقْدُوراتُهُ تَعالى الغائِبَةُ لِلْحُصْرِ المُنْدَرِجَةُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ الشّامِلَةِ في كَوْنِها مَسْتُورَةً عَنْ عُلُومِ العالَمِينَ ومَصُونَةً عَنْ وُصُولِ أيْدِيهِمْ مَعَ وُفُورِ رَغْبَتِهِمْ فِيها وكَوْنِها مُتَهَيِّئَةً مُتَأتِّيَةً لِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ بِحَيْثُ مَتى تَعَلَّقَتِ الإرادَةُ بِوُجُودِها وُجِدَتْ بِلا تَأخُّرٍ بِنَفائِسِ الأمْوالِ المَخْزُونَةِ في الخَزائِنِ السُّلْطانِيَّةِ فَذِكْرُ الخَزائِنِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّخْيِيلِيَّةِ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَدْ شَبَّهَ اقْتِدارَهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ وإيجادَهُ لِما يَشاءُ بِالخَزائِنِ المُودَعَةِ فِيها الأشْياءُ المُعَدَّةُ لِأنْ يَخْرُجَ مِنها ما شاءَ فَذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، والمُرادُ ما مِن شَيْءٍ إلّا ونَحْنُ قادِرُونَ عَلى إيجادِهِ وتَكْوِينِهِ، وقِيلَ: الأنْسَبُ أنَّهُ مَثَلٌ لِعِلْمِهِ تَعالى بِكُلِّ مَعْلُومٍ، ووَجْهُهُ- عَلى ما قِيلَ- أنَّهُ يَبْقى (شَيْءٍ) عَلى عُمُومِهِ لِشُمُولِهِ الواجِبَ والمُمْكِنَ بِخِلافِ القُدْرَةِ ولِأنَّ (عِنْدَ) أنْسَبُ بِالعِلْمِ لِأنَّ المَقْدُورَ لَيْسَ عِنْدَهُ إلّا بَعْدَ الوُجُودِ. وتُعِقِّبَ بِأنَّ كَوْنَ المَقْدُوراتِ في خَزّانِ القُدْرَةِ لَيْسَ بِاعْتِبارِ الوُجُودِ الخارِجِيِّ بَلِ الوُجُودِ العِلْمِيِّ، وقالَ قَوْمٌ: الخَزائِنُ عَلى حَقِيقَتِها وهي الأماكِنُ الَّتِي تُحْفَظُ فِيها الأشْياءُ وإنَّ لِلرِّيحِ مَكانًا ولِلْمَطَرِ مَكانًا ولِكُلِّ مَكانٍ حَفَظَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا يُمْكِنُ مَعَ تَعْمِيمِ الشَّيْءِ ﴿وما نُنَزِّلُهُ﴾ أيْ نُوجِدُ ما نُكَوِّنُ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ مُلْتَبِسًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ إلّا مُلْتَبِسًا بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وتَسْتَدْعِيهِ المَشِيئَةُ التّابِعَةُ لَها مِن بَيْنِ المَقْدُوراتِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ فَإنَّ تَخْصِيصَ كُلِّ شَيْءٍ بِصِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ وقَدْرٍ مُعَيَّنٍ ووَقْتٍ مَحْدُودٍ دُونَ ما عَدا ذَلِكَ مَعَ اسْتِواءِ الكُلِّ في الأشْكالِ وصِحَّةِ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِهِ لا بُدَّ لَهُ مِن حِكْمَةٍ تَقْتَضِي اخْتِصاصَ كُلٍّ مِن ذَلِكَ بِما اخْتَصَّ بِهِ.

وهَذا لِبَيانِ سِرِّ عَدَمِ تَكَوُّنِ الأشْياءِ عَلى وجْهِ الكَثْرَةِ حَسْبَما هو في الخَزائِنِ، وهو إمّا عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ نُنَزِّلُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ إلى آخِرِهِ أوْ حالٍ مِمّا سَبَقَ أيْ عِنْدَنا خَزائِنُ كُلِّ شَيْءٍ، والحالُ أنّا ما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ إلى آخِرِهِ، فالأوَّلُ لِبَيانِ سِعَةِ القُدْرَةِ، والثّانِي لِبَيانِ بالِغِ الحِكْمَةِ قالَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ. وقَرَأ الأعْمَشُ «وما …

22

وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَسْقَيْنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمْ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ

And We have sent the fertilizing winds and sent down water from the sky and given you drink from it. And you are not its retainers.

﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ عَطْفٌ عَلى (جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِتَحْقِيقِ ما سَبَقَ وتَرْشِيحِ ما لَحِقَ، واللَّواقِحُ جَمْعُ

صفحة 31

لاقِحٍ بِمَعْنى حامِلٍ يُقالُ: ناقَةٌ لاقِحٌ أيْ حامِلٌ، ووَصْفُ الرِّياحِ بِذَلِكَ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، شُبِّهَتِ الرِّيحُ الَّتِي بِالسَّحابِ الماطِرِ بِالنّاقَةِ الحامِلِ لِأنَّها حامِلَةٌ لِذَلِكَ السَّحابِ أوْ لِلْماءِ الَّذِي فِيهِ، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّها جَمْعُ لاقِحٍ عَلى النَّسَبِ كَلابِنٍ وتامِرٍ أيْ ذاتَ لَقاحٍ وحَمْلٍ، وذَهَبَ إلَيْهِ الرّاغِبُ، ويُقالُ لِضِدِّها رِيحٌ عَقِيمٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿لَواقِحَ﴾ أيْ مَلاقِحَ جَمْعَ مُلَقِّحَةٍ كالطَّوائِحِ في قَوْلِهِ:

لَبَّيْكَ يَزِيدُ ضارَعَ لِخُصُومَةٍ ومُخْتَبِطٌ مِمّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ

أيِ المَطاوِحُ جَمْعُ مُطِيحَةٍ، وهو مِن ألْقَحَ الفَحْلُ النّاقَةَ إذا ألْقى ماءَهُ فِيها لِتَحْمَلَ، والمُرادُ مُلَقِّحاتٌ لِلسَّحابِ أوِ الشَّجَرِ فَيَكُونُ قَدِ اسْتُعِيرَ اللَّقْحُ لِصَبِّ المَطَرِ في السَّحابِ أوِ الشَّجَرِ، وإسْنادُهُ إلَيْها عَلى الأوَّلِ حَقِيقَةٌ وعَلى الثّانِي مَجازٌ إذِ المُلْقى في الشَّجَرِ السَّحابُ لا الرِّيحُ والرِّياحُ اللَّواقِحُ هي رِيحُ الجَنُوبِ كَما رَواهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ قَتادَةَ مَرْفُوعًا، ورَوى الدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: يَبْعَثُ اللَّهُ تَعالى المُبَشِّرَةَ فَتَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا ثُمَّ يَبْعَثُ المُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ فَتَجْعَلُهُ كِسَفًا ثُمَّ يَبْعَثُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ فَيَجْعَلُهُ رُكامًا ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُهُ فَيُمْطِرُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ «وأرْسَلَنا الرِّيحَ» بِالإفْرادِ عَلى تَأْوِيلِ الجِنْسِ فَتَكُونُ في مَعْنى الجَمْعِ فَلِذا صَحَّ جَعْلُ ﴿لَواقِحَ﴾ حالًا مِنها وذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ: أهْلَكَ النّاسُ الدِّينارَ الصُّفْرَ والدِّرْهَمَ البِيضَ، ولا تُخالِفُ هَذِهِ القِراءَةُ ما قالُوهُ في حَدِيثِ ««اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا»» مِن أنَّ الرِّياحَ تُسْتَعْمَلُ لِلْخَيْرِ والرِّيحَ لِلشَّرِّ لِما قالَ الشِّهابُ مِن أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الوَضْعِ وإنَّما هو مِنَ الِاسْتِعْمالِ وهو أمْرٌ أغْلَبِيٌّ لا كُلِّيٌّ فَقَدِ اسْتُعْمِلَتِ الرِّيحُ في الخَيْرِ أيْضًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ أوْ هو مَحْمُولٌ عَلى الإطْلاقِ بِأنْ لا يَكُونَ مَعَهُ قَرِينَةٌ كالصِّفَةِ والحالِ، وأمّا كَوْنُ المُرادِ بِالخَيْرِ الدُّعاءَ بِطُولِ العُمْرِ لِيَرى رِياحًا كَثِيرَةً فَلا وجْهَ لَهُ.

﴿فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ﴾ بَعْدَ ما أنْشَأْنا بِتِلْكَ الرِّياحِ سَحابًا ماطِرًا ماءً ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ جَعَلْناهُ لَكم سَقْيًا تَسْقُونَ بِهِ مَزارِعَكم ومَواشِيَكم وهو عَلى ما قِيلَ أبْلَغُ مِن سَقَيْناكم لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى جَعْلِ الماءِ مُعَدًّا لَهم يَنْتَفِعُونَ بِهِ مَتّى شاؤُوا، وقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ أسْقى وسَقى غَيْرُ واحِدٍ فَقَدْ قالَ الأزْهَرِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ ما كانَ مِن بُطُونِ الأنْعامِ أوْ مِنَ السَّماءِ أوْ مِن نَهْرٍ جارٍ أسْقَيْتُهُ أيْ جَعَلْتُ شُرْبًا لَهُ وجَعَلْتُ لَهُ مِنهُ مَسْقًى فَإذا كانَ لِلشَّفَةِ قالُوا سَقى ولَمْ يَقُولُوا أسْقى، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ سَقَيْتُهُ حَتّى رُوِيَ وأسْقَيْتُهُ نَهْرًا جَعَلْتُهُ شُرْبًا لَهُ، ورُبَّما اسْتَعْمَلُوا سَقى بِلا هَمْزَةٍ كَأسْقى كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ يَصِفُ سَحابًا:

أقُولُ وصَوْتُهُ …

23

وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْىِۦ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَٰرِثُونَ

And indeed, it is We who give life and cause death, and We are the Inheritor.

﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي﴾ بِإيجادِ الحَياةِ في بَعْضِ الأجْسامِ القابِلَةِ لَها ﴿ونُمِيتُ﴾ بِإزالَتِها عَنْها فالحَياةُ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ وهي كَما قِيلَ صِفَةٌ تَقْتَضِي الحِسَّ والحَرَكَةَ الإرادِيَّةَ والمَوْتُ زَوالُ تِلْكَ الصِّفَةِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ تَضادُّ الحَياةَ لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ﴾ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُ ذَلِكَ، وقَدْ يُعَمَّمُ الإحْياءُ والإماتَةُ بِحَيْثُ يَشْمَلُ الحَيَوانَ والنَّباتَ مِثْلَ أنْ يُقالَ: المُرادُ إعْطاءُ قُوَّةِ النَّماءِ وسَلْبُها، وتَقْدِيمُ الضَّمِيرِ لِلْحَصْرِ، وهو إمّا تَوْكِيدٌ لِلْأوَّلِ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ والمَجْمُوعُ خَبَرٌ لِإنّا، وجُوِّزَ كَوْنُهُ ضَمِيرَ فَصْلٍ ورَدَّهُ أبُو البَقاءِ بِوَجْهَيْنِ أحَدُهُما أنَّهُ لا يَدْخُلُ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ والثّانِي أنَّ اللّامَ لا تَدْخُلُ عَلَيْهِ، وتُعِقِّبَ ذَلِكَ في الدُّرِّ المَصُونِ بِأنَّ الثّانِي غَلَطٌ فَإنَّهُ ورَدَ دُخُولُ اللّامِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾ ودُخُولُهُ عَلى المُضارِعِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ الجُرْجانِيُّ وبَعْضُ النُّحاةِ، وجَعَلُوا مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ ولَعَلَّ ذَلِكَ المُجَوَّزُ مِمَّنْ يَرى هَذا الرَّأْيَ والعَجَبَ مِن أبِي البَقاءِ فَإنَّهُ رَدَّ ذَلِكَ هُنا وجَوَّزَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَكْرُ أُولَئِكَ هو يَبُورُ﴾ كَما نَقَلَهُ في المُغْنِي.

﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيِ الباقُونَ بَعْدَ فَناءِ الخَلْقِ قاطِبَةً المالِكُونَ لِلْمُلْكِ عِنْدَ انْقِضاءِ زَمانِ المُلْكِ المَجازِيِّ، الحاكِمُونَ في الكُلِّ أوَّلًا وآخِرًا أوْ لَيْسَ لِأحَدٍ إلّا التَّصَرُّفُ الصُّورِيُّ والمُلْكُ المَجازِيُّ وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُتَأخِّرَ لَيْسَ بِوارِثٍ لِلْمُتَقَدِّمِ كَما يَتَراءى مِن ظاهِرِ الحالِ، وتَفْسِيرُ الوارِثِ بِالباقِي مَرْوِيٌّ عَنْ سُفْيانَ وغَيْرِهِ، وفُسِّرَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««اللَّهُمَّ مَتِّعْنا بِأسْماعِنا وأبْصارِنا وقُوَّتِنا ما أحْيَيْتَنا واجْعَلْهُ الوارِثَ مِنّا»».

وهُوَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ

24

وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَـْٔخِرِينَ

And We have already known the preceding [generations] among you, and We have already known the later [ones to come].

﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ﴾ مَن ماتَ ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ بَعْدُ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ المُسْتَقْدِمِينَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَضى مِن ذُرِّيَّتِهِ والمُسْتَأْخِرِينَ مَن في أصْلابِ الرِّجالِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ، وعَنْ مُجاهِدٍ المُسْتَقْدِمِينَ مَن مَضى مِنَ الأُمَمِ (والمُسْتَأْخِرِينَ) أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا ومَن تَأخَّرَ كَذَلِكَ مُطْلَقًا وهو مِنَ المُناسَبَةِ بِمَكانٍ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: مَن سَبَقَ إلى الطّاعَةِ ومَن تَأخَّرَ فِيها، ورُوِيَ عَنْ مُعْتَمِرٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنا أنَّ الآيَةَ في القِتالِ فَحَدَّثْتُ أبِي فَقالَ: لَقَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ أنْ يُفْرَضَ القِتالُ، فَعَلى هَذا أخْذُ الجِهادِ في عُمُومِ الطّاعَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، عَلى أنَّهُ لَيْسَ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ بِالمُسْتَقْدِمِينَ والمُسْتَأْخِرِينَ فِيها كَمالُ مُناسَبَةٍ، والمُرادُ مِن عِلْمِهِ تَعالى بِهَؤُلاءِ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِأحْوالِهِمْ، والآيَةُ لِبَيانِ كَمالِ عِلْمِهِ جَلَّ وعَلا بَعْدَ الِاحْتِجاجِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى فَإنَّ ما يَدُلُّ عَلَيْها دَلِيلٌ عَلَيْهِ ضَرُورَةٌ أنَّ القادِرَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا بُدَّ مِن عِلْمِهِ بِما يَصْنَعُهُ وفي تَكْرِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا﴾ ما لا يَخْفى مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّأْكِيدِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ. وجَماعَةٌ مِن طَرِيقِ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ تُصْلِي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَسْناءُ مِن أحْسَنِ النّاسِ فَكانَ بَعْضُ القَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطَيْهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ،» وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الجَوْزاءِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم في الصُّفُوفِ في الصَّلاةِ ولَمْ يَذْكُرْ مِن حَدِيثِ المَرْأةِ شَيْئًا، قالالتِّرْمِذِيُّ: هَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أصَحَّ، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: «حَرَّضَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى

صفحة 33

عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى الصَّفِّ الأوَّلِ في الصَّلاةِ فازْدَحَمَ النّاسُ عَلَيْهِ وكانَ بَنُو عَذِرَةَ دُورَهم قاصِيَةً عَنِ المَسْجِدِ فَقالُوا: نَبِيعُ دُورَنا ونَشْتَرِي دُورًا قَرِيبَةً مِنَ المَسْجِدِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ،» وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُهُمْ:

الأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ أيْ عَلِمْنا مَنِ اتَّصَفَ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ في الوِلادَةِ والمَوْتِ والإسْلامِ وصُفُوفِ الصَّلاةِ وغَيْرِ ذَلِكَ

25

وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ

And indeed, your Lord will gather them; indeed, He is Wise and Knowing.

﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ لِلْجَزاءِ، وتَوْسِيطُ الضَّمِيرِ قِيلَ لِلْحَصْرِ أيْ هو سُبْحانَهُ يَحْشُرُهم لا غَيْرَ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ في مِثْلِ ذَلِكَ يَكُونُ الفِعْلُ مُسَلَّمَ الثُّبُوتِ والنِّزاعِ في الفاعِلِ وهاهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ فالوَجْهُ جَعْلُهُ لِإفادَةِ التَّقْوى. وتُعِقِّبَ بِأنَّ هَذا في القَصْرِ الحَقِيقِيِّ غَيْرُ مُسَلَّمٍ وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِإنَّ لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ والتَّنْبِيهُ عَلى ما سَبَقَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الحُكْمِ، وفي الِالتِفاتِ والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ إشْعارٌ بِعِلَّتِهِ، وفي الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ دَلالَةٌ عَلى اللُّطْفِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وقَرَأ الأعْمَشُ «يَحْشِرُهُمْ» بِكَسْرِ الشِّينِ ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ﴾ بالِغُ الحِكْمَةِ مُتْقِنٌ في أفْعالِهِ. والحِكْمَةُ عِنْدَهم عِبارَةٌ عَنِ العِلْمِ بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ والإتْيانُ بِالأفْعالِ عَلى ما يَنْبَغِي ﴿عَلِيمٌ﴾ وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ وصْفِ الحِكْمَةِ لِلْإيذانِ بِاقْتِضائِها لِلْحَشْرِ والجَزاءِ، وقَدْ نَصَّ بَعْضُهم عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنِفَةٌ لِلتَّعْلِيلِ

26

وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِن صَلْصَٰلٍۢ مِّنْ حَمَإٍۢ مَّسْنُونٍۢ

And We did certainly create man out of clay from an altered black mud.

﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ أيْ هَذا النَّوْعَ بِأنْ خَلَقْنا أصْلَهُ وأوَّلَ فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ خَلْقًا بَدِيعًا مُنْطَوِيًا عَلى خَلْقِ سائِرِ أفْرادِهِ انْطِواءً إجْمالِيًّا.

﴿مِن صَلْصالٍ﴾ أيْ طِينٍ يابِسٍ يُصَلْصِلُ أيْ يُصَوِّتُ إذا نُقِرَ. أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ونَقَلَهُ في الدُّرِّ المَصُونِ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ ونَقَلَ عَنْهُ أبُو حَيّانَ أنَّهُ قالَ: هو الطِّينُ المَخْلُوطُ بِالرَّمْلِ وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ الطِّينُ المُرَقَّقُ الَّذِي يُصْنَعُ مِنهُ الفَخّارُ، وفي أُخْرى نَحْوُ الأوَّلِ، وقِيلَ: هو مِن صَلْصَلَ إذْ أُنْتِنَ تَضْعِيفُ صَلَّ يُقالُ: صَلَّ اللَّحْمُ وأصَلَ إذا أُنْتِنَ وهَذا النَّوْعُ مِنَ المُضَعَّفِ مَصْدَرٌ يُفْتَحُ أوَّلُهُ ويُكْسَرُ كالزِّلْزالِ ووَزْنُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ فَعِلالٌ، وقالَ الفَرّاءُ وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ فَعْفَعَ كُرِّرَتِ الفاءُ والعَيْنُ ولا لامَ، وغَلَطُهم في الدُّرِّ المَصُونِ لِأنَّ أقَلَّ الأُصُولِ ثَلاثَةٌ فاءٌ وعَيْنٌ ولامٌ، وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ: فَعْفَلٌ ونُسِبَ أيْضًا إلى الفَرّاءِ بَلْ قِيلَ هو المَشْهُورُ عَنْهُ، وعَنْ بَعْضٍ آخَرَ مِنَ الكُوفِيِّينَ أنَّ وزْنَهُ فَعَّلٌ بِتَشْدِيدِ العَيْنِ والأصْلُ صَلَّلَ مَثَلًا فَلَمّا اجْتَمَعَ ثَلاثَةُ أمْثالٍ أُبْدِلَ الثّانِي مِن جِنْسِ الفاءِ، وخَصَّ بَعْضُهم هَذا الخِلافَ بِما إذا لَمْ يَخْتَلَّ المَعْنى بِسُقُوطِ الثّالِثِ كَلَمْلَمَ وكَبْكَبَ فَإنَّكَ تَقُولُ لَمَّ وكَبَّ فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ المَعْنى بِسُقُوطِهِ نَحْوَ سَمْسَمَ فَلا خِلافَ في أصالَةِ الجَمِيعِ، وقالَ اليَمَنِيُّ: لَيْسَ مَعْنى قَوْلِهِمْ: إنَّ الأصْلَ صَلَّلَ أنَّهُ زِيدَ فِيهِ صادٌ بَلْ هو رُباعِيٌّ كَزَلْزَلَ والِاشْتِراكُ في أصْلِ المَعْنى لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مِنهُ إذِ الدَّلِيلُ دالٌّ عَلى أنَّ الفاءَ لا تُزادُ لَكِنَّ زِيادَةَ الحَرْفِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى، وذُكِرَ في البَحْرِ أنَّ (صَلْصالَ) بِمَعْنى مُصَلْصِلٍ كالقِضاضِ بِمَعْنى المُقَضْقَضِ فَهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الوَصْفِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ.

﴿مِن حَمَإٍ﴾ مِن طِينٍ تَغَيَّرَ واسْوَدَّ مِن مُجاوَرَةِ الماءِ ويُقالُ لِلْواحِدَةِ حَمْأةٌ، قالَ اللَّيْثُ: بِتَحْرِيكِ المِيمِ ووَهِمَ في ذَلِكَ وقالُوا: لا نَعْرِفُ الحَمْأةَ في كَلامِ العَرَبِ إلّا ساكِنَةَ المِيمِ وعَلى هَذا أبُو عُبَيْدَةَ والأكْثَرُونَ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِصَلْصالٍ كَما هو السُّنَّةُ الشّائِعَةُ في الجارِّ والمَجْرُورِ بَعْدَ النَّكِرَةِ أيْ مِن صَلْصالٍ كائِنٍ مِن حَمَإ، وقالَ الحَوْفِيُّ: هو بَدَلٌ مِمّا قَبْلَهُ بِإعادَةِ الجارِّ فَكَأنَّهُ قِيلَ خَلَقْناهُ مِن حَمَإٍ ﴿مَسْنُونٍ﴾

صفحة 34

أيْ مُصَوَّرٍ مِن سَنَةِ الوَجْهِ وهي صُورَتُهُ، وأنْشَدَ لِذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ قَوْلَ عَمِّهِ حَمْزَةَ يُمْدَحُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ:

أغَرُّ كَأنَّ البَدْرَ سَنَةُ وجْهِهِ جَلا الغَيْمَ عَنْهُ ضَوْؤُهُ فَتَبَدَّدا

وأنْشَدَ غَيْرُهُ قَوْلَ ذِي الرُّمَّةِ:

تُرِيكَ سَنَةَ وجْهِ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ ∗∗∗ مَلْساءَ لَيْسَ بِها خالٌ ولا نَدْبُ

أوْ مَصْبُوبٌ مِن سَنَّ الماءَ صَبَّهُ ويُقالُ شَنَّ بِالشِّينِ أيْضًا أيْ مُفَرَّغٌ عَلى هَيْئَةِ الإنْسانِ كَما تُفَرَّغُ الصُّوَرُ مِنَ الجَواهِرِ المُذابَةِ في القَوالِبِ، وقالَ قَتادَةُ ومَعْمَرٌ: المَسْنُونُ المُنْتِنُ، قِيلَ: وهو مِن سَنَنْتُ الحَجَرَ عَلى الحَجَرِ إذا حَكَكْتَهُ بِهِ فالَّذِي يَسِيلُ بَيْنَهُما سَنِينٌ ولا يَكُونُ إلّا …

27

وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَٰهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ

And the jinn We created before from scorching fire.

﴿والجانَّ﴾ هو أبُو الجِنِّ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ويُجْمَعُ عَلى جِنانٍ كَحائِطٍ وحِيطانٍ وراعٍ ورِعْيانٍ قالَهُ الطَّبَرْسِيُّ، وقِيلَ: هو إبْلِيسُ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ لَكِنْ في الدُّرِّ المَصُونِ أنَّهُ هو أبُو الجِنِّ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو اسْمٌ لِجِنْسِ الجِنِّ وتَشَعُّبُ الجِنْسِ لَمّا كانَ مِن فَرْدٍ واحِدٍ مَخْلُوقٍ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ كانَ الجِنْسُ مَخْلُوقًا مِنها.

وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ «والجَأْنَ» بِالهَمْزِ وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ﴿خَلَقْناهُ﴾ وهو هُنا أقْوى مِنَ الرَّفْعِ لِلْعَطْفِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ خَلْقِ الإنْسانِ، قِيلَ: ومِن هُنا يَظْهَرُ جَوازُ كَوْنِ الرَّمادِ بِالمُسْتَقْدِمِينَ أحَدَ الثَّقَلَيْنِ وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الآخَرَ والخِطابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( مِنكم ) لِلْكُلِّ وهو بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ.

﴿مِن نارِ السَّمُومِ﴾ أيِ الرِّيحِ الحارَّةِ الَّتِي تَقْتُلُ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأكْثَرُ ما تَهَبُّ في النَّهارِ وقَدْ تَهَبُّ لَيْلًا. وسُمِّيَتْ سَمُومًا لِأنَّها بِلُطْفِها تَنْفُذُ في مَسامِّ البَدَنِ ومِنهُ السُّمُّ القاتِلُ، ويُقالُ: سَمَّ يَوْمُنا يَسِمُّ إذا هَبَّتْ فِيهِ تِلْكَ الرِّيحُ، وقِيلَ: السَّمُومُ نارٌ لا دُخانَ لَها ومِنها تَكَوُنُ الصَّواعِقُ، ورَوى ذَلِكَ أبُو رَوْقٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فالإضافَةُ مِن إضافَةِ العامِّ إلى الخاصِّ، وقِيلَ: السَّمُومُ إفْراطُ الحَرِّ والإضافَةُ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، والمُرادُ مِنَ النّارِ المُفْرِطَةِ الحَرارَةُ، وقَدْ جاءَ في بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ النّارَ الَّتِي خُلِقَ مِنها الجانُّ أشَدُّ حَرارَةً مِنَ النّارِ المَعْرُوفَةِ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««رُؤْيا المُسْلِمِ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ وهَذِهِ النّارُ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ السَّمُومِ الَّتِي خُلِقَ مِنها الجانُّ وتَلا

صفحة 35

عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الآيَةَ»» واسْتُشْكِلَ الخَلْقُ مِنَ النّارِ بِأنَّهُ كَيْفَ تُخْلَقُ الحَياةُ فِيها وهي بَسِيطَةٌ لَيْسَتْ مُتَرَكِّبَةً مِن أجْزاءٍ مُخْتَلِفَةِ الطَّبْعِ والحَياةُ كالمَزاجِ لا تَكُونُ إلّا في المُرَكَّباتِ وقَدِ اشْتَرَطَ الحُكَماءُ فِيها البِنْيَةَ المُرَكَّبَةَ.

وأُجِيبَ بِمَنعِ ذَلِكَ لِأنَّها إذا خُلِقَتْ في المُجَرَّداتِ كالمَلائِكَةِ عَلى قَوْلٍ والعُقُولُ الَّتِي أثْبَتَها الفَلاسِفَةُ فَبِالطَّرِيقِ الأوْلى البَسائِطُ بَلْ لا مانِعَ أيْضًا أنْ تُخْلَقَ في الأجْزاءِ الفَرْدَةِ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ اشْتَرَطُوا البِنْيَةَ المُرَكَّبَةَ مِنَ الجَواهِرِ ولَيْسَ لَهم سِوى شُبَهٍ أوْهَنَ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ عَلى أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وارِدٍ رَأْسًا لِأنَّ مَعْنى كَوْنِ الجِنِّ مَخْلُوقَةً مِن نارٍ أنَّها الجُزْءُ الأعْظَمُ الغالِبُ عَلَيْها كالتُّرابِ في الإنْسانِ فَلَيْسَتْ بَسِيطَةً، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الجِنَّ أجْسامٌ هَوائِيَّةٌ أوْ نارِيَّةٌ بِمَعْنى أنَّهم يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وهم مُرَكَّبُونَ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ كالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى قَوْلٍ.

ثُمَّ إنَّ النَّقْلَ الظّاهِرَ عَنْ أكْثَرِ الفَلاسِفَةِ إنْكارُ الجِنِّ ولَيْسَ ذَلِكَ مَذْهَبَ جَمِيعِهِمْ فَقَدْ ذَهَبَ جَمْعٌ عَظِيمٌ مِن قُدَمائِهِمْ إلى وُجُودِهِمْ وهو مَذْهَبُ جُمْهُورِ أرْبابِ المِلَلِ وأصْحابِ الرَّوْحانِيّاتِ ويُسَمُّونَهم بِالأرْواحِ السُّفْلِيَّةِ وزَعَمُوا أنَّهم أسْرَعُ إجابَةٍ مِنَ …

28

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى خَٰلِقٌۢ بَشَرًۭا مِّن صَلْصَٰلٍۢ مِّنْ حَمَإٍۢ مَّسْنُونٍۢ

And [mention, O Muhammad], when your Lord said to the angels, "I will create a human being out of clay from an altered black mud.

﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ﴾ نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ، وتَذْكِيرُ الوَقْتِ لِما مَرَّ مِرارًا مِن أنَّهُ أُدْخِلَ في تَذْكِيرِ ما وقَعَ فِيهِ، وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إشْعارٌ بِعِلَّةِ الحُكْمِ وتَشْرِيفٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيِ اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِمُ مَلائِكَةُ السَّماءِ والأرْضِ، وزَعَمَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ أنَّ المُرادَ بِهِمْ مَلائِكَةُ الأرْضِ ولا دَلِيلَ لَهُ عَلَيْهِ ﴿إنِّي خالِقٌ﴾ فِيما سَيَأْتِي وفِيهِ ما لَيْسَ في صِيغَةِ المُضارِعِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى فاعِلٌ لِذَلِكَ البَتَّةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ ولا عاطِفٍ ﴿بَشَرًا﴾ أيْ إنْسانًا، وعَبَّرَ بِهِ عَنْهُ اعْتِبارًا بِظُهُورِ بَشْرَتِهِ وهي ظاهِرُ الجِلْدِ عَكْسَ الأدَمَةِ خِلافًا لِأبِي زَيْدٍ حَيْثُ عَكَسَ وغَلَّطَهُ في ذَلِكَ أبُو العَبّاسٍ وغَيْرُهُ مِنَ الصُّوفِ والوَبَرِ ونَحْوِهِما، ولِبَعْضِ أكابِرِ الصُّوفِيَّةِ وجْهٌ آخَرُ في التَّسْمِيَةِ سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في بابِ الإشارَةِ، ويَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ.

وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّهُ جاءَ جَمْعُ البَشَرَةِ بَشَرًا وأبْشارًا، وقِيلَ: أُرِيدَ جِسْمًا كَثِيفًا يُلاقِي ويُباشِرُ أوْ جِسْمًا بادِيَ البَشْرَةِ ولَمْ يُرَدْ إنْسانًا وإنْ كانَ هو إيّاهُ في الواقِعِ، وبَعْضُ مَن قالَ إنَّهُ المُرادُ قالَ: لَيْسَ هَذا صِيغَةَ عَيْنِ الحادِثَةِ وقْتَ الخِطابِ بَلِ الظّاهِرُ أنْ يَكُونَ قَدْ قِيلَ لَهُمْ: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ ولَكِنِ اقْتُصِرَ عِنْدَ الحِكايَةِ عَلى الِاسْمِ ( مِن صَلْصالٍ ) مُتَعَلِّقٌ- بِ”خالِقٌ“- أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً (بَشَرًا مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وإعْرابُهُ فَتَذَكَّرْ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ

29

فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَٰجِدِينَ

And when I have proportioned him and breathed into him of My [created] soul, then fall down to him in prostration."

﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾ فَعَلْتُ فِيهِ ما يَصِيرُ بِهِ مُسْتَوِيًا مُعْتَدِلًا مُسْتَعِدًّا لِفَيَضانِ الرُّوحِ وقِيلَ: صَوَّرْتُهُ بِالصُّوَرِ الإنْسانِيَّةِ والخِلْقَةِ البَشَرِيَّةِ ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ النَّفْخُ في العُرْفِ إجْراءُ الرِّيحِ مِنَ الفَمِ أوْ غَيْرِهِ في تَجْوِيفِ جِسْمٍ صالِحٍ لِإمْساكِها والِامْتِلاءِ بِها، والمُرادُ هُنا تَمْثِيلُ إفاضَةِ ما بِهِ الحَياةُ بِالفِعْلِ عَلى المادَّةِ القابِلَةِ لَها ولَيْسَ هُناكَ نَفْخٌ حَقِيقَةً.

وقالَ حُجَّةَ الإسْلامِ: عُبِّرَ بِالنَّفْخِ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لِاشْتِعالِ فَتِيلَةِ القابِلِ مِنَ الطِّينِ الَّذِي تَعاقَبَتْ عَلَيْهِ الأطْوارُ حَتّى اعْتَدَلَ واسْتَوى واسْتَعَدَّ اسْتِعْدادًا تامًّا بِنُورِ الرُّوحِ كَما يَكُونُ سَبَبًا لِاشْتِعالِ الحَطَبِ القابِلِ

صفحة 37

مَثَلًا بِالنّارِ عَنْ نَتِيجَتِهِ ومُسَبِّبِهِ وهو ذَلِكَ الِاشْتِعالُ. وقَدْ يُكَنّى بِالسَّبَبِ عَنِ الفِعْلِ المُسْتَفادِ الَّذِي يَحْصُلُ مِنهُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ وإنْ لَمْ يَكُنِ الفِعْلُ المُسْتَفادُ عَلى صُورَةِ الفِعْلِ المُسْتَفادِ مِنهُ. ثُمَّ هَذا الرُّوحُ عِنْدَهُ وكَذا عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ لَيْسَ بِجِسْمٍ يَحِلُّ البَدَنُ حُلُولَ الماءِ في الإناءِ مَثَلًا، ولا هو عَرَضٌ يَحِلُّ القَلْبَ أوِ الدِّماغَ حُلُولَ السَّوادِ في الأسْوَدِ والعِلْمِ في العالِمِ بَلْ هو جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ لَيْسَ داخِلَ البَدَنِ ولا خارِجَهُ ولا مُتَّصِلًا بِهِ ولا مُنْفَصِلًا عَنْهُ، ولَهم عَلى ذَلِكَ عِدَّةُ أدِلَّةٍ.

الدَّلِيلُ الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ يُمْكِنُهُ إدْراكُ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ وذَلِكَ بِارْتِسامِ صُوَرِ المُدْرَكاتِ في المُدْرَكِ فَمَحَلُّ تِلْكَ الصُّوَرِ إنْ كانَ جِسْمًا فَإمّا أنْ يَحُلَّ غَيْرَ مُنْقَسِمٍ أوْ مُنْقَسِمًا، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّ الَّذِي لا يَنْقَسِمُ مِنَ الجِسْمِ طَرَفٌ نُقَطِيٌّ والنُّقْطَةُ تَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِلصُّوَرِ العَقْلِيَّةِ لِأنَّها مِمّا لا يَعْقِلُ حُصُولُ المَزاجِ لَها حَتّى يَخْتَلِفَ حالُ اسْتِعْدادِها في القابِلِيَّةِ وعَدَمِها بَلْ إنْ كانَتْ قابِلَةً لِلصُّوَرِ المَذْكُورَةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ القَبُولُ حاصِلًا أبَدًا ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ المَقْبُولُ حاصِلًا أبَدًا لِما أنَّ المَبادِئَ الفَعّالَةَ المُفارِقَةَ عامَّةُ الفَيْضِ فَلا يَتَخَصَّصُ إلّا لِاخْتِلافِ أحْوالِ القَوابِلِ فَلَوْ كانَ القابِلُ تامَّ الِاسْتِعْدادِ لَكانَ المَقْبُولُ واجِبَ الحُصُولِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ جَمِيعُ الأجْسامِ ذَواتَ النُّقَطِ عاقِلَةً، ويَجِبُ أيْضًا أنْ يَبْقى البَدَنُ بَعْدَ المَوْتِ عاقِلًا لِبَقاءِ مَحَلِّ الصُّوَرِ عَلى اسْتِعْدادِهِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، والثّانِي أيْضًا مُحالٌ لِأنَّ الحالَ في المُنْقَسِمِ مُنْقَسِمٌ فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الصُّورَةُ مُنْقَسِمَةً أبَدًا وذَلِكَ مُحالٌ لِوُجُوهٍ مُقَرَّرَةٍ فِيما بَيْنَهم.

الدَّلِيلُ الثّانِي: ما عَوَّلَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ وزَعَمَ أنَّهُ أجَلُّ ما عِنْدَهُ في هَذا البابِ وهو أنَّهُ يُمْكِنُنا أنْ نَعْقِلَ ذَواتَنا وكُلُّ مَن عَقَلَ ذاتًا فَلَهُ ماهِيَّةُ ذَلِكَ الذّاتِ فَإذًا لَنا ماهِيَّةُ ذاتِنا فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ تَعَقُّلُنا لِذاتِنا لِأجْلِ صُورَةٍ أُخْرى مُساوِيَةٍ لَها تَحْصُلُ فِيها وإمّا أنْ لا يَكُونَ بَلْ لِأجْلِ أنَّ نَفْسَها حاضِرَةٌ لَها، والأوَّلُ مُحالٌ لِأنَّهُ يُفْضِي إلى الجَمْعِ بَيْنَ المِثْلَيْنِ فَتَعَيَّنَ الثّانِي، وكُلُّ ما ذاتَهُ حاصِلٌ لِذاتِهِ كانَ قائِمًا بِذاتِهِ، فَإذَنِ القُوَّةُ العاقِلَةُ وهي الرُّوحُ والنَّفْسُ النّاطِقَةُ قائِمَةً …

30

فَسَجَدَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ

So the angels prostrated - all of them entirely,

﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ﴾ أيْ فَخَلَقَهُ فَسَوّاهُ فَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ فَسَجَدَ لَهُ المَلائِكَةُ ﴿كُلُّهُمْ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يَشِذَّ مِنهم أحَدٌ ﴿أجْمَعُونَ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يَتَأخَّرْ في ذَلِكَ أحَدٌ مِنهم عَنْ أحَدٍ بَلْ أوْقَعُوا الفِعْلَ مُجْتَمِعِينَ في وقْتٍ واحِدٍ، هَذا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ مِن دَلالَةِ أجْمَعِينَ عَلى الِاجْتِماعِ في وقْتِ الفِعْلِ، وقالَ البَصْرِيُّونَ: إنَّها كَكُلٍّ لِإفادَةِ العُمُومِ مُطْلَقًا.

ومِن هُنا مُنِعَ تَعاطُفُهُما فَلا يُقالُ جاءَ القَوْمٌ كُلُّهم وأجْمَعُونَ ورُدُّوا عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ: ﴿لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ لِظُهُورِ أنْ لا اجْتِماعَ هُناكَ. ورَدُّهُ في الكَشْفِ بِأنَّ الِاشْتِقاقَ مِنَ الجَمْعِ يَقْتَضِيهِ لِأنَّهُ يَنْصَرِفُ إلى أكْمَلِ الأحْوالِ فَإذا فَهِمْتَ الإحاطَةَ مَن لَفْظٍ آخَرَ وهو كُلٌّ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن كَوْنِهِ في وقْتٍ واحِدٍ وإلّا كانَ لَغْوًا، والرَّدُّ بِالآيَةِ مَنشَؤُهُ عَدَمُ تَصَوُّرِ وجْهِ الدَّلالَةِ، ومِنهُ يُعْلَمُ وجْهُ فَسادِ النَّظَرِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانَ حالًا لا تَأْكِيدًا، فالحَقُّ في المَسْألَةِ مَعَ الفَرّاءِ والمُبَرِّدِ وذَلِكَ هو المُوافِقُ لِبَلاغَةِ التَّنْزِيلِ، وزَعَمَ البَصْرِيُّونَ أنَّهُ إنَّما أُكِّدَ بِتَأْكِيدَيْنِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعْمِيمِ ومَنعِ التَّخْصِيصِ.

وزَعَمَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ لا يُؤَكَّدُ بِأجْمَعَ دُونَ كُلٍّ اخْتِيارًا والمُخْتارُ وفاقًا لِأبِي حَيّانَ جَوازُهُ لِكَثْرَةِ وُرُودِهِ

صفحة 46

فِي الفَصِيحِ فَفي القُرْآنِ عِدَّةُ آياتٍ مِن ذَلِكَ وفي الصَّحِيحِ ««فَلَهُ سَلَبُهُ أجْمَعَ فَصَلُّوا جُلُوسًا أجْمَعُونَ»».

ولَعَلَّ مَنشَأ الزَّعْمِ وُجُوبُ تَقْدِيمِ كُلٍّ عِنْدَ الِاجْتِماعِ، ويَرُدُّهُ أنَّ النَّفْسَ يَجِبُ تَقْدِيمُها عَلى العَيْنِ إذا اجْتَمَعا مَعَ جَوازِ التَّأْكِيدِ بِالعَيْنِ عَلى الِانْفِرادِ، وما ذَكَرُوهُ مِن وُجُوبِ تَقْدِيمِ كُلٍّ إنَّما هو بِناءٌ عَلى ما عَلِمْتَ مِنَ الحَقِّ لِرِعايَةِ البَساطَةِ والتَّرْكِيبِ هَذا. ثُمَّ إنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في تَحْقِيقِ أنَّ سُجُودَهم هَذا هَلْ تَرَتَّبَ عَلى ما حُكِيَ مِنَ الأمْرِ التَّعْلِيقِيِّ كَما يَقْتَضِيهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أوْ عَلى الأمْرِ التَّنْجِيزِيِّ كَما يَسْتَدْعِيهِ بَعْضُ الآياتِ فَتَذَكَّرْ.

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.